islamaumaroc

هب الريح

  دعوة الحق

155 العدد

بعد أربع ساعات من الضرب في طريق جبلي وعر، وقفت سيارة الركاب الحمراء على رصيفها الأخير بتطوان ..
وبدأ الركاب ينزلون واحدا بعد واحد .. يطلقون أرجلهم الخدرة لتعود إليها الحياة، وينتظرون فب صبر نزول أحمالهم من سطح السيارة ..
ونزل ولد الحاج شلفاط يسوي طربوشه الأحمر، ويدخل تحته ما خرج من شعر أشعت منفوش، وينفض أكتاف جلبابه وأذيالها.
ونظر حواليه فإذا جماعة من الطلاب أبناء المدينة الصغيرة التي قدم منها يلتفتون حوله يسلمون عليه ويسألونه هل أرسل إليهم الأهل مؤونة الأسبوع ...
وبدل أن يجيب عن أسئلتهم بدا هو يسألهم عن « السي حماد»، وأين يمكن أن يعثر عليه ؟
ولم يجد أحدا يساعده بالجواب الصحيح رغم أن الجميع كانوا يعرفون أن « السي حماد» قاعد في قهوة « غطيس» بالفدان يأكل « السفنج» ويشرب الشاي مع جماعة من أصدقائه ..
وخرج من بينهم وهم ينظرون إلى الشعر المتدلي من تحت طربوشه في غيظ .. بل لم يبخل عليه أحدهم بحركة خبيثة خلف ظهره وبكلمات :
« ياك أولد شلفاط المسخوط !».
وذهب « شلفاط» متجاهلا ما دار خلفه مظهرا أنه لم يسمع شيئا ..
كانت هذه أول مرة يأتي فيها إلى تطوان بدون قفة أو سلة خنشة ..
لقد أتى لغرض خاص هذه المرة .. غرض يمكن أن نسميه ديبلوماسيا إذا راعينا طبيعته الصعبة ..
كان عليه أن يستخلص ألف بسيطة  من السي حماد الذي كان مدينا له بها .. وقد طال المطال بالدين حتى يكاد يضيع حق المطالبة به بسبب التقادم ..  
وقصة المبلغ المذكور هي أن « شلفاط» قدم إلى تطوان في إحدى أيام الربيع الماضي- وقد أوشك ربيع آخر على الدخول- قدم بنية شراء سلعة لدكائه بالمدينة الصغيرة.
وبالصدفة قابله السي حماد، أحد زملائه القدماء في المدرسة القرآنية القديمة، والذي هو اليوم معلم « قد الدنيا» كما يقول أهل العاصمة البيضاء ! ..
كان السي حماد دائما ينظر إلى شلفاط باحتقار شديد لا يعرف الآخر سببه، وكثيرا ما كان يناديه « بالجلافط»، وهي كلمة لا يحبها ولد الحاج شلفاط كثيرا .. وما يزال هذا الأخير يذكر اليوم الذي ضربه فيه السي حماد على طربوشه حتى توقف عند أذنيه.
ولكن هنا تطوان، وبعد كل هذه السنين، ظهر له كل ذلك كذكريات جميلة لأيام طفولة سعيدة .. وخصوصا حين فتح « السي حماد» ذراعيه وعانقه وضرب على ظهره بكثير من الحنان والمحبة تأثر لهما شلفاط تأثرا بليغا ..
وذهب به إلى مقهى « كونتينتال» الفخم حيث طلب له عصيرا « أورتشاطة» كبير، ودفع ثمنها من جيبه في الحال مع ريال فضي تقيل بقشيشا للساقي، الشيء الذي بهر شلفاط وأخرجه عن واقعه كتاجر صغير في دكان نصف موجوداته فيران ..
وساعد الجو داخل المقهى الفخم بمراياه في الأوساط الأدبية والفنية في المدينة .. وكانت خفته وظرفه وحضور بديهته تخففان من لتعاسة واللعنات التي تعقب مغامراته ومهاتراته وخصوصا مع النساء والضحاياي الساذجين من المعارف السطحيين مثل ولد الحاج شلفاط ..
