islamaumaroc

العقاد الإنسان

  دعوة الحق

154 العدد

حياة العقاد ونتاجه أثارا نقعا كبيرا في الاوساط العلمية والادبية وكانا وراء الحوافز التي دفعت بالكثيرين إلى الكتابة والتخبير، ويعتبر العقاد من أبرز رواد النهضة الفكرية في العالم العربي بما خلفه من تراث ضخم تناول الادب والشعر كما تناول الدين والسياسة والفلسفة وعلم الحشرات....!
تقول عنه موسوعة الآداب: ولد عباس محمود العقاد سنة 1889 في أرض مصر وتناول بالدرس والتحليل عدة مواضيع في النقد الادبي وكذا عدة محاولات علمية وفلسفية وجمالية. ويعتبر العقاد بحق من المع الادباء المشهورين في مصر، وقد رشحته ثقافته العربية والانجليزية لأن يكون رائد المدرسة العصرية في الفن والآداب. وقد اهتم خاصة في أخريات أيامه بالسير الاسلامية، وتبتدي في أعماله قصته المشهورة المدعاة الشاعر ( 1931) وجوته (1932) الذي يختصه المؤلف باعجاب وتقدير كبيرين. كما أن الفضل راجع للعقاد في جلاء شخصيات بعض العباقرة المسلمين، إذ كتب عن عبقرية محمد وعبقرية الصديق وعبقرية عمر وعبقرية خالد بن الوليد وعبقرية علي....الخ)
ويقول الاستاذ طاهر الطناحي:كان الفقيد العزيز يحب الحياة على الرغم من متاعبها وأذاها وعلى الرغم المعرفة ويغرم بها، ويجحب أن يصل إليها وتصل إليه ولو تحت التراب...! كنا وكان الناس يعرفون ذلك عنه فلما بلغ السبعين من عمره، كان الكاتب الجليل يزوره ليكتب عن " وحي السبعين"، فسأله: هلا تزال تحب الحياة اليوم، كما تحبها بالأمس؟ فأجاب الكاتب الكبير: لم يتغير حبي للحياة ولم تنقص رغبتي في طيباتها، ولكنني اكتسبت صبرا على ترك مالابد من تركه، وعلما بما يفيد من السعي في تحصيل المطالب وما لايفيد، وزادن حماستي الآن لما اعتقد من اغلآراء ونقصت حدتي في المخاصمة عليها، لقلة المبالاة باقناع من لا يذعن للرأي والدليل. وارتفع عندي مقياس الجمال، فما كان يعجبني قبل عشر سنين، لايعجبني الآن فلست اشتهي منه أكثر مما أطبق....كنت أحب الحياة كعشيقة تخدعني بزينتها الكاذبة وزينتها الصادقة.فأصبحت أحبها كزوجة أحبها وأعرف عيوبها وتعرف عيوبي. لاأجهل ما تبديه من زينتة وما تخفيه من قبح وذمامة. انه حب مبني على تعرف وفهم....
أما أهم جانب في فلسفته عن الحياة فهو ما استفاده من الطبع الموروث وجاءته بعض الزيادة من التجارب والقراءة، ويعني بذلك قلة الاكثرات للمقتنيات المادية، فأعجب شيء عنده هو تهالك الناس على اقتناء الضياع والقصور وجمع الذخائر والاموال. وهو يعتقد أن نابليون مهرج إلى جانبالعالم باستور والاسكندر المقدوني بهلوان إلى جانب ارشميدس.
أما عن الحب- وهو ذو اثر بالغ في حياة العقاد- فقد كتب لمجلة الدنيا الاسبوعية سلسلة مقالات بعنوان "مواقف في الحب" وهي التي يجمعها فيما بعد كتاب "سارة". وإذا كنا سنعود للحديث عن الموضوع بشيء إلى أن العقاد كان شديد الحساسية سريع البكاء، وقد أثبتت المراجع العلمية والنفسية أن أقوى الرجال أسرعهم إلى التأثر والبكاء، ومن أمثلة التأثر والحساسية الشديدة عنده أثناء سجنه بتهمة العيب في الذات الملكية، وقع نظره يوما على جلاد يهوى بسوطه على ظهر سجين، ثم ينبثق الدم من ظهر الرجل المسكين....فعاد إلى مكانه في السجن باكيا، وقلبه يكاد ينفطر شفقة ورحمة، ومكث مريضا مدة أسبوع كامل، ولم يستطع النوم ثلاث ليال بأكملها، وظلت صورة الدم على ظهر السجين تشاغل عينيه، واستمرت أنات الرجل تدوى في أذنيه، ولم يرحم خياله أن ذلك الرجل قد أتى دنيا استحق عليه العذاب.
