islamaumaroc

دور الإعلام في تقويم أو تعقيم الاجيال الصاعدة إزاء الصراعات الفكرية المعاصرة

  دعوة الحق

155 العدد

اخترت دراسة هذا الموضوع بالذات على خطورته، وتشعب جوانبه لأنه يتجاوب مع ما تصطخب به نفسي ونفوسكم جميعا من خواطر مؤلمة تركتنا نتأرجح بين خيبة وأمل في أجواء قاتمة يكتنفها الغموض، وتتغشاها الحيرة القاتلة، وبين هذا وذاك، تنهك حرمات دين، وتهدر كرامات إنسان وتذبح فضيلة مجتمع، في دنيا الذين عميت عليهم السبل فاتخذوها عوجا، انسياقا وراء تيارات مبيدة جارفة مصوبة كالسهام في كل جانب إلى صميم مقوماتنا الأساسية، وركائز كياننا الأصيل، ابتغاء إجهاض جيل محتط، وبعث أذهان معلبة، وخلق إنسان ممسوخ وقع طبخه في المرجل الزمني السريع، أو ما نسميه Cocotte minute.
ونظرا إلى الدور الخطير الذي يلعبه الإعلام بطاقاته الغير المحدودة في خلق الرأي العام وتكييفه وتوجيهه الوجهة التي ترتضيها الغزوات الإعلامية الصليبية والصهيونية من شيوعية ورأسمالية على يد عملاء مسخرين عن عمد وسابق إصرار.
لقد سمعنا الكثير، الكثير من البكاء والعويل في هذا الملتقى وفي غيره من الندوات الإسلامية على ما نكبنا به من انهيار عقيدة وتحت وطأة التبشير ومن التناقضات بين التشريع الإسلامي وواقع التشريع اليوم، ومن ذوبان الشخصية الإسلامية، وتفتت القيم الأخلاقية في مجتمعاتنا الدبيحة، ومن تفشي الانحلال والتفسخ والإلحاد، والفجور الفكري في صلب مجتمعاتنا المبتلاة بالتبعية الصماء والتقليد الأعمى، والانخداع بكل ناعق من أبواق الاستعمار الجديد، ومن رواسب وعقابيل الذين بارحوا الديار بعد أن احتلوا الأفكار، وقد نعلم أولا نعلم أن القنوات التي سلكتها هذه العفونات إلى حرماتنا هي أجهزة الإعلام الحديثة الموجهة بتخطيط دقيق ومضبوط من مدفعيات الهجوم الصليبي والصهيوني من رأسمالي ومن شيوعي لنسف قيمنا الأخلاقية العليا وضرب حصار حول الفكر الإسلامي لإحاطة أجيالنا الصاعدة بصحراء شائعة من فراغ يسهل عليها أن تملأه بالمذهبيات المدخولة، والأفكار الإنهزامية الرعثاء، وبما أن أجهزة الإعلام هذه تقوم بدور السفارة بين مصادر التخريب، والمجتمعات المجردة من الحصانة والمتعة الروحية، وجب علينا أن نقوم بدور تشريحي في صلب هذه الأجهزة المصدرة، وما تمور به من أوبئة وجراثيم لمعرفة مدى انعكاساتها الرهيبة على مجتمعات الموردين، إذ الحكم على الشيء فرع من تصوره كما يقول المناطقة، ولنضرب صفحا عن استعراض وسائل الإعلام في العصر الجاهلي. وفي صدر الإسلام فلسنا نقوم بدراسة تاريخية يمكن معرفتها بالرجوع لكتب التاريخ، إنما الذي يهمنا في أوضاعنا المحزنة هو معرفة مصادر الداء، وطرق العدوى، والدق على أجراس الخطر، ومحاولة القيام بعملية إنقاذ سريعة لا عملية وقاية لأن الداء استفحل وانتشر إلى درجة تبعث على اليأس والقنوط.
إن الوضعية التي تسيطر اليوم على جل البلاد الإسلامية الواقعة فريسة للغزو الإعلامي العميل. هي 
وضعية أشبه ما تكون بوضعية الجاهلية الأولى. أو الردة بعد الإسلام لا بعد الإيمان، ولما يدخل الإيمان في قلوبنا، لذلك يجب أن نتستر وراء أساليب الاحتشام والمجاملات اللفظية الجوفاء، بل يتحدتم علينا أن نكون في مستوى مسؤولياتنا وما تفرضه ضمائرنا من شجاعة وصراحة ونزاهة في تسمية الأشياء بأسمائها.
وبعد، فما هي وسائل الإعلام الحديثة، وما هو مدى تأثيرها في خلق الرأي العام وتسخيره؟ تنحصر وسائل الإعلام الحديثة في الصحافة. ووكالات الأنباء، والإذاعة والتلفزيون، والسينما، والمسرح، ودور النشر والتوزيع، والموسيقا، والأغنية. الصحافة وهي عندنا صورة تكاد تكون طبق الأصل عما في دول الغرب ودول الشرق على السواء. ومما لا نزاع فيه أن الصحافة تقوم بدور خطير في التلاعب بالرأي العام إلى درجة أنها انتزعت لنفسها لقب « صاحبة الجلالة» السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية، أو السلطة الرابعة في الدولة الحديثة بعد سلطة الحكومة والبرلمان. وهي سيف ذو حدين، نقمة على الشعوب إذا تولى أمرها سماسرة الموت. وسفراء جهنم، ومدرسة تثقيف إذا تولى أمرها ذوو الإيمان والضمائر الناصعة. والخطر كل الخطر يكمن في الوضع الذي تحتكر فيه الدول الكبرى بواسطة صحفها ووكالاتها جمع الأنباء وتوزيعها على العالم بعيدة عن أن تكون محايدة- مهما حاولت ذلك- فالصحافة الرأسمالية، لم تنفك أداة لحماية المصالح الاحتكارية تحت ستار الحرية والديمقراطية. ونظرية الحرية المزعومة سواء في ميدان الإعلام أو الاقتصاد هي النظرية التي مازالت سائدة في بلدان الديمقراطيات الرأسمالية بصفة عامة. وهذا وضع طبيعي إذ أن المفهوم الغربي للحرية في ميدان الإعلام نشأ لحماية المفهوم الرأسمالي للحرية في الميدان الاقتصادي. وتبعا لهذا فإن هذه الصحف لا تتورع عن نشر أي شيء لفائدة المحتكرين ابتغاء ترويج بضاعتهم مهما كان مستواها الخلقي. وضررها بالقيم المثلى- وقد لخص تيودور بيترسون في أحد فصول كتابه « نظريات أربع» للصحافة أوجه الاتهامات الموجهة للصحافة الرأسمالية في نقاط سبع. مع العلم بأنه إنما استعمل كلمة الصحافة بمعناها الواسع للدلالة على أجهزة الإعلام عامة، وأهم هذه الاتهامات السبع أنها تقاوم أي تطور اجتماعي، إنها تضفي اهتماما بالغا بالتواقه والسطحيات والأمور المنكرة أثناء تغطيتها للأحداث الجارية. إنها تنشر الدعارة والإجرام والكذب. وعلى الأخص فيما يتعلق بشؤون العالم الثالث.
