islamaumaroc

مالك بن المرحل: الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصره.-2-

  دعوة الحق

154 العدد

2- حياة ابن المحل و محيطه ..
1- حياته : في مالقة و سبتة و فاس من خلا أوضاع عصره :
أصل شاعرنا من مصامدة المغرب، و اسمه الكامل مالك بن عبد الرحمن بن علي ابن عبد الرحمن ابن فرج .. انتقل أحد أجداده إلى جزيرة الأندلس و نزل بوادي الحجارة بمدينة تسمى باسمه، مدينة الفرج(1)  و منها انتقل إلى مدينة شنتمرية، و لما احتلها النصارى سنة خمس وستين و خمسمائة كان بها علي بن عبد الرحمن جد شاعرنا، فغادرها مهاجرا إلى مالقة، فلقب بالمرحل. و جرى هذا اللقب بعد ذلك على أولاده، و بمالقة هذه ولد أبو الحكم، و أبو المجد مالك بن المرحل في سابع عشر محرم سنة أربع و ستمائة الموافق لسبعين و مائتين و ألف ميلادية كما يعدد ذلك هو نفسه إذ يجيب ابن عبد الملك المراكشي حين سأله عن مولده(2).
  يا سائلي عن مولدي كي أذكره
                              ولدت يوم سبعة و عشرة
  من المحرم افتتاح أربـــــــــع
                              من بعد ستمائة مفسرة
ولكننا لا نعرفه إلا بسبتة، فمتى رحل من مالقة(3) هذه التي ولد فيها إلى سبتة ؟ و ما الداعي إلى هذه الرحلة ؟ هل هي عدوى الرحيل انتقلت من أجداده و التي حملوا اسمها بسببها قد نالت منه فرحل إلى سبتة ؟ و هل هو الحنين إلى الوطن قد هتف به و دعاه إلى ذلك ؟ أم هو شيء آخر غير ما ذكرنا ؟
أما عن السؤال الأول متى رحل، فليس بين أيدينا ما يثبت لنا ذلك نهائيا لا في مؤلفاته ولا في أقواله، و كل ما نستطيع أن نصل إليه أنه انتقل إلى سبتة و هو صغير. و ما بأيدينا هو وثيقة صداق كتبه شعرا لأسرة العزفيين ولاة سبتة قبل توليها، يذكر فيه تاريخ كتابة الصداق بسنة ثمان و عشرين و ستمائة و هو منظوم في بحر البسيط(4) يقول :
  في شهر ذي الحجة يوم الخميس ضحى
                                 و ذلك في سادس من عشرة الأخرة
  في عام عشرين زد لها ثمانيـــة
                                 من بعد ستمائة كلها قمر
  فأحمد شاهد بالعقد فيه علـــــى
                                 شقيقه الزوج إبراهيم بالمهد
  و ما لك عابد الرحمن والــــده
                                 من الشهود بمنظوم و منتشر
و هكذا نجد أنه قام بهذه الشهادة و له من العمر أربع و عشرون سنة، و لا بد أن يكون له قدم في المدينة حتى يأخذ هذه المكانة التي تؤهله ليكون موثقا معروفا مشهورا في البلاد فيشهد لإحدى بيوتات المدينة المشهورين بالمال و العلم. و من المؤكد أيضا، أنه لم يكن صغيرا جدا، إذ يخبرنا المترجمون له أمثال بن القاضي أنه تلا بالسبع على أبي جعفر أحمد ابن الفحام المالقي، أي أنه قرأ القرآن و جالس عددا من الشيوخ أمثال أبي بكر بن عبد الرحمن بن علي، و أبي عمر بن ساليم و أبي النعيم رضوان ابن خالد و ابن عسكر، و ستأتي ترجمتهم، فأخذ عنهم ما أهله ليكون موثقا يشهد في زواج ابن أبي القاسم العزقي المذكور آنفا، خاصة و أن المصادر لا تذكر، كما لا تدل الأحوال على أنه درس بسبتة.
