islamaumaroc

من أصنام العصر

  دعوة الحق

154 العدد

قد يستغرب أو يستنكر من يطلع على مقالتي هذه، و لربما قد يصفني أو يصمني بالتزمت في التفكير و التهور في التقدير مع المجازفة في التبرير و المبادرة إلى تحليلات أو تعليقات غريبة.
و لكن ماذا يصيبني أو ينقص مني إن قيل في ما قيل و أنا أقوم بواجبي في التنبيه على أصنام مبتكرة في القرن العشرين، أصنام عجيبة في شكل جديد، و الإقبال عليها هو الغريب بل التفاني في حبها هو بيت القصيد !
إنها في الظاهر للناس و الواضح لهم ليست بأصنام لكونها لا تعبد أو لا يسجد لها فهي ليست في نظرهم من نوع الأصنام المعروفة في تاريخ البشرية، فكيف تعتبر من الأصنام ؟ و لكن ماذا نعرف عن حقيقة تاريخ الأصنام ؟
يقول التاريخ الحق بأنها كانت حقيقة في الأصل لشخصيات محترمة محبوبة حظيت بالتقدير و التبجيل عند أهاليها و بعد موتها قرر محبوها اتخاذ تماثيل لها اعترافا بالجميل لها، و تذكيرا بها على الدوام حتى يستمر و يتأكد عمليا الاسترشاد و الاقتداء بها، إلا أن هذا الاعتراف تحول إلى انحراف و هذا التذكير تبدل إلى تقديس.
و على ضوء ما حدث من الإفراط في الحب لهؤلاء و الذين نجمت منه صنوف الانحراف عن صحة العقيدة يحق لنا أن ندين هذا التصرف من المحبين و نصفه بأنه دليل قاطع على المغالاة في الحب أدى على تقديس ناس، تضخم بالجهل والسذاجة إلى عبادة أحجار تصور شخصيات خلت لا تدفع ضرا و لا تجلب نفعا ! و على هذا الأساس نقول بأن حب شيء من الأشياء إلى حد أن يعمي و يصم(1)  يؤدي حتما إلى تقديس هذا الشيء و يعتبر فورا عبادة له خصوصا إذا ألهى إلى حد اللامعقول، و شغل في دوامة الضياع من الغفلة و التغافل عن الواقع الفاسد للحيلولة دون تصحيح و إصلاح(2) هذا الواقع.
بعد هذه المقدمة نصل إلى الكلام عن بعض أصنام العصر المقصودة في هذا المقال و التي تعد كثيرة و متنوعة و موجودة في عصر الحضارة الغربية، هذه التي دوخت و خدعت، و زوقت و زورت، و صنعت و فتنت، و ضيعت و مسخت.
إن هذه الأصنام العصرية مع الأسف رياضية بمعنى أنها ظهرت في عالم الرياضة، و باسمها و في ميدانها بحجة الجمال الجسمي و الكمال البدني و اللهو البريء والتنافس الشريف و التباري النظيف للترفيه عن النفس بما هو رياضي حتى يعيش الإنسان في حياة رياضية و بذلك ينمو جسميا و يزكو عقليا، إلا أن الرياضيين انحرفوا و محبيهم انجرفوا، و قد كان هذا الإفساد الذي طرأ على عالم الرياضة متوقعا بل كان مقصودا و البرهان هو التناحر و التقاتل و التنافرو التعارض والضحايا في سبيل الرياضة في ميادين رياضية بين الأنصار و المعارضين من هواة لاعبي الرياضات و بالأخص كرة القدم : هذه اللعبة المحظوظة التي صارت ملكة أنواع الرياضة.
كنت أسائل نفسي قائلا و باحثا : ألم ينحرف الناس من عشاق كرة القدم عن أهدافها التي تبدو معروفة و معقولة ؟ ألم ينشغلوا بها إلى ابعد الحدود ؟ الم يلهوا بها إلى حد المبالغة التي أدت إلى إضاعة حقوق و إزهاق أرواح ؟ فأين الروح الرياضية والتغني بها و أين سمو المقاصد منها ؟؟
