islamaumaroc

لا يمين …ولا يسار

  دعوة الحق

154 العدد

1) التصور الإسلامي للحياة :
الحياة ...! هل جاءت نظريات الأولين بما يفسرها ؟ و هل ستأتي علوم الآخرين بما يجلوا أبهامها و يحل لغزها ؟
لم يدرك لها أحد معنى، و لم يحدد لها بشر مدى. الله جل جلاله، الخالق البارئ المصور هو الذي برأها، و يعلم بدأها و منتهاها، و يدرك سرها المكنون الذي حارت أمامه عقول البشر، و قصرت أخيلتهم – رغم أنها قد تتجنح أحيانا – عن أن تحلق في أجواز فضائها السامية العالية، إلا بإلهام و وحي منه سبحانه تقدست أسماؤه و تعددت نعمه وآلاؤه.
الحياة ... !! منه مصدرها و إليه مصيرها، و هي بين هذا وذاك رهينة بما يشاء لها و ما يقدره و يقضيه في شأنها، لا تحيد عنه الملة، و إلا مسها الضر و عمها البلاء و شاع فيها الخراب ... و قد يدركها الفناء.
الحياة وحدة ... من وحدة الله، تخضع للنواميس الأزلية التي خطها لها، فإن زاغت عنها ضلت و أضلت و التوت بها السبل و عميت عليها المسالك و أصابها الخبال و نزل بساحتها الوبال.
الحياة ... ! في جميع وجوهها و على مختلف أنواعها، و مهما تباينت و تعددت مستوياتها وحدة... من وحدة الله، قد تقبل التجزأ و قد تخضع للتجزيء، ظاهريا، و لكنها تظل هي الحياة ... السر الخفي الذي عجزت عن اكتناهه أقوى العقول، و وقفت عند أعتاب قدس أقداسه تسبح باسم بارئها خاشعة خاضعة، و إن جرها الضلال إلى الجحود كانت كناطح الصخور.
الحياة وحدة ... من وحدة الله الحي ... قد تتجزأ، و لكن أجزاءها مهما دقت و صغرت تظل عناصر الوحدة و الاتحاد قائمة فيها و بينها، و لا عجب، فهي من صنع الله، و ما كان من صنع الواحد الأحد انعدم فيه الخلاف و انتهى منه الصراع، و إن بدأ لذوي البصر الكليل و البصيرة العمياء عكس ذلك.
هكذا يرى المؤمن الحياة ... يوجهه كتاب ربه و تهديه سنة نبيه و تلهمه الفطرة السوية التي فطره الله عليها.
الحياة وحدة ... من وحدة الله القادر المريد .. لماذا ؟
إذا تخلينا عن الأسلوب الغربي في البحث و النظر، يكون الجواب كالآتي :
إنها الحقيقة الكونية التي تقدم مفهوما واضحا سليما و طريقة قويمة للبحث المعملي في الخلية الحية، و لتكوين الموقف التصوري الأمثل للكون، إنا النظام و المنهج الذي به و على أساس ما يقتضيه ننظر إلى الحياة النظرة التي تسبر الأغوار و تستكنه الأسرار، دون أن نتعدى حدود الله فنظلم أنفسنا ... بها نكون الموقف التصوري السليم لأنفسنا و مجتمعاتنا و الكون الواسع البديع المذهل الذي كتب علينا أن نحيا في أقطاره ... بها تتهيأ لدينا الوسائل و الأدوات العلمية القويمة التي نبحث بها في مادة الحياة و مكوناتها و عناصرها، و نلمس خيط الوحدة الشامل الدقيق الخفي الذي يسري فيها لطيفا فعالا، فتنعقد الصلة الصحيحة بين الحياة و الأحياء و بين رب الحياة و الأحياء .. صلة العبودية الخالصة الخاضعة الطائعة.
إنها النظرية التي تجعلنا نقف الموقف السوي الأمثل حين الفشل في استكناه أسرار الحياة ، فلا نتمرد و لا نثور و لا نتحفز للصراع – ببطولة دون كيشوتيه – ضد قوى الغيب الخفية التي نجهلها – إن لم نعتمد على ما أخبرنا به الله عنها على لسان رسله و أنبيائه – كما يفعل إنسان الغرب التعس الأن، بل نعرف عن يقين أن فشلنا ناتج عن أن إرساءنا لقواعد الحلول المثلى للمعضلات التي تواجهنا لم يحالفنا فيه التوفيق، فنعيد النظر في أدواتنا و في أساليب الرؤية القويمة عندنا، فنجدد ما يحتاج إلى التجديد، و ننفي ما يحتاج على النفي مما بلي منها و رث، و نعاود التجربة من جديد بروح وثابة واثقة من النجاح تساندها ثقة مطلقة في ربها و في أنها على الخط المستقيم و على المحجة البيضاء.