كان جيب السي حماد خاويا تلك الأيام .. وكانت المسافة بينه وبين آخر بسيطة أمسكها بطريقة شريفة لا تقل عن شهر كامل .. وهي دهر طويل من الجفاف والقحط بالنسبة إليه ..
وحين يخلو جيب السي حماد من الفلوس يبدأ دمه يغلي، وجلده يأكل، ورأسه يدور كالآلة الحاسبة لتخرج باقتراح يمكن الحصول به على مال ..
وحين يحصل على أي مبلغ يغلي دمه أيضا، ويأكل جلده وتدور رأسه حتى يصرفه ! ويقول لرفاقه أن للفلوس في جيبه لمس النار .. لا يستريح حتى يصرفها ..
وقد جرب، حتى الآن، جميع أبواب الرزق .. ذهب بشهادة تعيينه أستاذا إلى جميع المتاجر الكبرى التي تتعامل مع الموظفين بالتقسيط، فكان يشتري منها أشياء ثم يبيعها بنصف ثمنها ويسحق المبلغ في نفس اليوم .. وبدأت الحوالات تصله ليدفع الأقساط فكان يتجاهلها ..
وبدأ يستلف من أصدقائه والمقربين ثم أصدقائه الأبعدين، ثم أي إنسان يرد عليه السلام حتى عاد لا يستطيع الحركة في خط مستقيم داخل المدينة .. الأبدي تمتد إليه من كل جانب مطالبة بدينها ..
وكان، ليصل إلى غرفته الصغيرة داخل المدينة، يضطر إلى الدوران حول سور بتطوان ودخولها من « باب الجياف» حتى لا يمر بدكان أو دائن يطالبه بما له عليه ..
وشكرا لله على أن الغرفة التي كان يسكنها لم يكن صاحبها يتقاضى عنها أجرا .. فقد كانت ناديا أدبيا للجماعة استبد به هو دون الجميع ..
وفي اليوم التقى فيه بولد الحاج شلفاط كانت أصابعه تأكله، ودمه يجري كالفولاد الذائب في عروقه .. وهو يبحث عن ضحية بأي ثمن ..
وحين رآه علق على وجهه ابتسامة عريضة، وذهب إليه فعانقه وضمه بحرارة كبيرة بحيث تحسس بصدره حجم حافظة نقوذه ..
ولم ينطق في محضره بكلمة « شلفاط»، بالمرة .. فقد كانت، نوعا ما، لا تعجب الرجل .. كان يدعو بولد الحاج فقط ..
.. نهار كبير هذا يا أخي .. نهار كبير بمعنى الكلمة! .. يا ترى كيف جرى ورأيتك هذه المرة؟ كيف تأتي إ‘إلى تطوان ولا أراك لأقدمك إلى أصدقائي من أبناء العائلات الكبيرة وأصحاب النفوذ ؟! ..
قال له الكلمة الأخيرة سرا في أذنه، ومال عليه وقرص أصبعه الصغرى .. ونظر شلفاط إليه بعينيه الزجاجيتين الزرقاوين وابتسم عن أسنان صيغتها  السجاير بلون البن المقلي وقد ربطت بين شفتيه أسلاك لعاب بيضاء كخيوط العنكبوت ..
وحرك رأسه في بلاهة، وقال شيئا لم يهتم له السي حماد .. كانت طريقة كلام شلفاط غريبة .. لم يكن ينطق الكلمات بل كان يبلعها وتحمر عيناه وتطرقان كأن شيئا ما فعلا في حلقه.
ووضع السي حماد يده على كتفه، واقترب من أذنيه، ونظر يمينا ويسارا ثم هس :
« وهناك شيء» آخر- شيء آخر .. أعني آخر بمعنى الكلمة ! ».
ورسم في الجو بيديه صورة خصر نحيل وأرداف مكتنزة، ظنها شلفاظ زجاجة مشروب مرطب.
« هل أنت باق هنا الليلة ؟».
ولم ينتظر جوابه :
« هكذا تعجبني. ! لقد قلتها لك ألف مرة .. حين تلقائي في تطوان سأريك كيف يعيش الناس .. الناس.. أعني الناس بمعنى الكلمة».
