islamaumaroc

الطعام مشكلة الإنسان الأولى

  دعوة الحق

154 العدد

قد يبدو هذا العنوان غريبا أو ربما في نظر البعض سوقيا، في الموضوع الذي نحاول إلقاء أضواء عليه، و هو موضوع البحث عن أنجع السبل و أقوم الطرق لجعل الإنسان يسمو عن واقعه الأرضي و ينطلق من ماديته اللاصقة به نحو الكما ل المطلق، و نحو التخلق بأخلاق الله ، ذلك أن الطعام في مضمونه وشكله أبرز شيء يلصق الإنسان بالتراب، فمن غير المقبول إذن أن نحاول عن طريقه تخليص الإنسان من المادية التي تعوقه عن فهم ذايته و تعرقل سيره الحثيث نحو الحقيقة الأبدية التي كانت و ستظل هدفه الأسمى، و إن ظهر في بعض الظروف أنه يجحدها و ينكرها أو يعتبرها على الأقل إحدى الخروقات التي تسعى المادية الحالية لكشف تهافتها و إبراز تناقضاتها، و بالتالي للتثبت من أنها شيء عدمي لا وجود له و لا مضمون. و مع ذلك فإنه عن طريق الطعام – يستطيع الإنسان إذا أراد ، و إذا أحس علاقته بالطعام، و عرف كيف يستفيد مما يقدمه له من بذور الحياة، أن يقرر دوره النهائي في هذه الحياة، و يقرر العلاقة بين جسمه الفاني و الحياة الباقية، و يقرر مدى الارتباط القائم بين الحياة كرغبة أثيرة و بين دوره فيها كتجسيم لهذه الرغبة.
ذلك أن الإنسان – في مفهومه أنزمنكي (و كما قلنا من قبل) – مادة و روح، كما أنه – كما قال المسيح عليه السلام - « ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان »، فكذلك لا يمكنه أن يحيا بالإيمان أو العقيدة وحدهما.. و هذه حقيقة ملموسة لا يتطرق إليها ريب..
و قد عمل الإسلام دين الفطرة على إبراز هذه الحقيقة و في كل المجالات، حتى تلك التي تتصل بالروح وفي كل المجالات، حتى تلك التي تتصل بالروح اتصالا مباشرا، فالحياة المعادية التي وعد بها المحظوظون الأتقياء من عباده تعالى كانت أبرز مظاهرها المغرية و التي عنون بها القرآن ملذاتها و أجواءها الساحرة هي توفر مادة الطعام في أصنافها الشهية اللذيذة، فنقرأ مثلا في آيات سور الطور -  والخطاب للمتقين و هم في جنات النعيم - « كلوا و اشربوا هنيئا بما كنتم تعملون » و في نفس السورة نقرأ الآيتين : « و أمددناهم بفاكهة و لحم مما يشتهون، يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها و لا تأتيم »1
كما نقرأ في سورة الحاقة  هذه اللوحة الزيتية الرائعة لتلك الحياة الرغدة العيش، اللذيذة المباهج : « في جنة عالية قطوفها دانية، كلوا و اشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية » 2 و نقرأ في سورة (الواقعة) : « يطوف عيهم ولدان مخلدون بأكواب و أباريق و كأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون، و فاكهة مما يتخيرون، و لحم طير مما يشتهون »3. و نقرأ كذلك في سورة الرعد هذه الآيات المغرية : « مثل الجنة التي وعد الملتقون، تجري من تحتها الأنهار، أكلها دائم و ظلها » 4
و لعل في دعاء المسيح، هذا الدعاء الذي يردده في مطلع كل سنة ميلادية، المسيحيون ما يشير إلى هذه الضرورة للطعام، فقد جاء في هذا الدعاء : « أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض .. خبزنا كفافنا، أعطنا اليوم، و اغفر لنا ذنوبنا الخ ».
و القرآن بعد هذا يتخذ الطعام إحدى مميزات الإنسان، و إحدى الحجج على إنسانيته و بشريته، فعندما حاول بعض الناس ن يضفوا صفات الألوهية و الروحانية المطلقة على بعض الأنبياء : عيسى عليه السلام، كانت الطريقة التي أثبت بها القرآن إنسانية و بشرية عيسى و أنكر بها ألوهيته في افتقاره و حاجيته إلى تناول الطعام  « ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، و أمه صديقة، كانا يأكلان الطعام » 5.