2) التصور الجاهلي للحياة :
موجة الصراع القائمة على روح « التناقض أو التقابل » التي تسري مسرى خفيا في جميع مناحي الحياة – كما يريد أن يوهمنا فلاسفة التصور الجاهلي للحياة – بدأت تطغى عارمة تحمل الضلال و التضليل لتغرق بهما أرضنا الطيبة في العصر الحاضر، فمدها العارم بدا يغمر عالمنا الإسلامي بعد أن نخر جسم العالم الغربي و هد كيانه منذ العهود الأولى للحضارة اليونانية .. و لا عبرة لما نراه من مظاهر التقدم المادي الذي تغشى له أبصار المضللين منا ...
صارع الإنسان الغربي آلهته المتعددة فصرعته، و تلك قمة الروعة و البطولة الزائفة في مأساة وجود الإنسان الغربي.
الإنسان ! ضئيل جدا .. ! ضعيف جدا .. ! جاهل جدا ..! يتطلع و يتشوف إلى أن يحتل عروش الآلهة على جبل « الأولمب » و يجد من ( برومينيوس ) مساعدا يسرق له « الشعلة » ويقدمها له هدية ثمينة، فتثور ثائرة الإله الأكبر « زيوس » عند اليونان - « جوبتير » عند الرومان – و ينتقم من الإله السارق انتقاما رهيبا.
أما الإنسان فأصبح لا هو بالإله و لا هو بالإنسان، و لم يتخل عن تعطشه إلى أن يدرك مرتبة الآلهة ... الآلهة الشهوانية المتصارعة الخادعة المخدوعة لنزيحها عن عروشها و يحل محلها في متعها الحسية الدنيئة التي ألهتها  عن نفسها و عن قدسيتها.
و دخل إنسان طرفا آخر في الصراع، و لكنه في كل حين الطرف الضعيف الخاسر المسحوق، وهنا يكمن سر بلواه، و هنا أيضا يكمن سر وهم البطولة عنده الوهم الأكبر الذي يعيش فيه الإنسان الغربي بعدا عن هدي الله الواحد في دوامة الصراع... هذا عن الميثولوجيا اليونانية الرومانية التي أرضت غرور الإنسان الغربي و أرضت غريزة الصراع البهيمية الكامنة في أعماقه.
و ماذا عن الفلسفة اليونانية الشرعية لهذه الميثولوجيا ..؟ أشهر مدرسة فلسفية يونانية اشتهرت وذاعت هي المدرسة السفسطانية التي انقسمت إلى قسمين أو على الأصح مدرستين متناقضتين في ميدان الفكر النظري الصرف، و كذلك في الميدان الوحيد للتطبيق المعروف آنذاك، السياسة. ففريق كان يرى أن ( الطبيعة ) صالحة إن لم تتدخل يد الحضارة فيها بالتشويه، و أن الطبيعة جعلت الناس متساوين، و لكن تفاوتهم ينشأ عن الأنظمة الإنسانية الدخيلة المصنوعة، و ما القانون إلا بدعة من الأقوياء لتكبيل الضعفاء بالأغلال. أما الفريق الثاني فيرى الطبيعة هي أم الشر في كل ما يبدو لنا شرا، و أنها خلقت الناس غير متساوين، و ما الأخلاق إلا خدعة اصطنعتها الأرانب لتسلب الذئاب حقها في أن تفترسها، و هي تؤمن إيمانا راسخا بأن الحق في يد  القوي ما دام قويا، فإن فرط في قوته أو وجد من هو أقوى منه ضاع حقه و ضاعت هيبته.
و أن أتينا إلى سقراط، و حاولنا أن نحدد له وجهة نظر محددة غرقنا في طوفان من المتناقضات التي لن نخرج منها بأي فكرة مستقرة تساعدنا على معرفة سقراط معرفة حقيقة تشفي الغليل.
كان إنسانا فاشلا في حياته العلمية، ترى فيه زوجته الإنسان الخامل الذي لا يصلح لشيء، و إذا عرفنا أنه هو نفسه لم يكن يزعم أنه حكيم يمتلك ناصية الحكمة بل عاشق لها وقد قال : « هناك شيء واحد أعرف به ألا و هو أنني لا أعرف بأي شيء » زادت حيرتنا و التبس علينا الأمر في معرفة الوجه الحقيقي لهذا المعلم ... لقد اجتمع حوله شباب أرستوقراطي أرضته اللهجة اللاذعة عند المعلم في مهاجمته للديمقراطية. و اجمع حوله شباب من طبقة الفقراء الأحرار، أعجبته اللامبالاة الغربية التي يبديها المعلم نحو فقره المزري ... و لم يكن يدلي بأية وجهة نظر معينة محددة ... لقد كان يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من الأجوبة ... و من أصدق ما قيل في هذا الرجل ما أورده فولتير في إحدى سخرياته اللاذعة على لسان اثنين من أهل أثينا يتناقشان، فقال أحدهما : « هذا هو الملحد الذي يقول بأن هناك إلها واحدا فقط » نعم لقد كان كافرا بآلهة « الاولمب » مؤمنا بإله واحد، وكان يؤمن أن يعيش حياة أخرى بعد الموت. و لكنه لم يستطع أن يأتي نظام خلقي متين يساند هذه العقيدة الموحدة. فاضطر أن يخضع راضيا للنظام الذي يشجبه ليحاكمه، و أخيرا شرب السم الذي قدمه له أعداؤه ممسكا بالكأس بيد لا ترتجف، رافضا كل المساعدات و معرضا عن كل محاولات الإنقاذ التي جاء بها تلاميذه المخلصون.