وفي المقهى اشترى بآخر ما كان في جيبه علبة سجاير « لاكي سترايك». التي كان يعرف مفعول رائحتها على شبان مدينته .. كانوا لا يدخنون إلا في مناسبات خاصة .. في الأعياد مثلا .. وخصوصا عيد المولد حين يذهبون إلى طنجة للفرجة على الاحتفالات، وصرف ما جمعوه من نقود أثناء العالم على الملذات..
وحين فتح العلبة وقدمها لشلفاط أخد هذا سيجارة وتمتم بشيء لم يسمعه السي حماد الذي كان مشغولا باشعالها له وإشعال سيجارته بسرعة ليعود إلى إتمام حديثه عن الفتاتين الموجودتين عنده في مكان ما حتى يجد صديقا يذهب معه ..
وقدم ثلاثة شبان أنيقون، فقام السي حماد وصافحهم واحدا واحدا وقدمهم إلى :
« الأستاذ ابن الحاج من عائلتي ومعه أغنى تجار مدينتنا .. يبيع ويشتري بالجملة .. وله ثقافة عالية رغم أنه لا يحصل إلا على الشهادة الإبتدائية .. أنتم تعرفون الذين يثقفون أنفسهم بأنفسهم دائما أحسن منا نحن أبناء المدارس الذي تكره الدراسة .. تفضلوا معنا ..»
وبدأ يقدمهم إلى شلفاط بألقاب ضخمة وتواريخ عائلية مثيرة .. فكان شلفاط يحرك شفتيه بكلمة «تشرفنا» فلا يخرج إلا ريح ساخن من حلقه لا يسمعه أحد.
- ماذا ستشربون ؟
- . . . .
- هكذا يعجبني وماذا تشرب أنت ؟
- نفس الشيء . .
- برافوا .. برافوا للناقدين على فكرة قرأت مقالتك الأخيرة في الأنيس .. هات يدك يا أخي أصافحك .. إنها روعة .. وأعني روعة بمعنى الكلمة .. إنها تستحق التهنئة .. لقد كنا نتحدث عنها أنا والأخ ابن الحاج قبل حضوركم بقليل ..
- حقيقة ؟ وماذا لفت نظر الأخ فيها بالخصوص ؟ كان شيئا جديدا عليه بالمرة .. والآن ماذا نأكل كختم .. أعرف أنك تفضل القواقع .. حتى أنا .. وأنت؟ «كالأماريس» وأنت ؟ سريدن مقلي؟ جميل .. جميل لقد كملت .!
قالها وهو يفرك يديه، ويدفع شلفاط بغمرته، ويغمز له بعينيه غمزة فيها كثير من المعاني، وشلفاط يمسح العرق البارد الذي تصبب عليه قبل لحظة حين سأله كاتب المقال عما قرأ فيه .. كان يفكر أنه مستعد للانتحار إذا كان ذلك سينقده من أن يعرفوا عنه أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب ..
وبلغ ريقه بصعوبة، وخرج من فمه فحيح ساخن حين سأله الساقي عما يطلب كختم .. أفقده السي حماد؟
- صديقي مغرم بالأنتشوباس .. يحبها أكثر من حب ابن زيدون لولادة .. ورميو لجولييت على أليس كذلك بابن الحاج ؟
- وغمزه بغمزته .. فبلغ الأخر ريقه .. واحمرت عيناه .. وبدأ يتمتم بينما كان السي حماد قد دخل في صلب قصته ..
وتناول الجماعة كؤوسهم، وهموا بالنهوض .. فغمز السي حماد رفيقه بغمزته :

- ادفع دوري ودورك .. لقد نسيت محفظتي في البيت ..
والتفت إلى الجماعة :
- إلى أين الآن ؟ سنجعلها كالعادة .. إيه ؟ دورة كاملة .. كاملة .. وأعني كاملة بمعنى الكلمة ..
والتفت إلى ولد الحاج بينما تقدم الجماعة نحو الباب، فقال له بهمس :
- إنك ستحضر يوما تاريخيا .. أتعرف أنك محظوظا حظا لا حدود له لحضورك في هذا اليوم، وفي هذه الساعة بالذات ؟ سوف ترى العجب .. العجب .. وأعني العجب بمعنى الكلمة .. وأدخل ذراعه في ذراعه وخرجا من المقهى الكبير إلى الممر الزاخر بالحسان والولدان ..