و لخطورة الطعام على الإنسان و على حياته، و في كل مجالاته يتساءل القرآن حين يضل فريق من البشر عن الطريق السوي فيعبد من لا يستحق العبادة و يقدس من تتجافى القداسة عنهم ، يتساءل عما إذا كان أولئك المعبودون و المقدسون يقدمون لعبادهم ما يحتاجون إليه من طعام أو شراب، و إذا كان لا، فإنهم لا يستحقون تلك العبادة، و لا يستحقون ذلك التقديس فكأنه من لوازم العبادة تكفل المعبود بإيجاد الرزق و الطعام لعباده، فلنتل الآيات القرآنية في هذا الموضوع .. ورد في سورة العنكبوت « إنما تعبدون من دون الله أوتانا و تخلقون أفكا، إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا، فابتغوا عند الله الرزق، و اعبدوه، واشكروا له، إليه ترجعون » 6 و في سورة فاطر وردت هذه الآية : « يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء و الأرض، لا إله إلا هو، فأنى توفكون » 7.
و في سورة غافر نقرأ هذه الآية التي تجبه الذين يضلون بالإشراك، و تذكرهم بأن من آيات وحدانية واهب الحياة تكفله وحده برزقهم : « هو الذي ريكم آياته و ينزل لكم من السماء رزقا » 8. و نقرأ في آية قريش هذه الآية التي توجب تخصيص العبادة بالذي يطعم الطعام و يخلقه : « فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف » 9 و في سورة الأنعام نقرأ الآية : « قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات و الأرض، وهو يطعم و لا يطعم » 10.  وفي سورة البقرة في نفس المعنى نقرأ : « الذي جعل لكم الأرض فراشا و السماء بناء و أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا لله أندادا و أنتم تعلمون » 11 و يتخذ القرآن من القدرة على إيجاد الطعام إحدى دلائل وجود الله و وحدانيته : « و هو الذي أنشأ جنات معروشات » 12 الآيات .. و كان – القرآن و قد عرف احتياج الإنسان و ضرورة حياته للطعام – أراد عن طريق مجابهة هذا الإنسان بالواقع الحتمي الذي يفرضه عليه الطعام أن ينبهه إلى التسامي بنفسه و الابتعاد عن التردي في الحمآت  المسنونة التي يمثلها الخضوع لبشر مثله، و قد نبهه إلى هذا حين أخذ يهز عقله الباطني بهذه الآيات المستمدة من واقعه اليومي و من حاجياته الملحة مذكرا إياه بأن أولئك الذين لا يضمنون له طعامه، و لا يتكفلون برزقه لا يمكن أن يكونوا شيئا غيره أو خيرا منه. أو متميزا عنه، و على العكس من ذلك الذي يطعم و يرزق : « و طللنا عليكم الغمام و أنزلنا عليكم المن و السلوى، كلوا من طيبات ما رزقناكم » 13.
و القرآن بعد هذا و ذاك يجعل من مشكلة الطعام و تدبير شؤونه آية من آيات النبوة و الرسالة، ففي سورة آل عمران نقرأ هذه الآية، و الضمير فيها يعود على عيسى ابن مريم « .. و أنبئكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم 14 » كما نقرأ في سورة يوسف : « قال : اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، و كذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء » 15.
و عندما يشتط الإنسان و يغرق في شطحاته فيبغي و يتجنى و يتجبر، غافلا عن حقيقته التي يجب أن لا ينساها أبدا، لعوامل أهمها الشعور برغد العيش و بسطته وكثرته ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) 16، لا يكون هناك درس عملي لتذكيره بحقيقته أكثر من أخذ طعامه بالنقص، ففي سورة البقرة هذه الآية الحكيمة ، «ولنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات» 17.
