islamaumaroc

أوليات الإعلام الإسلامي

  دعوة الحق

155 العدد

(1) الالتزام بالإسـلام :
ما لم يلتزم الإعلام بالإسلام كلية، فلا يمكن بتاتا أن يمت إلا الإسلام بصلة. ذلك أن أي جهاز إعلامي لا يعتمد الإسلام أسلوبا ومقياسا هو قطعا بعيد عن أن يكون جهازا إعلاميا إسلاميا.
وكما لا تقبل أنصاف الحلول في مسائل العقيدة، فلا يمكن أن يكون المرء مؤمنا بعقيدة « نصف إيمان»، أو كافرا بها « نصف كفر»، فكذلك فيما يتعلق بالتوجيه والدعوة المتبلورتين في الصحافة، أو الإعلام بمعنى أوسع وأشمل.
وما دام هذا الدين عقيدة وفكرة ومنهج حياة ودستورا وأسلوبا وصراطا مستقيما، فأي اتجاه إلى الانحراف عن خطه الرحب هو ضرب من الكفر والفسوق والارتداد لا محالة.
وتلك بديهية مسلم بها، يقرها العقل السليم والفكرة السوية.
يقول الأستاذ عبد الله كنون (1): « إن الإسلام لا يقبل المزاحمة، فأما عقيدة إسلامية، وشريعة إسلامية، وأخلاق إسلامية في دولة إسلامية تحمي هذه القيم من النزيف والتحريف، وأما هذه الفوضى، والتمزق الذي يعيش فيه المسلمون، ويدمغهم بالخنوع والاستسلام، فما ينهضون من نكسة إلا ليقعوا عن نكسة أعظم».
وانطلاقا من قناعة راسخة بحتمية الدعوة إلى الله، يكون الالتزام بالإسلام عقيدة ومنهجا، أمرا مؤكدا لا محيص عنه، وواجبا مقدسا يملك على الداعية أقطار نفسه، ويطوق عنقه بما لا سيبل إلى الفكاك منه إلا بالنهوض به على الوجه المرغوب فيه.
وهكذا يكون « من المسلم به أن إعلاما فاسدا منحرفا لن ينشئ إلا فردا فاسدا منحرفا، ولذلك لا ينبغي أن نعول على أعلام لا هوية له، ولا هدف محدد له، ولا مميزات تعكس أصالة الأمة الإسلامية ونصاعة عقيدتها ..» (2)
فمن الأوليات الملحة- إذن- للإعلام الإسلامي، الالتزام الكامل بالإسلام واعتماده أسلوبا للمعالجة ومقياسا للنقد.
وليس من شك أن اخذ أجهزة الإعلام الحديثة بهذا الأسلوب كفيل بأن يخلق مناخا اسلاميا تنتعش فيه الحياة الإسلامية.
ولذلك، فإن الإعلام المعاصر جاهلي ومنحرف وفاسد، لأنه لم يلتزم بالإسلام كلية، بل تنحى عن سبيل الإسلام تنحيا ظاهرا يتم عن انحراف في طباع القائمين عليه وحقد دفين في قلوبهم على الإسلام والمسلمين.
وتلك سمة بارزة للجاهلية الحديثة، ما في ذلك شك.
ومن القضايا المعقدة التي تفرض نفسها في سياق الحديث  عن التزام الإعلام المعاصر بالإسلام قضية الرقابة بمفهومها الشامل الجامع.
وحينما يتعلق الأمر بتوجيه الأمة إلى جادة الصواب، وهداية الناس إلى سبيل الخير، فلا يبقى هناك مجال للشك في جدوى الرقابة على ما ينشر ويذاع، بل ضرورتها وحتميتها ! صونا للإفهام من التذبذب والشطط، وصدا لتيارات التشكيك والتضليل، وتمكينا للعقول من الإيمان والاعتقاد، وتفويتا للفرص على المغرضين وعملاء الفكر وسماسرة المذاهب المستوردة من تلامذة الاستعمار الشرقي والغربي على حد سواء.
وما دام الإعلام يشكل الرأي لعام ويصوغ المفاهيم وفق مقاييس معينة، وما دام الرأي العام يؤثر على سير دواليب الحياة في مجتمع ما، فمن المؤكد إذن إخضاع الإعلام لإشراف ومراقبة يتفاوتان بعدا وقربا.
والأمر سيان بين «الإعلام» و «التعليم» فكما أن الدولة تراقب مناهج التعليم وأساليبه في شتى مراحله من الحضانة إلى الجامعة، بما في ذلك «التعليم الحر» الذي يخضع أيضا لتفتيش الوزارة المعينة، وبما في ذلك أيضا «الكتاتيب القرآنية» بمستواها الضعيف في الغالب، فواجب الدولة إذن باعتبارها الحريصة على حماية مقومات الأمة وحامية حمى الدين والعلة، الإشراف بطريقة مباشرة – أو غير مباشرة على الأقل – على اتجاهات الإعلام بكل أجهزته المتعددة، ضبطا للتوجيه وإحكاما له. وهذا لا يتنافى بطبيعة الحال مع مبدأ حرية الرأي و «ديمقراطية» الإعلام.