كانت الساعة قد اقتربت من الثانية عشرة صباحا اليوم يوم أحد، وقد أخذ الشارع الرئيسي زينته وبهجته فكان الازدحام فيه لذيذا ممتعا ..
وأمسك السي حماد بيد رفيقه يشق به الزحام كأنه يفرجه في حديقة من ممتلكاته :
- انظر .. انظر .. انظر يا أخي .. حين أقول لك أنظر، لابد أن تنظر .. أرأيت تلك الغزالة ؟ لقد نظرت إليك نظرة عجيبة .. عجيبة .. وأعني عجيبة بمعنى الكلمة ..
وأمسك بيده فشدها إلى صدره ونظر إليه فإذا ابتسامة بلهاء على وجهه الأحمر .. فقال السي حماد :
« أتعرف أن لعينيك الزرقاوين أثر كبير على الفتيات .. لقد لاحظت ذلك منذ مدة .. كل واحدة كانت تنظر إلى عينيك بافتتان كبير .. حتى بدأت أغار منك .. إذا بقيت هنا يوما آخر .. فقط يوما آخر فسوف تغزو قلوب جميع فتيات تطوان ..»
وضحك شلفاط حتى ظهر الضرس المسوس في آخر الصف الأسفل من أسنانه .. وأحس السي حماد برغبة شديدة في الصراخ .. ولكنه كان ذا قدرة عجيبة على قلب شعوره، إذ يمكنه أن يمشي مدة طويلة وحذاؤه اليمنى في رجله اليسرى دون أن يتضايق.
ومرت الجماعة على حانات المدينة بأجمعها وكلما وصل دور السي حماد دفعه شلفاط بإضافة إلى دوره .. وحين اقترب وقت الذهاب إلى حيث ينظر البنات أخذه السي حماد إلى إحدى المباني الضخمة وأشار إليه أن ينتظره، ودخل ثم خرج من باب آخر إلى الشارع تاركا شلفاط يراقب الباب حتى نزل الليل !
ولم يره بعد ذلك إلا في الصيف بعد ستة أشهر حين انتهت الدراسة، وعاد السي حماد إلى مدينته الصغيرة حيث وجد شلفاط ينتظره .. وكالعادة استطاع غسل دماغه بجملة واحدة ..
وفي ذلك الصيف كان السي حماد يأخذ كل يوم شيئا من كان شلفاط ويضيف ثمنه إلى الحساب الكبير حتى انتهى المبلغ إلى ألف بسيطة.
كان السي حماد يتقاضى ألفا وثلاثمائة بسيطة أجرته كأستاذ، يصرفها في نفس الليلة .. كان دائما لا يبقى منها لفطوره مليم واحد .. والجميع يعرفون ذلك .. وفي الصباح يبحث عن أعقاب السجائر الأمس ليدخنها.
ومر الصيف وبدأت الدراسة، وأخذت الرسل تمشي وتعود بين شلفاط والسي حماد .. وموضوع المراسلة كان دائما الفلوس .. وفي النهاية قرر شلفاط الحضور بنفسه لأخذ المبلغ « بالسياسة» أو « بالقوة» إذا اقتضى الأمر ..
إلا أن القوة سوف لن تنفعه لأنه لا حجة له عليه إلا اعترافه .. وهذه لا يمكن الاعتماد عليها كثيرا في مثل هذه الظروف ..
كانت مشكلة شلفاط الكبيرة هي أصغر مشاكل السي حماد .. فقد كان غارقا في المتاعب تلك الأيام حتى الأذنين .. ولولا خوفه من القبض عليه لطول إهماله دفع حوالات المتاجر، وتهديدهم له بإبلاغ البوليس لما فكر نهائيا في هذه المشاكل ..
وقد صارت المدينة بالنسبة إليه المنطقة الحامية التي كادت تبلغ درجة الغليان .. كل بقعة فيها تكويه فلم يعد يستطيع وضع قدميه على الأرض ..