كان الرجل العزيز يعرف الحب بأنه اندفاع روح إلى روح، واندفاع جسد إلى جسد، وخلاصة فلسفته فيه أنه قضاء وقدر، فهو يرى أننا لانحب حين نختار، ولانختار حين نحب، وأننا مع القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت، لأن الحياة وفقد الحياة هي أطوار العمر التي تملك الانسان، و لايملكها الانسان. بيد أ نه ينقل عن الفليسوف الالماني شوبنهور قوله بأن النساء أبدا صغيرات وأن شبت اجسماهن خلال الاعوام، ولاتزال المرأة طفلة كبيرة الجسم في كل أدوار حياتها لأنهن كالصغار صبيانيات الميول، خفيفات لالاحلام، قصيرات النظر وانهن لا يفتان لاهيات.
والعقاد اعزب لم يتزوج- ولعله انصرف عن اتلزواج لفشله في حياته العاطفية في صدر حياته ولعله أغرم بالكاتبة الشهيرة "مي زيادة" وكان بينه وبينها الهيب من العاطفة وأتون من الشوق، ولعلها هي التي رمز إليها بهند في قصته سارة، ويفرق العقاد بين هند وسارة فيقول، فإذا كانت سارة قد خلقت وثنية في صاحة الطبيعة فهند قد خلقت راهبة في دبر من غير حاجة إلى الدبر، تلك مشغولة بأن تحطم من القيود أكثر ما استطاعت، وهذه مشغولة بأن تصوغ حولها أكثر ما استطاعت من قيود ثم توشيها بطلاء الذهب وترصعها بفرائد الجوهر، الحزن الرفيع والالم الغزير شفاعة عند هند مقبولة، إذا لم تكن وحدها الشفاعة المقبولة، أما عند سارة فالشفاعة الاولى بل الشفاعة العليا هي النعيم والسرور، تلك يومها جمعة الآلام-وهذه يومها شم النسيم..
وللعقاد آراء طريفة في المرأة سجلها في كتاب أصدره عام 1912 وأطلق عليـــــه "الانسان الثاني" وذكر فيه أننا نعيش في عصر خليق بأن ندعوه عصر المرأة، فإنك لاترى ألا أثر من أثارها حيث ذهبت، وقليلا ما تجد عقلا لا يشتغل بأمرها، أو قلبا لا يشتغل بها حتى لقد بلغ بهذا العصر الطريق أن يرغب الناس في صدورها ورسومها في أوراق التبغ وعلب الثقاب وحلوى الاطفال واعلانات المتاجر والسلع حتى لقد أصبحوا يضعونها أحبولة يتصيدون بها الناس في حفلات البر ومجالس الاحسان.
وللعقاد بوصفه انسانا يتفاعل مع بيئته ويهتم بمصير بلاده مواقف بطولية لم يتلكا فيها عن الاعلان بما يلزم من الحرية والصراحة عن راية الشخصي مهما استبطر الحاكمون وأولوا الامور، وفي هذا المضمار، كتب مقامات كان لها دوي عظيم وأثر خطير في الاوساط الادبية والسياسية تختص منها بالذكر تلك المقامة التي اطلق عليها " نادي العجول" وكاد العقاد يذهب من جرائها إلى جزيرة مالطا منفيا من البلاد، وجاء، فيها: أيها السادة: أن العجل مدني بطبعه، ونحن العجول قد ميزنا الله على بني آدم بضخامة الاجسام وصلابة القرون، وقد غبر بهؤلاء الناس زمان كانوا يعرفون فيه بأسنا ويتمسحون بأذيالنا، حتى أيقنوا أن لن يقوى على حمل هذه الدنيا أحد سوانا، فعبدونا من فرط الاجلال، وسبحوا لنا بالعشي والآصال، وكانوا يحسدوننا على قروننا، فدعوا أكبر أبطالهم وأشدهم بأسا وأرفعهم ذكرا، أعني الاسكندر المقدوني بذي القرنين، وما اسكندرهم هذا وما قرأناه؟ أن أصغر عجل بيتنا لبهتم رأسه إذا ناطحه، ويجند له إذا واثبه أو صارعه، فالعجب لك أيتها العجول، لا تذكرين ذلك المجد الخالد، فتقام لك الصوامع والمعابد، بدل النوادي والمعاهد".
