islamaumaroc

كلمة افتتاح الملتقى السابع للتعرف على الفكر الإسلامي

  دعوة الحق

154 العدد

ألقى معالي وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية في الحكومة الجزائرية الأستاذ مولود قاسم في الملتقى السابع للتعريف على الفكر الإسلامي في مدينة « تيزي أوز»  10-20 جمادى الثانية 1393، 10-20 يوليو 1973 كلمة قيمة رحب في مستهلها باسم الحكومة الجزائرية بالحاضرين والمشاركين في هذا الملتقى الهام، وتعرض بعدها إلى مقاومة الجماهير في جبال جرجرة وغيرها، ما تحدث بإسهاب عن الأمة الإسلامية التي كانت خير أمة أخرجت للناس تركز عليها او على ما تبقى منها كل وسائل التخريب والتمزيق و التضليل ...

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
أود في بدء هذه الكلمة أن أرحب بكم باسم الرئيس بومدين والحكومة والجزائر كلها، وفي هذه الربوع بالذات، عند سفح هذه الجبال الشامخة الشماء التي صاعدت الغزو والاحتلال، وكافحت الاستعمار والإذلال، على مر العصور واختلاف الغزاة، هذه القلعة من قلاع الاحتجاج والإشهاد، بالتضحية والاستشهاد، في وجه كل ثمود وعاد.
إنها جبال جرجرة التي تحمل قمتها للا خديجة اسم أم بطلة كانت امرأة من عظماء الرجال، للا فاطمة نسومر التي كافحت الجيش المعتدي سنة 1856-1857، الذي كان يقوده سبع جنرالات على رأسهم الحاكم العام الفرنسي في الجزائر، المريشال راندون، وجرعتهم مر العذاب، وأعطتهم، على رأس جيشها من المسلمين، صورة حية عن الفداء والجهاد !
نلتقي اليوم والأمة الإسلامية - وأقول الأمة الإسلامية - التي كانت خير أمة أخرجت للناس، تركز عليها أو على ما تبقى منها كل وسائل التخريب، والتمزيق، والتضليل!
نلتقي لنتدارس نقاطا من صميم ما تعاني منه هذه الأمة، نقاطا تتصل بصلب حياتها، إذا لم تعالج عجلت بموتها !
1) فتشريعها، المنتظر منه أن يبين لها شرعتها، ويضمن لها، إذا ما طبق، سلامتها وتماسكها، بل ونموها وازدهارها، أبعد ما يكون، في أغلب جوانبه عما شرع الله لها من الدين، وأقرب ما يكون إلى إبعادها عن قواعدها وأصولها، وهي روح القوانين، وشريعة الجهد، والجهاد، والاجتهاد !
2) ووحدتها، التي كانت قوتها ووجودها، خاطرت بها عن غفلة وسذاجة من قوم تبع لكل من يريد هلاكها ووأدها، بعد أن أعد لذلك بالتآمر على فك عراها وتفتيتها، وراحت تصفق لكل غراب ناعق، لسم خصومها لاعق، غربان مختلفة الألوان والصفات، ولكنها في هذا موحدة الأهداف والغايات، فتحاقد طورانيوها وقحطانيوها، فمزقتها الشعوبية، وكادت لها الدونمة، وشهد لها لورانس بالشجاعة والعبقرية، ووقع عبد الحميد لرفضه أن يوقع، فسقطت معه القبلة الأولى، وأصبحت الأمة في غمة، وضحكت من جهلها الأمم!
لقد نشرت أخيرا جدا مجلة «درشبيغل» الألمانية مقالا عن الإسلام جاء فيه أن «خلافة جديدة توحد المسلمين من المغرب إلى أندونيسيا ستبقى حلما من أحلام المثاليين، وأمنية من أماني الطوباويين»