فليس من حرية الرأي الطعن في الإسلام في بلد يدين أهله بالإسلام منذ أربعة عشر قرنا.
وليس من «ديمقراطية» الرأي والإعلام فتح المجال أمام الأفكار والمذاهب والإيديولوجيات المناهضة للإسلام.
والنتيجة، إذن، إخضاع الإعلام لرقابة تحفظ على الناس إيمانهم وأخلاقهم وتقاليدهم ومقومات كيانهم ووجودهم.
واعتقد جازما – وهذا رأي أدين به – أن هذا أفضل سبيل فرض الالتزام بالإسلام، وحمل أجهزة الإعلام على اعتماده أسلوبا ومقياسا.
وغني عن البيان أن التزام الإسلام إعلاميا، يعني بالضرورة الخروج من ضيق الجاهلية وجبروتها إلى سعة الإسلام ورحمته الواسعة، وبالتالي يمكن القول أن هذه خطوة أولى للالتزام بالإسلام في كل مرافق الحياة وميادينها.
                                         ــ * ــ
(2) الذود عن العقيدة :
وما دمنا متفقين على وجوب اعتبار الإعلام المعاصر أداة للدعوة إلى الإسلام ووسيلة لنشر الفكر الإسلامي في الآفاق، فلنتفق، تباعا لذلك، على ضرورة اعتماد هذه الوسيلة للذود عن العقيدة الإسلامية.
والحق أن الإعلام المعاصر – ولنتحدث بعض الشيء عن الإعلام في البلاد الإسلامية، وبما يلزم من الصراحة بعيد في القيام بالدور المنوط به من حيث تفوق الإعلام الجاهلي الصليبي واليهودي والشيوعي في القيام بدور خبيث وخطير في الآن نفسه. ولن نتحدث عن الأسباب المؤدية إلى هذا القصور، فهذه كلها تدخل في نطاق واحد : هو الكفر بالإسلام جملة وتفصيلا. وإنما سنحصر الحديث في دائرتين اثنتين
أ – مخططات أعداء الإسلام للانحراف عن الصراط المستقيم، وإغراء الناس، وبالأخص الشعوب الإسلامية، بالانحراف عن محجة الإسلام أولا وآخرا. الأمر الذي نتج عنه بالطبع انحراف الإعلام في البلاد الإسلامية وتقصيره في القيام بواجب الذود عن العقيدة المهددة المتآمر عليها من جهات متعددة.
وأكاد أعتقد أنه لم يذد «الإعلام الإسلامي» عن عقيدة الإسلام، فلا يستطيع أي جهاز آخر غيره الدفاع عنها، ذلك أننا لا نملك إرغام الناس على الإيمان بعقيدة ما، أو إجبارهم على تصحيح مفاهيمهم، ما داموا لم يقتنعوا اقتناعا ذاتيا ومباشرا، أن صح التعبير، بأحقية وصلاحية هذه العقيدة، وضرورة ووجوب هذا التصحيح. ومن هنا، من هذه الزاوية بالضبط تتضح الأهمية القصوى للإعلام في عصرنا الحاضر، وتتضح لنا معشر الدعاة الإسلاميين خطورة هذا الجهاز في مجال الدعوة إلى الله ونشر الفكر الإسلامي.
وجملة القول في هذا الصدد أننا نملك هداية الناس «إعلاميا» في الوقت الذي نعجز أو نكاد عن التأثير عليهم بأسلوب أو بطريقة أخرى غير إعلامية ولكتن ما كانت.
وهدا، ولا شك، يقضي بنا إلى تقرير الحقيقة التالية : ألا وهي ضرورة خلق إلام إسلامي.
وتلك حتمية ملحة، بل شديدة الإلحاح، لنجاح أي جهد في سبيل نشر الإسلام والذود عن عقيدته.
ب – تخلف الإعلام في البلاد الإسلامية من الناحية التقنية والفنية والمهنية. وهذا الواقع لا يدركه إلا العاملون في حقل الإعلام في البلاد العربية والإسلامية وفي البلاد المتخلفة بصفة عامة، الأمر الذي يؤثر تأثيرا مباشرا على مستوى المردود المعنوي للنشاط الإعلامي في هذا البلد أو ذاك عن البلدان المشار إليها.
ومن المؤكد أن إعلاما متخلفا تقنيا ومهنيا وفنيا لا يعطي أبدا نتائج مرضية. وإلى هذا يرجع سبب تقصير الإعلام في البلاد الإسلامية عن القيام بواجب الذود عن عقيدة الإسلام ذودا في مستوى التحدي الهائل الذي يواجهها باستمرار.