في جمهورية أفلاطون نقرأ أن أحد تلاميذ سقراط، ضاق ذرعا بالتدمير الذي كان يلقى به سقراط كل تعريف عن العدالة يقدمونه إليه، فانفجر مغيظا محنقا : « أية حماقة قد ركبتك يا سقراط !؟ و أنتم أيها الآخرون ماذا دهاكم لتتراموا على أقدام بعضكم بهذه الطريقة البليدة الغبية ؟ إنني أقول بأنكم إذا أردتم أن تعرفوا ما هي العدالة، فيتوجب عليك يا سقراط أن تجيب لا أن تسأل، و أن لا تفاخر بنفسك يدحضك لأقوال الآخرين ... و ذلك لأن هناك الكثيرين الذين بمقدورهم أن يسألوا، لكنهم يكونون عاجزين عن الإجابة ».
إن نظرة عجلى نلقيها على فلسفة أفلاطون تكفي لنخرج بها مقتنعين تمام الاقتناع بأن فكرة التناقض و روح الصراع هي السائدة فيها و هي منها بمثابة القطب من الرحى .. نظرية المثل ... الأساس الذي بنى عليه أفلاطون جميع آرائه في الله و في الطبيعة و في النفس و في الأخلاق و في الدولة و في الفن .. إنها نظرية تقوم على التفريق بين العقل و الحس .. الأشياء ظلال للمثل .. الواقع صورة مشوهة للنموذج ... المثل رمز للكمال المطلق و للوجود الحقيقي المكتفى بذاته الحقيقة الكاملة التي لا ينقصها شيء .. فلماذا طبعت هذه المثل صورها على المادة ناقصة محرفة ؟
لترقيع هذا الخرق جاء أفلاطون بفكرة الإله القائم وراء المثل و وراء المادة معا، يصور هذه على مثال تلك، و على هذا يكون الإله و المادة قد وجدا منذ الأزل إلى جانب المثل و لم ينشأ منها كما أراد أن يوهمنا، فإذا علمنا أن إله أفلاطون مما يغض من قيمته و قداسته أن يتولى تدبير شؤون مخلوقاته تدبيرا مباشرا، فإننا نشعر بأنه إله منفي، و لم يبق بساحة الصراع سوى المادة و المثل .. و في محاولة يائسة منا للخروج من هذه المتاهة العقلية نتساءل : « كيف كانت المادة قبل أن تصوغها المثل على غرارها، و لم اعتراها التحريف و التشويه و لم تكن كاملة كخالقتها ؟ » بهذا السؤال نفتح خرقا جديدا أوسع من الأول في « المرقعة» الفلسفية التي جاء بها أفلاطون، و لكنه كعادته يجد رقعة يلفقها له حين يحاول أن يوهمنا أن المادة في وجودها الأول كانت في « شبه عدم »، و حين حل الكمال المثالي في (شبه العدم) هذا اعتراه النقص و حاق به التشويه، و هكذا ها نحن من جديد أمام الهوة السحيقة التي تفصل فصلا تاما بين الحس و العقل .. أمام « روح التناقض و التقابل » التي خلقت فكرة الصراع التي سادت الحضارة اليونانية، و منها إلى الحضارة الغربية الحديثة ابنتها الشرعية ...
و يأتي أرسطو ليبني فلسفته على نفس العنصرين الأولين اللذين اقتبسهما من أستاذه أفلاطون .. أي أننا لن نخرج من الحلقة المفرغة التي كنا ندور فيها من قبل.
الصورة و الوجود ... الصورة هي الحقيقة، و الوجود هو التحقق الذي يحصرها في هذا العالم الواقعي الأرضي الذي نعيش فيه .. الصورة هي الإدراك الكلي و ما الأشياء الجزئية إلا التحقيق لهذه الصورة الكلية على صعيد الواقع الحي .. و هكذا يكو أرسطو قد أنزل أفلاطون من عليائه المثالية إلى الواقع اليومي المعاش دون أن يتخلى عن فكرة التناقض التي بنى عليها أول فكرة فلسفية للتطور على أساس الصراع الحاد بين المتناقضات، والهدف هو الارتقاء العقلي المنظم .. إلى أين المصير !؟ علم ذلك بقي عند أرسطو، و قد دفن معه في قبره.