أما وكالات الأنباء فهي مسيطرة سيطرة استعمارية على الصحافة الغربية والشرقية على اختلاف ألوانها. وهذه الوكالات تمتلك حظوظها وتنصرف في أقدارها العصابات الصهيونية سرا وعلانية في جميع أنحاء المعمورة. وقد احتكرت سكان العالم بشكل مريع فإن 000 396 745 من السكان يتلقون أخبار العالم عن وكالة تاس السوفياتية وحدها بصفة دائمة. وإن 881 961 نسمة يتلقون أخبار العالم عن وكالات الأخبار الغربية بصفة أساسية. وإن 202 مليون نسمة لا يتلقون أي أخبار عن أية وكالة. أي أنهم يعيشون في شبه عزلة عن العالم بحكم  بعض الأوضاع الاستعمارية والاجتماعية. وتتجلى الاتهامات الموجهة لهذه الوكالات التي تنفخ فيها الصهيونية العالمية شرقية كانت أم غربية في الآتي :
1) إطلاقها لفظ الإرهابيين على الوطنيين المناضلين في كل بقعة من بقاع العالم واتخاذ كلمة « مقاومة الإرهاب» ذريعة لتسويغ الفتك بالمقاومين الفلسطينيين الذين أخرجوا من ديارهم وامتهنوا في كرامتهم.
2) تضخيمها للأنباء يقصد من ورائها المبالغة في تصوير بدائية الشعوب المستعمرة (بالفتح) بغرض تأليب الدول الكبرى عليها، على أساس أنها لا تصلح لحكم نفسها بنفسها.
3) دعم الحرب النفسية الباردة في بث روح الكراهية، والبغضاء والحقد بين الشعوب، في حين تجاهلت فيه لمدة طويلة التنديد بالذين شردوا شعبا كاملا بعد تجريده من كل مكاسبه في الحياة، وتسليط أفظع ما عرفته البشرية عليه من أنواع التنكيل والتقتيل والإبادة الجماعية. استهتارا بالضمير العالمي المصاب بالزكام.
4) تجاهلت هذه الوكالات نقل الأخبار التي قد تساعد على الحلول السليمة للمشكلات العالمية.
5) مساهمة هذه الوكالات في إشاعة البلبلة، وتمهيد الرأي العام العالمي للانقلابات الموجهة من الغرب أو الشرق. والتي تتم بتواطؤ مع الاستعماريين :  القديم والجديد.
والإذاعة : وهي تعتبر من أهم وسائل الإعلام الجماعي، فهي تلاحق الإنسان أينما كان، فالإنسان إذن مهما بلغت ثقافته لابد أن يتأثر في بعض من آرائه بجزء من المعلومات المجهولة لديه عن طريق الإذاعة. ومع ذلك فالإذاعة بالغة الأثر بالنسبة لذوي الثقافة المحدودة والأميين والشباب والنساء والأطفال، ومن هنا تتضح أهمية البرامج التي تقدم للجمهور، وأهمية القيم التي تروجها هذه البرامج، فالإذاعة المسخرة لخدمة أغراض خاصة تحت ستار الترقية والتسلية كثيرا ما تتجنب إذاعة البرامج الثقافية خوفا من أن تجذب جانبا من المشاهدين أو إن تبث فيهم عقلية واعية أخرى لا تتلاءم مع العقلية المرسومة التي يسهل الإيحاء بها والسيطرة عليها. فهي لا تعدو أن تكون في تشويه رسالتها لا تتورع عن أي شيء فهي تبرر التفاهة والوقاحة والاستخفاف بعقلية الجماهير بالقيم الأخلاقية.
والتلفزيون: في نطاق التصدير هو الآخر يقوم بأخطر دو في إعادة خلق المفاهيم والأفكار، وبقدر عدد المشاهدين المنتظمين لبرامج التلفزيون في العالم من 400 إلى 500 مليون مشاهد. وهذا الرقم يؤكد الأهمية القصوى لهذا الجهاز الإعلامي الخطير في عالمنا المعاصر، وقد كاد ينفرد بالصدارة بين أجهزة الإعلام الأخرى في تصدير العاهات وإشاعة الإنحراف والفساد وتغذية الغرائز الجامحة، وهنا يكمن الخطر المستطير على الكرامة الإنسانية، والسلام العالمي، ولقد صدق أحد الأطباء النفسانيين في تعريفه للتلفزيون حيث قال : « إذا كان السجن كلية لدراسة الإجرام فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية للانحراف».
ومن الضروري، ونحن بصدد تشريح أجهزة الإعلام التي تستورد منها عناصر موتنا وذوياننا أن نشير إلى ما أكدته النشرة الرسمية للحكومة الأمريكية في مايو 1959 عن العلاقة الوطيدة بين التلفزيون الأمريكي وانحراف الأحداث، تقول النشرة : « أن تفاقم الجرائم قفز بتصاعد أجهزة التلفزيون، ففي 1940 كان عدد جرائم الأحداث من 10 إلى 16 سنة 250 ألف قضية، وفي سنة 1948 ارتفع العدد إلى 330 ألف قضية، وفي سنة 1950 قفز العدد إلى 420 ألف قضية، وفي سنة 1957 طار العدد إلى 670 ألف قضية». وفي دراسة تحليلية لبرامج التفلزيون المخصصة للأحداث قام بها مؤلفو كتاب « التلفزيون في حياة أطفالنا» وشملت برامج 5 محطات تقدم برامج متلفزة خلال أسبوع واحد من أكتوبر 1960 اتضح أن الأطفال قد شاهدوا خلال المائة ساعة المخصصة لهم خلال هذا الأسبوع 149 عملية عنف، وإجرام، من قتل وذبح بالخناجر، ومناظر صراع، ومحاولات خنق، ومحاولات انتحار، ومرضى هاربون من مستشفيات الأمراض العقلية يقومون بأعمال جنونية، وعمليات نشل، وعمليات اعتداء على عفاف، وعمليات شذوذ وغيرها كثير، هذه برامج يشاهدها الصغار، فما بالك بما يشاهده المراهقون والكبار.