هل يبقى الأمر في عصر التجمعات الكبرى، عبر الأجناس والقارات، والأديان واللغات، على ما هو عليه لأمة الإسلام من التشتت والتفرق، والتنازع والتمزق، وهي التي ينبغي أن يجمعها كل شيء، وألا يفرق بينها أي شيء؟
هل من جواب على التحدي؟ هل سيبقى العقد هكذا منتشرا، والمجد إلى الأبد مندثرا؟
3) وسلامة عقيدتها وصحة إيمانها؟ ألم يعبث العابثون بعقول الكثير من أبنائها وبناتها، بعد أن ظننا أنها، أي هذه الأمة، باستعادة الاستقلال الذي كان تآمر عليه المبشرون مع الجنرالات بالتمهيد للاحتلال، ستضع عندها حدا لعبث التبشير، فتستأصل جذوره، وتجتث أصوله وبذوره؟
هل ننسى في الجزائر مثلا ما قام به دوفوكو من دور في هذا المجال، الذي أدى به إلى ما نعرفه من مآل؟ ولا فيجري بعده، ألم يجهد نفسه في تنصير اليتامى في 1866 إثر المجاعة، وإن لم تكن لمساعيه كل النجاعة؟
كثير من السذج لدينا يستخفون بمحاولات الذين هم بالضلال والردة مبشرون، ويقولون خطأ عنهم إنما هم لجهودهم مبذرون!
ولكنهم ينسون أن أحد أساطين التبشير وهو زويمر هو الذي قال إن الغاية من التبشير ليس التمسيح بالضرورة، ولكن يكفينا أن نذبذب المسلمين، ونشككهم في عقيدتهم ونزعتهم وثقتهم بأنفسهم وأصالتهم.
لقد أكدنا مرارا لمختلف رجال الدين المسيحي في الخارج، الذين زارونا ببادرة منهم، من بروتستانت وكاثوليك، وأرثوذكس، أن الإسلام، إن كان سمحا، فهو لا يتسامح في نفسه، وإننا مستعدون دائما لمساعدتهم في مهمتهم ... ولكن لدى أبناء دينهم، وعليهم أن يتركوا أبناءنا وشأنهم!
ومع ذلك لا نزال نتلقى أكواما من الرسائل من دوائر تبشيرية مختلفة، ومن بلدان متعددة، شرقية وغربية، يأتي إلينا آباء الأطفال الذين ترسل إليهم بالبريد، أو توزع عليهم قرب المدارس، يأتون إلينا محتجين علينا بأننا لا نفعل شيئا لإيقاف هذا السيل العارم من هذه المحاولات الإجرامية، للتغرير بالأطفال العزل الأبرياء!
4) وأبناء هذه الأمة في الخارج، وما يتعرضون له من مثل هذه المحاولات، ومن غيرها مما هو أكثر إغراء لهم، أو ضغطا عليهم، ماذا يمكن هذه الأمة، أو ما تبقى منها، أن تقوم به إزاءهم؟
 فهناك ملايين من المسلمين في أوربا، وأمريكا، وأستراليا، وأبناؤهم يزداد عددهم باطراد.
أما من نواد ثقافية؟ أما من مدارس ابتدائية وثانوية مزدوجة اللغة؟ هذا ما قررت بعض الدول الشروع فيه، وعزمت على إنجازه، ولكن يدا واحدة لا تصفق، كما يقال، وهل من تنسيق، وتعاون، والإقلاع عن الإهمال والتهاون، على الأقل في هذا المجال؟ هل من تدخل فعال من جمعيات خيرية، وبوادر فردية، تدعيما لجهود الدول والمؤسسات؟
5) وأخيرا، وليس آخرا، تعاني هذه الأمة المسكينة من نفسها ربما أكثر مما تعاني من غيرها، وما ربك بظلام للعبيد! نعيب على الغير، ولكن العيب فينا، نعيب على جيل اليوم، وعلى الزمن، وعلى القرن الرابع عشر الهجري، أو العشرين الميلادي، والعيب كله فينا، وأبو الطيب هو الذي قال:
نعيب زماننا والعيب فينـــا وما لزماننا عيب سوانـــا!
وأظن أن عنوان محاضرة أستاذنا الدكتور عثمان أمين، الذي اقتصر على الجزء الثاني من صدر البيت، يشير إلى نفس الموضوع، وإن لم نتصل بالنص بعد!