أما الداعي إلى رحلته، فالغالب أنها كانت كرحلة جده علي بن عبد الرحمن من شنتمرية إلى مالقة و لنفس الأسباب و الدواعي، إذ من المعلوم كما عرفنا سابقا، أن وقعة العقاب سنة تسع و ستمائة، التي انهزم فيها الموحدون، كانت انعكاساتها مؤلمة على الأندلسيين، إذ بعدها تمكن النصارى من الاستيلاء على أكبر مدن الأندلس كإشبيلة و قرطبة و غيرهما من المدن و القلاع. مما دعا كثيرا من أهل بلاد الأندلس للنزوح إلى غرناطة أو الهجرة كما سبق أن ذكرنا في التمهيد التاريخي، إلى المغرب عامة، و سبتة خاصة، فرارا بدينهم و أموالهم و حياتهم(5) فليس من الستبعد أن يكون رحيله إلى سبتة لمثل السبب الذي اضطر إليه جده ليقينه بأن العدو لن يلبث أن يصل إلى مالقة كما سقطت غيرها، و هو ما حصل فعلا، و إن تأخر الزمان قليلا، و ليس ببعيد أن يكون أهله قد لاقوا حتفهم في إحدى معارك المسلمين مع النصارى، فقرر، وهو الغريب، أو بناء على توصية من أهله قبل وفاتهم، النزوح إلى سبتة بعيدا عن ذلك الجو. و يؤيد هذا الرأي شطر من أبيات تركها قبل وفاته أوصى أن تكتب على قبره يقول فيها :
زر غريبا بمغرب نازحا ما له ولي
و قد أتم ابن المرحل دراسته بالمغرب، و كانت بفاس، إذ لم يثبت أنه ذهب إلى غيرها، حيث أخذ عن أبي زيد البرنوصي و الفقيه اليزناسي، فحصل من دراسته باعا طويلا في علوم اللغة والآداب، إلى جانب اطلاعه على علوم الشرع مما أهله لمنصب القضاء مرات بجهات غرناطة و غيرها.
لا نعرف متى ذهب إلى فاس لإتمام دراسته، والغالب أنها كانت في أوائل سن قدومه لسبتة، أما توليه القضاء بجهات غرناطة، فلا شك أن ذلك كان و سبتة في عهدة الموحدين و حكمهم، إذ ظلت كذلك إلى سنة أربعين و ستمائة حين استولى عليها ابن خلاص، و إليها من قبل الموحدين. و يظهر من خلال الأحداث، أن ابن المرحل كان رجلا متدينا محترما منذ يفاعته، و لعل ذلك يرجع إلى أسرته أيضا، إذ نراه يتولى صناعة التوثيق من أربع و عشرين سنة، و يتولى القضاء، و هو مهمة لا يقدم لها إلا من عرف بأخلاق مستقيمة و اتزان و ذكر طيب بين الناس، ثم نراه فيما بعد بفاس يحرض الناس للتطوع لمحاربة النصارى بالأندلس، و ذلك من عمل الفقهاء المجاهدين.
و تجمع التراجم على اختلافها أنه كان حسن الكتابة، و الشعر غلب عليه(6)، و حسن الكتابة هذا بمعنى جودة الإنشاء و براعة الأسلوب و جمال الخط، قد أظهره انتخابه لكتابة دولة ابن الأحمر بالأندلس(7) و الأمير أبي مالك عبد الواحد المريني المرشح إذ ذاك لولاية العهد و لأبيه السلطان يعقوب الذي استكتبه كما جاء في الإحاطة(8) و لابنه يوسف من بعده و هذا ما وضعه في مكانة سامية على النطاق الرسمي، و هو ما يطلعنا على ما كان له من حسن صيت، و علم، مما يجعله في مصاف من زاولوا الكتابة بعده في بلاط المرينيين من أمثال ابن الخطيب السلماني الغرناطي، و ابن خلدون صاحب المقدمة.
و لم تكن الكتابة و انتخابه لها ناتجا عن خطه الحسن وأسلوبه الواضح الرائق، بل و عن خصال فيه نادرا ما تتوفر في الناس حتى المثقفين معهم فقد كان « نافذ الذهن شديد الإدراك قوي العارضة و التبريز في ميدان اللوذعية و حرارة النادرة وحلاوة الدعابة » « .. و قصد في رواية العلم و الشعر الملح و الفوائد لسعة الأفق و انفساح المعرفة و علو السن و طيب المجالســـة »(9).
فهذا و ما عرفناه من صفاته الحميدة، و أخلاقه المثالية، هو ما تبحث عنه الملوك، و هو ما تبحث عنه قصور المرينيين، و مجالسهم بالذات. و قد غلب عليه النظم و الشعر فكان أكثر إنتاجا و قد سهل عليه القول حتى كاد لا يتكلم إلا شعرا، إذ لا يتصل بكتاب أو فكرة إلا نقلها شعرا و سيأتي الحديث عنه و عن شعره في غير هذا المكان.
و يظهر أن ابن المرحل كان فترة انتدابه للقضاء، يستغل فراغه للمزيد من الدراسة في إشبيلية، فقد أخذ بها عن أبي علي الشلوبين و أبي القاسم بن بقي(10) و لعل هذا ما أخره عن قول الشعر إلى أن حصل من دراسته باعا طويلا في علوم اللغة و الأدب إلى جانب دراسته الأولى في علوم الشرع قبل أن تتفتق شاعريته بسبتة لأول مرة وهو يتقبل بلاده في عودته النهائية إليها فيقول :
