islamaumaroc

التصوف وبناء الشخصية الخلقية في الإسلام

  دعوة الحق

154 العدد

التصوف في حقيقة مجاهدة النفس وكبح جماحها والابتعاد عن الشهوة ودفع اغراءاتها....ثم تنقية القلب وتصفية الحس مما يرين من أدران الهوى التي تبعد المرء من ربه وتسلك به طرقا ملتوية كلها شرور وآثام....وهو بهذا المعنى اسلامي محض، نشأ منى حياة التقشف والزهد والتقوى التي كان يحياها المسلمون في حياتهم الاولى والتي كانوا يتخذون فيها النبي صلى الله عليه وسلم مثلهم الاعلى الذين يحتذرون به ويسيرون على هداه....
ولكن التصوف تطور في معناه....واتخذ الوانا مختلفة بسبب اختلاط المسلمين بغيرهم من الاجناس، فدخلت فيه عناصر أخرى منها ما هو  "هندي" ومنها ما هو "فارسي" ومنها ماهو " يوناني".... وهكذا أخذ التصوف صورا أخرى تتفق في مبداها مع ما كانت عليه، وتختلف عنها في هذه العناصر الجديدة التي دخلت فيه، وكان لها أثر ظاهر في الصبغة الجديدة التي اصطبغ بها التصوف والتي جعلت منه فلسفة دينية بعد أن كان مجرد مجاهدة للنفس وزهد في متاع الدنيا وابتغاء رضوان الله.
فبينما كان الزهد والتقوى والمجاهدة غاية المسلمين القصوى في حياتهم الروحية، إذ بذلك يصبح وسيلة لاغاية يستعان بها على الوصول إلى غاية منيعة لا تدرك إلا بعد الجهاد العنيف بين المرء ونفسه....وهذه الغاية هي الوصول إلى مشاهدة الجمال الازلي ومطالعة وجه الله....ثم وجدت غاية أخرى غير مجاهدة النفس ومطالعة وجه الله هي الوصول إلى درجة من السمو والعلو إذا وصلها فقد فنى عن نفسه واتخذ بربه....وهذا هو المذهب الرئيسي في التصوف الاسلامي في أـرقى ادواره.
وهذا التطور في نظريات التصوف والاختلاف الذي ظهر فر مراحله، والذي فعله يبدو مرة في شكله الاسلامي البسيط.... ومرة في صورة الفلسفة العميقة هو الذي جعل الباحثين من القجماء والمحدثين يقفون حيارى في تعيين المصدر الحقيقي للتصوف، ويتساءلون هل هو اسلامي بحث... أو فارسي... أو هنجي... أو يوناني...أو مزيج من هذه العناصر كلها...
وقد تصور الاستاذ ماسينيون توقف علماء الاستشراق في هذا الأمر وحيرتهم في رده إلى مصدره الاول الذي استقت منه الحياة الروحية فقال في دائرة المعارف الاسلامية: "...أما دراسة مصادر التصوف فإن الامد بيننا وبين استكمالها ما يزال بعيدا....وقد صار علماء الاسلاميات الاولون في تعليل ذلك الخلاف الكبير في العقيدة بين مذهب دخيل في أرقى أدواه....وبين مذهب أهل السنة الصحيح: فذهبوا إلى أن التصوف مذهب دخيل في الاسلام مستمد:
- أما من رهبانية الشام (وهذا رأي ماركس)
- وأما من أفلاطونية اليونان الجديدة.
- وأما من زرادشية الفرس.
-وأما من قيدا الهنود (وهذا رأي جونس).
وقد بين نيكلسون بأن اطلاق الحكم بـأن التصوف دخيل في اسلام غير مقبول، فالحق أننا نلاحظ منذ ظهور الاسلام أن الانظار التي اختص بها متصوفة الاسلام نشأت في قلب الجماعة الاسلامية نفسها ابان عكوف المسلمين على تلاوة القرآن والحديث....وتأثرت بما أصاب هذه الجماعة من أحداث ونزلت بالافراد من نوازل".