من لبان هذه الحضارة المصابة « بالصرع » رضع الإنسان الغربي، و صاحبته فكرة الصراع حتى في فترة سيادة المسيحية على أوربا، أخذ الإنسان الغربي المسيحية، تبناها بعد أن ذر عليها « ملح الحياة » بالنسبة إليه « فكرة الصراع و التناقض و التقابل » :
نزول الإنسان إلى الأرض كان بعد أن طرد من الجنة مذموما مدحورا .. لماذا ؟ لقد أكل من شجرة المعرفة بعد أن شدد عليه النهي في عدم الأكل منها أو حتى الاقتراب إليها، و لم يكتف بذلك، بل تطلع إلى الأكل من شجرة الخلود ليساوي إلهه في بقائه ..
و وصم الإنسان بوصمة « الخطيئة » القاصمة للظهر، و تلطخ بعارها و شتارها، و لكن غرور الإنسان الغربي لا يسمح له بأن يسعى إلى ربه مستغفرا نادما تائبا منيبا .. كلا !  و كيف يكون ذلك و هو الذي تأصل في العناد و الغرور منذ عصور سحيقة في القدم ؟ إن غروره و عناده أديا به إلى أن يختلق على ربه أنه هو الذي سعى على الصلح، فقدم « ابنه » كبشا للفداء، و بدمه المقدس سيكون الخلاص لبين آدم من عار خطيئتهم.
و تنمو فكرة الصراع و يتسع مداها فتصبح هي نظرية الحياة و أساسها الأول و الأخير الذي تسند إليه .. و لا حياة بدون .. و الفضل في ذلك لنبي « الصراع » ماركس و من حذا حذوه، الذين فرضوا أنفسهم رسلا يلقون كلمة الصراع إلى الناس.
ماركس ...! الفيلسوف الهيجلي المبتذل الذي تبنى روح « الجدل الهيجلي »، و لكنه جعل الحصان يدفع العربة من الخلف، أي أنه جعل « هيجل » الذي كان من قبل يزحف على بطنه حين جاء بنظرية « الديالكيتك» التي أستلهمها من روح الصراع و التناقض التي سادت الفكر الغربي طيلة عصوره المختلفة، جعله يمشي مكبا على رأسه ...
لا أريد أن أمضي في بحثي قبل أن القي بقض الأضواء على «الديالكتيك الهيجلي» بما يكفي لكشف جوانب التهافت فيه، يقول كيرد : « ... ولكن القحة في تقديم الهذر المحض وفي الربط بين متاهات من كلمات لا معنى لها و لا لزوم، ربطا لم نعرف له من قبل مثيلا سوى في مشافي المجانين، إنما بلغ ذروته عند هيغل، و أمسى أو قح و أشمل تعمية عرفها البشر أبدا، تعمية نجمت عنها نتيجة ستبدو أسطورية في أعين الأجيال القادمة ...».
لقد غرف هيجل من ثقافة اليونان القائمة على فكرة التناقض و الصراع، و هام بها حبا حتى أنه قال : « إن المثقل الألماني يجد نفسه، عند ذكر اسم اليونان بين أهليه و ذويه ...»
كان يرى أن أوسع العلاقات و أشملها هي علاقة « التناقش أو التقابل » أي « الصراع » و هي مستمدة من فلسفة اليونان، يقول أرسطو : « أن المعرفة بالتنقيظ أو المتقابل هي واحدة »، و الحياة في نشوئها إنما هي تجسم التطور المستمر للنقائض الناجم عن الصراع الحاد القائم فيما بينها، و الذي يؤدي حتما إلى نوع من التوافق يولد نقيضه ... و هكذا في حلقة مفرغة لا تنتهي ...
الصراع هو قانون النمو و الخلق، مبني على ما في العالم من متاعب و مشاق و شيق، و التاريخ حركته الدائبة قائمة على ( الديالكتيك )، وهو في الغالب الأعم يتألف من سلسلة من الثورات و الصراعات.
و في أخريات أيامه تخلى هيجل عن هذه النظرية الأسطورية متعللا بروح العصر، و لكن ماركس يأتي و يصوغ منها نظرية الصراع الطبقي الذي يؤدي حتما إلى الاشتراكية المحتومة.
عند هيجل « المطلق »  و  « روح العصر » هما الأساسان اللذان ترتكز عليهما  « حركة التاريخ »، و أما ماركس و أساتذته و تلاميذه فيحلون محلهما « حركات الجماهير » و « القوى الاقتصادية » كأسباب رئيسية لكل تبدل جوهري في الحياة كلها .
و تثور ثائرة الفيلسوف العجوز، فيستنكر بشدة التشويه الذي ألحقه بنظريته جماعة ممن سماهم هو نفسه « بالمتطرفين الحالمين » ، و بموته يخلو الجو للمتطفلين على نظريته، و من خلال تمسك جائع بخط حزبي مفروض، و دفاع ملتو عن نظريات هجينة تملى من أعلى – من بشر يخطئون و ينحرفون – انحرفت و تشوهت «روح العصر »، و سادت جاهلية حديثة بانهيار النظم الجاهلية التقليدية القائمة على الطغيان الظاهر، ليحل محلها طغيان حديث قائم على أيديولوجية مغرورة تدعي الشمول الواسع العميم، وتتسرب إلى كل ميادين الحياة الخفية و الظاهرة حاملة التشويه و التحريف.
