islamaumaroc

الإسلام والتأميم -10-: التأميم يلغي الوقف

  دعوة الحق

154 العدد

أشرت في مقال سابق إلى أن ظاهرة التأميم، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد مقتصرة على الدول الاشتراكية، و إنما تعدتها إلى الدول الرأسمالية، فقد أممت انجلترا السكك الحديدية و الكهرباء و مناجم الفحم و استيراد القطن و بنك انجلترا وصناعة الغاز و الحديد و الفولاذ  و الطيران المدني و الملاحة الداخلية، كما أممت فرنسا بدورها صناعات الفحم و الغاز و الكهرباء، و شركات التأمين و مصانع السيارات رونو، و بنك الإصدار. و إلى جانب ذلك يكاد المرء لا يجد في الوقت الحاضر دولة إلا و قد أممت مرافق النقل الحضر أو مرافق الغاز و الكهرباء والبنك المركزي أو تجارة الأدوية أو الشركات التجارية الأجنبية ...
و بغض النظر عن شرعية أو جواز استرجاع الملكيات المغتصبة، فإن سياسة التأميم في كثير من البلاد الإسلامية أصبحت تستهدف إحداث المساواة الاقتصادية، على غرار ما حدث في الدول الاشتراكية.
و قد انعكست هذه الظاهرة على كثير من الكتاب و الباحثين المسلمين، أما عن التزام أو تأثر، فراحوا يبحثون عن أسس إسلامية لهذا الأسلوب المبتدع، و لم يقتصروا على تخليه كدواء سحري لمشكلة التخلف في البلدان الإسلامية، و إنما صاروا يعدونه أسلوبا إسلاميا بحجة أو أخرى، و لم يتورع بعضهم عن القول بأن الرسول صلى الله عليه و سلم دعا إليه، أو أن عمرا رضي الله عنه قد قام به فعلا !
و قد ظن الكثير من هؤلاء أنهم وجدوا في الوقف أحسن دليل لإقناع المسلمين باشتراكية إسلامهم، فصاروا يتوهمون، أو يوهمون الناس، بأن التأميم لا يختلف في شيء عن الوقف، و بأن الإسلام كان سباقا إلى التأميم متمثلا في الوقف.

بين التأميم و الوقف :
و هكذا وجد من بين الكتاب المسلمين الكبار في العصر الحاضر، من لا يفرق بين التأميم و الوقف، و يقول : « و من المعلوم أن الوقف جائز في الإسلام، بل هو مرغوب فيه للحاجيات الاجتماعية التي تحدثنا عنها في قوانين التكافل الاجتماعي. والوقف كما عرفه الفقهاء هو إخراج العين الموقوفة من ملك صاحبها إلى ملك الله تعالى، أي أن تكون غير مملوكة لأحد، بل تكون منفعتها مخصصة للموقوف عليهم، و هذا هو التأميم »(1)
فليس في نظر هذا الباحث الكبير، و هو أحد الفقهاء المسلمين الذين عاصروا حركة التأميم في بعض البلاد العربية، أي اختلاف بين الوقف و التأميم، لوجود خاصيتين يشتركان فيهما :
الأولى : إخراج العين من الملكية الخاصة.
و الثانية: تخصيص منفعتها للكل.

و يبدو أن صاحب هذه الفقرة، في سبيل تدعيم فكرة التأميم، لم يكن في وضع فكري يسمح له بلمس الفروق الموجودة بين التأميم و الوقف، و لكنه كان منقادا لفكرة التأميم، و لفكرة الاشتراكية، على حد جعله يرى في الفروق بين التأميم و الوقف، على حد تعبيره، هو إخراج العين من ملك صاحبها إلى ملك الله تعالى و جعلها غير مملوكة لأحد، فإن التأميم، على عكس ذلك، هو استيلاء على الأملاك الخاص، ونقلها باسم الشعب إلى الدولة، التي ليست في واقعها سوى سلطة قهرية متركبة من أشخاص طبيعيين. و بتعبير أكثر وضوحا، أن الوقف يعني التخلي بطواعية واختيار عن الملك الموقوف، و هذا ما يقصده الفقهاء عند تعريفهم للوقف بأنه إخراج المالك لعين يملكها. أما التأميم فيعني نزعه من صاحبه بواسطة إجبار تمارسه سلطة قهرية. و تبعا لهذا الاختلاف، لا يصح بأي حال أن يعتبر الوقف تأميما، و لا التأميم وقفا، لاسيما إذا أضيف إلى ذلك أن الغاية من الوقف تختلف عن الغاية من التأميم كما سنرى في نهاية هذا البحث.