وفي تقرير من اليونسكو سنة 1971 أن الجريمة تضاعفت بنسبة 147 بالمائة في مدة سنة أعوام، وأن عدد الجرائم يرتفع ارتفاعا فاحشا وأن أعمار المجرمين لا تزال تنخفض سنا، ففي ايطاليا بلغ سنة 1970 نحو مليون ومائة ألف جريمة، وتنفرد روما بالرقم القياسي، إذ يبلغ المعدل: 4888 جريمة بالنسبة لكل مائة ألف ساكن. وفي انجلترا يلاحظ أن المراهقين يرتكبون جرائم القتل لأجل التلذذ بالقتل. ويتكلمون عن جرائمهم في مراكز الشرطة كما ول كانوا يصفون مباراة في كرة القدم. وفي ألمانيا الغربية نقرأ إحصاء صدر مؤخرا عن دوائر الشرطة المختصة بمكافحة الإجرام فنجد أن الأطفال والمراهقين يرتكبون ثلث الجرائم المسجلة. أما في الولايات المتحدة بالنسبة للسنوات الأخيرة فقد أوقفت الشرطة في نيويورك فقط عام 1970 لأعمال إجرامية زهاء 1300 طفل دون السادسة عشرة.
وتأتي السينما هي الأخرى : ومما لا شك فيه أن السينما- فن القرن العشرين- أصبح يلقي كل يوم من إقبال الجماهير وتلهفهم ما لا تلقاه أية وسيلة إعلامية أخرى. وحسب بعض تقارير اليونسكو فإنه يتردد في كل أسبوع : 000 000 273 من التفرجين على 000 150 دار من دور السينما في جميع أنحاء العالم ويمثل هذا الرقم حوالي تلث سكان العالم، وهذا الجهاز الخطير يعد جامعة لتخريج المجرمين والمنحرفين، بما تبنه على شاشتها الكبيرة من أفلام قذرة تعلم بطريقة تطبيقية فنون استعمال العنف، وفلسفة السرقة والنصب والاحتيال وفقه الإباحية والتفسخ والانحلال والإلحاد والشذوذ ويساندها في أداء هذه الرسالة الجهنمية المسرح، وعلب الليل، وسراديب الإثم.
وهذا قدر مشترك بين أجهزة الإعلام الرأسمالية والشيوعية على حد السواء ما دامت الأصابع المحركة واحدة في كلا المعسكرين وهي أصابع الصهيونية العالمية التي تعزف على أوتار الماسونية والوجودية  والصليبية في آن واحد، وغني عن البيان أن المخططات الجهنمية المرصودة لتخريب القيم في كل مكان من هذا العالم هي من صنع عملاقين يتحكمان في مصير هذه الأرض، وهما يتفقان عايات وأهدافها، وأن اختلفا صورا وأشكالا. فأقدارنا تتأرجح بين شدقي ماردين، ونحن بينهما كالكامخ بين شاطر ومشطور (الساندويش) وسواء أكل من اليمين أو من الشمال فهو في كلتا الحالتين مأكول لا محالة. غير أننا ونحن نتحدث عن مصادر بلوانا نرى لزاما علينا أن نخصص جانبا من الدراسة الدقيقة المنهجية للمخطط الإعلامي الشيوعي. بعد التعميم الذي أسلفناه وذلك لأن هذا المخطط موجه بصفة خاصة مدروسة بعمق ومركزة إلى الضغط على زناد المدفعية الصهيونية لتخريبنا وإبادتنا بوسائل الحرب الباردة والموت البطئء. وأن ما تساعده من بعض شبابنا اليوم وفي بعض كهولنا المعلبين. والأساتذة المحنطين، والدكاترة الحركيين، من انحراف في العقيدة وتنكر مسعور للقيم الإسلامية والإنسانية على السواء هو المفعول السحري لهذا الإعلام الشيوعي الصهيوني ظاهرا وباطنا. وهذا الإعلام يعمد في الدرجة الأولى إلى استيلاب الشعوب، واستغلال الفاقة والفقر لإقامة استعمار من نوع جديد ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب. وأن زحف هذا الغزو الإعلامي الشيوعي على العالم الثالث وخاصة على الدول الإسلامية يدفعنا إلى تحليل الوسائل والأغراض التي تقوم عليها هذه المخططات، سواء في الميدان الصحفي، أو الإذاعي، أو التلفزيوني، أو النثرات والكتب ابتغاء نشر الفوضى ومحاربة الديانات لأنها تتوفر على تقوية الوازع الروحي الذي قد يقف حاجزا منيعا دون بلوغ هذه الأغراض، ولسنا بصدد دراسة النظام الشيوعي فلذلك مقام غير هذا. إنما الذي نريد أن نقوله للمغتربين بسرابه هو أن بلادهم لا تزال من نيف وخمسين سنة تقاسي من التعاسة والفقر والحرمان ما ابتلته به الشيوعية من يومها الأول، ولا عجب في ذلك، فالنظام الشيوعي بما ينطوي عليه من ظلم وعبودية وخنق للحريات لا يمكن أن يؤدي إلى غير هذه النتائج. إذ أنه حين يحرم المرء من ثمرة جهده الجسدي وتفكيره العلمي والعقلي، ويوضع في قالب اجتماعي معين فإنه لا يستطيع أن يكون غير ما كان، وكيف يمكن أن يكون للنظام الشيوعي خير للبشرية وقد صنعته الصهيونية ليكون شرا ووبالا على الإنسانية جمعاء حتى يفسح المجال لتحقيق الحلم الذي ظل يداعب خيال يهودا من بسط نفوذه على الأرض. باعتباره الجنس المفضل. وبروتوكولات حكماء ههيون زاخرة بما يؤيد هذا. ونحن لا نحتاج إلى جليل أقوى من الرسالة التي بعث بها كارل ماركس أمام الشيوعيين إلى باروخ ليفي عميد يهود العالم وقد نشرت هذه الرسالة بالفرنسية في جريدة المغرب العربي التي تصدر والتي برأسها المجاهد المغربي الكبير الدكتور عبد الكريم الخطيب وذلك في عدد 21 الصادر يوم الجمعة 15 يونيو 1973 نقلا عن كتاب دي فيري هيلكنجن المسمى اسرائيل ماضيه ومستقبله، وهذا نص الرسالة: « أن أبناء اسرائيل وهم المنتشرون اليوم في جميع أرجاء العالم سيحتلون في هذا النظام الجديد مناصب التسيير دون أن تقوم في وجههم أية معارضة سيما إذا عرفوا كيف يسلطون على جماهير العمال إدارة قارة متألفة من أفراد منهم. أن كافة الدول حكمها بين أيدي بني اسرائيل من دون أي عناء ولا صعوبة عندما تنتصر الطبقة العاملة وإذ ذاك يقوم الساسة الاسرائليون ويلفون الملكية الفردية وتصير إليهم الأموال العامة فيتصرفون فيها ويتحقق وعد التلمود إذ وعد بأن مفاتيح الخزائن التي توجد فيها أموال الدنيا ستصبح كلها بين أيدي اليهود حينما يحين عهد المهدي المنتظر».