و تمر السنون .. و تفقد الماركسية الثقة بها كعلم اقتصادي، و يثبت الزمن خطل تنبآتها الخرافية، و تنهزم في ميدان التطبيق العملي على صعيد الواقع الحي ..

و لكن « روح العصر » لا تريد أن تتخلى عن ماركس ... النبي المهزوم، إن فشل في ميدان علم الاقتصاد، فميدان العلم الاجتماعي فسيح أمامه، و هكذا تحول الصراع الشامل بين الطبقات القديمة في أمم العالم كله، إلى ثورات عنيفة تقوم بها الطبقات الجديدة المسحوقة في دول المستعمرات، مع أن النظرة العابرة لأي شخص عادي تثبت أن قادة هذه الطبقات و عددا كبيرا من جنودها هم من أبناء الطبقات الوسطى التي قد لا تتعارض مصالحها – في بعض الأحيان – مع مصالح دول الاستعمار بشقيه : السافر و المقنع ... و بالتالي تثبت أن ما يحرك الإنسانية في مسيرتها المقدسة أسمى و أنبل مما أوهمتنا به المراكسية سابقا، و تحاول أن تلقي في روعنا حاليا، وهي لا بد راجعة إلى سواء السبيل رغم الانحرافات التي لازمتها طويلا على درب المسيرة الرائعة.
و قد كان ماركس رغم تجميده للصراع العنيف و مناداته في غالب الأحيان بالعنف الثوري لا يعطف على العصاة و الفوضويين و الثوريين الذي لا يرون الثورة ناجحة بغير إراقة دماء مناهضيها. أن الماركسية – بوجهها القديم – كانت لا تبرى مانعا من العنف بكل أشكاله : الحرب، التخريب، التعذيب، الاغتيال، الإرهاب ... ولكن ذلك كله يمكن أن تتخلى عنه إن أمكن العمل بدونه، و كان دعاتها المروجون لها ينادون بالسلام و بالتعايش السلمي قناعا يغلف أطماعهم، و في سنوات ما بعد الحرب الأخيرة جعلوا من حمامة بيكاسو رمزا و شعارا لدعايتهم.
أما الماركسية بقناعها التحرري الجديد فقد مجدت العنف، وها هو « هوبرت ماركوز » يكتب قائلا : « هناك في المصطلح التاريخي فرق بين العنف الثوري وبين العنف الرجعي، بين العنف الذي يمارسه المظلومون و بين العنف الذي يمارسه الظالمون، و كلا نوعي العنف في المصطلح الأخلاقي غير إنساني و شر، و لكن متى اتبع التاريخ المقاييس الخلقية ؟ »
إن نظرة الإنسان الغربي للحياة على أنها « صراع بطولي بين الإنسان و بين القوى المجهولة التي تسيطر على العالم » ما هي إلا انحراف رهيب تحاول به قوى الشر المظلمة التي تود السيطرة حقا على العالم إن تنفي عنه فكرة عبوديته لله وحده فيتحرر و يحطم قيوده التي تحول بينه و بين الغاية الأولى و الأخيرة من وجوده، وتعبده لمثله من البشر أو لفكر ضالة أو لمادة عمياء ... الخ.
إن الغرب – و من يدور في فلكه – في خضوعه لهذه النظرة لضالة المضللة أشبه بمن هو تحت تأثير مفعول مخدر قوي سلبه قدرته على التمييز والحكم بين النافع و الضار و الصالح و الطالح، و لو دققنا النظر لوجدنا بعض أوجه التقارب في أسباب انتفاضات الشباب الماركسي الأخيرة في الشرق و الغرب و بين أسباب ظهور «الهيبية » - رغم الاختلاف الشديد الشاسع بينهما – في عدة أمور :
1- بغضهما المشترك للبورجوازية الرأسمالية
2- بغضهما لكل قديم، و افتتانهما بكل جديد.
3- اتفاقهما على براءة الإنسان و طهارته و بطولته، لأنه يقبل العيش في عالم من المتناقضات الحادة .. عالم يثير من التساؤلات أكثر مما يقدم من الأجوبة المقنعة.
4- اتفاقهما على بغض القيود الخلقية المرتكزة على أي أساس يمت إلى الدين بصلة.
5- إيمانهما العميق بروح الصراع بين المتناقضات التي تسود العالم.