و وجه التعارض بالنسبة للخاصية الثانية، الذي عده الدكتور المحترم اتفاقا، هو في تخصيص منفعة العين، إذ قال أن منفعة العين في الوقف تخصص للموقوف عليهم. لكن هذه الصفة لا تنطبق على التأميم من قريب و لا من بعيد، لأن منفعة العين المؤممة لا تخصص لأشخاص معينين، ولكن تصير ملكا للشعب كله دون تخصيص. و أوضح مثلا لهذا التعارض هو الوقف المخصص لجهات البر والإحسان آو للأهل و الأقارب.
و يترتب على جواز تخصيص المنفعة في الوقف، و عدم جوازه بالنسبة للتأميم، تعارض آخر لا يقل أهمية، و هو أن توزيع المنفعة بالنسبة للوقف ليس من الضروري أن يكون بيد الدولة، ولاسيما في الأوقاف الخيرية و الذرية، و على عكس ذلك، فمن اللازم في التأميم أن ينتقل توزيع المنفعة إلى يد الدولة أو إلى إحدى مؤسساتها.
و هكذا يمكن القول بأن الباحث المحترم، لم يؤسس رأيه على أي أساس سليم، وكان دافعه على مماثلة التأميم بالوقف، هو إيمانه باشتراكية إسلامية  وهمية، خدمت التيار الاشتراكي من خدمتها للإسلام. و حتى يتبين القارئ سلامة هذا الحكم سنعقد مقارنة بين التأميم و الوقف من حيث التكوين، و من حيث الخصائص، و من حيث الآثار، لنتبين من ذلك، ليس فقط وجود التعارض بين الوقف و التأميم، و لكن أيضا وجوب الأخذ بإحداهما دون الأخر.

مقارنة من حيث التكوين :
فلو أمعنا النظر في الوقف لوجدناه يتكون من ثلاثة عناصر :
أولا : الواقف أو صاحب الملكية المتخلى عنها.
ثانيا : الشيء محل الوقف.
ثالثا : الموقوف عليهم.
و على عكس ذلك يتكون التأميم من أربعة عناصر هي :
أولا : صاحب الملكية.
ثانيا : نازع الملكية و هو السلطة القهرية في الدولة.
ثالثا : الشيء محل التأميم.
رابعا : المستفيدون من التأميم.
فالوقف يلتقي مع التأميم في وجود : صاحب الملكية، و وجود الملكية، و وجود المستفيدين من عملية التغيير في شخص المالك، لكنه يختلف عنه في عنصر أساسي هو عدم وجود طرف نازع للملكية فيه، فهو موكول إلى المبادرة الفردية، و ليس فيه أي إجبار.
على أن الاتفاق في تواجد العناصر الثلاثة المذكورة لا يعدو أن يكون اتفاقا شكليا، إذ يشترط في الواقف :
أولا : أن يتخلى عن ملكيته بمحض إرادته، فلا يحق مثلا لسلطة قهرية أن تلزمه بالتخلي عنها و حبسها، و إنما ينبغي أن ينبع التزامه من الرضى.
ثانيا : أن يكون تملكه حلالا، و وفق الطرق المباحة و المقبولة شرعا.
ثالثا : أن يكون كامل الأهلية، أي أهلا للتصرف و ليس قاصرا أو مجنونا ...
على أن هذه الشروط، و نذكرها على سبيل المثال و ليس الحصر، لا يفترض توافرها في صاحب  الملكية المؤممة، ولا تكون موضع أي اعتبار. فالمالك في حالة التأميم يكون مجبرا على التخلي عن ملكيته، بموجب قواعد قانونية تسهر السلطة العالمة في الدولة على احترامها. ثم أنه لا ينظر إلى شرعية التملك أو عدمها، فقد ينزع الملك من صحابه رغم أنه اكتسبه بالطرق الحلال، و وفق ما أمر به الشرع الإسلامي. كما أنه لا ينظر إلى صاحب الملكية المؤممة هل هو كامل الأهلية أو عديمها، و إنما ينظر فقط إلى الغاية المتوخاة من التأميم، و معنى هذا أن السلطة العامة حين تقرر التأميم لا تعير أهلية المنزوع منه ملكيته أي انتباه ...