   سلام على سبتة المغرب
                         أخية مكة أو يثــــــرب(11)
أو يتغزل بجمالها منشدا :
   أخطر على سبتة و انظر إلى
                         حملها تصبو إلى حسنه(12)
   كأنه عود غناء وقد
                        ألقي في البحر على بطنه
و يذكر مترجموه أنه انتقل من سبتة إلى فاس ثم رجع إلى سبتة، ثم عاد إلى فاس ثانية و بقي بها إلى أن توفي بها. و يظهر أن المرة الأولى التي انتقل فيها من سبتة إلى فاس هي التي كانت من أجل تتميم دراسته و بين عودته لسبتة و رجوعه لفاس ثانية كان يتولى القضاء للموحدين بجهات غرناطة و غيرها فلم كانت عودته الثانية لفاس سنة اثنين و ستين و ستمائة ؟
ذكر صاحب الذخيرة السنية في تاريخ هذه السنة قال « فيها جاز المجاهدون من بني مرين و المتطوعة من أهل المغرب إلى الأندلس برسم الجهاد.. و هو أول جيش جاز إلى الأندلس من بني مرين، و السبب في جوازهم، أن النصارى، دمرهم الله تعالى، كانت تكالبت على بلاد المسلمين بالغارات و السبي، فأبادوا أكثرها، و أهلكوا قواعدها، فتفجع أهل العدوة لحالهم، فصنع الفقيه الأديب المكنى بأبي الحكم مالك بن المرحل رحمه الله قصيدة يحرض فيها بني مرين و سائر المسلمين على جهاد الكافرين و نصرة بلاد الأندلس من المسلمين المستضعفين فإنه كان في تلك السنة بمدينة فاس، يكتب للأمير أبي مالك بن أمير المسلمين أبي يوسف فقرئت القصيدة بصحن جامع القرويين من فاس يوم الجمة بعد الصلاة، فبكى الناس عند سماعها، و انتدب كثير منهم للجهاد »(13) و القصيدة من البسيط يقول في مفتتحها :
   استنصر الدين بكم فاستقدموا
                            فإنكم أن تسلموه يسلـــــــــم
   لا تسلموه الإسلام يا إخواننا
                            و اسرحوا لنصره و ألجموا
و لكن تلمذه ابن الزبير يقول عنه : « تقدم ذكره و قدموه علينا بغرناطة و آخر انفصالاته آخر سنة أربع و ستين و ستمائة » فما سبب وجوده بها ؟
لقد كان ابن المرحل صديق القصرين، قصر ابن الأحمر أولا ثم قصر المرينيين و كاتبهما معا، فليس أفضل منه لتقريب وجهتي النظر بين القصرين، و لعل سفرته لابن الأحمر موفدا من القصر المريني ليشرح لهم أسباب تأخر السلطان عن نجدتهم إثر طلبهم لها، و الجواز إلى الأندلس في تلك الظروف التي لم يكن قد تم للمرينيين الاستيلاء على المغرب ؟
و هكذا يكون عاد منها إلى سبتة و مكث بها مدة، قبل أن يرجع لفاس نهائيا حيث وافاه الأجل، فتكون مرات ذهابه و إيابه بين سبتة و فاس ثلاث مرات لا مرتين كما ذكر بعض مترجميه.
الأولى للدراسة و الثانية و هو كتابة الأمير وحض الجاهدين للتطوع و الأخيرة كسفير و هي ألتي توفي إثر عودته منها بفاس.
و لكنا نعلم أنه رجع لسبتة من جديد بعد ذلك بمدة، فلم كان رجوعه إليها هذه المرة ؟ هل لموت الأمير أبي مالك متبوعه أثر في هذا الرجوع ؟ فقد ألقى ابن المرحل قصيدة تهنئة يفتح مراكش سنة ثمان و ستين و ستمائة و بقي مدة سافر إثرها إلى سبتة و كانت وفاة الأمير مالك سنة إحدى و سبعين و ستمائة وهل لها صلة بقدوم أبي طالب العزقي سنة اثنين و سبعين و ستمائة إلى فاس لمصالحة أبي يوسف و صرفه عن سبتة بعد دخوله إلى طنجة و استيلائه عليها و بعد تغلب جيوش المرينيين عليه و هو صديق القصرين، فلعب بذلك دور النابغة في سبيل قبيلته بين قصري الحيرة و غسان ؟ قد يكون كل هذا أو بعضه. و لعلها السنوات أيضا التي تصدر فيها للتدريس بعد أن توسعت معارفه و نضجت وذاع ذكره و كثرت تآليفه إذ تخبرنا المصادر التي ترجمت له أن كل من أخذ عنه انتقل إليه بسبتة.