و باختصار أن النظرة الجاهلية إلى الحياة نبعت من الحضارة اليونانية الوثنية القائمة على فكرة ( التناقض أو التقابل )، و قد بدأت – كما رأينا – بالصراع المحتدم بين آلهة « الاولمب »، ثم دخل الإنسان طرفا في الصراع، ثم استحال هذا الصراع أخيرا إلى مفهوم أيديولوجي قائم على روح النافسة في النظام الليبرالي، ثم اقتضت « روح العصر » أن يتحول الصراع إلى ثورات دامية عنيفة تقوم بها الجماهير المسحوقة المغلوبة على أمرها لتستخلص حقها بالعنف الدموي ممن اغتصبه منها ...

3) معنى اليمين و اليسار في الإسلام :
نظرة الإسلامي ترى في الناس فئات ثلاثا : 1) السابقون، 2) أصحاب اليمين، 3) أصحاب الشمال.
1) السابقون هم الطليعة من عباد الله الذين خلصت نياتهم و صلحت أعماله، و كانت كل خطوة من خطواتهم عبادة خالصة لرب العباد. إنهم  الرسل و الأنبياء والشهداء و الأولياء، هداة البشرية وقادتها و روادها،خصهم الله بالفضل العميم، وأعد لهم ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر في جنة النعيم.
2) أصحاب اليمين هم الذين آمنوا و اهتدوا و ساروا على النهج الذي خطه لهم ربهم في كتبه التي وصلت إليهم عن طريق الرسل، فقاوموا الضعف البشري الذي كان يركسهم في بعض الأحيان في حماة الضلال، أن رؤيتهم السليمة ( للحياة ) ترى أن وحدة خالفها تجمع شمل عناصرها و مكوناتها في اتحاد شامل فعال لطيف خفي، لا تراه إلا البصائر المفتوحة و العقول المستنيرة التي تؤمن بالغيب لأنها ترى أن إيمانها به لا ينافي ما في طبيعة وجودها من قصور و نقصان يكملها ذلك الإيمان ويمنحها العزاء و الصبر والثبات في الملمات، إنها ترى أن ( صراعها الحقيقي ) مع قوى الشر التي لا ترى الدنيا جميلة إلا إذا اصطبغت بصبغة الطغيان و سادت فيها روح الشيطان. إنهم الذين يلقون ربهم و كتابهم بيمينهم، نفوسهم مطمئنة راضية مرضية تنعم بالأمن و السلام في دار السلام.
3) أصحاب الشمال هم الذين غاصوا إلى أذقانهم في الوحل .. الطغاة البغاة .. الضالون المضلون الذين رأوا الحقيقة أمامهم ساطعة وهاجة، فغشيت عنها أبصارهم و عميت قلوبهم، و ران على عقولهم الجهل و الظلام، ومرضت قلوبهم فزادهم الله مرضا بما كسبت أيديهم، و ما ظلمهم الله و لكن كانوا لأنفسهم ظالمين .. إنهم في الجحيم يسقون من الحميم ويستظلون باليحموم و يطعمون من الزقوم.
يرى القارئ الكريم معي هذا المفهوم السمح الذي يحدد به القرآن الكريم أصحاب اليمني وأصحاب الشمال من البشر يوم القيامة .. يوم الدينونة .. يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
و لو رجعنا إلى حديث سيد الأولين و الآخرين فسنجد – إلى جانب المفهوم القرآني الأول – مفهوما آخر لا يناقض الأول و لا ينفيه .. و لكن كلا منهما يوضح جانبا من الجوانب الدينية التي ينبغي للمسلم أن يعلمها و يعمل بها حتى يتقي عذاب ربه وينال رضاه في حياته الدنيا و الأخرى، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : « أن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين : الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم و ما ولوا ».
هذا هو المفهوم السمح اللطيف الذي نراه في القرآن و السنة عن معنى اليمين و اليسار في الإسلام و لكن ( تطلعاتنا ) إلى أن ننهل و نغترف من النظريات الضالة التي تسود عند غيرن امن الأمم المعتلة، و شعورنا بالخذلان أمام الأقوام الذين سبقونا في ميدان العلم المادي – بعد أن أخذوا بالأسباب التي تؤدي إليه و تخلينا عنها نحن – جعلانا نستورد منهم كل أنظمة الحياة عندهم، محاولين في نفس الوقت إيهام أنفسنا أن ذلك لا يخالف النظام الكامل الأمثل الذي أخذناه عن الله سبحانه، فما أحسنا تطبيقه و لا العمل به.
حين كانت « روح العصر » تسودها « الفردية » كنا أمناء على تطبيق ذلك النظام الضيق على أرض الإسلام، و حين بدلت « روح العصر» موضتها و تحولت إلى النقيض هللنا و استبشرنا و تفاءلنا بالخلاص من الكروب و النكبات التي نزلت بأرض الإسلام وقصمت ظهر المسلمين.
أنظمة الحياة في العالم الإسلامي كلها مستوردة من الخارج، من الغرب الذي يسوده التناقض و الصراع كما عرفنا آنفا، تخبطات « الصرع » التي تعانيها المجتمعات الغربية أصبنا منها بالعدوى نحن أيضا في مجتمعاتنا الإسلامية، فاستورد كل مجتمع مسلم النظام الدخيل الذي يراه صالحا للتطبيق فيه حسب ما تمليه المصالح و الأهواء و الثقافة السائدة الرائجة، وهو في غالب الأحيان مغلوب على أمره خاضع « لروح العصر ».