و في سورة النحل نقرأ هذه الآية « و ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون » 18. و بعد أن قرر القرآن قيمة الطعام و تأثيره في معتقدات الإنسان و توجيه منطقة روحانته، ألح إلحاحا عظيما و دائما على أن يكون الطعام في متناول الجميع و أكد أن من شروط الإيمان إنفاقه في وجهه و بذله لمستحقيه، حتى أنه ليقرن الإنفاق للطعام بالإيمان. « قد أفلح  المومنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، و الذين هم للزكاة فاعلون» 19 و أصر على أن الإنفاق هو إحدى مميزات البر و علاماته « ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب، ولكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيئين و أتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى »20، و يقول في سورة آل عمران : « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » 21 و إن الذين لا يدفعون المستحقين ما يقيهم العوز، و يرد عنهم غائلة الحاجة، و شبح الجوع، لا يمكن أن يكونوا غير مشركين ، ففي سورة فصلت « و ويل للمشركين الذين لا يوتون الزكاة و هم بالآخرة هم كافرون » 22 فعدم دفع الزكوات لمستحقيها نوع من الإشراك ثم هو و عدم الإيمان بالآخرة من طينة واحدة و ذو نتائج متساوية.
و القرآن يتوعد الذين لا ينفقون مما أتاهم الله – في أسلوب تحذيري من مغبة فوات الأوان – بالندم الذي لا ينفع و لا يجدي، ففي سورة الجمعة « و أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، و لن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، و الله خبير بما تعملون » 23. والقرآن يضع المانع للإنفاق في نفس مرتبة المكذب الدين : « أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم و لا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون و يمنعون الماعون » 24.
و في الحج – حيث تجتمع مختلف القطاعات لممثلي الدولة الإسلامية، يذكر القرآن الحجيج – و هم في غمرة الفيوضات الإلاهية و السبحات الربانية – بأن من غايات الحج تقديم الطعام للمحتاج و الفقير «  وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. فكلوا منها و أطعموا البائس الفقير » 25 و في هذا المعنى أيضا يقول السيد المسيح « إذا صنعت ضيافة فادع المساكين : الجدع العرج، العمى فستكون لك الطوبى » 26.
و للتدليل على فظاعة أولئك الذين يمتنعون عن الانفاق يتحدث القرآن عن هؤلاء الذين سيعضون أصابع الندم يوم لات حين مناص، حتى إذا سئلوا عن أسرار نكبتهم قالوا : إن ذلك لحبسهم الطعام – و هم قادرون على بذله و هم في نفس الوقت مالكون له – عن مستحقيه : « ما سلككم في سقر ؟ قالوا : لم نك من المصلين، و لم نك نطعم المسكين .. » 27 و جاء في حديث الرسول (إنما أهل عرصة أصبح فيهم جائع فقد برئت منهم ذمة الله ).
بل يذهب القرآن إلى أبعد من هذا حين يقرر ( كما ستراه مفصلا فيما بعد ) ما تضير إليه هذه الآية « و في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم » 28
و القرآن من جهة أخرى يبشر أولئك الذين يبدلون الطعام لمحتاجيه، بمباهج من اللذاذات. و الشهوات هي أروع ما يمكن أن يخطب ببال إنسان أو يتمناه شخص، ففي سورة الإنسان نقرأ – و صفا لما وعد به الباذلون للطعام – هذه الآيـــــــــــات « ويطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما، و أسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء و لا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا، فوقاهم الله شر ذلك اليوم، و لقاهم نضرة و سرورا»29.
و من هذه الزاوية كان إطعام الطعام في نظر القرآن إحدى الآيات البينات على كمال الإيمان و اقتحام لأصعب العقباب « فلا اقتحم العقبة ؟ و ما أدراك ما العقبة، فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة»30
و كما أن القرآن ألح على ضرورة الإنفاق، كضرورة الطعام في حد ذاته لحياة الإنسان، ألح من جهة أخرى على أن يخضع الطعام في جميع أنواع المضاربات التي يتعرض لها، لنوعية من القسطاس و الميزان المستقيمين، إلى الدرجة التي يتوعد معها من لا يراعي هذا الميزان القويم بأشنع عقاب و أفظع عذاب :
« ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوون و إذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم »31.
و أحس الإنسان بدوره في طفراته و تعتراته، عبر تطوافه مع الحياة، بخطورة الطعام و معضلاته فتمنى لو أعطى طريقا للخلاص منه، أو سبيلا لاستبداله بمعجزة من المعجزات فكان أن شهدنا – و القرآن دائما دليلنا في الموضوع – أناسا يطالبون أنبياءهم تحديا لهم، ما دام هؤلاء الأنبياء بحكم مركزهم يقدرون على خلق المعجزات، و لو في نظر هؤلاء المتحدين على الأقل، يطالبون أن لا يخضعوا، كمطلق البشر، لضرورة الطعام، ففي سورة الفرقان ما يحدثنا عن هذه الرغبة « و قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام »32 و يجيب القرآن بأن هذه التحديات سخيفة، لأن الطعام قوام الحياة  البشرية، فكل سؤال من هذا القبيل ينبغي أن لا يطرح و إذا طرح من أناس، فيجب أن لا يلتفت إليه الأنبياء، لأنه « ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلوا الطعام و يمشون في الأسواق33.