و بالنسبة للشيء محل الوقف، لا يجوز الوقف مثلا على أماكن تمارس فيها نشاطات محرمة، و لكن يشترط فيه أن يكون محله حلالا. أما الشيء المؤمم، فلا نجد في التجارب التي أخذت بالتأميم، و خاصة تلك التي قامت في بعض البلاد الإسلامية، ما يشجع على القول بأن التأميم يلتزم قواعد الحلال و الحرام، بل على العكس من ذلك أبعدت هذه القواعد تماما، و لم ينظر إليها بأي اعتبار ...
أما المستفيدون من الوقف فقد يكونون من أسرة واحدة، أو من جماعة معينة، أو ممن توفر فيهم شرط معين .. و هذا أمر غير متوفر بالنسبة للتأميم، لأن المستفيدين نظريا من التأميم يتمثلون في «الشعب» كوحدة غير قابلة للتجزئة ...
و لعل التعارض بين التأميم  و الوقف يصل ذروته في انتفاء وجود طرف نازع للملكية في الوقف. فالوقف كما قلنا يتعارض مع الإجبار، و لو وجد فيه أي إجبار لما كان وقفا، و إنما يصير، من وجهة نظر القانون الإسلامي، نزعا للملكية أو مصادرة لها. و على عكس ذلكن فوجود سلطة قهرية نازعة للأملاك شرط أساسي في التأميم، فهذه السلطة هي التي تقرر التأميم، و هي التي تقوم بتنظيمه و تنفيذه ...

مقارنة من حيث الخصائص
و لا يقتصر التعارض بين الوقف و التأميم على العناصر التي يتكون منها كل واحد منهما، و لكن يتعداه إلى خصائصهما. و سنحاول، في إطار تناسق أجزاء هذا البحث، الاقتصار على أهم الخصائص التي تبين ذاتية كل من الوقف و التأميم من جهة، و استقلالهما و تعارضهما من جهة أخرى :
أولا : فالوقف كما بينا سابقا إرادي و من مبادرة المالك الشرعي، و ليس فيه أي إلزام، و على عكس ذلك فالتأميم إجباري، و تتخذه السلطة العامة في الدولة.
وقد يعترض معترض بأن الإجبار و الإلزام قد توفرا في وقف الدولة الإسلامية للأراضي المفتوحة عنوة بالشام و العراق و مصر بدل توزيعها على مستحقيها من المجاهدين. لكن هذا الاعتراض مردود من ناحيتين :
أولا : أن الدولة الإسلامية تصبح مالكة للأراضي المفتوحة، فيحق لها أن تقسمها بين الفاتحين، ويحق لها أن تسحبها على مصلحة هؤلاء الفاتحين و من يليهم من أجيال(2) .
و اختلاف الفقهاء في هذه القضية لا يؤثر على هذه الحقيقة، و يعود إلى تمسك بعضهم بالرأي الأول، و تمسك البعض الآخر بالرأي الثاني.
أن الفقه الإسلامي يعرف الوقف بأنه إخراج المالك الشرعي لعين يملكها... وعلى ضوء هذا التعريف، نرد على القائلين بتوفر الإجبار في وقف عمر رضي الله عنه للأراضي المفتوحة عنوة، بأنه لا وجود للإجبار الذي يحتجون به، و إلا لما كان عمل عمر رضي الله عنه وقفا، باعتبار أن الواقف يشترط فيه أساسا أن يكون هو المالك الشرعي.
و القول بان الدولة الإسلامية مارست الإجبار في الوقف المذكور، يخرج عمل عمر رضي الله عنه من نطاق الوقف، ليصبح نزعا للملكية أو مصادرة لها. و الواقع أن هذا الرأي لا يثبت أمام التحلي، لأن الدولة الإسلامية لم «تصادر» و لم «تنزع» أية ملكية اكتسبها المجاهدون وفق الأساليب العادية للكسب. و لكن قررت، بصفتها المالكة الشرعية، وقفها اعتبارا للمصلحة العامة لهؤلاء المجاهدين و لمن سيأتي بعدهم، وهي في قرارها هذا، كما سنرى في مناسبة أخرى، لم تأت بتصرف يتعارض مع قواعد الشرع أو ينافي مقاصده. و على هذا الأساس، يمكن الجزم بأنها لم تمارس أس إجبار، و لم تقض على أية حيازة شرعية للمجاهدين، حتى يمكن القول بأن في ذلك الوقف ملامح التأميم، أو أنه يصح اعتباره أساسا و سندا للتأميم.