هذه هي رسالة أمام الشيوعية إلى أمام اليهود، ثم أليست الدولة الشيوعية أول دولة اعترفت بالوجود الصهيوني بعد ساعات قليلة من اجهاض الغرب والشرق بها؟ وإذا اقتنعنا بهذه الازدواجية بين الصهيونية والشيوعية اتضح لنا بما لا يدعو إلى الشك أن الشيوعية لافتة براقة تخفي وراءها كل لعنات الصهيونية من ظلم وتخريب وفوضى وفساد، وقديما قيل « أن لون الماء من لون الإناء» وهذا الإناء هو المستوى الخلقي والاجتماعي في البلاد الشيوعية ذاتها وتعفن السلوك الإنساني في مجتمعاتها، حقا لقد انحطت الأخلاق بصفة عامة في أكثر بلاد العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وتسربت عدواه لمجتمعاتنا بواسطة الأجهزة الإعلامية الهدامة على يد طوابير وعملاء سخروا أفكارهم وأقلامهم وضمائرهم الخربة لخدمة هذا النوع الجديد من الاستعمار. ولكن الذي يطبع الفساد الخلقي بوجه خاص في البلاد الشيوعية هو أن حكومات هذه البلاد هي التي تعمل على إفساد الأخلاق وتحث عليه، نتيجة حتمية لأوضاعها الاجتماعية التي تدعو لفساد المثل العليا وتشجع عليه. ففي أكثر البلاد الشيوعية تنتشر أوكار للفساد وحدائق عامة للدعارة والفاحشة على مرأى من الناس ومسمع.
كما هي الحال في حديقة (صوفيا) التي تزيد مساحتها على كيلومتراين مربعين، أو شوارع أخرى كثيرة تترك عمدا بلا ضوء ليلا لتسهيل الدعارة، كما هي الحال في شوارع (سيراجيفوا) وقد صرح أحد الزعماء المرموقين في بلد شيوعي موجها خطابه إلى الشعب: « لقد تركنا لكم الخمر والنساء فخذوهما، واتركوا لنا السياسة». فالخمر والدعارة هي المتنفس الوحيد لقوم فقدوا حرياتهم. وأصبحوا آلات ميكانيكية في يد القياصرة الحمر المحظوظين دون سواهم من بقية أفراد الشعب، هذا مجمل عن بضاعة التصدير الخلقي بقطع النظر عن المذهب الاقتصادي الماركسي الملفوف بعناوين براقة وخادعة والذي اصطدم بصخرة الواقع لدى تطبيقه والذي يعمل النظام الشيوعي جهده للتراجع عنه تراجعا محتشما اتقاء للهزات، واتقاء لثورة الشعب على النظام الطبقي المفروض بقوة الحديد والنار على المواطنين الشيوعيين. ذلك النظام الذي وزع الشعب إلى ست طبقات: طبقة زعماء الحزب، طبقة العلماء والمفكرين، طبقة العمال، طبقة كبار رجال الجيش، طبقة الفلاحين، وأخيرا طبقة اللفيف من آباء الشعب، ولتصدير هذه المفاهيم الضالة إلى بقية بلدان العالم وخصوصا منها العالم الثالث، تستعمل الشيوعية وسائل إعلامية للتأثير على الجماهير في غاية من الدقة والمكر. وتقوم من وراء هذه الوسائل بدور طلائعي في لعبة الأمم، ولعبة الشعوب، على حد سواء ولقد كان اندلاع الثورة البلشفية (أكتوبر 1917) بداية تحول خطير في المخططات الشيوعية الإعلامية، التي تستهدف دائما ومنذ كان كارل ماركس، سيادة العالم الفكرية والمادية، ولكن بعد التجارب العديدة، على ضوء تطور العالم الثالث، كان لابد من مراجعة الخطط المتبعة تماشيا مع انفتاح العالم الثالث، على تجارب الآخرين ونظرياتهم وطرق تفكيرهم. وكان لهذا التحرير الأثر البليغ في تضليل الرأي العام وتكييفه، ويقوم المخطط الشيوعي الجديد على النقط الرئيسية الآتية :
1- التركيز في المقام الأول على الأوساط الاجتماعية النشيطة أي على الفئات الطلابية والفئات المثقفة، لا على (البوليتاريا) فقط.
2) التركيز، وبوجه خاص على العناصر المؤثرة في الرأي العام حاضرا ومستقبلا، كالكتاب والشعراء والممثلين، والمغنيين، والصحفيين، وطلاب المعاهد الصحفية، وطلاب كليات الآداب، وكليات الحقوق.
3) التركيز وبصفة عميقة على الأساتذة والمدرسين إما بدافع الاقتناع أو بوسائل الإغراء الرخيصة، وخاصة في مراحل التعليم الثانوي والعلي، انطلاقا من رياض الأطفال والمراحل الابتدائية والإعدادية، لأن عملية غسل المح وإعداده تعتمد في الجانب الأعظم منها على هذه الفئة كما هي الحالة في بلادنا الإسلامية اليوم.
4) التركيز على حتمية الحل اليساري، وسد المنافذ على كل حل آخر يستهدف الخروج من التخلف، ويقصد من هذا التوجيه تجميد الفكر عند العقيدة الماركسية، وقطعه عن أبعاد الرؤيا لممكنات التنمية الأخرى.