وبدأ يفكر في الهروب ..
كانت مشاكل زوجته التي جاء بها أبوه إليه حين رفض أن يرسل لها شيئا تعيش عليه تكبر كل يوم .. أخوها يهدده بالقتل إذا لم يكتب عليها الصداق .. والفتاة حبلى .. وهو لا يريد أن يعترف بالمولود .. ويخاف أن يستدعي إلى المحكمة فيخسر وظيفته .. إلى جانب مشاكل أخرى لا يعرف عنها أحد شيئا. 

وجاء شلفاط ليضيف إلى الكرنفال قناعا ولحنا جديدين .. فكان القشة التي قصفت ظهر الجمل ..
كان السي حماد في مقهى « الفدان» يلقى النكات، ويشرب الشاي من كأس عامر بالنحل حين أحس بيد مائعة تلمس أكتافه، فشعر غريزيا بخطر مفاجئ ..
والتفت .. فإذا حدسه صادق .. لقد وجد نفسه وجها لوجه أمام شلفاط. فالتفت يحييه ويريد أن يعانقه إلا أن هذا كان باردا كالسمكة حتى أنه بذل جهدا غير قليل ليدفعه قبل أن يعانقه ..
وفي هذه المرة لم يسع السي حماد إلا أن يسمع لكلمات شلفاط التي اعتاد أن يهملها .. لقد تدرب هذا عليها كثيرا .. سنة كاملة وأربع ساعات في طريقه إلى تطوان .. حتى حفظها، رغم صعويتها، عن ظهر قلب .. فتنجح وبدا :
- الفلوس أو المخزن .. فهمتيشي ؟ أقول لك .. الفلوس أو المخزن .. فهمتيشي ؟
وكأنه حاكي قلمت إبرته ..
ونظر السي حماد إلى جماعة أصدقائه فوجد الجميع ينظرون إليه وعلى وجوههم ابتسامات التشفي من المواقف الحرجة التي وجد نفسه فيها في الصباح الباكر هذه المرة .. ونظر إليهم بعين ملؤها التحدي، ورفع يدا فوضعها على كتف شلفاط الذي كان لا يرغب بالمرة في وجودها هناك، وصاح فيه : (الأستاذ سليمان جاء لاستخلاص دين منه)
- يا أخي هذه المرة جئت في الوقت المناسب تماما .. أتعرف ماذا كان يقول لي الأستاذ سليمان ؟
إنه أكبر شخصيات تطوان تأثيرا في جميع الميادين .. يجلس مع الخليفة « وفرانكو» على مائدة واحدة، أتعرف ذلك ؟
ورد شلفاط ؟
سأعرف الفلوس أو المخزن !
فتجاهل السي حماد إصراره، واستمر في كلامه :
- أتعرف ماذا كان يقول لي الآن ؟ كان أولا يهنيني بنجاح قصتي في الإذاعة .. أتعرف ذلك ؟ ألم تسمع اسمي في الإذاعة بالأمس ؟ لقد قالوه أكثر من مرة .. أخوك الفائز بالجائزة الأولى .. بألفي بسيطة .. أتتصور ذلك .. سوف أستلم المبلغ إذا .. وكذلك أجرتي أنت تعرف اليوم الأحد .. غدا الاثنين، وسوف أقبض أجرتي غدا .. آخر الشهر .. أنت تعرف غدا على الساعة الثانية عشرة لابد .. ولابد تقابلني في مبنى النيابة .. نيابة التربية والثقافة أتعرفها طبعا وحين أقبض أسلمك المبلغ .. اتفقنا؟
وأمسك يد شلفاط المائعة فشد عليها دون رغبة منه وقال له :
- والآن .. تريد كأس شاي معنا أم لك أغراض تريد قضاءها الآن ؟
وذهب شلفاط فتنفس السي حماد بعمق لنجاته من هذه المصيبة .. وما كاد يقعد حتى صاح فيه صديقه المختار :
- أخو فطمة .. أخو فطمة آت.!