و رغم هذه الضرورة الحتمية في حيوات الكائنات فإن البشر – تدفعهم الرغبة في الإنعتاق من عبودية الطعام – ما انفكوا يلحون على أنبيائهم في أن يعملوا ما في وسعهم لإنجائهم من هذا الطعام، و إذا كان لا مناص منه في هذه الأرض فليهبهم الله مائدة سرمدية تكفيهم مؤونة البحث عن هذا الطعام، و تنجيهم من كوارث الجوع، والرب العظيم القادر ما كان ليعجز عن تلبية هذه الرغبة، أو عن إنزال مثل هذه المائدة : « قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال اتقوا الله إن كنتم مومنين، قالوا نريد أن نأكل منها و تطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا و تكون عليها من الشاهدين»34.
ثم اعترافا بضرورية الطعام و أهمية توفره للجميع، نرى القرآن يجعله من بين أبرز الكفارات عن بعض المخالفات التي قد يرتكبها الإنسان إما عن عمد و سابق إصرار، أو عن أخطاء و دون تصميم فهو كفارة عن اليمين : « لا يواخذكم الله باللغو في أيمانكم، و لكن يواخذكم بما عقدتم الإيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة »35، و هو كفارة لما قد يرتكبه الحاج من مخالفات غير خطيرة كقتل الصيد، « يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم، و من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين »36، و كعدم تمكن الحاج من إتمام النسك بالحج أو العمرة، « و أتموا الحج و العمرة لله، فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي، و لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، فإذا أمنتم فمن تمتع بالحج إلى العمرة فما استيسر من الهدي »37. و الطعام كفارة عن مخالفات الصائم في رمضان « و على الذين يطيقونه فدية طعام مساكين »38، و لو وضعت الموازين الحقيقية لمشكل الطعام، أو لو روعي في توزيعه و إعداده الفلسفة الإسلامية لأمكن للإنسانية أن تتجنب الكثير من الثروات، فمن المحقق أن وراء كل ثورة رغيفا كما يقولون، و كما قال (كارل ماركس) « إن الضرورة الاقتصادية هي التي تدفع هذا التاريخ دائما في نهاية الأمر ... و أن الاقتصاد الذي يشمل مجموع الجهود الإنسانية في سبيل امتلاك المادة، و استخدامها إنما يشكل اللبنة الأساسية للعلاقات الإنسانية »39.
و نحن نعلم أن الثورة الفرنسية التي أودت بمملكة فرنسا لم تكن المظالم الاجتماعي و ما واكبها من فوارق طبقية هي وحدها التي هيجتها و إنما كان من أبرز أسبابها انعدام الطعام. فيقال أن الملك و الأشراف – بعد أن حطم الثوار سجن الباستبل الذي كان المظهر المجسم للمظالم السياسية، و فوارق الطبقات في فرنسا يومئذ – استجابوا لرغبات الثوار و تنازل الأمراء عن كثير من امتيازاتهم، و لكن حدث ذات يوم أن أفقرت مخابز باريس و أفرانها من الخبز ، فما كان من الثوار إلا أن انطلقوا في الشوارع ينادون صارخين : نريد الخبز، نريد الخبز. و لو قدم لهؤلاء المتمردين الخبز الكافي لوضع حد لتمردهم ( و لكن أبى الله إلا أن يواصلوا هيجانهم فيرغموا به الملك و زوجته و ابنهما على الالتجاء إلى قصر «التويليري» لتمضي الثورة إلى نهاية أبعادها و لتسجل بأحرف من دماء و نار نهاية عهد و بزوغ عهد جديد.
و حتى إذا كانت سنة 1794 رسمت الحكومة الفرنسية – و هي تضع دستورا لدينها الجديد بعد إن عمها الإلحاد إثر الثورة مباشرة – أوضاع الدين الجديد الذي أطلقت عليه « عبادة الكائن الأعظم »، و ذكرت فيه أن من بين واجبات المواطن تجاه أخيه الإنسان : ( عون البائس، و احترام الضعيف، و الذود عن المظلوم )41.