5) التركيز أولا وبالذات، على مقاومة الدين، باعتباره أفيون الشعوب حسب تعبير إمامهم، ومن المعلوم أن الشيوعية عملت منذ أن ظهرت على محاربو الأديان، فهدمت كثيرا من المساجد الإسلامية والكنائس المسحية، ولكنها لم تمس كنيسا يهوديا واحدا لأن الشيوعية بنت اليهودية بدون منازع، غير أن تكتيكا جديدا أدخل على هذه المادة من المخطط نتيجة وقوف عراقيل أمام تطبيقه فكانت هذه المحاربة للدين تقوم على ادعاء أن الدين الإسلامي دين ثوري تقدمي لا ينافي الشيوعية كما أوصى بذلك أكثر من زعيم شيوعي، فاتجه المجهود لتحريف بعض نصوص القرآن في طبقات صهيونية شيوعية، وألا يعاز لبعض الصنائع من علماء الإعلام اعتماد تأويل خاطئة، وكل هذا يهدف إلى نسف الدين تلقائيا من الداخل ينسف مقوماته.
6) ممارسة الإرهاب الفكري في أروقة الجامعة وفي أوساط المثقفين وذلك عن طريق التصنيف المذهبي، بوصف كل من أفكارا معارضة أو يدعو لها بالرجعية والإقطاعية والعمالية والتخلف الذهني، وأن نوعية هذا التكتيك تتلاءم مع التكوين النفسي للغالبية العظمى من الشباب المثقف، وذلك أن الشباب الذي فقد إيمانه بتراثه، فقد معه كل متاعه فكرية، وكل روح نضالية في التصدي والمجادلة وأصبح، بالتالي مفتوحا على كل فكر مستسلما بكل نزعة واردة.
7) ركوب التيار القومي أو الوطني بتملق الآراء والأفكار القومية والوطنية. في وضع متناقض مع الفكر القومي أو الوطني. وهذا ما نشاهده من الشيوعية آراء مختلف المنظمات القومية في البلاد العربية، تحريفا لأحد أسس المذهب الشيوعي نفسه الذي يعتبر دعوة عالمية لا إقليمية، وأن موجة القوميات الضيقة في البلاد الإسلامية على حساب الفكر الإسلامي حصيلة لهذا المخطط الجهنمي الرهيب. وقد عشنا في فترات نضالنا الوطني بالجزائر تناقضات من موقف المذهب الماركسي إزاء الأحزاب الوطنية، كحزب نجمة افريقيا الشمالية، وحزب الشعب، وحتى إزاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والمؤتمر الإسلامي الجزائري عام 1936. بل وحتى إزاء الزوايا الطرقية. وفي هذا المخطط يقول أحد الخبراء الضالعين في المذهب الشيوعي « إذا جاز القول بأن المذهب صادف بعثا جديدا في الشرق الأوسط فإن مرجع هذا إلى نشاط القيادة السياسة في الشرق الأوسط التي أصدرت أوامرها بعد إلى الإيديولوجيين والخبراء، بالكف عن مهاجمة الحركات الوطنية في العالم الإسلامي».
8) استخدام أبسك الوسائل وأقربها إلى حسن العرض، وسرعة الإقناع مع الابتعاد عن التعمق وتحليل الشعارات المعقدة التي تنطوي عليها النظرية، ومع اعتماد الكذب قاعدة أساسية في التبليغ أسوة بالنظرية النازية نفسها، إذ يقول هتلر في كتابه : (كفاحي) اعتمدوا الكذب واختاروا دائما الكذبة الكبرى فهي بالطبع أكثر قابلية من الكذبة الصغرى.
9) اعتماد الغريزة الجنسية كوسيلة للتأثير واستعمال بائعات وبائعي الجسد لأغراض إعلامية وجاسوسية مقابل إفساح المجال أمامهن وأمامهم لترويج بضاعتهم النافقة في أسواق المراهقين.
10) استغلال الآلام البشرية في المرضى واعتماد ضعف طاقاتهم في المقاومة وتسخير أطباء وممرضين وممرضات لزرع الجرثومة الشيوعية في نفوسهم عن طريق الإسعاف أسوة بما يقوم به الإعلام الصليبي على يد المبشرين.
إن هذا المخطط المدروس يطبقه إعلام شيوعي منظم وبغيره يصبح تصدير هذه البضاعة المسمومة متعذرا.