فقام السي حماد ليختبئ داخل المقهى بسرعة .. وبقي هناك حتى مر الخطر .. أخو فطمة هو أخو زوجته الذي يطلب منه صداقها أو يقتله .. وهو دباغ شديد البأس لا يعرف المزاح مع الأولاد كما يكرر دائما حين يلتقي بالسي حماد ..
وكان ذلك كثيرا على أعصاب السي حماد .. فرغم أنه معتاد على مثل هذه الحياة إلا أنه بدأ يحس بالخطر يحدق به من كل جانب .. لذلك قرر نهائيا الهروب من المدينة إلى حيث لا يمكن العثور عليه ..
وعاد إلى مكانه من الجماعة وهو يحاول أن يعلق ابتسامة على شفتيه ويتفادى عيون صديقه عبد السلام.
كان عبد السلام يعرف السي حماد منذ أن كانا طفلين صغيرين- وهو الشخص الوحيد الذي لا يستطيع السي حماد أن يكذب عليه .. لا لفضيلة الصداقة .. بل لأن عبد السلام يكشف جميع أكاذيبه بسرعة وفي عين المكان .. إلا إذا تفقا على الكذبة .. وخصوصا في محضر الجنس اللطيف ..
 
ونظر إليه عبد السلام ثم ناداه بصوت مرتفع فالتفت هذا فجأة :
- ماذا تريد ؟
ماذا تريد أنت ؟ أعني ماذا ستفعل ؟ أعتقد أن أذيال ملابسك بدأت تلتهب .. لم تبق إلا بضع ساعات وتشتعل النار فيك ..
- ماذا تعني ؟ إنني لا أفهمك.
- أنك تفهم كل كلمة أقولها .. حتى القعر! ولم يسع السي حماد إلا أن يعلن إفلاسه .. ويبدأ في رسم خطة النجاة ..
وفارق الجماعة هناك على أن يلتقوا بعد الظهر، وذهب وحده في اتجاه مبنى النيابة ..
وقبيل الفداء جاء يطلب عبد السلام من القسم الداخلي، فأخرجوه له من المطعم فأخذه دون أن يترك له الفرصة لإتمام طعامه.
- ما هذا ؟ ماذا أصابك ؟
- لقد انتهى كل شيء .. جواز السفر حصلت عليه اليوم .. كان مع البشير طول النهار وهو يبحث عني .. وقد وعدته أن أعطيه خمسمائة بسيطة .. دعك الآن .. تعال .. لا تفكر في الأكل .. اليوم الأحد وهو آخر أيامي في تطوان .. سوف نجعله أحدا .. إنما أحد بمعنى الكلمة ..
والتقيا بشلفاط في الشارع العام فحياه إلى حماد بحركة مسرحية كبيرة كشر لها شلفاظ، وقال له :
- غدا الساعة العاشرة صباحا في مبنى النيابة !
ولم يجب شلفاط .. كانت عيناه بارزتان أكثر من أي وقت آخر، وكان رعدة أصابت مؤخرته .. وفغر فاه واللعاب كخيوط العنكبوت بين شفتين ..
ورد عبد السلام على مسمع من السي حماد :
- الملعون آشلفاط .. آش كتب عليك الله عليك !
وكان بقية الجماعة ينتظرون في بيت صديقه المختار، وهناك بسطت آخر تفاصيل الرحلة المجهولة .. السي حماد ذاهب إلى الشرق !
سيصل هناك ويفتح الطريق لبقية الجماعة .. سيكتب لهم الأحوال هناك، ويهيئ لهم الجو المناسب للقدوم..
وفي تلك الليلة قاضت المأكولات والمشروبات، والسي حماد يدفع بعد الدورة محتجا بجنون إذا حاول أي واحد من الجماعة أن يدفع ..
هذه ليلتي الأخيرة .. الأخيرة .. فينبغي أن تكون الأخيرة بمعنى الكلمة ..
وانحنى عليه صديقه عبد السلام ليسأله من أين هذا الفيض المالي المفاجئ، فإنحنى عليه قبل أن ينطق بسؤاله :
« شف واسكت .. مكتوبة في باب التوت».
