islamaumaroc

وظيفة الأدب بين الأمس واليوم

  دعوة الحق

154 العدد

وهي وظيفة تتجدد قيمها من بيئة لاخرى ومن جيل لأخر، ومن ثقافة إلى ثقافة، وذلك وفق مطامح وآلام الأمة في انهاض الهمم وشحذ القريحة وتسليط الرغبة، وتتغير وظيفة الادب كذلك وفق تقاليده وأعراف ثقافية وحضارة أمته الاصلية والمستنجدة.
وتبدو ثمة رغبة جامحة من شبابنا الدارسين إلى أن يجدوا في الشعر العربي القديم صورة لنفسية المجتمع العربي كيف تتأقلم بعد نزوحها، وصورة لعاطفة المجتمع الاسلامي كيف يتم انسجامها بعد مصاهرتها إلى بعضها، وصورة لآمال الناس الأساس للهرم الاجتماعي.
ويعز على هؤلاء الشباب أن يقضو سنوات زاهرة من عمرهم بغية الثقافة العربية يدرسون من بينها شعر فئة كان همها البحث عن رغائبها الخاصة، وكان سعيها إلى تحقيق مطامحها الفردية في غزل أو مدح أو فخر أو هجاء بينما قضايا الناس الأساس من المجتمع، يتخطاها شعرنا العربي القديم، ويتجاهلها شعراؤه. فأين الدماء التي أراقها جند المعتصم في سبيل الفوز بعمورية في شعر أبي تمام؟ وأين جمهور المتوكل من شعر البحتري؟ بل لماذا لانسنطيع أن نعرف من شعر أبي نواس ولا مت شعر أبي العتاهية كذلك آمال المجتمع في عهد هارون الرشيد؟ فإن تخطي الشعر العربي القديم للناس الأساس من المجتمع يجعله قد تخطى العنصر الحي الذي به تخلد الاداب بين الطبقات المتلاحقة في الحياة.
وشبابنا الدارسون يقفون أيضا أمام هذه الصناعة اللفظية التي حفلت بها صياغة اللفظ في لاشعر العربي وقفة ناكر ساخر يرونها نسجا عقيم المضمون بدائي الشكل، جمجمة ولاأرى طحنا، وهو لا يكتفون يتسفيه الصياغة والمضمون ولكن القيد من أوزان الشعر هو أيضا انعكاس لضيق الافق وسطحيه الحاسة الموسيقية لدى الشعراء الاقدمين.
ويصفو من هذه الاحكام لدى شبابنا الدارسين أن أدب أمتهم- أو شعرنا بدقيق القصد الان-ادب مفطوم عن الانطلاقة المجدية إلى القوقعة العقيمة في الصياغة والموسيقى، وفي المضمون، وهذا نتف من كلام كثير يسمع أو يقرأ منه. وأكثره يجري في منتديات عامة.
وهو بلا شك مفهوم صادق إلا أنه متوالد عن استنتاج خاطئ يقوم على قياس مع وجود الفارق كما يقولون. ومصدر صدق مفهوم اللاحين على الشعر القديم أن معطياته لاتتناسب مع المعطيات الاجتماعية والفكرية التي قرأ عنها شبابنا أو سمعوا بها عن معطيات الادب الفرنسي في القرن الثامن عشر أو معطيات الادب الروسي في القرن التاسع عشر، وكذلك عن معطيات الادب الحديث والمعاصر في بعض آداب الشعوب العربية. أما أصل الاستنتاج الذي نهض على قياس خاطئ في صدور مثل هذه الاحكام النقدية من اللاحين على الشعر القديم اليوم، فهو اختلاف وظيفة الادب بين الامس واليوم.
وان أي حكم للادب أو عليه إنما ينهض أساسا على قياس وظيفة بمتكلبات بيئته منه، وينطبق ذلك على مضمونه، كما ينطبق على طريقة صياغته وموسيقاه.
فهل كانت وظيفة الشعر والادب بعامة في بيئة الاقدمين من نفس الوظيفة المرجوة حديثا ومعاصرا من الادب والشعر بخاصة؟
