islamaumaroc

نجعة الرائد في ابتناء الحكم والفتوى على المقاصد والعوائد

  دعوة الحق

154 العدد

لما رأيت كثيرا من الناس يتناول ما في كتاب الفروع و النوازل على أنه فقه صالح لكل زمان و منطبق على كل حادثة في أي أوان من غير التفات إلى ما كان من النصوص مبنيا على عادة حكمت أو مصلحة اعتبرت أو لسد ذريعة قد تنوسيت و اليوم أغفلت و ما هو لسبب خاص قد زال و ما هو في قضية عينية كان ذلك فيها هو مقتضى الحال.
على أن كثيرا من الروايات وردت على موضوع مخصوص يجب أن يقصر عليه ويساق حديثه إليه و أخذ النصوص مع قطع النظر عن مواردها من الخطأ العظيم في الدين و انظر إلى ما ذكروه في شروط العمل بالعمل مما هو منظوم في قول القائل :
   و الشرط في عملنا بالعمل
                         ثبوته عن ثقة مؤهل
   معرفة الزمان و المكان
                        و جود موجب إلى الأوان
و لقد كان أهل العلم رضي الله عنهم يبحثون عن سبب ورود الحديث كما يبحثون عن أسباب النزول ليهتدوا بذلك إلى مواقعه و المراد منه.
و قصارى القول أنه لا يجوز للقاضي و المفتي أن يكتفي من المنقول بمجر المفهوم و المدلول بل لا بد له من معرفة كاملة و زمام تام ليقف على مقاصد الأئمة و الغايات التي تضمرها أفكارهم و ترمي إليها أنظارهم رأيت أن أجمع بهذا التقييد ما تيسر الوقوف عليه من النصوص المصرحة بوجوب مراعاة الأعراف المختلفة و إمعان النظر في تطبيق الروايات على النوازل المتجددة حتى يكون الناظر فيها وضع الهناء موضع النقب و الشاه صدر الدست. و سميته « نجعة الرائد في ابتناء الحكم و الفتوى على المقاصد و العوائد»

مقدمة وجيزة في الكلام على العرف :
العرف غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها و هو معمول به في الشرع لقوله تعالى :  « و أمر بالعرف ». و قوله سبحانه : « و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف ». و قول صلى الله عليه و سلم لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان حين قالت له أنه ميسك لا يعطيها ما يكفيها و ولدها : « خذي من ماله ما يكفيك وولدك المعروف أي المعتاد من النفقة  عند الناس » أخرجه البخاري و غيره .. وقالت عائشة رضي الله عنها : « لو رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد » أخرجه مالك و البخاري رحمهما الله .. و قال شريح للغزلين :« سنتكم بينكم »، أورده البخاري أيضا في الأحكام لابن العربي لدى قوله تعالى : « و إن تعاسرتم فسترضع له أخرى » الآية في المسألة الرابعة في تقدير الإنفاق قال : « قد بينا أنه ليس له تقدير شرعي و إنما أحاله الله سبحانه على العادة و هي دليل أصولي بنى الله عليه الأحكام و ربط به الحلال و الحرام و قد أحاله الله على العادة فيه فقال :   « فكفارته إطعام عشرة مساكين من أواسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم » و قال : « فإطعام ستين مسكينا »، و قد تكلمنا عليه في موضعه هـ.
و في « جمع الجوامع » : « و إن العاد محكمة في الأحكام أيضا العرف و العادة أصل من أصول الشريعة يقضي به في الأحكام » هـ.