و لم يطل التساؤل و لا البحث، و لم أتهم نفسي بعدم التوفيق في وضع النقط على الحروف فقد وجدت الجواب المقنع أو بالأحرى الحجة الدالة على وجود الأصنام العصرية بالأشكال الرياضية من بروتوكولات حكماء صهيون : ( ... إنما توافق الجماهير على التخلي و الكف عما تظنه نشاطا سياسيا إذا أعطيناها ملاهي جديدة، أي التجارة التي نحاول فنجعلها تعتقد أنها أيضا مسألة سياسية. و نحن أنفسنا أغرينا الجماهير بالمشاركة في السياسات، كي نضمن تأييدها في معركتنا ضد الحكومات الأممية ( غير اليهودية ) . و لكي نبعدها عن أن تكشف بأنفسها أي خط ممل جديد سنلهيها أيضا بأنواع شتى من الملاهي و الألعاب و مزجيات الفراغ و المجامع العامة و هلم جرا. و سرعان ما سنبدأ الإعلان في الصحف داعين الناس إلى الدخول في مباريات شتى في كل أنواع المشروعات : كالفن و الرياضة و ما إليهما. هذه المتع الجديدة ستلهي ذهن الشعب حتما عن المسائل التي سنختلف فيها معه(2))
هذه الكلمات من البروتوكولات برهنت بها على وجود الانحرافات المرادة في عالم الرياضة عند المحترفين و الهواة على صعيد أي لعبة رياضية، ففي بداية شهرة الرياضات كان المقصود منها شريفا و ظاهرا للعيان و لكن بالتدريج تحققت لليهود الفوائد المرجوة منها كمشروعات من بنات أفكارهم تستهدف القضاء على غير اليهود بالإضعاف و الاستبعاد بالوسائل الرياضية، هذا الاستبعاد الذي نتج بالتنافس المريب، و الإلهاء الدائم، و التحريض اللا مشرف، و التضييع للأوقات فيما لا يفيد أو ينفع.
و حتى لا يستمر تجسيم عنصر الشر و الفساد في شتى الرياضات أصبح من الواجب تعليهما بحذر، و مزاولتها بتوجيه، و الإقبال عليها بوعي، و بذلك نفوت على يهود الأغراض التي يريدون منها، و نخيب رجاء حكماء صهيون فيما خططوا له و ابتكروا من وسائل و فنون رياضية تلهي و تضيع بالانشغال بها و الانكباب عليها.
و لعل الملاحظ المنصف يؤيدني في وجهة نظري المستنتجة هذه إذا تمعن فيما وضعت و استنتجت خصوصا إذا مثلت له بكرة القدم، هذه اللعبة التي ضيعت أوقات الصغار و الكبار و ألهتهم عن معالجة مشاكلهم و تصحيح أوضاعهم و تحسين واقعهم و التخطيط لمستقبلهم بالأفيد الأهم و الأصلح الأعم.
و لكن أين نحن من هذه التحسينات الضرورية و التصحيحات الإصلاحية ما دام الناس – و أقصد ناس الإسلام – في غفلتهم المعهودة، كل تجمعاتهم عن الرياضة و كل مشاهداتهم لكرة القدم حتى صاروا أساراها و كيف لا يكونون ضحاياها و قد سلبت عقولهم و قضت على إرادتهم و ضيعت طاقاتهم بالاهتمام و الافتتان بها، يحضرون تجمعاتها و يقبلون على مباريتها، و يفرحون للانتصار و يحزنون للاندحار ؟! و قد بلغ بهم الحب الأعمى و التعلق بها إلى حضور حفلاتها و التفرغ لها على حدود الممكن الذي لا يعرف المستحيل، أما حفلات الدين و تجمعات الدين فالإضراب عن حضورها هو المنشود و عدم التفرغ لها هو المقصود.