ان الفروق فيما بين العصرين من حيث التطور الاقتصادي والسياسي والثقافي وما لحق بتطورهما اجتماعيا ومذهبيا يضبط البون بين وظيفة الادب في يومنا هذا وبينه في ذلك العصر.
لقد كان الادب-كما لايحتاج إلى تذكير-مقتصرا على طائفة خاصة من الناس.
لم يكن في متناول كل الناس، فـإن بلوغه إلى الكافة يتوقع له أناس يقرأون، ويتوقع له وسيلة للنشر، وكلاهما- كما لايحتاج إلى تذكير أيضا-كان منعدما أو شبه منعدم، وكان الادب ترفا ان لم يكن ترفا اقتصاديا فهو ذهني، إنما يتبعه طبقة خاصة من الناس لاتهم في شسء طبقة الناس الاساس من هرم المجتمع. ولم يكن يتوقع منه تخليص من ضيق، ولا هداية إلى سواء السبيل، وإنما هذان بالذات إنما يتوقعهما المجتمع القديم، مجتمع الدولة الاسلامية من الكتاب والسنة، وتفاسير رجالهما. أما غيرهما من الدراسات فإن الغاية منه إنما كانت خدمة اللغة، وخدمة الرسالة. ولم يكن الادباء يومئذ يتوقعون من الناس أن ينتهو بنهيهم هم، كما لم يكن الناس ينتظرون من الادباء ان يفتحوا لهم أعينا على الخير والشر في مجالي السياسة والاقتصاد والاجتماع، وتصوير آلام وآومال المجموع.
ولقد كان الأديب العربي إلى وقت قريب غير منجذب إلى مابعد ذاته، وكان الأديب العربي ينساق في ذلك إلى ما يفرضه عليه مجتمعه ولم يكن المجتمع العربي قبيل نهاية القرن الماضي يفرض على الأديب شيئا مما تفرضه اليوم ولاشك في أن للامية دورا في هذه السلبية تلتي هي مما يسأل عنه المجتمع العربي القديم قبل أن يسأل عنها الاديب العربي.
و لاريب في أن مجموعة من الحقائق الثابتة كانت مسؤولية عن التطور الجديد الذي لحق بمفهومها الحديث لوظيفة الادب في المجتمع ويمكن تلخيصها:
- في ابتداع وسائل الطباعة والنشر وذيوعهما.
- وفي توسيع نطاق التعليم والثقافة، مما غير من طبيعو التركيب المجتمعي، وهيأ بالتتالي عن ذلك تطلعا للمجتمع طامحا، ومفهوما جديدا لوظيفة الادب في هذا المجتمع العربي الحديث.
وللمثال فقط على حقيقة التغيير الحادث في مفاهيمنا، هل كان أحد ينكر على الشعر العربي أوزانه لو لم يحصل هذا التطور الحثيت الرتيب..الدؤوب في حاستنا  الموسيقية منذ ما قبل ألف سنة حتى نهاية الخلافة الموسيقية منذ ما قبل ألف سنة حتى نهاية الخلافة الاسلامية وإلى ما بعيد الاتصال بالفنون الاوربية والامريكية والاجنبية  بعامة؟
فأي عيب في موسيقى الشعر العربي أو نقص لو لم يكن ثمة ارتباط حتمي لطبيعة الحواس بتطور المجتمعات واحتكاك الثقافات؟
وبعد فإن هذا الحديث ليس فقط محاولة لتأكيد الحديث السابق عن الالتزام أو الشعور القديم، ولكنه رغبة أخرى ملحة إلى اللاحين على الشعر القديم والتراث بعامة تشير إلى حقيقة ارتباط وظيفة الادب بطبيعة مجتمعة وبروح نهضته، وقديما قيل بأن الادب يعكس بيئته، ونحن نرجو أن نذكر بأنه ليس ضروريا أن لايصدق هذا القول ألا إذا كان عكسه الادب هو الموجود، فإن الادب يصدق أيضا وإن لم يعكس بعض مرائي بيئته فذلك يتم بالفعل لأن البئة في عصور أدبنا القديم لم تحمل ذلك الاديب مسؤولية التعبير عنها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here