islamaumaroc

كعب بن مالك شاعر رسول الله

  دعوة الحق

154 العدد

                                       -1-
أأكتب  هنا عن بن مالك شاعر رسول الله ، " الصحابي الأديب " كما أطلق عليه الأديب الكبير عبد العزيز الرفاعي ، و إن كنت لا أوثر على لقب شاعر رسول الله شيئا آخر ، لأن ذلك هو أكبر فخر لكعب ، و هو الحقيقة الكبرى في حياته ، و هو التعريف الأتم و الأهم له ، و لأن أي وصف سواه قد لا يمنحنا ما يمنحنا إياه العنوان من التصوير الكامل و التصور الدقيق لشخصيته .
أم أكتب هنا بن مالك هذا الكتاب الجديد الرائع ، الذي ألفه الأستاذ الرفاعي ، و هو كتاب جدير حقا بالكتابة عنه ، و الدراسة له ، و العناية به ؟
أم أكتب عن الأمرين جميعا : شخصية كعب ، و شخصية الكتاب الذي هو اليوم بين أيدينا عن كعب ؟
لقد يكون من الأنسب أن أترك ذلك كله :
لأن دراسة كعب في حياته و شخصيةته النفية و شعره و نقائضه ونثره قد ارتفع بها الرفاعي  إلى مكان الصدارة ، مما تصبح معه كل كتابة عن كعب حديثا معادا مكرورا .
و لأن الكتاب لا أرى أحدا يختلف ، أو يصبح لهأن يختلف معي في أهميته ، فهو ممتع حقا بعرضه و أسلوبه و بساطته ، و صدقه وو ضوحه ، و هو كذلك يحتوي على جديد من الحديث ، فإن الكتابة عن كعب تعد جديدة ، إذ لم يكتب أحد عنه في أدبنا المعاصر ترجمة منهجية مثل هذه الترجمة ، و الترجمة الأخرى التي كتبها محقق ديوان كعب و صدر بها الديوان ، و إن كانت هذه الدراسة الجديدة التي أخرجها الرفاعي تمتاز بمنهجية أصيلة التزمها المؤلف و هو يؤرخ لعلم من أعلام الصحابة ، رضوان الله عليهم ، و باهتمامه بدراسة كعب أديبا " يجيد صوغ العبارة ، و يحسن سرد القصة ، قبل أن بفكرفي أمره كشاعر جهير " ، و بأنه " طرق مواطن من البحث جديدة لم تطرق من قبل ، و لو انها من القلة بمكان كبير " كما يقول  الرفاعي في مقدمته لكتابه . على أن دعوة الرفاعي في صدر كتابه إلى إخراج معجم مفصل دقيق شامل لصحابة رسول الله صلى الله المسلمين و علمائهم إلى القيام بها ..
و لقد أثار الكتاب بأسلوبه و شخصيته واتزان البحث فيه و دقته و شموله في نفسي كثيرا من الإعجاب و التقدير و العرفان بالفضل للمؤلف الفاضل عبد العزيز الرفاعي ، جزاه الله عنا خير الجزاء.
على أن حديث المؤلف في الكتاب عن نثر كعب و نقائضه ، و عن أسرته و سيرته ، و عن شعره المشهور،  هو حديث جميل دقيق مفيد ، و فيه تركيز شديد .
إنه لأولى بي هنا أن أدرس ما بعثه الكتاب في نفسي مشاعر مختلفة ، و ما أثاره أمامي من مشكلات فنية طارئة ، فقد يكون دلك أكبر فائدة للقراء ، و أكثر صرفا للوقت فيما لا تكرار فيه و لا إملال . و لسوف أحاول ذلك هنا في إيجار شديد .
                                       -2-
و أولى هذه المشكلات هي ما ذكره أبو عمار في كتابه (ص 54) نقلا عن أبي الفرج في كتابه " الأغاني " من أحد الصحابة جاء إلى رسول الله ، فقال له : إن أبا سفيان بن يهجوك يا رسول الله، فقام ابن رواحة فقال : يا رسول الله أتذن لي فيه .