ويكفي للتدليل على ضخامة حجم هذا الإعلام ما ورد في إحصائيات الأمم المتحدة الأخيرة إذ أن الإعلام الشيوعي يمثل المركز الأول بين دول العالم. إذ ينتج 307 ملايين كتاب يوميا أي ما يوازي ربع انتاج العالم، بينما يبلغ ما تنتجه المطابع الشيوعية في الدقيقة الواحدة 2500 نسخة، وتقول الأرقام أن عدد جرائد الإتحاد السوفياتي يبلغ 7957 جريدة، ويبلغ مجموع النسخ في كل طبعة 132 مليون نسخة. هذه الأرقام وإن كانت لا تتناول سوى جانب واحد من جوانب الإعلام الشيوعي مع استثناء السينما والراديو والتلفزيون، إلا أنها تعتبر معيارا هاما له دلالة في تقدير أهمية هذا الزحف الإعلامي. فإذا أضفنا إلى كل ما تقدم التقنية الإعلامية التي تقوم الصهيونية العالمية بتطبيقها، لتبينا مدى خطورة هذا المخطط في صياغة العقول والسيطرة عليها. وتوجيهها إلى خدمة الأهداف المرسومة، وهذه الغزوات الإعلامية في حد ذاتها سواء كانت شيوعية أم رأسمالية تخضع بوفاء لتعاليم بروتوكولات حكماء صهيون. ففي الطبعة الرابعة صفحة 124 من هذه البروتوكولات تقرأ ما يأتي :
« الصحافة هي القوة العظيمة التي بها تحصل على توجيه الناس، ومن خلال الصحافة أحرزنا نفوذا. وبقينا نحن وراء الستار، وفي البروتوكول الخامس نقرأ «لكي تطمئن إلى الرأي العام، يجب بادئ ذي بدء أن نربكه تماما فنسمعه في كل جوانب، وبشتى الوسائل آراء متناقضة لدرجة يضل معها غير اليهود- الطريق في تبههم فيدركون حينئذ أن أقوم سبيل هو أن لا يكون لهم أي رأي، وهذا ما يضمن نجاح حك حكومتنا (حكومة اليهود العالمية مستقبلا)، وهذه بالذات الوسائل الشيوعية اليوم التي تقوم على مضاعفة الأخطاء التي ترتكب والعادات والعواطف والقوانين الوضعية في البلاد لدرجة يتعذر معها التفكير السليم» ولا تكتفي هذه المخططات الإعلامية في وسائلها بواجهة واحدة مادام هدفها وخصوصا في البلاد الإسلامية يعتمد على مسخ العقول وتعويم الجسد وتعقيم الإدراك وتمييع الكلمة، ولهذا فهي تستغل الرواسب والنفايات البشرية القذرة من جحافل الهيي التي تقذف بها هذه المستنقعات إلى بلادنا كمبشرين بالانهزام والإلحاد والانحلال والتفسخ الخلقي والجسماني إلى جانب الجوسسة لحساب حكوماتهم ومن طلائع هذا النوع من المسخ هيبية ذهنية تقوم بتنفيذ مخطط مضبوط صهيوني على يد علماء أراذل يهدف هذا المخطط تمييع المقومات الأساسية للشخصية الإسلامية بتمييع مقومات لسان هذا الدين: اللغة العربية في أسمى وأقدس مظاهرها بعد القرآن. وهو الشعر، وتجريده من كل مادة الخلود، والفحولة والأصالة بالطعن في رسالته بين الأجيال وللتدليل على أن اعتماد مسخ مقومات الشعر الذي هو لغة القلوب هو في طليعة المخططات الصهيونية للتدويب والتخريب. تلكم الاعترافات التي قدم بها أحد أبطال هذا الطايور ديوانا سماه (لن) فيقول أنسى حاج ما نصه بالحرف : « الشعر ليس ساحة فصاحة، أو سباقا في الثقافة ولا علاقة له بالموهبة، كما لا صلة له بالعبقرية، والشعر هو القنطازية والهلوسة، هو العنف والتشبح والحمى والحماقة، إنني عبد ذاتي تستعبدني بالمسؤولية، وتستعبدني بالوعي الخاضع لأوامر الخارج، فالتربية والأخلاق والقيم والمقاييس والشرع وكل ما في اليقظة والواقع عدوي، الشعر هو السبيل الوحيد للتحرر من القيود الاجتماعية، الشعر هو الحب والتبذل والمخالفة والقتل والعصيان والحرب والخيانة والشذوذ وإنفاق ثروة الآباء وتبذير مجد العائلات، وتلويث سمعة الوطن. والانتحار والمخدرات والجنس الأبيض والأسود لذلك أكرر أني فخور بكل عمل أخرق وكل شذوذ وكل انحطاط بالقيم الروحية والأدبية والأخلاقية التي يدين بها المجتمع. وهذه البلاد، وهذا العالم، فلا نواميسكم ولا مقاييسكم وكذلك لا شيء» ونزولا عند هذا الدستور الآمن شلت أذواق الكثيرين من شعرائنا الأغرار، ودفعتهم هذه المخططات إلى تسميم الوجدان العربي بهراء رخيص، وبمتكر من القول وزور، وتدفع المراهقة بالملكية هؤلاء القنافد الهداجين حول بيوتهم إلى إشباع غرائزهم المشبوبة في دنيا الجسد وقفص الفساتين والشهود والدرهم الخادع ثم السخرية بكل ما عدا ذلك من مقومات الفحولة والرجولة، وشاء القدر أن تفجأنا مهرجانات الشعر العربي في البلاد الإسلامية  وآخرها المنعقد بتونس من 20 إلى 26 مارس المنصرم 1973 بهذيان قد تستمع إلى سب الجلالة ولا تستمع إليه لأنه بتأثيره على الأغرار ابعد أثر في سب الجلالة تقذف به بعض الخنافس المغموزة النسب، وبلا حشمة ولا خجل وتقوم معركة حامية الوطيس بين الكلمة الأصيلة والكلمة الدخيلة، فينتصر فيها الحق على الزيف وشهادة الزور، وشاءت نفس هذه الأقدار أن نحتفل بتشييع جنازة ما يسمى بالشعر الجديد الذي قضى نحبه إلى غير رجعة، وقمنا برجمه وكنت من الذين قالوا :
وقد لقبوه بشعر حديـث
        لكنه ( الحدث الأكبر )
ومما لا ريب فيه أن الأذواق السليمة  من المؤنمرين يشاطروننا حكمنا هذا إذا ما سمعوا أحدهم يقول في مؤتمر على النطاق العربي، أبي أفعى، أمي أفعى، وطني أفعى،وأنا حنش – وآخر يقول : تنبت الزهرة من ذيل الحصان فتنمو وتزدهر في خرطوم الفيل فتتعطر بها أفخاذ الصراصر». وآخر يقول : مع كامل الغدرة «تسرب الحب إلى قلبي بدم الحيض» قدمي، وجروح قلبي ما تزال تسيل بدم الحيض». وما إلى ذلك مما يتذكر، صديقي الشاعر العملاق صالح جودت، ولست أعجب من مسخ على هذه الشاكلة عجبي ممن يشجع على مشر هذه القاذورات والآثام من بعض المشرفين على دور الصحف والنشر والطباعة الملهاف فتفسح لها الطريق لهنك حرمات الأدب والإساءت لسمعة الكلمة وسمعة البلاد زالانزلاق بالشعر إلى سراديب الإثم والدعارة الفكرية السافرة، وما الفرق بين من يشجع على هذه السخافات والمخازي، وأعجب من كل هذا وذاك أن نصيب هذه العدوى الآفنة شعراء ملتزمون مع ثورتنا في أرض فلسطين الذبيحة. فيحاولون عبثا، تخليد أمجادها بنسيج أوهى من بيت العنكبوت وقد اثبتت التجارب أن الكلمة انعكاس لقيم لثورات، فالقرآن والحديث انعكاس لقيمة الثورة الإسلامية التي قلبت أوضاع البشر، والكلمة التي خلدت ثورة الجزائر المسلمة هي انعكاس لقيمة هذه الثورة الملهمة التي علمت الإنسان ما لم يعلم.