و قد شاءت « روح العصر » هذه، و لا مرد لمشيئتها – في أواخر القرن الماضي و أوائل القرن الحالي – أن تستورد أغلب مجتمعات المسلمين النظام الليبرالي، و أن تفصل منه على قدر الروح القومية السائدة في كل مجتمع مسلم، فإن فتح أحد المسلمين فمه بالاحتجاج على هذه النظرة الضيقة الضالة، القموه أحجار « حرية العقيدة » و «الدين لله و الوطن للجميع » و « فصل الدين عن الدولة »، فإن التقمها و هضمها دخل في دواليب المجتمع كأحد الأركان و الدعائم الأساسية، و إن لم يستسغها و لفظتها معدته فما عليه إلا أن يغلق فمه و ينزوي صامتا، و إلا فإن حماة الحرية و دعاتها سيكونون له بالمرصاد يحصون عليه حركاته و سكناته بل أنفاسه، فإن اشتموا منه ولو القليل من التذمر أخرسوه بأي وسيلة من الوسائل... وهكذا انزوى الإسلام في ركن الأحوال الشخصية و العبادات الشكلية، و أفرغ من محتواه الحركي الحي الذي يبني الأمة المثلى، خير أمة أخرجت للناس، الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر و تومن بالله وتجاهد في سبيله بكل غال و نفيس، و لا ترضى بالدنية في دينها و دنياها، فتدنت هذه الأمة إلى الدرك الأسفل من الانحطاط، إلى الحضيض الذي ليس بعده حضيض، و أصابها الله بالنكبة القاصمة، سلط عليها أحقر عباده الذين ضربت عليهم الذلة و المسكنة وباءوا بغضب من الله، يسومونهم الخسف ضروبا و يذيقونهم الذل ألوانا.
و بدأت الأمة تدرك الكارثة التي حاقت بها، و أخذت تتطلع إلى الخلاص .. و لم تجده لشقوتها في كتاب الله و سنة رسوله، لقد اتجهت إلى اليسار، مستلهمة ( روح العصر ) و متأثرة بالموجة العارمة التي تعم العالم المنكوب بهذه الظاهرة اليسارية التي تسللت في غفلة من الحراس الأمناء لهذه الأمة، أو على الأصح في وقت كانوا فيه أعجز عن مقاومتها لأن كل قوى الشر قد تكالبت عليهم محاولة سحقهم مستهدفة القضاء المبرم عليهم، و قوى الشر و الدمار هذه تتمثل في المخدوعين من قلب أمة الإسلام و من بين أبنائها أنفسهم، اقتبسوا هذه الظاهرة الغربية عن طريق التقليد الأعمى دون تفكير أو تمحيص، يساعدون بذلك الأعداء التقليديين لهذه الأمة – عن قصد أو غير قصد  الاستعمار الغربي الامبريالي، أو الشيوعي الأحمر، و هؤلاء كلهم أدوات مسخرة في يد الصهيونية العالمية التي تستهدف التوسع الاستيطاني في قلب المجتمع المسلم كورم خبيث يسمم جسم الأمة الإسلامية و يقتل طاقاتها و يهدم مقوماتها، وما ذلك إلا لتحرم العالم خير أمة فيه ... الأمة التي لا تقوم على العرق و لا التسلط .. الأمة التي اختارها الله لتحرر الإنسان من الطواغيت سواء كانوا بشرا أو مبادئ هدامة.
و بتبني المسلمين للظاهرة اليسارية عمت المصائب و توالت النكبات و تفاقم الخطب .. فمتى يرعوي المتنطعون و يتجهون الوجهة السليمة ؟
إن الله أكرم المسلمين تكريما عظيما بأن حملهم مسؤولية الشهادة على الناس و جعل الرسول صلى الله عليه و سلم شهيدا عليهم، و هو عليه الصلاة و السلام المثل الأعلى لكل إنسان يود أن يعيش حياته على أساس من الحق و العدل، مستهدفا الخير العام لكل إنسان و هدايتهم إلى الطريق المستقيم، و حين تمثلنا هذا المنهج القويم في  جميع أمورنا الدينية و الدنيوية كنا الأمة الوسط، خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر، لا غاية لها من وراء ذلك إلا جلب النفع للبشر، كل البشر، و دفع الضرر عنهم.
و شهادة الرسول على هذه الأمة تتمثل في أن كل مؤمن حين يمارس شؤون حياته اقتداء برسول الله صلى الله عليه و سلم، المنبع الثر لكل سلوك حسن وعمل صالح. وشهادة الأمة الإسلامية على الناس تأتي من أنها الأمة التي تقيس كل الأمم أنظمتها و أعرافها و تقاليدها عليها، فيتبين لها فيها وجه الانحراف و الضلال، فتأخذه نفسها بالاستقامة و التقويم، و لكن العكس هو ما نراه.