ذلك أحد المواقف التي وقفها العقاد دون غطرسة ولا خيلاء، فهو يقول عن نفسه:
" فعباس العقاد هو في رأي بعض الناس مع اختلاف التعبير وحسن النية، هو رجل مفرط الكبرياء ورجل مفرط القسوة والجفاء....ورجل يعيش بين الكتب ولا يباشر الحياة كما يباشرها سائر الناس ورجل يملكه سلطان المنطق والتفكير ولا سلطان للقلب ولا للعاطفة عليه ورجل يصبح ويمسي في الجد الصارم فلا تفتر شفتاه يضحكة واحدة إلا بعد استغفار واغتصاب، واقسم بكل ما يقسم به الرجل الشريف أن عباس العقاد هذا رجل لا أعرفه ولا رأيته, ولا عشت معه لحظة واحدة ولا التقيت به في طريق.....وتفيض ذلك هو الاقرب إلى الصواب.
تفيض في ذلك هو رجل مفرط في التواضع ورجل مفرط في الرحمة واللين ورجل لايعيش بين الكتب إلا أنه يباشر الحياة، رجل لايلفت لحظة واحدة في ليله ونهاره من سلطان القلب والعاطفة ورجل وسع شدقاه من الضحك ما يملأ مسرحا من مسارح الفكاهة في روايات شارلي شابلن جميعا.
والمعروف عن العقاد أنه ميال بطبعه إلى العزلة. وفي ذلك يقول في اعترافاته: وأول ما اعترف به أنني مطبوع على الانطواء، وإنني مع هذا خال بحمد الله من العقد النفسية الشائعة بين الاكثرين من اندادي في السن ونظرائي في العمل وشركائي في العصر الذي نعيش فيه، وقد وردثت طبيعة الانطواء من أبي وأمي فلا أمل من الوحدة وإن طالت بغير قراءة ولا تسلية، ولاتزال أقضي ألايام على حدة حيث يتعذر على الآخرين قضاء الساعات واللحظات. وقد يمر عليه أسبوع وهو قابع في داره لايبرحها، وقد سئل ذات يوم: لماذا كنت قليل التنقل نادر الاسفار؟ فأجاب: لأني كثير السياحة بين الكتب.
وعزلة العقاد لم يكن يدعو إليها البعد عن الناس والاعتصام بالابراج العاجية. زاره الاستاذ عدنان الداعوق في بيته بعد طول تردد لهيبته من هذا الرجل الذي يهبه ويخاف من لسانه الجميع. وأمام باب منزله وقف ولايدري كم طالت وقفته..لكنه تذكر الكثير الكثير وتساءل بينه وبين نفسه:
- أهذه هي صومعة العقاد....ومأوى تلك العبقرية الفذة؟
وكانت أول زيارة يقوم بها إلى منزله. وارتسمت على شفتي الرجل العملاق ابتسامة بسيطة بلا تكلف ولا تزييف....ورحب به:
- أهلا وسهلا.تشرفت بمعرفتك...
ويشهد الداغوق أنه اروع ترحيب لقيه في حياته.
وامتدت به الجلسة وهو مأخوذ بعلم الرجل وعبقريته وسعة صدره واعتداده وقوة حجته وثقافته، وواسع اطلاعه وبعد افقه، ورسانة حديثه وبالغ اسلوبه، وحسن وفادته وترحيبه وتقديره.
وخرج من عنده وهو أشد ثقة به من قبل، وكان على وفرة ما قرأ له من آثار لم يلتق بالصورة الرائعة للعبقري الفذ والعالم والفليسوف.....والانسان الكامل.
وللاطفال في دنيا العقاد مكانة يحسدهم عليها الكهول والشيوخ، لأن معلمينا الصغار لايكتمون شيئا وكل ما كتموه ايرزوه وضاعفوا ابرازه، فمن لم يتعلم حقائق الضمير الانساني من الطفل فما هو بمستفيد شيئا من علوم الكبار، ولو كانوا من كبار العلماء.
والفقيد الكبير يرى أن الصغير الذي يرفع العصا ليدرك بها القمر يعود بك كما كنت يوم ملأت عينيك من القمر أول مرة، فزعم لك خيالك الطريف أنه على مد الذراع القصيرة، وانه إذا احتاج منك إلى جهد فغاية هذا لجهد أن تصعد إلى سقف وترفع العصا إليه، فتنزل به إليك!
أن التليفون لايدهشك إذا نظرته واستمعت إليه، ولكنه يملأك بالدهشة كلما حدثت طفلا من وراء المسافات البعيدة فسمعته يهال ويصيح على من حوله أن ينظروا إليك مختبئا في جوف السماعة المسحورة وأكبر عجبه أن تحتويك تلك السماعة وهي تضيف عن كفيه الصغيرتين.