فالاستاذ ماسينيون بين لنا مبلغ اختلاف علماء الاسلاميات في مصدر التصوف ولكنه استظهر أنه اسلامي بحث....وأنه ظهر في قلب الجماعة الاسلامية في بدء الاسلام وعند عكوف المسلمين على تلاوة القرآن الكريم والحديث-وهذا مذهب الصوفية نفسهم ومذهب مؤيديهم الذين يرون أن الكتاب والسنة وحياة الرسول عليه الصلاة والسلام هما المصدران الحقيقيان لجميع نظريات التصوف المختلفة في الاذواق وانارة القلوب والتي هي الاساس المتين لبناء الشخصية الخلقية في الاسلام.
واود أن أورد في هذا البحث الآيات الكريمة والاحاديث القدسية والنبوية التي يؤيد بها الصوفية مذاهبهم ويجعلونها مصدرا لكل ما ذهبوا إليه....فمن آيات القرآن التي أيدوا بها مذهبا من مذاهبهم ما خاطب الله تعالى رسوله الكريم في قوله جل شأنه في سورة الانفال:
" وما رميت إذ رميت و لكن الله رمى " فهذه الآية الكريمة وإن كانت لا تدل في ظاهرها على أكثر من أن الله تعالى قد نصر المسلمين وأعز جندهم في حربهم على الكفار في غزوة بدر الا أن الصوفية قد تأولها تأويلا حماوها فيه ما تحتمل وما لاتحتمل من المعاني التي ينطزي عليها مذهبهم.
ومنها قوله تعالى: " الله نور السماوات والاض" وقوله تعالى : " فأينما تولوا فتم وجه الله" فالصوفية يتخذون هاتين الآيتين دعامة يقيمون عليها مذاهبهم في وحدة الوجود ووحدة الشهود وتجلى الله تعالى في مخلوقاته....زمنها قوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم".
فهذه آية كريمة بنى الصوفية عليها مذهبهم في الحب الالهي بنوعيه: حب الله للانسان وحب الانسان لله.
ومنها قوله تعالى: " أولم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقتاهما" فهذه آية كريمة أيد بها الصوفية مذهبهم في الحقيقة المحمدية التي هي عندهم التعين الاول الجامع لكل التعينات العلوية والسلفية والتي أجملت فيها الموجودات منذ الازل، ثم فصلت بعد ذلك، فكان من تفصيلها السماوات والارض.
ومن الايات التي يستدلون بها لتأييد مذاهبهم في الثوبة والصبر والتوكل والتأمل في صنع الله ومداومة الذكر والعبادة والزهد في الدنيا ذوته تعالى من كتابه الكريم.
"وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون"
"استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"
"ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا".
" ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا"
"إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"
" ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور"
" ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين".
" وتوكل على الحي الذي لايموت"
" وعلى اللع فليتوكل المومنونّ.
" فإذا عزمت فتوكل على الله".
"إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض"
" واذكر ربك وتبتل إليه تبتيلا".
" وأعبد ربك حتى ياتيك اليقين".
" واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم".
" وضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاخ تلط به نبات الارض فأصبح هشيما تدروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرا".
"اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الاخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور".
ومن الأحاديث القدسية التي يوردها الصوفية ويردون إليها بعض مذهبهم الاثر الذي أخبر به رسول الله صلى عليه وسلم على لسان الله تعالى فقال:
"كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق فبي عرفوني".
فالصوفية يتخذون من هذا الحديث القدسي مصدرا لمذهبم في الحب الالهي الذي هو عندهم المبدأ الاول في خلق العالم....اذ هم يرون ان الله كان ولاشيء معه، واجب أن يرى ذاته في شيء غير ذاته فخلق الخلق، كان العالم منه بمثابة المراءة المجلوة التي يرى فيها ذاته....وانهم ليفرعون على ذلك تفريعات نجدها مثبتة في تضاعيف مذهبهم في وحدة الوجود.
ومن الاحاديث القدسية أيضا ما ورد على لسان الله عز وجل وهو قوله تعالـــــــــــى: "ولايزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع وبي ينطق وبي يعقل وبي يبطش ورما يمشي".