وحبب إلى نفوسنا أن تكون الكلمة التي تواكب ثورتنا المقدسة في أرض فلسطين المسلمة أصيلة أصالة الأهداف التي نجاهد من أجلها. ونربا بتورتنا التي تحارب الصهيونية في كل مظاهرها أن تنزلق الكلمة التي تخلدها إلى أن تكون ضحية للإعلام الصهيوني الأثيم.
هذا هو الوجه الحقيقي للمخطط الصهيوني الصليبي الشيوعي الذي نستورد منه كل عفوناثه وأخطاره. انسياقا وراء التبعية الصماء، وقد وضعنا أصبعنا على الجرح المزمن المتعفن الذي ما ينفك يمعن في التخريب والتذريب وتنخر عظام هذا المجتمع الطيب، منشطا على تعقيم أجيال مقبلة وجعلها فاقدة الارادة والحصانة الروحية وبدسه دسا على أقدارنا. ويصر أن يجعله محسوبا على مميزاتنا الروحية العريقة الجذور، وكياننا الأصيل المستعصى عن الدوبان، وذلك في عقر دارنا، وعن يميننا وشمالنا وبين سمعنا وبصرنا، وفي غفوة من ضمائر بعضنا. فماذا عندنا نحن اليوم من مظاهر المسخ في مجتمعاتنا مستوردة من مستنقعات غيرنا، أنه ليس من قبيل الصدفة أن يكون على رأس جل أجهزة الإعلام الحديثة في كثير من البلاد الإسلامية أفراد من عينات خاصة، مهما اختلفوا في المشارب وتباينوا في الاتجاهات هم مجمعون على تنفيذ المخطط الصهيوني عن قصد وسابق إصرار وفاء لمذهبيات وقعوا فريسة لها فلم يجدوا بدا من الوفاء لها والدفع بالمجتمعات لهاويتها السحيقة، ولعل المتأمل في واقع الاغلام الحديث في غالب البلاد الإسلامية يدرك مدى سيطرة الأفكار الأجنبية على هذه الأجهزة. ومدى الحصار الذي ظلت تضربه حول الدعوة الإسلامية، ومدى ما يمارسه هذا الإعلام الجاهلي في كثير من الخبث والدهاء من تمويه الحقائق، وخداع العماوين. وفي هذا الجو الموبوء ينتشر الفساد والإلحاد، ويقوي الارتباط بركائز الاستعمار الجديد المقنع.
فالصحافة في كثير من بلادنا الإسلامية أبواق تعكس بأمانة  تلك العاهات والجرائم التي تتدفق من مصادرها. فهي تتماشى، وبطرق ملتوية أن تخصص جانبا من نشاطها لتوعية الجماهير وتركيز المثل العليا في لنفوس وهي تعني في المقام الأول بنشر التوافه، والأخبار المثيرة، وغض النظر عن السموم التي تمزج فيها بالعسل لاساغة الإلحاد والمروق، وترى من الرجعية والتخلف الفكري أن يخصص ركنا منها لتشر الدعوة الإسلامية وتركيزها في النفوس والدعوة للأصالة بطرق علمية تعتمد الصراحة والوضوح والمنطق السليم الذي تقبله الأذهان. ويؤمن به الضالون والمتشككون، ولا تهتم صحافتنا من قريب أو من بعيد واو بتجريب محاولة في التصدي لأخطار هذه البضاعة الواردة من الخارج على يد سماسرة الجاهلية الجديدة ، وتعقد مؤتمرات هنا وهناك للفكر الإسلامي والبعث الإسلامي، والرابطة الإسلامية والتضامن الإسلامي فتقابل، من أجهزنا وخصوصا الصحافة بنوع من السلبية والإعراض والبرودة، وتنشر أخبارها إلا مقتضية هزيلة، أما في ذيول الأخبار أو في الصفحات الداخلية بجانب حوادث الطرقات، أما أن يرد عليها كتاب مفتوح من طالبات مخدولات يطلبن السماح لهم بالتزوج بالأجانب بدعوى العمل على إدخالهم في دين الله ( من أقرب طريق بين نقطتين ) فتعتز صحفنا بنشرها على حساب أهداف ثورتنا الأخلاقية وعلى حساب كرامة المواطن وحرمة القيم الفاضلة ويسيطر بعض قطاع الطرق من المثقفين  الحركيين عل صفحاتنا وأجهزة إعلامنا فيقيمون الحواجز أمام الكلمة الأصلية  لئلا تنتشر ولا تجد طريقها نحو المجتمع الطيب البريء المخدوع، الذي وأن تخلص من الاستعمار الترابي فلم يتخلص بعد من رواسيه وعقابيله في الفكر والعقيدة والروح وفي جزء حبيب من مغربنا الإسلامي نقرأ في جريدة شيوعية انتحلت لها اسم «الاختيار» تهكما رقيعا بالمقدسات الإسلامية، وسخرية سافرة بالأنبياء والمرسلين والديانات. ودعوة صارخة للفساد والفجور، على مرأى ومسمع من علمائنا الأفاضل الذين انتظرنا طويلا أن نرى منهم نهيا عن منكر قرؤوه. وبعض هذه الصحف الشيوعية لا تتورع – ولو من باب التكتيك – أن نسمي إسلامنا بالمغرب ( آفيون المغرب ) وتوزع مناشير مسعورة في وضح النهار المبصر تقول فيها بالحرف ( أيها الرفاق – أن الرجعية الإسلامية العملية بدأت ترفع رأسها وتستخدم أسلوبها الذي أكل عليه الدهر وشرب في محاربة الشيوعية الحرة، وتنويم الشعب الذي رفض الاستغلال الإسلامي. وها هي الرجعية جندت مبشريها الجدد لتروج خافاتها وعقائدها البالية التي لم تعد تصلح لهذا العصر. إن هؤلاء المشعوذين تجندوا لنشر الإسلام ( أفيون المغرب ) الذي ترك هذا المغرب مستعمرا من طرف الغزاة المسلمين الرجعيين وأخذوا يستغلون المنابر والمساجد للتشهير بأفكار التحرر والاشتراكية المنابر والمساجد المد الشيوعي المظفر في مغربنا الماركسي. وأننا لن نتهاون في محاربة وهدم صوامعهم وإحراق مساجدهم وزواياهم، وأن اللجنة المركزية للماركسيين تخبر كافة المناضلين بأنها قررت تنفيذ الإعدام في كل من تسول له نفسه أن يدعو إلى الإسلام «أفيون المغرب» ويعرقل مسيرة الشيوعية الظافرة في المغرب الماركسي اللينيي الإمضاء – اللجنة الموحدة للماركسيين الثوريين بالغرب -.