و الثانية : أن وقف الدولة الإسلامية للأراضي المفتوحة عنوة في سواد الشام والعراق و مصر، هو استثناء من القاعدة العامة. فالأوقاف الإسلامية في أغلبها وأعمها، كانت من مبادرات المسلمين الشخصية، و لم تكن الدولة الإسلامية تتدخل لتوجههم إلى وقف أملاكهم، و لكنهم كانوا يحبسونها بمحض إرادتهم، و دون ضغط، أو تدخل، أو إجبار من طرف السلطة العامة. و يضاف إلى ذلك كله، أن هذه الاستثناء لم تتوفر فيه صفات التأميم و شروطه، فوقف أراضي الخراج كان نتيجة للحرب، و لم تكن هذه الأراضي قد انتقلت بعد إلى ملكية المسلمين، كأفراد، حتى يمكن مقارنتها بالملكيات المؤممة، لأن الدولة الإسلامية وضعت يدها قبل أن تتم حيازتها.
ثانيا : عند التأميم تصبح الدولة طرفا في جميع ما ينشأ من علاقات قانونية، و تستأثر هي وحدها بالمنافع، و بحق توزيعها، و تحصيلها، و إدراجها في ميزانيتها العامة، و يظل الأفراد أجراء لديها. و يحدث عكس ذلك عند الوقف، سواء كانت الدولة طرفا فيه أم لام تكن. فالوقف بصفة عامة، و إن كان يحبس الملكية عن التداول، إلا أنه يتصف بخاصيتين لا تتوفران في التأميم هما :
الأولى : أنه يخصص المنفعة في أشخاص أو في جماعة معينة.
و الثانية : أنه يبقى الانتفاع خاضعا للتداول.
فمنفعة العين الموقوفة قد تعود إلى فرد أو إلى أسرة أو إلى جماعة، بينما هذه المنفعة في حالة التأميم تعود إلى الشعب، و تدرج في الميزانية العامة للدولة. و قد يبدو في هذا تشابه مع خراج الأراضي المفتوحة عنوة، لكنه كما بينا تشابه شكلي، و يقتصر على نوع معين من الوقف، لا تتوفر فيه خصائص التأميم ...
و بالنسبة للانتفاع أو الاستغلال، فإن التأميم يقضي على  العنصر الشخصي في هذا الميدان، و تتولى الدولة إدارة الملكية مباشرة(3) أو بواسطة مؤسسة عمومية أو أشخاص تختارهم لهذا الغرض. أما عند الوقف، فيبقى الانتفاع خاضعا للتداول، ويمكن تبعا لذلك لأي شخص أن يكتري أرضا حبسية أو دكانا حبسيا أو أي شيء آخر، و ما عليه إلا أن يؤدي واجب الانتفاع لا غير. و هذا أمر ينطبق أيضا على أراضي الخراج، التي ترك الانتفاع منها لمالكيها السابقين مقابل الخراج الذي يؤدونه. فلا شك في أن الاستثمار المتواصل هذه الأراضي عبر الأجيال، يقتضي تبدل الأشخاص المنتفعين منها، و وجود تداول للانتفاع منها. و في ذلك تناقض أساسي مع التأميم.
ثالثا : التأميم يلتقي مع الوقف في صفة الجماعة، لكن هذه الصفة ليست مشتركة على إطلاقها، لأن الجماعية التي تنشأ بالتأميم تتجلى في سيطرة الدولة باسم الشعب، و بالإجبار، على الملكية و الانتفاع منها في آن واحد. أما الجماعية التي يحدثها الوقف فتنحصر في نطاق « الملكية » و لا تتعداه إلى «الانتفاع» و تبعا لهذا التمييز يظهر اختلاف آخر لا يقل أهمية، هو أن الملكية المؤممة تصبح ملكية غير مخصصة، أما الملكية الموقوفة فهي قابلة للتخصيص.
رابعا : يلاحظ في بعض البلاد الرأسمالية أن الدولة تعطي بعض الأملاك المؤممة لتستغل بما يسمى بنظام الامتياز. و في هذه الحالة تفوت الدولة الانتفاع إلى أشخاص تتعاقد معهم على إدارة الأملاك المؤممة. و قد يبدو للبعض أن هذه المعاملة لا تختلف في شيء عن معاملة استغلال أراضي الخراج، لكن بين المعاملتين عدة فروق جوهرية أهمها أن حق الاستغلال يسند إلى أشخاص آخرين عند التأميم المذكور، بينما أسند بالنسبة لأراضي الخراج إلى الملاك السابقين.