وفعلا، ألا تبحث هذه الأمة في مجموعها عن حتفها بأنفها، وألا تخرب بيتها بيدها، وألا تعرض دولها وطهارة أطفالها بالسموم والجراثيم بما تعرضه في أجهزتها الرسمية من خلاعات، ونابيات، في شكل أفلام تدعو إلى الإلحاد، والانحلال، وتدفع الأحداث إلى الجنوح، بل والكبار إلى الإجرام، كما رأينا أمثلة لذلك نستطيع أن نذكرها بالأسماء؟
و نود أن نقول هنا بدون أية مبالغة إن بعض الأشرطة التي تعرض في تلفزات كثير من البلدان الإسلامية تحث حثا مباشرا على الانحلال والإجرام، هذان التوأمان المشؤومان !
ألا نستفيد من تجارب الدول التي تصدر إلينا مثل هذه الأشرطة؟ أم نريد أن نعرض أنفسنا لما تعانيه، وإن لم تكن لنا نفس الوسائل لمعالجته، أو التخفيف من حدته، إذا ما نما واستشرى!
لقد جاء في جريدة لوموند بتاريخ 30 مارس 1973 أن أمريكا تنفق ما يعادل 750 مليار فرنك قديم سنويا على مكافحة الإجرام.
هل لذة الخمور، ومتعة الأشرطة البوليسية والإجرامية، تستحقان أن ندفع من أجلها هذه المبالغ على فرض توافرها لدينا، ونعرض مجتمعاتنا للهزات والزوابع؟ هذا هو السؤال!؟
لقد جاء في إحدى الصحف الأوربية أخيرا أن فرنسيا رفع قضية على شركة للطيران لأنها عرضت، في طائرة لها وهي في الجو، شريطا مخلا بالآداب، شاهده مكرها وبجانبه بنته الصغيرة.
قد يكون هذا السعي منه ناشزا في نظر الكثير. ألا يستحق منا المناصرة والتقدير؟ أم نحن نحب النشوز في السلبيات فحسب، لأن المنحدر دائما أسهل، والإنسان إلى الشر بطبعه أميل؟
إن أجهزة الإعلام وسائل هائلة، وجامعات شعبية خصبة أو قاتلة، إذ تنفذ إلى صميم الديار والأسر. فماذا نريد أن يكون برنامجها؟ وماذا نريد أن يتعلمه منها أطفالنا؟ وماذا نريد أن نجعله بواسطتها من أمتنا؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يلقيه المسلمون على أجهزة إعلامهم ومسؤوليهم، لأن المصيبة عامة طامة لأغلب أجزائها التي زرناها، أو قرأنا عنها ونقرأ عنها اليوم، وما أكثرها تلك التي تستحق اللوم والعقاب!
إن المسؤولية لن يعود لها معنى إذا لم يكن أمام المسؤولين سائلون، وإذا مات حس الخير والشر في النفوس، وانعدم روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واكتفى رجال الدين بالفتاوي الإدارية، واقتنع رجال الفكر والفن بالتنسيق، والتزويق، والتصفيق !!
أليست هناك أشرطة علمية، تاريخية، موسيقية راقية، تربوية، تملأ بها البرامج، وتغذى بها العقول، وتستطيع الأسرة مجتمعة أن تشاهدها بدون أي تخوف أو احتياط؟
هناك بلدان أوربية تمنع بعض المناظر لا في شوارعها فحسب، بل حتى على شواطئها، وفي بواديها، وتعاقب عليها العقاب الشديد.
ونحن نرى هذه المناظر ليس فقط في شوارع الكثير من البلدان الإسلامية التي نعرفها، ولكنها تتبع الإنسان حتى إلى المنزل، وتنفذ إلى صميم الأثر!
وفي الأخير، هل نحن مسلمون بصدق، أو فقط عن وراثة وتقليد؟ هل نحن في الإسلام، أم ننتمي إليه فقط من بعيد، بالذكريات والنسب المقطوع، كأبناء الدوقات، والمركيزات، والأميرات، والملوك، والأباطرة، والقياصرة، الذين زال ملكهم، وطردوا من بلادهم يعيشون في المنفى، وليس لهم من ملك آبائهم وأمهاتهم إلا اللقب الشرفي الموروث؟
اسمحوا لي أن أختم هذا « الوعظ والإرشاد »، كما قد يرى البعض، بذلك التحذير الذي استخف به الألمان في إحدى مراحل تاريخهم، وندموا على ذلك مر الندم، وهو «Wehret den Anfaengen» أي حذار من البداية !!.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here