محيــط ابن المرحــل

اختلف محيط ابن المرحل باختلاف أطوار نشأته و سنه و ظروفه و يتكون هذا المحيط من أقاربه و أشياخه و أصحابه و تلامذته و متبوعيه و معاصريه ..

أقاربــــه :
(1) أخته : سبق أن قلنا أن ابن المرحل كان غريبا وحيدا حينما نزح إلى سبتة اللهم ما كان من أخت له ذكر صاحب الإحاطة أنها تزوجت من إبراهيم الأنصاري التلمساني(14).
(2)صهره : إبراهيم المذكور، و يكنى أبا إسحاق، كان فقيها عارفا مبرزا في العدد و الفرائض، أديبا شاعرا رحل به أبوه من تلمسان حيث ولد سنة تسع و ستمائة إلى غرناطة، و هو ابن تسع سنوات فأقام بها ثلاث سنوات انتقل بعدها إلى مالقة التي أخذ بها معظم قراءاته، و لعل صداقته لابن المرحل في صغره و التعرف على أسرته جعله ينتقل إليهم بسبتة ليجدد علاقته القديمة مع صديق الطفولة مالك، و إحياء عواطف القلب الكامنة منذ الصغر نحو أخته، بالمصاهرة، و قد توفي بسبتة سنة تسعين و ستمائة.
(3)ابنه محمد و قد ترجم له ابن القاضي بقوله : « محمد بن مالك بن عبد الرحمن ابن المرحل
المالقي ... أجاز له والده وابن الحسين بن أحمد ابن الربيع .. و أجاز لابن رشيد و لغيره، و لم يذكر وفاته في مشيخته(15).

شيوخــــه :
أما عن شيوخ ابن المرحل فهم كما في مختلف الكتب التي ترجمت له :
1- جعفر بن الفحام، أحمد بن علي بن محمد ابن علي الأنصاري المالقي، رحل إلى شرق الأندلس و تلا هناك بالسبع، و كان تقيا ورعا مؤثرا للخلوة(16).
2- ابن عسكر : أبو عبد الله بن عسكر تلميذ أبي علي الرندي، النجيب، الذي أثنى عليه و أشار بأن يخلفه في موضعه لتصدر الإقراء.
3- أبو عمرو بن سالم بن صالح الفهرواني المالقي، و الأديب المقيد الضابط، أحد نحاة مالقة المشهورين.
4- أبو النعيم رضوان بن خالد، أحد شعراء عصره المشهورين، من أظرف الأدباء زيا و مجالسة توفي خارج بلده مالقة.
أما شيوخه بالمغرب فهم أبو زيد البرنوصي، و الفقيه اليزناسي، و لم أعثر على ترجمة لأبي زيد هذا، أما الثاني فلعله أن يكون :
5- عبد الرحيم بن محمد اليزناسي، العلم الصالح الفاضل المحصل المتقي و المكنى أبو زيد أحد العلماء الذين لهم السبق، رحل إلى المشرق، و لقي الأفاضل وجد و حصل كان مخصلا لمذهب مالك و أصول الفقه على طريقة الأقدمين و دخل بجاية ثم ارتحل عنها إلى فاس و استوطنها إلى أن توفي بها، و كان له ظهور بها(17).
أما في إشبيلية، فقد لقي بها أبا علي الشلوبين و هو من أئمة النحو المشهورين بالأندلس المتوفى بإشبيلية.
6- أبوا القاسم بن بقي وهو أحمد بن مخلد الفقيه المحدث، و لي القضاء مدة طويلة إلى أيام السلطان أبي يوسف المريني، و سنة من أيام ابنه محمد(18)
و لا أظننا في حاجة لتبيين مدى العلاقة التي تربط بين هؤلاء الاشياخ و تلميذهم أديبنا أبي الحكم الذي نراه نسخة لما عرفوا به من فضل و علم و فقه و لغة و قراءات و ما عرف به بعضهم من روحانية و تصوف.