ثم أن محل العمل به ما لم يخالف دليلا شرعيا و إلا وجب نبذه و العمل بالشريعة لأنها لا تنسخ به و قد أنكر العلامة الأمير تقييد الونشريسي و متبوعه الأبي الجمع ليلة المطر بما إذا لم يجر العرف بتركه في موضع كالجامع الأعظم بتونس و جامع القرويين و الأندلس بفاس، و قال : إنما يحكم العرف في أمور المعاملات و لا ينسخ له سنة و قد جمع صلى الله عليه و سلم و هو صاحب الشرع أهم كلامه وهو حسن إلا أن ما ذكره من الحصر غير صحيح كما تعلمه مما يأتي :

 المواضيع التي تحكم فيها العرف
هي الأحكام الفرعية التي وكل الشارع أمرها إلى العرف كمعرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كصغر ضبة الفضة و كبرها و غالب الكثافة في اللحية و نادر العذر و دائمه و طول الفصل في السهو و قصره و قرب منزله و بعده و كثرة فعل أو كلام و قلته في الصلاة و ثمن مثل و مهر مثل و كفؤ نكاح و كتقدير نفقات الزوجات و الأقارب و كسوتهم و ما يختص به الرجال عن النساء من متاع البيت وما يختص به النساء عن الرجال و كالرجوع إليه في المقادير كالحيض و الطهر وأكثر مدة الحمل و سن اليأس و كالرجوع إليه في فعل غير منضبط تترتب عليه الأحكام كإحياء الموات و أذن في الضيافة و دخول بيت قريب و تبسط مع صديق وما يعد قبضا و إيداعا و هدية و غصبا و حفظ وديعة و انتفاعا بعارية وكالرجوع  إليه في أمر مخصص كألفاظ الإيمان و الوقف و الوصية و التفويض و مقادير المكاييل و الموازين و النقود و غير ذلك هـ. من الفتح بتصرف حسن و في لامية الزقاق.
   بيان و تخصيص و تفسير مبهم
                             شهيد وتقييد لصرف جرى حلا
   به الحكم و الفتوى فإن صح ما جرى
                             من العرف فاحكم ناظرا و منخلا
الخ ...
و في العمليات :
   و اعتبر الأعراف في الفتوى و في
                                الحكم لكن بانتفالها قفي
و فيها أيضا :
   و روعي المقصود في الأحباس
                                لا اللفظ في عمل أهل فاس
و النصوص في هذا المعنى متواترة متطابقة و في مبحث القضاء بقول المدعي لرجحانه بالعوائد و فصل القضاء بالعرف و العادة من تبصرة ابن فرحون فوائد نفسية في هذا الموضوع.

 تنبيهــــات :
الأول – اختلفوا : هل يتنزل العرف منزلة الشاهد الواحد و عليه فلا تعتبر فيما لا يثبت إلا بشاهدية و يحلف معه من شهد له فيما يثبت بالشاهد و اليمين لو ينزل منزلة الشاهدين و الأول المشهور و عليه قول التحفة :
   و ها هنا عن شاهد قد يغني
            إرخاء ستر و احتياز رهن
و قول اللامية و كيلا بأخلاق ذي عرف صحيح الخ .. و المسألة على طرف التمام.
الثاني- إذا تعارض الطرف و الأصل قدم العرف قال ابن عبد السلام إذا تعارض الأصل و الغالب فالحكم للغالب و الغالب و العرف مترادفان كدعوى الزوج على ولي الآمة أنه غره بحريتها فالأصل عدم الغرور و الغالب عدم رضى الزوج بنكاح الآمة فالقول له كدعوى الزوجة على زوجها الحاضر عدم  الإنفاق فهي متمسكة بالأصل و هي بالغالب فالقول له و كدعوى العبد المحرز بالملك أنه حر فهو مدع للأصل مخالف للعرف و في ذلك يقول ابن عاصم في مرتقى الوصول :
   و غالب إن عارض أصل رجح
                             وقيل عكسه و أول أصح
نعم يستثنى من هذا الأصل مسائل ألم القرافي بعشرين منها في الفرق التاسع و العشرين بعد المائتين فراجعه.
الثالث- العادة تنزل منزلة الشرط المدخول عليه و قد بنوا على ذلك عدة أحكام في عدة أبواب.
الرابع- ذكروا أنه ينبغي في القاضي أن يكون بلديا ليجري الناس على أعرافهم وعوائد بلادهم قال ابن رشد من خصال القاضي المستحبة أن يكون بلديا هـ.