فهذا الحديث القدسي وجد فيه أصحاب الاذواق والمواجيد من الصوفية مجالا خصبا ومنبعا فياضا بمعاني الاتحاد الذي يقوم عندهم على فناء العبد في الرب، أو لحب في المحبوب أو الخلق في الخالق بحيث يصبح الانسان في حالة روحية يشعر فيها ان ذاته من حيث وبحق قد غلبت عليها ذات محبوبة وهو الله، فإذا بالذاتين تتحدان وتصبحان ذاتا واحدة هي التي يصدر عنها كل ما يحسه الانسان بجوارحه وكل ما يشعر به في جوائحه.
ومن الاحاديث غير القدسية التي وردت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وعدها الصوفية أساسا لكثير من رياضاتهم وأذواقهم قوله عليه السلام:
" من عرف نفسه فقد عرف ربه".
فهم يدعمون بهذا الحديث مذهبهم في أن الانسان إذ عرف نفسه على أنها عدم فقد تهيأ له أن يعرف ربه على أنه وجود.
 ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
" أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك"
فهذا الحديث يعد عندهم قواما لما ينبغي أن ياخذ به الانسان نفسه من مجاهدة وكبح على وجه تتخلى معه صفاتها المذمومة وتتجلى بالصفات المحمودة.
فهذه الآيات الكريمة والاحاديث القدسية وغير القدسية تدل على أن المورد الذي استقى منه الصوفية موردا اسلامي محض، لحمته وسداه الكتاب والسنة خلافا لما يزعمه البعض من كونه هندي أو نصراني أو فارسي. وللصوفية في حياة الرسول وحياة صحابته منبع فياض أخذوا منه زهدهم الذي اشتهروا به واحتقارهم للدنيا الذي امتلات به كتبهم ودلت عليه حياتهم ومعاملاتهم.
فلقد كان الرسول يؤثر التقشف في ملبسه ومأكله ويعكف على العبادة والتجهد ويأخذ نفسه بالتقوى والصبر والشكر والخوف....ويأمر الناس أن يتبعوه في كل هذه الفضائل الخلقية كي تصغو نفوسهم وينقى حسهم ويعمر قلوبهم بالايمان واليقين...
روت سيدتنا عائشة رضي الله عنها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تنفطر قدماه فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: أفلا أكون عبدا شكورا".
وروت أيضا : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف الاواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده".
وكان الصحابة يتبعون الرسول في حياته وأحواله فكانوا هم أيضا يتقشفون في مأكلهم وملبسهم ويعرضن عن الدنيا....فكان أبو بكر الصديق يأخذ بطرف لسانه ويقول: " هذا الذي أوردني المهالك" و كان يقول" إذا دخل العبد العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله حتى يفارق تلك الزينة" وقال: " من ذاق من خالص المعرفة شيئا شغله ذلك عما سوى الله واستوحش من جميع البشر".
أما عمر بن الخطاب فقد بلغ في الزهد والتقشف مبلغا عظيما.... فكان يخطب وهو خليفة وعليه أزار فيه أتنتا عشرة رفعة وقميص فيه أرب رقاع دون أن يكون له غيرهما، وكان يغسل ثوبه بيده....وكتب إلى أبي موسى الاسعري: " أما بعد فإن الخير كله في الرضى فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر".
وكان علي بن أبي طالب ورعا زاهدا يرقع قميصه بيديه فقيل له ياأمير المومنين لم هذا؟ فقال: " ليخشع القلب ويقتدي به المومن".
وكان أبو ذر الغفاري من أتقى الناس وأورعهم وأزهدهم في الدنيا يقضي سحابة يومه يفكر فيما هو صائر إليه.....فكان من الشخصيات المحبوبة التي أثرت في الصوفية.
ويحدثنا الطبري أن أبا ذر قام بالشام وجعل يقول: " يامعشر الاغنياء واسوأ الفقراء....بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بماكو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم".
فهذه النصوص كلها دلالة واضحة أيها القراء الاعزاء على استمداد التصوف من الاسلام من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة صحابته المصطفية بصبغة الزهد في متاع الدنيا والاقبال على الله....ثم من الآيات الكريمة والأحاديث القدسية وغير القدسية التي أوردناها آنفا والتي كانت المصدر الأول لمقامات الصوفية وأحوالهم ومجاهدتهم وآدابهم وأذواقهم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here