و أغلب الظن عندي إن هذه القصة هي في أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، و هو ابن عم رسول الله ، لا في أبي سفيان بن حرب ، و كان ابن الحارث قبل إسلامه شديد العداوة لرسول الله و الهجاء للمسلمين ، و كان يشترك مع شعراء مكة من المشركين في معركة الهجاء التي احتمدت بينهم و بين شعراء رسول الله في المدينة و هجاؤه لرسول الله هو الذي يلفت أذهان الناس لمكان قرابته من رسول الله، ولإصالته في الشعر، أما صنيع أبي سفيان بن حرب فلم يكن له هذه الأهمية عند أحد .. و قد يصح لنا أن نذهب إلى أن كلمة " حرب " محرفة عن كلمة "الحارث ".
و ثانية هذه المشكلات هي هذه الواية التي رواها أبو عمار مؤلف " كعب بن مالك " عن صاحب الأغاني أيضا ، فقد ذكر في كتابه (ص55) أنه لما انهزم المشركون يوم الأحزاب قال رسول الله لأصحابه : إن المشركين لن يغزوهم بعد اليوم و لكنهم تغزونهم : و تسمعون منهم أذى ، و يهجونكم ، فمن يحمي أعراض المسلمين ؟ فقام عبد الله ابن رواحة فقال : أنا ، و قام كعب بن مالك فقال : أنا .
فهذا التمهيد للحديث ، الذي وقت به أبو الفرج لزمن الحديث نفسه ، يدل على أن  معركة الهجاء بين شعراء المشركين و شعراء الرسول إنما قامت بعد غزوة الأحزاب ، أي بعد شوال من السنة الخامسة للهجرة .
و هذا يقف بنا إلى حد التساؤل : ألم يكن لمعركة الهجاء هذه أثر بعد بدر واحد ، بل منذ هاجر رسول الله إلى المدينة حتى أواخر السنة الخامسة للهجرة ؟
إن الحديث نفسه قد يمكن تأويل لفظة " و يهجونكم " فيه إلى المغالاة في الهجاء ، أما الهجاء نفسه فقد كان موجودا منذ هجرة رسول الله و اشتد بعد بدر، و بعد أحد ، و غيرهما من الأحداث الكبرى في حياة الإسلام في المدينة .
لقد كان هناك عدة رهط من قريش في مكة يهجون رسول و الأنصار ، من مثل عبد الله بن الزبعري ، و أبي سفيان بن الحارث و أبي سفيان بن حرب و عمرو بن العاص و ضرار بن الخطاب ، و أبي عزة الجمحي ، و هبيرة بن أبي وهب المخزومي القرشي ، و أمية بن أبي الصلت و سواهم . و قد استنصر رسول الله شعراء الأنصار ، و ندبهم للرد عليهم ، فاجابه منهم ثلاثة : حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك و عبد الله بن رواحة ، و حسان أشعرهم ، و يذكر إسلام في كتابه " طبقات الشعراء " (ص88) غن رسول الله بعث لابن رواحة فقال له : عليك بالمشركين ، و إثنى على كعب و نوه  بشعره في الدفاع  عن الإسلام .
وقد أخد حسان و كعب يعارضان المشركين بمثل  قولهم في الوقائع و الأيام والمآثر و المثائب ، و كان كعب يخوفهم الحرب ، و حسان يقبل على الأنساب ، و ابن رواحة يعيرهم بالكفر ، فكان أشد  القول عليهم قبل أن يسلموا هو شعر حسان وكعب و أهون القول عليهم شعر عليهم ابن رواحة ، فلما أسلموا و فقهوا في الدين كان أشد القول عليهم هو شعر ابن رواحة .
إن توقيت أبي الفرج لهذه المعركة الأدبية هو الذي يلفت النظر ، و يثير الفكر ، وأنا أرى أن هذا التوقيت زيادة من أبي الفرج لا تدل على حقيقة ، وهي بكونها مبالغة في التقدير أولي من كونها حقيقة واقعة ، لظاهرة أدبية كبيرة حدثت بعد الهجرة .