وكذا المفتي ففي كتاب الأحكام للقرافي رحمه اله ما نصه : ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي و موضع الفتيا فلا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده و هل حدث لهم عرف في تلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا ؟ .. و إن كان اللفظ عرفيا فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا ؟ .. و هذا أمر متعين و اجب لا يختلف فيه العلماء و أن العادتين متى كانتا في بلدين ليسا سواء أن حكمهما ليس سواء إنما اختلف العلماء في العرف و اللغة هل يقدم العرف على اللغة أم لا ..؟ و الصحيح تقويمه لأنه ناسخ و الناسخ مقدم على المنسوخ إجماعا فكذلك ها هنا هـ.
منه بلفظه قال في التبصرة أثر ما نقله أيضا.

تنبيـــه :
و نقلت من الرحلة لأبي عبد الله بن راشد فيمن حلف بالإيمان اللازمة و حنث هل يلزمه الطلاق الثلاث أو واحدة ثم قال و المعتبر في ذلك عرف الحالف لا عرف المفتي فلو دخل المفتي بلدا لا يكون عرفهم فيه أنه يراد به الطلاق الثلاث لم يجز له أن يفتي فيه بذلك ولا يحل أن يفتي بما يتوقف على العرف إلا بعد معرفة العرف ولو تغير العرف لتغير الجواب و هذا من الأمر المهم معرفته انتهى.
و هذا يعضد كلام القرافي مع كلام التبصرة.
و إذا انتهينا إلى هنا فلنسق من النصوص ما هو شاهد لموضوع التقييد، قال ابن عبد السلام أكثر العلماء لا يقول بسد الذرائع و لاسيما في البيع و قد علمت أن المنع في البيع و السلف إنما نشأ عن اشتراط السلف نصا و بيانات الأجل لا نص فيها باشتراط أن البائع يشتري السلعة التي باع و إنما هو أمر يتهمان عليه و يستند في تلك التهمة إلى العادة ثم قلا وهب أن تلك العادة وجدت في قوم في المائة الثالثة بالمدينة أو بالحجاز، فلم قلتم أنها وجد بالعراق و المغرب في المائة السابعة؟ .. ثم قال : و أنا أتوقف في الفتيا في هذا الباب و فيما أشبهه من الأبواب المستندة إلى العادة بما في الكتب لأن الذي في الكتب من المسائل لها قوة من السنين و تلك العوائد التي هي شرط في تلك الأحكام لا يعلم حصولها الآن و الشك في الشرط شك في المشروط.
و من الذخيرة قاعدة كل حكم مرتب على عرف أو عادة يبطل عند زوال تلك العادة فإذا تغير تغير الحكم. هـ . نقلهما المواق.
و من كتابه الأحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام للشهاب القرافي رحمه الله ف السؤال التاسع و الثلاثين ما نصه :
أن أجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع و جهالة في الدين بل كل ما في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة و ليس تجديد الاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد بل هذه قاعدة اجتهد فيها من غير استئناف اجتهاد ألا ترى أنهم لما اجتمعوا على أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود فإذا كانت العادة نقدا معينا حملنا الإطلاق عليه فإذا انتقلت العادة إلى غيره عينا ما انتقلت العادة إليه وألغينا الأول لانتقال العادة عنه و كذلك الإطلاق في الوصايا و الأيمان و جميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد إذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام في تلك الأبواب و كذلك الدعاوي إذا كان القول قول من ادعى شيئا لأنه العادة ثم إذا تغيرت العادة لم يبق القول قول مدعيه بل يعكس الحال فيه بل و لا يشترط تغيير العادة بل و لو خرجنا نحن من تلك البلد إلى بلد آخر عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنا فيه وكذلك إذا أقدم علينا أحد من بلد عادته مضادة للبلد الذي نحن فيه لم نفته إلا بعادة بلده دون عادة بلدنا و من هذا الباب ما روى عن مالك إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول أن القول قول الزوج مع أن الأصل عدم القبض قال القاضي إسماعيل هذه كانت عادتهم بالمدينة إن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها و اليوم عادتهم على خلاف ذلك فالقول قول المرأة مع يمينها لأجل اختلاف العوائد.