و هروبا من هذه الرجات العنيفة التي كانت تصحب دائما قلة الطعام و انعدامه كان الفراعنة من ملوك مصر – و هم في نظر رعاياهم آلهة أو أبناء الألهة – يعملون على توفير الطعام لهؤلاء الرعايا حتى لقد قيل أن الملك « أمتحعب » كان يباهي ويقول : ( لا جائع تحت حكمي و لا ظمآن في أيامي )42
و الحركات الإصلاحية التي شهدتها الإنسانة على الدوام، كانت تهدف أولا و قبل كل شيء إلى ضمان الكفاف من الطعام. و ديمقراطية أثينا .. التي ولدت في عهد الفيلسوف « بركليس » و التي وصفها في الخطبة التي نسبها إليه « توسيديد » أكدت ( انها لا تهدف إلى مصلحة أقلية، بل إلى مصلحة أكبر عدد ممكن، و إلى أن جميع المواطنين يتمتعون بجميع الحقوق ...) و أضافت بالخصوص : بأنها تضع مشكل الطعام في مقدمة مهامها . بل و نص واضعوا هذه الديمقراطية على وجوب القيام بإصلاحات اقتصادية و مشروعات كبيرة، و وعدوا « بالخبز بثمن زهيد »43
من كل ما تقدم نعتقد بأنه من الحق التأكيد بأن المشكل الآني و الراهن للإنسان في كل أدوارها التاريخية، و منذ أن وطئت قدماها الأرض، كان و لا يزال هو الطعام، أو بتعبير أعم و أشمل هو الاقتصاد بجميع فروعه و أنواعه، لأن هذه الفروع و تلك الأنواع لا تستهدف بدورها إلا توفير الخبز و الطعام لهذا الإنسان.
ثم من المسلم به أن أول فكرة قرت في ذهن الإنسان و هو يفتح عينيه على هذه الدنيا كانت هي فكرة البحث عن أيسر طريق يحمي بها نفسه من مختلف العناصر الكونية و الظواهر الطبيعية التي بدت له أول الأمر مناوئة له و معادية.
و كان من الطبيعي أن ينحصر الفكر الإنساني و قبل كل شيء في البحث عما يقيم أوده و يحفظ فيه خلية الحياة. و ذلك هو الطعام.
و من الإنصاف أن نقول أن البحث عن الخبز سبق البحث عن الله لدى الإنسان، ذلك أن الطعام يحفظ لهذا الإنسان وجوده ككائن حي و ذاتيته كإنسان، ثم هو الذي يعطيه إمكانية التفكير في أجوائه المحيطة به و يدفعه إلى إعادة النظر في خالقه رب العالمين، فكان إذن أول مشكل كان على الإنسان أن يواجه و هو يضع رجله على عتبة الحياة و يتحسس طريقه على هذه الأرض المباركة – هو مشكل الطعام.
و تحدثنا الآثار القديمة أن آدم و حواء عندما اقترفا زلتهما في الفردوس، تلك الزلة التي كانت السبب في طردهما من هناك، كان المشكل الأكثر صعوبة الذي واجهه منذ اللحظة الأولى هو مشكل إيجاد الطعام، حفاظا على خلية الحياة فيهما. و تحدثنا تلك الآثار أيضا كيف أن ملاكا كان مكلفا في بداية وجودهما على الأرض بتقديم ما كانا يحتاجان من هذه المادة السحرية التي تهب الفكر نوعا من الاتزان، و مزيدا من التعمق في التفكير.
ثم يمضي الإنسان في طريقه نحو اكتشاف المجهول، و تظل العقبة الكاداء في طريقه أبدا هي مشكل الطعام. و قصة الحضارة تحدثنا كيف أن الإنسان الأول كان يقتات كل ما كانت بقع عليه يده، أو تبصره عينه أو يجده قريبا من متناوله، حتى و لو لم يكن صالحا لتغذيته و لا نافعا لحياته. لقد كان مدفوعا بغريزة حب البقاء، للبحث عن إشباع غريزة الجوع المحطم لخلايا الحياة، و بأية وسيلة، فلم يكن من الغرابة أن يقتات أوراق الأشجار أو براعيم الزهور أو زنابق الوادي.