تلاميــــذه(19) :
كما أخذ أبو الحكم فقد أعطى و عرف من تلاميذته ثلة من الأدباء و الشعراء، كان لهم شأن و وزن يذكر في عصرهم، و منهم :
أ-أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي الغرناطي الأندلسي و يكنى أبا جعفر روى عنه و رحل إليه من بلده و خارجها الكثير، و تصدى للإقراء و إسماع الحديث و تعليم العربية و تدريس الفقه، و كان من أهل التجويد و الإتقان عارفا بالقراءات حافظا للحديث، متسع الرواية، بحث عنها و انتقل من أجلها إلى سبتة، فلعل ذلك للاتصال بشيخنا أبي الحكم لما عرف من علمه الواسع، و كان مولده بجيان سنة ثمان و عشرين و ستمائة.
ب- أبو حيان : أثير الدين محمد بن يوسف البربري النفزي النحوي الأندلسي المتوفى سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و قد أجاز له ابن المرحل، يقول المقري : و ممن كتب عنه من مشاهير الأدباء، أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن بن علي بن الفرج المالقي بن المرحل(20).
ج-ابن عبد الملك المراكشي : أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك الأنصاري الأولي المراكشي، أخذ عن ابن المرحل بسبتة، و هو أديب بارع الكتابة، يقرض الشعر صاحب التأليف المشهور في تراجم الرجال « الذيل و التكملة لكتابي الموصول و الصلة »(21)، ذكر ابن المرحل في كتابه المذكور و وصفه بشيخنا،كما أخذ عليه مآخذ عروضية و غيرها في قصيدتين أوردهما له في كتابه المذكور(22) في مدح مثال النعل النبوية، منها كثرة التضمين كعيب من عيوب المنظم و غيرها من عيوب القافية. و قد رد عليه ابن رشد السبتي(23) صاحب الرحلة المعروفة ب ملء العيبة و إحضار ما جمع بطول الغيبة في الوجهة إلى مكة و طيبة و هي في أربعة أسفار.
أ-أحمد بن عبد الله الأنصاري المعروف بارصافي المتوفى سنة 650 يذكر ابن القاضي أنه أخذ عن أبي الحكم مالك ابن المرحل و عن صهره إبراهيم التلمساني الأنصاري و يورد خبرا على لسانه يقول : أخبرني شيخي بمدينة سبتة أبي الحكم مالك بن المرحل قال، ثم يروي خبرا عن أبي إسحاق إبراهيم بن سهل كاتب أبي علي بن خلاص صاحب سبتة(24).
ب-أبو جعفر أحمد بن محمد بن سعيد بن علي بن مالك المعافري من أهل غرناطة تولى قضاء المرية و ووادي آش ومالقة يقول عنه في درة الحجال أجاز له مالك بن المرحل(25).
ج-أبو عبد الله محمد بن جعفر الاسلمي يعرف بابن مشتمل و بالبلياني بشرق الأندلس توفي سنة 736 يقول عنه ابن القاضي أجاز له جماعة، منهم ....و الأديب مالك ابن المرحل(26).
د-القاضي أبو إسحاق إبراهيم الغافقي الإشبيلي، ولي القضاء بسبتة بعد خروجه من بلده إشبيلية عند تغلب الروم عليها سنة 646، أخذ اللغة على صدر النحاة ابن أبي الربيع، و روى عن ... و الأديب الفرضي أي الحكم مالك ابن المرحل لقب بأستاذ الطلبة و إمام الحلبة(27).
ه-محمد بن يوسف بن إبراهمي الامي نزيل المرية و يعرف بابن مشون من أساتذه المرية و مقرئيها، رحل إلى سبتة فأخذ بها عن ... و سمع إلى أبي إسحاق إبراهيم التلمساني و الأديب الحكم مالك ابن عبد الرحمن بن المرحل و الأديب أبي الحكم مالك الحسن عن عتيق بن حسين بن وثيق التغلبي(28)