وعرف عبد السلام بطريقة ما أن السي حماد قد أخد أجرته في ذلك اليوم .. ذهب يستعطف المكلف بالحسابات بجميع ما لديه من حيل كموت الأم والأب وانهيار البيت على العائلة، وجميع أمراض الدنيا القاتلة حتى الآن قبله فأعطاه أجرته في يوم الأحد .. ماذا يهم يوم واحد قبل الميعاد المحدد إذا كان سينقد أرواحا بتلك الكثرة من الفناء .. ولم يكن السي حماد يتحاشى أن يأتي بأضخم الأعذار ليحصل على أتفه الأشياء- سيجارة مثلا .. ويحرك أكتافه قائلا :
- ماذا يهم ؟ المهم الحصول عليها !
وفي صباح الإثنين، بكر شلفاط إلى قاعة النيابة حيث شهد المحاسب يفتح صناديقه ويوزع ظروف الأجور على الموظفين حتى آخر موظف ثم يقفلها ويذهب، والسي حماد لم يحضر ..
كان السي حماد مسافرا ذلك المساء إلى القصر الكبير ومنه إلى ما وراء الحدود، إلى الداخلية ..
وخرج شلفاط يدرع المدينة ويبحث في كل مكان يمكن أن يوجد به السي حماد ..
وكان السي حماد يتناول الغذاء الأخير في بيت صديقه المختار مع بقية الجماعة .. وحين لم يبق لقيام السيارة إلا نصف ساعة، قام الموكب لوداع السي حماد الراحل إلى الشرق ..
 واقتضى النظر السديد إنه ليس من الحكمة أن يظهر في شوارع المدينة المزروعة بالألغام .. عفوا .. بالدائنين والمتربصين، وأولهم شلفاط ..
وعرج الموكب في طريقه يخترق دروب « الطرنكات» المسقوفة المظلمة ثم يخرج إلى « العيون» فالطلعة.
وكان يقع المحظور .. فرغم أن الموكب رسم طريقه بدقة خلال الشوارع الخالية من الدكاكين التي كان السي حماد مدينا بمبالغ مالية لأصحابها فقد وجدنا أنفسنا أمام آخر دكان قبل تسلق الجبل.
واستمهلنا السي حماد ليفكر في طريقة عبور هذا اللقم دون تفجيره .. فاقترح المهدي :
- لنقفل عيوننا ونمر !
ورددت الأوركسترا تشكيلة من اللعنات ..
واقترح عبد السلام :
عند تعديل على خطة المهدي .. تقفل عيوننا ونطلق سيقاننا للريح ونحن نصيح !
وتدخل عبد الواحد هامسا في تآمر :
- لماذا لا يقفل اثنان منا عليه الباب على الطريقة الكلاسيكية ؟
ولكن السي حماد كان قد تسلل من بيتنا وانبطح على بطنه زاحفا تحت عتبة الدكان ..
وانفجر اللغم .. لسوء حظه كان الرجل خارجا لصلاة العصر على عجل فداس بحذائه الضخم المرقع بمطاط العجلات، والمشبع بمياه الوضوء على رأس السي حماد وغرز رأس عكازه في مؤخرته فزحر هذا وصرخ في نزع عظيم ثم قفز إلى قدميه وانطلق يعوي، والرجل فاغر الفم ممسك قلبه بيديه ..
وانطلقنا خلفه نحن نشق الريح ..
وفي النهاية تسلقا أطراف جبل « درسة» بين الصخور ثم إلى حيث تقف السيارة الخارجة من تطوان لتلتقط ركاب الضاحية ..
ووقفت الجماعة تودعه كل يقدم نصيحة أو طلبا وهو يحني رأسه ويبدي الأسف لفراق الجماعة .. عبد السلام فقط كان يعرف أن السي حماد يوشك أن يصرخ .. إنه يكره مثل تلك المواقف .. ويريد التخلص منها بأسرع ما يمكن ..
وأقبلت السيارة الحمراء لتحمل السي حماد إلى مصيره المجهول .. وودعه الجميع وصعد إلى السيارة بسرعة .. وتنهد عبد السلام حين تحركت السيارة مبتعدة .. كان يفكر لو أنها تأخرت دقائق أكثر من ذلك لاشتعل السي حماد كلفافة من التبن اليابس داخل فرن أحمر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here