و في أنوار البروق في الفرق الثاني بعد كلام فإذا أحطت به علما ظهر لك الحق في هذه الألفاظ و هوانا لا نجد أحدا في زماننا يقول لامرأته عند إرادة تطليقها حبلك على غاربك و لا أنت برية و لا وهبتك لأهلك هذا لم نسمعه قط من المطلقين و لو سمعناه و تكرر ذلك على سمعنا لم يكف ذلك في اعتقادنا أن هذه الألفاظ منقولة كما تقدم تقريره و أما لفظ الحرام فقد اشتهر في زماننا في أصل إزالة العصمة فيفهم من قول القائل أنت على حرام أو الحرام يلزمني أنه طلق امرأته أما أنه طلقها ثلاثا فإنا لا نجد في أنفسنا أنهم يريدون ذلك في الاستعمال هذا قوله فيما يتعلق بمصر والقاهرة فإن كان هناك بلد آخر تكرر الاستعمال عندهم في الحرام أو غيره من الألفاظ في الطلاق الثلاث حتى صار هذا العدد هو المتبادر من اللفظ فحينئذ يحسن إلزام الطلاق الثلاث بذلك اللفظ و إياك أن تقول إنا لا نفهم منه إلا الطلاق الثلاث لأن مالكا رحمه الله قاله أو لأنه مسطور في كتب الفقه لأن ذلك غلط بل لابد أن يكون ذلك الفهم حاصلا لك من جهة الاستعمال و العادة، كما يحصل لسائر العوام، كما في لفظ الدابة و البحر و الرواية، فالفقيه و العامي في هذه الألفاظ سواء في الفهم لا يسبق إلى إفهامهم إلا المعاني المنقول إليها فهذا هو الضابط لا فهم ذلك من كتب الفقه فإن النقل إنما يحصل باستعمال الناس لا بتسطير ذلك في الكتب بل المسطر في الكتب تابع لاستعمال الناس فافهم ذلك إذا تقرر ذلك فيجب عليها أمور أحدها أن نعتقد أن ملكا و غيره من العلماء إنما أفتى في هذه الألفاظ بهذه الأحكام لأن زمانهم كان فيه عوائد اقتضت نقل هذه الألفاظ للمعاني التي أفتوا بها فيها صونا لهم عن الزلل و ثانيها أنا إذا وجدنا زماننا عربا عن ذلك وجب علينا أن لا نفتي بتلك الأحكام في هذه الألفاظ لأن انتقال العوائد يوجب انتقال الأحكام كما نقول في النقود و في غيرها فإنا نفتي في زمان معين بأن المشتري تلزمه سكة معينة من النقود عند الإطلاق لأن تلك السكة هي التي جرت العادة بالمعاملة بها في ذلك البلد في ذلك الزمان فإذا وجدنا بلدا آخر و زمانا آخر يقع التعامل فيه بغير تلك السكة تغيرت الفتية إلى السكة الثانية و حرمت الفتيا بالأولى لأجل تغير العادة، و كذلك القول في نفقات الزوجات و الذرية و الأقارب و كسوتهم تختلف بحسب العوائد وتنتقل الفتوى فيها و تحرم الفتوى بغير العادة و تارة بأن القول قول المرأة في عدم القبض إذا تغيرت العادة أو كانوا من أهل بدل ذلك عادتهم، و تحرم الفتيا لهم بغير عادتهم، و من أفتى بغير ذلك كان خارقا للإجماع فإن الفتيا بغير مستند مجمع على تحريمها و كذلك التلوم للخصوم في تحصيل الديوان للغرماء و غير ذلك مما هو مبني على العوائد مما لا يحصى عدده متى تغيرت فيه العادة تغير الحكم بإجماع المسلمين و حرمت الفتيا بالأول.