مقارنة من حيث الآثار :
إن الوقف من حيث آثاره هو تصرف يحبس الملكية عن التداول بقصد الإنفاق من منفعتها بصفة
مستمرة و دائمة في وجوه البر و الإحسان أو على الحاجات الضرورية للأمة و حتى الكمالية منها. و قد ذكر المرحوم الدكتور السباعي في كتابه اشتراكية الإسلام كثيرا من الأوقاف العامة المخصصة لتلبية الحاجات الاجتماعية و الاقتصادية والجهادية و التعليمية، كالمدارس، و المكتبات العامة، و المستشفيات، و الآبار، والقنوات، و الجهاد، و المجاهدين، و إصلاح الجسور، و القناطر، و الطرقات العامة، و العاجزين، و أدوات الزراعة، و القرض الحسن للتجارة، و العلماء، وتزويج الشبان، و توفير الحليب للأطفال ...(4).
و من خلال هذه الأمثلة يمكن أن نستخلص حقيقتين :
الأولى : أن الدولة الإسلامية ليست وحدها المسؤولة عن تلبية حاجات المجتمع، فالأفراد العاديون أيضا يساهمون في تلبية هذه الحاجات بواسطة الوقف.
و ما من شك في أن هذا الوضع لا يمكن أن يقوم في ظل سيطرة الدولة على الاقتصاد، و تحكمها في التوزيع باستيلائها على الملكية و المنافع. فالوقف يعني التخلي عن ملكية ذات مردود ليستفيد منها آخرون لا يملكون، و هؤلاء قد يستطيعون من خلال الاستفادة من هذا الوقف، تكوين ثروة، أو شق طريقهم للحصول على ملكية خاصة بهم. و هذا يعني من جهة أخرى أن الوقف يكون سببا للتملك، و للحصول على الثروة، لاسيما بالنسبة للمنتفعين منه.
على أننا لو افترضنا أن نفس الملكية قد أممت عوض وقفها، فسنجد أن مردودها سيندرج في إطار الميزانية العامة للدولة، و سيستفيد منه، نظريا، الشعب بمجموعه. فيكون التأميم لذلك ضمانة للمساواة بين أفراد المجتمع، و حائلا دون تفاوتهم لحصول بعضهم على الملكية أو الثروة. لكن هذه المساواة نظرية لا غير، لأن الواقع العملي يشهد بأن التأميم لم يستطع القضاء على اللامساواة حتى في أكثر الدول اشتراكية !
و هكذا يمكن القول بأن الوقف، على الصعيد الاقتصادي، يساهم في توزيع تعاوني تكافلي للثروة، دونما حاجة إلى تدخل الدولة أو لإجبارها و قهرها، في حين أن التأميم أسلوب إجباري لتحقيق توزيع متساو لا زال بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلا.
و الثانية : أن تدخل الدولة، حسب القانون الإسلامي، لا يستهدف التغيير في شخص المالك، إلا إذا كان بإحدى الطرق المباحة شرعا لجميع الأشخاص الطبيعيين، أو المعنويين. و حسب هذا المبدأ، يمكن للدولة أن تؤثر في الحياة الاقتصادية للمسلمين بإحدى طريقتين :
الأولى عن طريق الحصول على المشاريع القائمة بواسطة التعويض العادل، أي بالشراء، ليخضع بذلك لقواعد الشرع التي تنتظم مثل هذه العملية،
و الثانية : عن طريق إحداث مشاريعها من مواردها الخاصة، أو بقروض عامة أو بتطوع و تبرع مواطنيها. أما إذا أممت المشاريع، بدل الحصول عليها بإحدى الطريقتين، فنتيجة ذلك هي أنها ستضرب عرض الحائط بقواعد الشرع. و أول أثرها لهذا السلوك، هو أنها ستسقط شرعية تملك الأشخاص، بحجة إحداث المساواة بينهم، رغم أن تملكهم شرعي من الوجهة القانونية الإسلامية. و بالتالي، و ما دام الهدف هو تحقيق المساواة، فإنها لن تمنح أولئك الأشخاص تعويضا موازنا لما سيخسرونه، حتى تظل المساواة قائمة !