و ما الدين ؟ أليس في نظرهم حياة على الهوامش حافلة بالمحرمات، مانعة للشهوات، مضيعة للفرص مع الرغبات، مضيقة على النفوس، معطلة للطاقات !!!
و العجيب الغريب في أمر كرة القدم أن غير المسلمين الذين يحترفونها لم يفقدوا شعورهم الدين بل اعتقادهم الديني، و يحضرني بهذه المناسبة مشهد من مشاهد كرة القدم شاهدته صدفة في التلفزة خلال الألعاب الأولمبية بمكسيكو لسنة 1968 و هو لأحد اللاعبين المشهورين إذ لم تطأ قدماه الميدان حتى بادر بحركة الصلاة المسيحية، و لم يوجد من يصفر أو يستنكر عمله لأنهم ناس يؤمنون بالعيش في حياة رياضية أساسها تعاليم دينية.
فالحياة الرياضية مع كامل التأسف لا ينعم بها لا هواة و لا محترفو الرياضة من المسمين و قصدي المغاربة، و يجدر بي أن أذكر في هذا الشأن بالموقف الحرج الذي عاشه لاعب مغربي من فرقة (مالقة) بإسبانيا بسبب الدرس الذي لقنه إياه رئيس الفرقةاستحق به الطرد لأنه شرب الخمر الذي لا يليق بالرياضي الملتزم. و لو كان هذا اللاعب المطرود المنسوب إلى الرياضة حقيقة من الملتزمين لما احتاج إلى نصيحة المسيحي لأن الإسلام العظيم يمنع الخمر و لكن قومي يجهلون ليضطروا إلى أخذ دروس الآخرين، و هي من صميم دينهم.
هذا عن الكبار المزاولين لكرة القدم من المسلمين أما عن الصغار المحبين لها بجنون فلا تكاد تجد أحدهم يحادثك عن شيء غير كرة القدم، فهو يهمل ما عداها و يقبل عليها لعبا و مشاهدة، و يلم بتاريخها و يعرف مشاهير لاعبيها و فرقها المحلية و العالمية، و إن كلمته بالتدريج عن دينه ظهرت سلبيته فيه و تجلت إيجابيته في غيره، فهو مسوق، و هو مقلد، و هو مسحور بكرة القدم، و هو مقدس لها، و ذلك ما استهدفته بروتوكولات صهيون، و هكذا فهم لهم العلم بأنواع الرياضات و فرقها و أبطالها مع معرفة أسمائها و أسماء أعضائها المشهورين الذي يحفظون أسماءهم عن ظهر قلب.. و لكن لا يحفظون فاتحة الكتاب و لا كلمات التشهد(3).. ؟
إن كرة القدم و مثيلاتها من بنات الرياضة و بنات الفكرة الجاهلية، و بنات الطريقة الجاهلية، و بنات النظرة الجاهلية، و بنات الوجهة الجاهلية، أصنام عصرية تجسم ضياع الإنسان العصري كما جسمت اللات أو العزى، ضياع الإنسان العربي فيما مضى في جاهلية ما قبل الإسلام.
أليست اللات القديمة و أخواتها أضلت كل إنسان و كذلك اللات الحديثة تفعل ؟ و للتوضيح أشير على طواغيت الكفر، إلى أنظمة الكفر، إلى حلول الكفر، و بصراحة أقول : إنها مناهج و أنظمة الجاهلية العصرية و مباهج و إنتاجات الحضارة العصرية.

(1)  في الحديث ( حبك الشيء يعمي و يصم ) رواه أحمد.
(2)  عن كتاب ( الخطر اليهودي : بروتوكولات حكماء صهيون )، صفحة : 118 لمحمد خليفة التونسي، طبعة دار الكتاب العربي 1951.
(3)  كنت قد قمت بتجربة في هذا الصدد مع جماعة من الشبان فلم أحظ إلا بواحد فقط يحفظ بتذبذب سورة الفاتحة.
       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here