وإذا كانت الثقافة المعاصرة، على جاهليتها وانحرافاتها، ترتبط بالتقنية الحديثة، بمعنى امتزاج المادة بالفكر، وقيام النهضة العقلانية على أساس «مادي - فكري» فمن باب أولى أن يأخذ الإعلام الإسلامي بالاتجاهات والأساليب الفنية الحديثة والمتجددة في هذا المجال. ولعل من المناسب بالمقام التذكير «بوكالة الأنباء الإسلامية» التي انبثقت عن الأمانة العمة لمؤتمر القمة الإسلامي المنعقد بالمغرب بمبادرة طيبة ومشكورة من عاهل البلاد جلالة الحسن الثاني نصره الله سنة 1969. فعلى الرغم من انحصار نشاطها منذ إنشائها حتى الآن في ميادين محدودو، فإن الأمل معقود عليها للدفع بالإعلام الإسلامي إلى الامام اعتمادا على الإمكانيات التقنية الحديثة الهائلة التي تتوفر لهذه الوكالة.
وعودا على بدء، فإن تطويرا أجهزة الإعلام الإسلامي في البلاد الإسلامية، من الأوليات التي لا غنى لنا عنها، إذا كنا جادين في العمل للإسلام وهداية الناس إليه.
والإعلام القوي تقنيا وفنيا، هو وحده القادر على الاضطلاع بمهمة الذود عن رسالة الإسلام بالأسلوب المرتجى.
                                            ــ * ــ
(3) تربية جيل إسلامي :
الإعلام الملتزم بالإسلام، الذاد عن عقيدته، هو قطعا إعلام تربية وتوجيه، بل هو بالتأكيد أكثر الوسائل التربوية الحديثة تأثيرا على العقل والقلب والوجدان (3).
والنهضة المرتقبة التي سعى إليها المسلمون ويعملون من أجلها لن تقوم إلا على أساس تكوين جيل إسلامي وتربيته تربية إسلامية.
وإذا كانت مناهج الإعلام وبراميج التعليم المعاصرة في البلاد العربية والإسلامية تقصر في تكوين الإنسان المسلم وإعداده لخوض «معركة الحياة» أو الجهاد الأكبر بتعبير إسلامي، فإن الالتزام بالإسلام أولا،
وإنشاء أجهزة إعلام إسلامي على أسس تقنية حديثة ثانيا، كفيلان بتدارك النقص والضعف الملحوظين في مجالات التربية والتعليم بالخصوص.
واعتقد جازما أن جهازا إعلاميا إسلاميا واحدا قادر إلى  حد بعيد على إحداث تغيير جذري – وهو المنتظر – في المفاهيم والأفكار وأنماط السلوك وتقاليد وعادات المجتمع السائد.
وإذا كنا نتفق مبدئيا على أن مرجع فساد الحياة الاجتماعية في البلاد الإسلامية إلى التخريب الذي تمارسه أجهزة الإعلام الموجهة، توجيها غربيا أو شرقيا، فإن الاتفاق على وجوب الإصلاح بواسطة الإعلام يكون من باب أولى بطبيعة الحال.
وتكون النتيجة المستخلصة اعتماد الإعلام الإسلامي كأساس لتربية جيل إسلامي.
إن أوليات الإعلام الإسلامي، في مرحلتنا الراهنة متعددة ومتشعبة، وميادين العمل الإعلامي، في العالم الإسلامي، واسعة ورحبة. ومن المؤكد أن ثمة ثلاث مهام رئيسية تعطى لها الأولوية في هذه المرحلة، وهي حسبما تناولنا في هذا المقال :
1 – الالتزام بالإسلام أولا
2 – الذود عن العقيدة ثانيا
3 – تربية جيل إسلامي ثالثا.
وقد نتطرق في القريب – إن شاء الله – إلى مهام أخرى للإعلام الإسلامي.

1 ) فقرة من المحاضرة القيمة التي ألقاها الأستاذ كنون في الملتقى السادس للتعرف على الفكر الإسلامي بالجزائر صيف 1392. يراجع نص المحاضرة الكامل في العدد: 5- 6، السنة: 15، من هذه العجلة.
2) من مقال للكاتب بعنوان : « دور الإعلام المعاصر في حركة البعث الإسلامي» - دعوة الحق : العدد : 5-6، السنة 15.
3 ) بدأت «التربية الحديثة»  تتجه إلى أجهزة الإعلام من إذاعة وتلفزة لتقوم مقام المدرسين ورجال التربية. وقد سلكت التلفزة المغربية هذا المسلك أخيرا وان كان في نطاق ضيق وفي حاجة إلى مزيد من تعميق الوعي الإسلامي انسجاما مع سياسة البعث الإسلامي التي أعلن عنها أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني نصره الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here