و نخلص من كل هذا إلى نتيجة هامة، و هي أن الدولة، حسب الشرع الإسلامي، تخضع لنفس القواعد التي يخضع لها الأفراد، فإن كان من المحرم على شخص ما أن يستولي على جزء من ثروة شخص آخر بحجة تحقيق مساواة معه، فإنه لا يحق للسلطة العامة أن تستولي على الثروات بحجة إحداث مساواة بين الناس، فما هو محرم على الفرد، محرم على الدولة أيضا.
و على ضوء هذا التحليل، الذي سنعود إليه بصورة أوسع عند مناقشة فكرة التأميم على ضوء مفهوم المصلحة العامة عند المسلمين، و على ضوء قانون الإرث الإسلامي، يمكن أن نتبين باختصار تعارض أثار الوقف و التأميم من خمسة وجوه :
الأول : أن التأميم يقضي على حرية التملك، و على حرية تداول الثروة، و يجعل الاقتصاد تحت إدارة السلطة القهرية، أما الوقف فلا يقضي على حرية التملك، و لا يحد من تداول الثروة، و لا يجعلها بالتالي تحت إدارة السلطة القهرية، و لكن على العكس من ذلك لا يقوم، و لا يزدهر إلا بازدهار الحيازة الشخصية و لا يتصور بقاؤه في مجتمع يقضي عليها.
و الثاني : أن الوقف يشكل جزءا من نظام التوزيع في المجتمع الإسلامي، بحيث يمكن اعتباره وسيلة لتنمية الثروات الشخصية. أما التأميم، فهو كما ذكرنا، وسيلة لتحقيق توزيع للثروة على الطريقة الاشتراكية، أو بصفة عامة هو وسيلة تمكن أية سلطة قهرية من القضاء على الحيازة الشخصية بحجة أو أخرى.
و الثالث : أن الوقف، و لو كانت الدولة طرفا فيه لا يتبعه استخدام الناس كمأجورين، فالمنتفعون من الأملاك الموقوفة يستأثرون بنتيجة الاستغلال، و يؤدون فقط واجب الانتفاع، الذي ينفق بدوره على الموقوف عليهم ... و يحدث العكس في حالة التأميم، فا يأخذ الأفراد إلا أجورهم، و لا يتمكنون تبعا لذلك من استغلال مشروع لحسابهم الخاص، أو تكوين أية ثروة.
و الرابع : أن العين الموقوفة تصبح غير مملوكة لأحد استقبالا، فلا يصح إرجاعها إلى التداول كباقي الأملاك. أما الأملاك المؤممة فليس هناك مانع من إعادتها لأصحابها الأصليين إذا وقع التخلي عن سياسة التأميم، فبوسع السلطة التي سنت قانون التأميم أن تسن قانونا آخر يلغيه.
و الخامس : يتجلى في اختلاف القواعد القانونية التي تنتظم التأميم من جهة، والوقف من جهة أخرى. فلا شك في أن التأميم يقتضي وجود قواعد قانونية تكون الدولة طرفا فيها، و تكون من صنع السلطة القهرية. أما الوقف فيخضع لقواعد تشريعية منزلة من عند الله، أو مستمدة منها بواسطة الاجتهاد.
و نخلص من كل هذا، إلى أن الوقف يختلف في طبيعته، و من حيث تكوينه، وخصائصه، و أثاره، عن التأميم. و يصل هذا الاختلاف إلى حد التناقض، ووجوب الأخذ بأحدهما دون الآخر، ما دام كل واحد منهما تنتظمه قواعد قانونية متعارضة من حيث المصدر، و من حيث الجوهر، و من حيث الغاية و الهدف، وما دام كل واحد منهما يمثل نظاما خاصا لتوزيع الثروة، ينتهي عند الوقف إلى الإسلام و ينتهي عند التأميم إلى الجاهلية.



(1)  أنظر اشتراكية الإسلام ص 160، الطبعة الأولى.
(2)  أعتقد أن هذا الوقف يستند على سند شرعي، و لا يصح تبعا لذلك الالتجاء إلى المصلحة العامة لتبرير التأميم.
(3)  الإصلاح الزراعي في مصر تسلم أراضي الأوقاف فهبط إيرادها من 8 مليون جنيه إلى 800 ألف فقط في العام الواحد، و نتيجة لهذا الهبوط الخطير أعيدت أرض الأوقاف مرة أخرى لتديرها وزارة الأوقاف بمعرفتها بعد عشرين عام من تجربة الإصلاح الزراعي : مجلة البلاغ الكويتية، العدد 212، 8 يوليوز 1973.
(4)  اشتراكية الإسلام، ص 28 و ما يليها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here