وفي الفرق الثامن و العشرين منه أيضا بعد كلام لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيف دارت و تبطل معها إذا بطلت كالنقود في المعاملات و العيوب في الأعراض في المبياعات و نحو ذلك، فلو تغيرت العادة في النقد و السكة إلى  سكة أخرى لحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها و كذلك إذا كان الشيء عيبا في الثياب في عادة رددنا به المبيع فإذ تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبا موجبا لزيادة الثمن لم ترد به و بهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد و هو تحقيق مجمع عليه ببعض العلماء لا خلاف فيه بل قد يقع الخلاف في تحقيقه هل وجد أم لا ؟ .. وعلى هذا التحرير يظهر أن عرفنا اليوم ليس فيه الحلف بصوم شهرين متتابعين فلا تكاد تحد أحدا بمصر يحلف به فلا ينبغي الفتيان به و عادتهم يقولون عبدي حر و امرأتي طالق و علي المشي إلى مكة و مالي صدقة إن لم أفعل كذا، فتلزم هذه الأمور و على هذا القانون تراعى الفتاوي على طول الأيام فمهما تجدد في العرف اعتبره، و مهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره  على عرف بلدك و اسأله عن عرف بلده و أجره عليه و أفته به دون عرف بلدك و المقرر في كتبك فهذا هو الحق الواضح و الجمود على المنقولات أبدا ضلال ضلال في الدين و جهل بمقاصد علماء المسلمين و السلف الماضين و على هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق و العتاق و صيغ الصرائح و الكنايات فقد يصير الصريح كتابة يفتقر إلى النية و قد تصير الكتابة صريحا مستغنية عن النية . هـ .
و لما نقل الهلالي في شرح المختصر كلام القرافي المذكور آنفا
قال : و من أمثلة هذه القانون مسائل اختلاف المتبايعين في قبض العوضين و في الصحة و ضدها و غير ذلك و مسائل التناول في المبيعات و مسائل التهمة في بيوع الآجال و مسائل المرابحة و مدلولات الألفاظ في الأيمان و غير ذلك، ألا ترى أن المنصوص عيه في المدونة و غيرها في لفظ اليمين عند عدم النية أن اللازم  فيها كفارة يمين بالله فقط و الذي به الفتوى هو لزوم الطلاق و ما ذاك إلا أن السلف حملوها على اليمين الشرعية إذ لم يكن في عرفهم إرادة الطلاق بلفظ اليمين والعرف المطرد الآن إرادة الطلاق بها أنظره.
و إلى ذلك يشير صاحب العمل بقوله :
   و في اليمين طلقة رجعية
                       إذ هي قد حصلت الماهية
   أفتى به والدنا كالقصار
                       كابن مؤلف كتاب المعيار
و من فتوى والده سيدي عبد القادر الفاسي التي أحال عليها لفظ اليمين أصله في اليمين بالله لكن عرف الناس في هذه الأعصار و فيما قبلها صرفه لعصمة الزوجة فيعمل على مقتضاه لأن الأيمان أبدا دائرة مع عرف الحالف أو بلده و تختلف الفتاوي باختلاف الأعراف و العادات.
و في أوائل نوازل الأحباس من المعيار أثناء جواب لسيدي عبد الله العبدوسي ما نصه : ينبغي للمفتي أن ينظر في مقاصد الناس و مقتضى خطاباتهم فيبني عليها الحكم و يرتب عليها الجواب و كل من ينظر إلى الروايات فيفتي فيما أخطأ و كان ذلك منه فسقا إن عنى ذلك و قصده. هـ.
و من جواب لابن منظور أورده في المعيار ما نصه :
لا شك أن أحكام الأقضية و الفتاوي تتبع عوائد الزمان و عرف أهلها و في نوازل الجهاد منه بعد كلام إذ الحكم في القضايا و الفتيا في النوازل يختلف كثيرا بحسب العوائد و الحال الحاضرة.
وفيه أيضا قال أهل العلم أن الفتوى في المسائل الفقهية تكون بحسب النازلة و الحال الحاضرة فيؤخذ في بعض القضايا ببعض الأقوال دون بعض من غير خروج على المذهب.