و غريزة البقاء لدى الإنسان كانت دائما هي التي تدفعه على تحسين وسائل الاقتصاد و المعاش حتى لا يتعرض للانهيارات العصبية التي هي أخطر من كل انهيار، فالإنسان حين يطارده الجوع و شبحه لا يمكن أن يفكر إلا في وسيلة القضاء عليه قبل  التفكير في أي شيء آخر مهما يكن من الخطورة بمكان.
و دفعت هذه الغريزة الإنسان إلى القيام بإجراء عدة اكتشافات تنبهه إلى ما في الحيوانات المحيطة به، و حتى تلك التي تفتك به من مادة حيوية و دسمة تستطيع أن تعطيه الكثير مما يبحث عنه، فهي أفضل زاد و أحسن غذاء و ألذ طعام، فكان إن اهتدى إلى اكتشاف اللحوم. « و الأنعام خلقها لكم، لكم فيها دفء و منافع و منها تأكلون».. و هو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا»..44
و بمرور الزمان تتجمع رغبات الإنسان و تتركز في هذا الثالوث الذي ما يزال شغله الشاغل حتى الآن : المأكل، و الملبس، و المسكن، و لكن كانت مشكلة الطعام من بين أقانيم ذلك الثالوث و بالدرجة الأولى هي محور كفاح الإنسان و أساس نظرته للحياة.
و يتقدم الإنسان و يعمل على تنظيم مكاسبه الأولى، فتهديه غريزة الاستئناس إلى التجمع، فتتكون الأسر و الجماعات، فالقبائل، فالأمم و الشعوب. و تتكشف للإنسان الحياة النظامية التي أوجدها تكتله و تجمعه عن مشاكل أعقد و أعوص، تبلورت مع مرور الزمان و المكان في المشكل الأبدي : الطعام و العيش. و قد يتضخم هذا المشكل، في فترات، و خاصة عندما يعم الجفاف أو ينشر القحط، و تدفع أمثال هذه الظروف الحرجة بالإنسان إلى إعادة النظر، و إلى البحث عن أسباب و ظواهر هذه الجفاف و ذلك لدرئها إن أمكن، و بالتالي للعمل على تحسين وسائل الإنتاج و تنظيم التوزيع و حسن الخزن و التدبير.
و تتجمع المعلومات الأولية لهذا الإنسان فيعرف بالتجربة و المحسوس، الكوارث الطبيعية و الأخطار اللا منظورة، فتهدبه حاسته التي أرهفتها الكوارث السابقة إلى معرفة بعض الوسائل الناجعة للقضاء على عدون التقليدي : الجوع ... و في كفاحه مع الأحداث و الأيام، و في نضاله من أجل لقمة العيش يعطي لمعلوماته في هذه الأطر، إطارا خاصا اتخذ فيما بعد اسم ( النظام الاقتصادي ) و الإنسان كلما أعاد النظر في وضعه من العالم برزت مشكلة الطعام أمام عينية، و حالت – في غالب الأحيان – دون انطلاقه نحو الكمال المطلق الذي تحن إليه نفسه، و دون التقدم العظيم الذي ينشده عقله الواسع الأفاق. فلا غرابة – و الحالة تلك – إذا رأينا قادة العالم اليوم يوجهون أكبر اهتمامهم و أعظم عنايتهم لتجميع قوى الإنسان في منظمات دولية مختلفة تهدف في مجموعها، لمواجهة خطر تزايد السكان المستمر أمام الأغذية الناقصة، أو الغير منظمة التوزيع، أو الغير كافية لهذا العدد من الموارد الآخذة في الازدياد على الدوام و الاستمرار.
و لهذا فإن مشكل الطعام أو الاقتصاد، ظل و سيظل محط اهتمام الإنسانية عبر زحفها نحو العالم الأفضل و العيش الأرغد، و كلما حققت الإنسانية تقدما في ميادين التقنولوجية، و التقنية و العلوم، كلما أخذ مشكل الطعام ضراوة أكثر حدة و أشد من ذي قبل. و هكذا تصبح القضايا الاقتصادية محور النشاط الإنساني كله، و في جميع مجالاته و مرافق حياته و يصبح الاقتصاد ( ووحده فحسب ) هو المتحكم في مصائر الأفراد و الجماعات و الأمم و الشعوب و في علاقاتها مع بعضها.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here