أما المشكلة الثالثة فهي هذا الشعر التاريخي الذي قاله كعب ، و عرض له صديقنا ابو عمار في كتابه ، من مثل شعر كعب في بيعة العقبة الكبرى و أسماء النقباء الإثنى عشر ، و منمثل شعره في الغزوات ، و في مقتل عثمان ، و فيما سوى ذلك كنقائص كعب و بعض فخره و هجائه و رثائه مما ذكره المؤلف في جوانب كثيرة منه .
و أنا أرجح أن تعد ذلك كله فرعا لشعره الإسلامي الذي هو اهم ميزة لكعب وشاعريته ، و الذي هو أجل جوانب كعب و أكبرها و أولاها بالإهتمام من النقاد والدارسين.
أما ما عرض له المؤلف الجليل من حديث عن القصة في أدب كعب فهو ناحية تستحق الإهتمام حقا : و يذكر لمؤلف ابن حجر يسمى حديث كعب في تخلفه عن تبوك قصة ، وأنا شديد الاعجاب بذلك ، يصنيع ابن حجر وصنيع الرفاعي في تسمية هذا الحديث الذي  ورد في البخاري قصة ، فهو يحتوي كل عناصر القصة الفنية و أصولها .
و أما الخلاف حول سن كعب ، إضافة أو حذفا لبعض سنين من ميلاده أو وفاته ، مما ذكره الأستاذ الرفاعي ، فهو كذلك مع الخلاف فيه في التحديد شيء مثير ، وان كان اقل من ان يسمى مشكلة .
   فوفاة كعب هي في عام خمسين من الهجرة اي عام 670 م وقد ذكر ذلك مؤقتا ، ولكن أصحاب الموسوعة الميسرة يجعلونها عام 673 م أي عام 53 هـ ، وهذا التاريخ  لم يذهب إليه مترجمو كعب.
   اما ميلاد كعب فهو نحو عام 25 ق ه عند المؤلف ، وذلك يعادل عام 597 م والموسوعة الميسرة تقدره عام 596م ، وهو لا يتفق  مع المعادلة التاريخية بين التاريخين الهجري والميلادي ، ويقدره محقق الديوان بعام 27 ق ه ، وذلك هو الذي يوافق عام 596 م ، والاختلاف في ذلك كله امره سهل ويسير .
  اما المشكلة الاخيرة فهي ان الاستاذ الكبير الرفاعي يذكر في كتابه ( ص 27 ) ان كعبا كان وحيد ابويه، وان اباه لم يكن له ولد غير كعب ( ص 17 ) .
ثم يذكر في مقام آخر ( ص 19 ) ان كان من اخوته سهل وسراقة .
وبعد فشعر كعب قد جلاه في صورة جليلة الرفاعي المؤلف ، وهو شعر قريب الى انعقل والفكر والى الشعور ايضا .. ومما قاله كعب بعد غزوة الاحزاب قوله :
وسائلـة تسائل ما لقينـا
                  و لو شهدت رأتنا صابرينا
صبرنا لا نرى لله عدلا
                 على ما نابنا متوكلينا
و كان لنا النبي وزير صدق
                 به تعلو البرية أجمعين
لننصر احمدا و الله حتى
                 نكون عباد صدق مخلصينا
و يعلم أهل مكة حين ساروا
                 و أحزاب أتوا متحزبينا
بأن الله ليس له شريك
                 و أن الله مولى المؤمنينا                                 
   وبعد فكتاب " كعب بن مالك " بدراسته الجميلة ، ومنهجه الاصيل ، وذوقه الجليل ، حسنة من الحسنات ، وله عند كل مقدر للبحث و أعبائه محل رفيع من التقدير .. ومقدمته بأناقتها البيانية ،وأفكارها الجياشة ، وبمحاولتها الربط بين ماضينا وحاضرنا – عمل جليل .
شكرا لعبد العزيز الرفاعي .
وتقديرا لكتابة " كعب بن مالك " الصحابي الأديب .

                                                                                       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here