و في نوازل العلامة الوزاني أن الواجب على القاضي و المفتي النظر إلى جزئيات المسائل في كل نازلة نازلة و على العوائد و الأعراف لأنه أسلوب معتاد في الشريعة فلا يعتمد في جميع النوازل على فقه مجمل بل لابد من النظر في الصور الجزئية  و ما اشتملت عليه من الأوصاف الكلية و قد طرق هناك هذا الموضوع في عدة مباحث و كذا أيضا صاحب البهجة ف مواضع بيع الثنيا و الدماء و غيرهما و الشيخ الرهوني في مبحث تنازع الزوجين و راجع أيضا ما لهم في تعازير الجناة بالعقوبة المالية عند عدم التمكن من إقامة الحدود و ما لسيدي العربي الفاسي في ذلك في تأليف أورده أبو حفص في شرحه اللامية.
و قال الولاتي في شرح مرتقى الوصول مبحث الكلام على العرف و العادة و متى انتقل العرف في هذه المسائل تبعه الحكم و حكى المقري على ذلك الإجماع. هـ .
و قال أيضا مبحث الإفتاء و أما كتب النوازل فلا يجوز لهم الإفتاء بها لأن الغالب فيها فتاوي المتأخرين التي لا نص فيها للأقدمين و تلك لا تكون مبنية إلا على مصلحة مرسلة أو عادة محكمة أو سد ذريعة إلى مفسدة و نحو ذلك فلا يجوز الإفتاء بها إلا لمن نظر في أصلها المبنية عليه فإذا كان باقيا أفتى بها. و إذا ارتفع رماها و التمس للنازلة حكما باجتهاده أنظره.
وقال البساطي على قول مالك رحمه الله في أهل الذمة : أرى أن توضع عنهم اليوم الضيافة و الأرزاق لما حدث عليهم من الجور، و أعلم أنه لا يؤخذ بأقوال الأئمة مع قصر النظر عن المقاصد لأنه إذا أشفى الظلم و كانوا هم الظلمة كما في نصارى مصر فالواجب أن يغلظ عليهم و أن يزاد على ما كان مقررا عليهم . هـ . نقله الدسوقي في الجزية.
و في شرح الزرقاني للموطأ على قول عائشة : لو أدرك رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أحدث النساء الخ .. ما نصه : و استنبط من قول عائشة أيضا أنه يحدث للناس فتاو بقد ما أحدثوا كما قل مالك، و ليس هذا من التمسك بالمصالح المباينة للشرع كما توهمه بعضهم و إنما مراده كمراد عائشة أن يحدثوا أمرا تقتضي أصول الشريعة فيه غير ما اقتضته قبل حدوث ذلك الأمر ولا غرو في تبعية الأحكام للأحوال هـ .
و من مسامرة للعالم الأستاذ محمد الخضر بن الحسين التونسي نشرتها مجلة البدر التونسية بالجزء الثامن ما نصه :
و من وفاء الإسلام بحق المصالح أن جعل للعرف و العادة اعتبارا في تفاصيل الأحكام ما يبينه الشارع على رعاية حال مستمرة و سبب لا ينقطع فيتعين العمل به في كل مكان و زمان كالمنع من الربا و مطالبة المدعي بالبينة و منها ما يبينه على رعاية أحوال تتغير و عادات تتجدد و هذا النوع من الأحكام لا يلزم طرده في كل عصر و لا إجراؤه بكل موطن بل يجري العمل فيه على ما يقتضيه العرف السائد بين الناس، قال شهاب الدين القرافي في قواعده أن الأحكام تجري مع العرف و العادة و ينتقل الفقيه بإشغالها و من جهل الفتي جموده على المنصوص في الكتب غير ملتفت إلى تغير العرف فإن القاعدة المجمع عليها أن كل حكم مبني على عادة إذا تغيرت العادة تغير الحكم و القول باختلاف الحكم عند تبدل الأحوال و العادات لا يستلزم القول بتغيره في أصل وضعه و الخطاب به كما توهمه بعضهم و إنما الأمر تدعو إله الحاجة عند قوم أو في عصر فيكون مصلحة و تتناوله دلائل الطلب فإن لم تقتضه عاداتهم و لا تعلقت به مصلحتهم دخل تحت أصل من أصول الإباحة أو التحريم .