معاصــــروه :
و من معاصري الشيخ أبي الحكم و أصحابه الذين وصلته بهم ظروف الأدب أو العمل أو المعاصرة.
1- أبو علي الحسن بن عتيق بن الحسين بن رشيق الثغلبي، وهو مرى الأصل سبتي الإستيطان، جاء في الإحاطة : « و قد وقعت بينه و بين ابن المرحل من الملاحات و المهاترات، أشد ما يجري بين متناقضين »(29) و لا ندري لها سببا سوى أن تكون نوعا من التنافس الأدبي، للشهرة الكبيرة التي لحقها ابن المرحل في سبتة، فأراد ابن رشيق أن يظهر على حسابه أو يزحزح مكانته في قصر سبتة ؟ أم هي عداوة الأدباء شاعت، دفعته إلى هجوه حسدا لما أصابه من سمعة و انتشار صيت ؟
قد يكون ! و لكن المعروف عن ابن رشيق أنه كان موحشا، جهم المحيا، فاحش القول، و قد جاء في قصيدة هجاء له في ابن المرحل ما ينم عن دعابة و سخرية كانت في ابن المرح، و لعل اجتماعا ضمهما، و أصابه إحدى دعاباته، أو علم عن لمز منه فيه، فوجد عليه، و نظم قصيدة في هجوه يقول فيها :
   لكلاب سبتة في النباح مدارك
                           و أشدها دركا لذلك مالك
   شيخ تفانى في البطالة عمره
                           و أحال فكيه الكلام الآفك
   أحلى شمائله السباب المفترى
                           و أعف سيرته الهجاء الماعك
و ألذ شيء عنده في محفل
                           لمز لا ستار المحافل هالك
يخشى مخاطره اللئيم تفكها
                          و يعاف رؤيته الحليم الناسك(30)
و بعثها له مع كلب علقها في رقبته، و القصيدة طويل، و لكننا نكتفي بما سبق لما في الباقي من فحش و سقط الكلام(31).
و بصرف النظر عما تحمله من تهم باطلة بعد ابن المرحل بريئا منها، و لا تتناسب مع ما بلغنا عنه، من أخلاق فاضلة، و احترام بين الأوساط المختلفة، رغم ذلك فابن المرحل لم يقابل الهجو و السب بمثله و لم يغضب أو يغتاظ، بل أجاب ابن رشيق، بأعصاب هادئة تدل على نضج عقله و رزانة فقيه عالم :
   كلاب المزابل آذينني
                         بأبوالهن على باب داري
   و قد كنت أوجعها بالعصا
                         و لكن عوت من وراء الجدار(32)
2- ابن الربيع : العالم النحوي الذي جرت بينه وبين ابن المرحل مناظرة حول ( ماذا ) و التي قال فيها ابن المرحل ببيتيه المشهورين :
   عاب قوم كان ماذا
                      ليت شعري اسم هذا
   و إذا عابوه جهلا
                      دون علم كان ماذا؟
و ألف كتابا في الرد عليه سنورد الحديث عنه في موضعه من مؤلفاته النثرية.
3- سارة، بنت أحمد بن عثمان بن الصلاح الحلبية الفاسية، أستاذة و شاعرة و طبيبة ماهرة، كانت لها مكانة مرموقة في الأدب، أجادت كثيرا من الصناعات، أصلها من الشام وفدت على الأمير المستنصر بالله الحفصي صاحب إفريقيا فمدحته و دخلت سبتة أواخر المائة السابعة عن طريق الأندلس فمدحت رؤساءها، و قد صدر منها في مالك ما يدل على صداقة و مودة، و تقدير له وإعجاب به و بعلمه إذ تقول :
   يا ذا العلا يا مالكي
                     أنعم علي بمالك
   العالم المتفنن البحـ
                     ــر المحيط السالك
   يا نفس إن جاد الزما
                     ن به بلغت منالك
   و لطالما قد نلت ما
                      أملت من آمالك
فراجعها ابن المرحل بقوله و ذلك بمدينة سبتة :
   يا نظرة الدنيا لقد
                  حزت العلا بكمالك
   جمعت لك الآداب
                  حتى أنهى كمالك
   و ملكت أفئدة الورى
                  فالناس فيك كمالك
   أن قايسوك بمالك
                  ألقوك أملك مالك
فردت عليه برسالة نثرية بليغة، و أجابها بأبيات شعرية قال فيها :

قل للتي سارت برائق شعرها تحكي ابن سارة
الآن إذ سارت ركابك في البلاد دعيت سارة
بل أنت هاجر إذ هجرت بتونس دار الإمارة
ثم وفدت على أبي يوسف بن عبد الحق المريني بمراكش، فمدحته، و في أيامه توفيت بالدار البيضاء(33).