4) معنى اليمين و اليسار في الفكر الجاهلي :
كنت أتحدث إلى أحد « اليساريين »، والحديث ذو شجون، و تطرق بنا الحديث إلى الكلام عن صدر الإسلام، و بالضبط إلى عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فإذا بالأستاذ يتكلم عن هذا الإنسان العظيم كلاما أقل ما يوصف به أنه لا يمكن أن يصدر عن مثقف يحترم رأيه، لقد « وصمه » و بكل بساطة و برودة بأنه ( يميني )، لم يثرني الوصف نفسه بقدر ما أثارتني اللهجة التي نطق بها .. وأرغمت نفسي على أن « أحاربه بسلاحه و أقتله بسمه كما يقولون » فقلت له : «ألا تعلم أن عمر – رضي الله عنه – قد سبق إلى كثير من الإصلاحات والإجراءات التي تعد بالقياس إلى عصرنا هذا متطرفة في «ثوريتها و يساريتها»؟ ولم يكتف بذلك بل أنه في أواخر حياته كان يأسف كثيرا على أنه لم يأخذ من فضول أموال الأغنياء ليرجها على الفقراء ...؟ »
و دفعني هذا الحديث إلى الاستزادة من المطالعة في كتب « اليساريين » بحثا عن المعنى المحدد الذي يناسبه لفظ « اليمين » أو« اليسار » . و إخلاصا للحق أقول أنني ما وجدت ما يقنعني و لا يشفي غلتي.
فكلمة اليسار أطلقت – أول ما أطلقت – على حزب المعارضين في البرلمانات الفرنسية الذي كان أعضاؤه يقعدون على يسار منصة الرئاسة، فإن أخذنا بهذا التعريف فإننا سنقع في نوع من الارتباك بين مفهوم « المعارضة » و مفهوم «اليسار » ، في حين أن المعنى اليساري مستقر نوعا ما، بينما نجد أن معنى المعارضة يتأرجح تبعا لوجود الحزب الذي تنتمي إليه في الحكم أو خارجه.

فإذا حاولنا أن نلقي نظرة خاطفة على الجماعات المتعددة اليسارية عبر تاريخها القصير – في بلاد الغرب مهدها الأول طبعا – بحثا عن خط الوحدة الذي يجمعها، نجد أنه من الأجدر بالباحث أن يحصي أوجه الخلاف و الاختلاف، من أن يحاول التنقيب عن وجه للإتحاد، فهو لن يتمكن حتى من اختلاقه، فقد ظلت الشعارات التي تطرحها الأحزاب اليسارية تتغير من حين لآخر، أما برامج تنفيذ تلك الشعارات فهي لم تعرف التبات أبدا، فإن أبدى أحد مكابرة أو عنادا فإني أناشده الحق أن يوضح لي – لوجه الحق – نوع الوحدة بين يساري يؤمن بالاتجاه المتمهل الوئيد – عن طريق المؤسسات الدستورية القائمة – نحو تحقيق الاشتراكية، و بين حزب لا يرى تحقيق الاشتراكية إلا بالطفرة و الثورة ... ! بين حزب يساري ناضل في الماضي من أجل حكومة ( برلمانية ديمقراطية )، و بين حزب يساري آخر يناضل الآن من أجل خلق حكومة ( ديمقراطية شعبية ).
في البيان الشيوعي نادى « ماركس » و رفيقه « انجلز » عمال العالم بأن يتحدوا ... و في جميع مؤتمرات الأحزاب اليسارية نودي بضرورة الوحدة والتكتل، و لكن ماذا نرى ؟ نرى الوحدة أملا خرافيا سود آلاف الصفحات وخطته ألاف الأقلام و لهجت به آلاف الألسن و خفقت به آلاف القلوب، ولم يتحقق مرة واحدة على صعيد الواقع، نرى اليسار الذي يدعو إلى الوحدة مبعثرا، فوضويا، معقدا، تعددت به الأسباب وموته واحد.
في البلد الواحد نرى الجماعات اليسارية تتنافس فيما بينها للاستحواذ على الحكم، وتحارب بعضها طمعا في الاستئثار بمغانم السلطة، و تختلف على شكل نظام الحكم الذي يصلح للبلاد، و تتنازع على الوسائل و السبل التي يراها كل منها الأصلح لتحقيق الحكومة المثلى في البلاد، فإن وقع ائتلاف – وقلما يقع إلا إذا كان اليسار مبعدا عن الحكم – و قفز جناح من اليسار إلى الحكم خاصمته الأجنحة الأخرى، لأنها لا تتفق معه على الإصلاحات التي اتخذها، لأنها ترى أنها أقصر مدى مما كان يمكن أن يحققه، ومما تدعو إليه شعاراته.
     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here