ولازلنا ننتظر موقف علمائنا الأفاضل من هذا المنشور الفظيع. وإلى جانب الصحافة ، نرى الإذاعة تعني في كل برامجها بالسفاسف وإشاعة الانحلال عن طريق الأغنية الداعرة . والبرامج المستوردة والإنتاج المتبدل أو المختلس بدافع السرعة والسابق وراء المكافأة المرصودة. وأما التلفزيون والسينما، فصورة طبق الأصل للوجه البشع من الدور التخريبي الذي كشفنا عن عفونة مصادره، من تغذية نزعة الإجرام والعنف والإباحية والإلحاد، واجترار الأخبار التي نزيفها وكالات الأنباء العالمية المحركة بأصابع صهيون، ثم العمل على تفكيك الأسرة، وتقويض أسس الحشمة والوقار والاحترام بين أفرادها، وقد تصاعدت في بلادنا الإسلامية جرائم الأحداث أسوة بغيرها من البلدان المصدرة لهذه الآفات، وآخر مثل عن ذلك ما صرح به أمام العدالة خاطف ابن المسؤولين قائلا : -تعلمت ذلك من شريط شاهدته في تلفزتنا -. وأن تعجب فعجب أن تعلم في بعض الطلبة لممارسة مختلف أنواع الإجرام والانحراف، وكيف لا والرقابة التي تحتاج إلى نفوس واعية أمينة تفتح الباب على مصراعيه بسخاء لأفلام العنف والإجرام والإباحية. والدعاية الصهيونية التي يتهافت عليها من لم يبلغوا بعد الفطام العقلي فينقلوا جراثيمها للمجتمع، وهذا السخاء من رجال الرقابة كان استجابة لنزعة الانتفاع من موارد العرض والتوزيع على حساب الكرامة والإيمان، وهل من نظافة الضمير تبث في مجتمع إسلامي أفلام مثل العصافير النادرة Les oiseaux rares  ويعرض خاصة على الأطفال. ومثل Atax d Amsterdam  الفلم الصهيوني الصريح. ومثل فلم الخالد L iternelle  وهو مسلسل يدعو إلى الإجرام والانحلال. ومثل فلم رجل من حديد L homme d assier  وفلم قرقاميش، اللذين الذي هو فلم استعماري يدعو للميز العنصري والتفرقة يتبعان التفسخ والميوعة. وفيلم   Paternelle  بين الألوان، وفلم الحب الكامل L amour parfait وفلم  Souffle au cœur  اللذين يغذيان نزعة الشذوذ الجنسي بشكل سافر. وفلم (Z) الذي أنتج بالاشتراك بين ممثلين مسلمين وممثلين أجانب والذي هو في بعض مواقفه دعابة صهيونية واضحة. إلى غير ذلك من الأفلام الرخيصة  سواء في الشاشة الكبيرة أو في الشاشة الصغيرة، أما أفلام الإشادة بالأمجاد والدعوة للقيم الأخلاقية والمفاهيم الإسلامية، فلاحظ لها في بعض تلفزيونات بلادنا الإسلامية إلا في النادر الذي لا حكم عليه. وبعض التلفزيونات لاتبث البرامج الإسلامية إلا في شهر رمضان ومن جملتها محاضرات ملتقيات الفكر الإسلامي كأن ليس من نصيب الإسلام والمسلمين غير شهر رمضان، إسوة بالصلاة التي لا يعبأ بها في غير شهر رمضان عند عامة الناس وحتى المنحرفات عن المجتمع الفاضل لا يتحمسن للإسلام ككفارة لآثامهن إلا في شهر رمضان. أما تراتيل المجد لشعب ملأ الدنيا وشغل الناس منذ ثلاثة قرون قبل المسيح فلا يسمح بإرسالها كما لا تسمح بعض الكائنات بانتشار أريج الورد الذي يؤديها، ومن عجب أن الصليبيين الجدد عرفوا كيف يستغلون التلفزة للتبشير حتى أصبحت المجامع المسيحية تستغني عن كثير من أساليب النشر القيدة التي لم تعد تواكب العصر. وتعتمد اعتمادا كليا على التلفزة – فهل كان واعظا للماسكيين بحظوظ تلفزتنا – وأما دور النشر والتوزيع في كثير من بلادنا تنكرت للهدف الذي تأسست من أجله وأصبحت مقبرة للمواهب، ولحدا للعبقريات، وبعضها تعمد ألا توزع غير الصحف والكتب الداعية للإباحية والإلحاد، وترفع السدود حول توزيع الكتب الإسلامية والصحف الفاضلة، وتقطع صلة الرحم الفكرية بين الأشقاء بعدم إستراد إنتاجها الصحفي والفكري وإشاعة العزلة التامة بينها إسوة بما كان يقام من السدود في عهد الاستعمار، هذا إلى جانب نزعة الاستغلال المادي على حساب المنتجين، هذه هي الأخطار أو هذه هي الجورح. فما أعددنا من طاقات لصد ويلاتها؟ وما هي المسؤولية الثقيلة الملقات على كاهل علمائنا وحكومتنا إزاء هذا المخططات التخريبية وإزاء ضحاياها من شباب لا نلومهم بقدر ما نلوم صانعيه وقد أطاعوه فأضلوه السبيل، لا شيء والله إلا صحراء من فراغ. وموقف رجراجة تخلف الشك والارتياب.
إننا أيها الناس أمام خطر داهم قد لا يبقى ولا يذر وأن الجهاد فرض على كل مسلم عندما تتعرض عقيدته ومكاسبه لعوامل التخريب والضياع. وجهادنا اليومك هو تضفر الجهود للبحث عن نفوسنا واسترجاعها والحفاظ على ما تبقى من كياننا ونحن في صميم معركتنا ومسؤولية الاندحار أو الانتصار في هذه المعركة منوطة بأعناق ذوي العزم من العلماء والمفكرين والمسؤولين، وإن حاسة الشعور بالخطر تدفعنا جميعا إلى دق أجراس الإنذار. فعسى أن تتيقظ الضمائر. وقد بليت السرائر ونعني بغرض المصائر. وإلا.
أن دام هذا ولم تحدث له غير 
           لم يبك ميت ولم يفرح بمولود

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here