و ممن حقق أن في أحكام الشريعة ما يجري بحسب اختلاف الزمان شهاب الدين القرافي حيث قال : أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفة للشرع بل تشهد له القواعد في جملتها أن الفساد قد كثر و انتشر بخلاف حاله في العصر الأول و مقتضى ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع و يوافق هذا قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية يقدر ما أحدثوا من الفجور.
و قول عز الدين بن عبد السلام : تحدث للناس أحكام بقد ما يحدثون من السياسات و المعاملات و الاحتياطات أي يحدثون أسبابا فستدعي أحكاما تنتزع لها من دلائل و من هنا لزم أن يكون المقرر لأحكام السياسة وغيرها ممن أوتي العلم بقوانين الشريعة و الفهم الراسخ في مداركها حتى لا يخرج في تقديره عن الرسوم المطابقة لمقاصدها هـ كلامه. أولده في الحاوي
و قال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله في الحبل الوثيق : أن المفتي حكمه حكم الطبيب ينظر في الواقعة و يذكر فيها ما يليق بها بحسب مقتضى الحال و الشخص و الزمان فالمفتي طبيب الأديان و ذلك طبيب الأبدان. و قد قال عمر بن عبد العزيز : تحدث للناس أحكام بحسب ما أحدثوا من الفجور.
قال السبكي ليس مراده أن الأحكام الشرعية تتغير بتغير الزمان بل باختلاف الصور الحادثة فإنه قد يحصل بمجموع أمور ما لا يحصل لكل واحد منها فإذا حدثت صورة على صفة خاصة علينا أن ننظر فيها فقد يكون مجموعها يقتضي للشرع له حكما خاصا هـ .
و قال السبكي ي فتاويه ما معناه : يوجد في فتاوي المتقدمين من أصحابنا أشياء لا يمكن الحكم عليها بأنها المذهب في كل صورة لأنها وردت على وقائع فعلهم رأوا أن تلك الوقائع يستحق أن يفتى بها بذلك و لا يلزم اطراد ذلك و استمراره هـ . الخ ..
و في كتاب تلبيس إبليس لابن الجوزي رحمه الله في نقد مسالك الصوفية في الغناء و السماع ما نصه:
و إنما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان و السن والبلد ثم يصف على مقدار ذلك أنظره.
و في كشف الظنون في بحث الاحتساب ما نصه و فائدته إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم و هذا من أدق العلوم ولا يدركه إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب إذ للأشخاص و الأزمان و الأحوال سياسة خاصة و ذلك من أصعب الأمور فلذلك لا يليق بمنصب الاحتساب إلا من له قوة قدسية مجردة من الهوى كعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان عالما في هذا الشأن. انتهى .
و قال الحافظ شمس الدين بن القيم الحنبلي في أعلام الموقعين ما نصه :
فصل في تغير الفتوى و اختلافها بحسب تغير الأزمنة و الأمكنة و الأحوال والنيات و العوائد هذا فصل عظيم النفع جدا وقع  بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج و المشقة و تكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة مبناها و أساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش و المعاد و هي عدل كلها و رحمة كلها و مصالح كلها وحكمها كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور و عن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة و إن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده و رحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه و على صدق رسله صلى الله عليهم و آلهم و سلم أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون و هداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل و طريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قرة العيون و حياة القلوب و لذة الأرواح فهي بها الحياة و الغذاء و الدواء و النور و الشفاء و العصمة و كل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها و حاصل بها و كل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها و لولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا و طوى العالم و هي العصمة للناس و قوام العالم و بها يمسك الله السموات و الأرض أن تزولا فإذا أراد الله سبحانه و تعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها فالشريعة التي بعث بها رسوله و هي عمود العالم و قطب الفلاح و السعادة في الدنيا و الآخرة و نحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول الله و توفيقه و معونته بأمثلة صحيحة. أنظره فقد بسط النفس في هذا الموضوع و أناخ الركائب و حط الرحال و الله الموفق سبحانه وهو حسبنا و نعم الوكيل.
و قد تم تبيضه في خواتم ذي الحجة الحرام متم عام 1346 بعد تسويده قبل ذلك بنحو العامين و الحد لله أولا و آخرا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here