متبوعــو مالــك بن المرحـل :
لم يكن ابن المرحل من المتملقين أو الراغبين في التمسح بأبواب القصور أو حياتها فيما نعلم من خلال آثاره و أخلاقه، بل كان شيخا حكيما و فقيها ورعا و مسلما مؤمنا، و عالما، و أديبا قانعا، ذا نفس أبية. ففرض وجوده على البيئات المختلفة، و هو سيد نفسه، و لا غرابة و هو القائل :
   أبت همتي أن يراني أمرؤ
                           على الدهر، يوما له ذا خضوع
   و ما ذاك إلا لأني أتقيـ
                            ـت بعز القناعة ذل الخضزع(34)
و قد استكتبه السلطان أبو يعقوب كما عمل في كتابة الأمير أبي مالك عبد الواحد ابنه من قبل، فمدح أعمالهم و انتصاراتهم و شجاعتهم في نسر المسلمين و تهدئة الأوضاع، فكان على حق، لم ينافق، فالتاريخ يشهد على ما قام به المرينييون في نصرة الإسلام خاصة في الأندلس، جهادا لوجه الله، لم يريدوا من ورائه الحصون و المدن التي تسقط في أيديهم من حرب الروم إلى الحاكمين من أهل الأندلس، بل و حتى لرؤوس قوادهم، فكان أولئك الخونة الجبناء من حكامها يقدمونها هدية و تملقا مرة أخرى إلى من فقدوها من الأسبان، و ليس من شك في أنه لاقى تقدير رؤساء سبتة لمعرفته و مكانته، خاصة و أن اتصاله بولاتها العزفيين، لم يكن حديث العهد، فمن هؤلاء الذين اتصل بهم أو طلبوا منه العمل في خدمتهم :
1- السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور المريني المولود سنة ست و ستمائة الذي بويع سنة ستة و خمسين و ستمائة و الذي تم في عهده القضاء على جل الثورات الخطيرة، التي أعطت الاستقرار للمغرب، و قد حارب يغمراس صاحب تلمسان، و جاز إلى الأندلس أربع مرات، أحرز فيها على انتصارات استرد فيها كثيرا من الحصون و المدن، و أعاد الطمأنينة لنفوس المسلمين من سكانها، و قد مدحه ابن المرحل بقوله و هو من البسيط :
أنتم لأبناء عبد الحق كلهم
                         فخرهم للورى فخرا إذا افتخروا
فحبكم شرفا إن كان جدكم 
                         بر بن قيس جده مضر (35)
و قد استكتب ابن المرحل، و استقدمه إلى فاس من بلاده سبتة، و لعله وجد في علمه و أخلاقه ما يفيد ابنه ولي العهد، و كان السلطان يحبه و يعزه كثيرا فخصه به.
2- الأمير أبو مالك عبد الواحد : ابن السلطان أبي يوسف يعقوب المنصور المريني الذي أخذ له أبوه البيعة، من القبائل و العلماء و الأشراف لولاية العهد سنة ثمان و ستين و ستمائة بعد انتصاره في مراكش، و سقوطها من يد الموحدين كآخر معقل لهم « و كان الأمير أبو مالك على غاية العقل و الذكاء و النبل و الكرم و النباهة و السياسة و الإقدام و الحذق و الشجاعة و علو الهمة و مكارم الأخلاق، محبا في الأدب و التاريخ مقربا للعلماء و الفقهاء و الشعراء، و يذاكرهم »(36) و قد كان ساعد أبيه الأيمن في محاربة الخارجين عن الطاعة و الطامعين و حرب الموحدين. رفع إليه ابن المرحل قصيدة تهنئة بفتح مراكش سنة ثمان و ستين و ستمائة و هي البسيط يقول فيها :

 فتح تبسمت الأكوان عنه فما
                            رأيت أملح منه مبسما و فما
 فتح كما فتح البستان زهرته
                            و رجع الطير في أفنانه نغما
 بفتح مراكش عم السرور فما
                            يكابد الغم إلا قلب من ظلما (37)
و قد توفي الأمير أبو مالك سنة إحدى و سبعين و ستمائة.
3- أبو القاسم محمد بن القاضي المحدث أبي العباس أحمد الشهير بابن العزفي اللخمي كان قيامه بسبتة سنة سبع و أربعين و ستمائة في دولة المرتضي الخليفة الموحدي بمراكش، قتل والي سبتة من قبل الرشيد الموحدي أبا عثمان بن خلاص، و ملك طنجة و دخل أصيلة، و توفي سنة سبع و سبعين و ستمائة عن سبعين سنة، و كان قد كتب رسالة طويلة إلى قبائل المغرب يستنصرهم فيها و يحثهم على الجهاد في سبيل الأندلس سنة اثنين و ستين و ستمائة، و هي السنة التي ألقى فيها ابن المرحل قصيدته بالقرويين يستنفر المجاهدين و سيأتي الحديث عنها في محله، و لا يبعد أن يكون اتفاق قد حصل بينه و بين ابن المرحل في استنفار المجاهدين للأندلس، و هو صديقهم و شاهد أفراحهم، إلا أن ما ضاع من شعر ابن المرحل، و البعيد عن متناول أيدينا، لم يمكنا من إظهار مدى العلاقة الجديدة التي كانت تجمع بينهما ثم بينه و بين ابنه من بعده أبي طالب، و هم ولاة سبتة(38).