ومن المستملحات التي رواها قريبه عامر العقاد ان أحد الاطفال من جيرانه كان يعترض سبيله وهو يتسلق الدرجات إلى صومعته ليقول له: ياسيد عقاد، السيدة ماما تكلفني بتنظيف السيارة وقضاء الحاجات خارج البيت. وهنا تدوي ضحكة العقاد، ويجيبه طبعا، هم على خطأ. سأرفع القضية إلى السيدوالولد مساء هذا اليوم. فلا تغضب نفسك وأنا أعلم أنهم لايعرفون فضلك ومكانتك!
والطفل كما نعلم جميعا، متعة غالية جدا لا نملك ثمنها، لأنه قاصم للظهور في كثير من الاحوال.
فنظرة إلى الطفل مريض تنسيك متاع الدنيا بأسرها وصيحة ألم من ذلك الصغير تزلزل عزائم الابطال.
ويضيف العقاد: وإذا كان الخطب أجسم من ذلك فلا حول ولا قوة فيه إلا من حول الله وقوته، وكلاهما ليس في اليدين.
متعة نفسية وثمن غال، ومما زهدني في اقتناء المتعة النفسية علمي بغلو الثمن...ولا أخالني مع هذا نجوت مما ابتليت به في طائفة من هؤلاء الاصدقاء الاعزاء.
أما الموت فقد كان العقاد يكرهه ولايخشاه. ولم يكن يطمع أن تدوم حياته إلى سن المائة، فقد توفيت والدته في سن الثمانين ووالده دون هذه السن، وقد تنبأ بلالموت في حديث بينه بين الاستاذ طاهر الطناحي فقال: أن الابن يأخذ متوسط عمري أبيه وأمه. وقد انتهى حياتي قبل الثمانين! ثم ابتسم وقال:
" إذا فاجأني الموت في وقت من الاوقات فإنني أصافحه ولا أخافه، بقدر ما أخاف المرض، فالمرض ألم مذل لايحتمل، لكن الموت ينهي كل شيء....نعم، إن الخوف من الموت غزيرة حية لا عيب فيها، وإنما العيب أن يتغلب هذا الخوف علينا، ولا نتغلب عليه كما وجب أن تغلبه في موقف الصراع بين الغزيرة والضمير، فإن الخضوع له في هذه الحالة ضعف, والضعف شر من الموت".
استكتبه أحد الناشرين صفحات حول رأيه في مواضيع شتى تشغل البال في القرن العشرين وتعد من قضايا الساعة، فاختتم العقاد حديثه بقوله عن الموت والمسكن والساكنين:
في ذمة الغد شاعر يلقي على هذا المسكن (مسكه) رأيه في هذا المقيم المطيل، تراه يحمد منه أنه ارتقى به من ابتدال التنقل إلى كرامة البقاء والاستقرار؟ أم تراه يضجر منه ويشيعه بالذمة بعد هذا المكث الطويل؟ ليقل ما سيقول، ذلك الشاعر المجهول".
تلك لمحات من صورة العقاد الانسان، جلوناها في هذه العجالة بما تستلزمه من إيجاز واقتضاب، يقينا منا بأن العقاد "لانسان" عالم رحب لايستطاع حصره في هذه الصفحات القلائل. فاتنسانية العقاد تتطلب، لدوينها، مجالا افسح تتبدي فيه قوة شكيمته وشدة مراسه ودامغ حجته ورقة أحاسيسه ومشاعره فرحم الله العقاد الذي تباعدت مكونات شخصيته حتى ليستعصي جمعها في انسان واحد، والتي تلاحمت كل التلاحم حتى صنعت منه في شخص واحد تلك العبقرية الفذة في تاريخ الفكر العربي الحديث.

المراجع:
- أنا: عباس محمود العقاد-  تقديم طار الطناحي
- في بيتي : عباس محمود العقاد- اقرا 33
- آخر كلما العقاد: عامر العقاد- اقرا 267
- الانسان في القرآن الكريم : عباس محمود الفرنسية-الجزء الاول.
- موسوعة الاداب الصادرة عن الطابع الجامعية الفرنسية- الجزء الاول.
- مجلة العالم- العدد الثامن- السنة الثامنة- عباس محمود العقاد- لجمال الدين الرمادي.
- مجلة العالم- العدد الثامن- السنة الثامنة- حياة العقاد من خلال شعره.
- مجلة الوعي: العدد الثالث عشر- مارس 1970- العقاد مدرسة وموسوعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here