 

(1)  سلوة الأنفاس ج 3 ص 99 – درة الحجال ص 323 رقم 897 – جذوة الاقتباس ص 222/223 بغية الوعاة للسيوطي ص 384 – دائرة المعارف الإسلامية مجلد 4 رقم 31.
(2)  درة الحجال ج 2 ص 323 – سلوة الأنفاس ج 3 ص 99.
(3)  بسبب ولادته بمالقة فيما نظهر عده بعض المؤرخين كابن خلدون من أدباء الأندلس الذين انتهت إليهم صناعة الشعر و النثر، أنظر المقدمة ص 565.
(4)  جذوة الاقتباس ص 225.
(5)  يقول ابن خلدون، و ألقت الاندلس أفلاد أكبادها من أهل تلك المملكة بالجلاء من العدوة الإشبيلية إلى سبتة، و من شرقي الأندلس إلى إفريقيا. المقدمة ص 565 الفصل 43.
(6)  جذوة الاقتباس ص 222/223 – سلوة الأنفاس ج 3 ص 99/100 – درة الحجال ج 2 ص 323 رقم 897 بغية الوعاة ص 384.
(7)  المقدمة لابن خلدون ص 565.
(8)  الإحاطة المجلد الأول ص 483.
(9)  جذوة الاقتباس ص 222/223.
(10)  يقول ابن خلدون عنه في مقدمته ص 565 : و مالك بن المرحل من تلاميذ الطبقة الإشبيلية بسبتة.
(11)  درة الحجال 327 – أزهار الرياض ج 1 ص 29
(12)   أزهار الرياض ج 1 ص 29 – جذوة الاقتباس 223 – درة الحجال ص 324 ج 2
(13)  الذخيرة السنية ص 108.
(14)  الإحاطة : المجلد الأول ص 336.
(15)  درة الحجال ص 282 رقم 742 ج 1.
 بغية الوعاة ص 384
(16)  الذيل و التكملة ج 1 ص 322.
(17)  جذوة الاقتباس ص 223.
(18)  الغصون اليافعة ص 32.
(19)  سلوة الأنفاس ج 3 – ص 100.
(20)  نفح الطيب ج 3 ص 305.
(21)  الذيل و التكملة : ج 1 ص 331.
(22)  الذيل والتكملة ص 331 -335.
(23)  أنظر تعليق الدكتور بنشريفة في الذيل ح 1 ص 331 و ما بعدها.
(24)  درة الحجال ص 14 رقم 37-38.
(25)  درة الحجال ص 69 / 70 رقم 166.
(26)  درة الحجال ص 188 رقم 54.
(27)  تاريخ قضاة الأندلس لأبي الحسن النباهي المالقي الأندلسي. نشر ليفي بروفانسال ص 133.
(28)  درة الحجال ج 1 ص 176 رقم 495.
(29)  الإحاطة . المجلد الأول صفحة : 480.
(30)  جذوة الاقتباس ص 112.
(31)  الإحاطة ص 480 – 483 و النفح ج 5 ص 279.
(32)  الإحاطة المجلد الأول ص 483.
(33)  معجم أعلام النساء بالمغرب الأقصى : المكتب الدائم للتعريب ص 15/16.
(34)  سلوة الأنفاس ج 3 ص 100 و جذوة الاقتباس ص 224. و درة الحجال ص 323 ج 2 – أما صاحب النبوع فينسب البيتين إلى عبد المهيمن الحضرمي.
(35)  الذخيرة السنية طبعة دار المنصور.
(36)  الذخيرة السنية ص 135.
(37)  الذخيرة السنية ص 135.
(38)  أزهار الرياض ج 2 ص 374.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here