islamaumaroc

صندوق الموسيقى [تر.عبد المجيد بن جلون]

  دعوة الحق

154 العدد

كانت امرأة و معها طفل صغير ينحدران مع شارع القرية الحجري، و إذا استمرا في سيرهما ثلاثة أميال وصلا إلى مدينة حيث يوجد منزل كانا يقصدانه، و قد قرآ عنوانه في إحدى صحف المساء.
كانت المرأة شابة قصيرة القامة لها رجلان صغيرتان اعتادت أن تزهو بهما، و كان للطفل عينان كبيرتان زائغتان فيهما برود و فيهما تأمل، و قد أمسك بيدهما و كانا يسيران و عليهما مسحة بادية من السرور، إنهما في طريقهما إلى شراء شيء ما.
و يدعى زوج السيدة ثكستون مرفيت، و هو يكبرها سنا و يعمل في قص الأحجار فقد كان له شعر في مثل لون الرمل، و لما لم كن يحلق ذقنه إلا مرة واحدة كل يوم سبت فقد كان له لحية و شارب باديين دائما في نفس اللون، و له وجه ملوح و جسم ضخم الهيكل قليل اللحم، و صوت أجش غاضب يبعث في ابنه الرعب.
و لم يتح لزوجته أن تدعوه باسمه « ثكستون » فقد كان يبدو لها ذلك سخيفا، و لذلك فقد كانت تطلق عليه  « الأب » و كانت تشير إليه أيام زواجها المبكر بضمير « هو » حتى إذا ما أجبرت على أن تكون أفصح أطلقت عليه لقب « السيد » و إن كانت تكره ذلك لما يكشف عيه من حقيقة، و سرها أن تصبح أما ليكون في استطاعتها أن تطلق عليه لقبا معينا.
و حينما أصبح في استطاعة الطفل الصغير – وقد سمته « هنري » - أن يتكلم أصبح يطلق عليه هو أيضا « الأب »، و كانت العائلة تعيش في مؤخرة القرية حيث تفضي الطريق الخشنة إلى الأدغال، و حينما كان الطفل و هو يباشر بعض ألعابه الغامضة يرى الرجل الضخم قادم، يجري إلى داخل المنزل و هو يصيح :  «أماه، ها هو ذا الأب ».
و لم يكن في استطاعة هنري أن يكون لنفسه فكرة عن « الأب »، فقد كان المنزل أحسن مقاما و أهدأ في غيبة هذا الرجل الذي كان يأخذ مكانه من المقعد الخشبي و ينظر إلى الطفل في ضجر، وهو الذي لا يخفي انه كان يفضل لو كان طفلا سمينا ضخما بدلا من هذا المخلوق الهادئ ذي العينين الزائغتين.
و لكن لا داعي للقلق فإن أشياء كثيرة في الدنيا تدعو إلى الاهتمام، فيوم الإثنين مثلا يوم الغسيل و تأخذ فيه الأم ابنها إلى كهف المنزل حيث توقد النار ليمتلئ المكان بالماء الساخن المرغي لتعطيه الأم بعض مناديل « الأب » ليزعم لنفسه أنه يغسلها، فإذا ما تعب من ذلك انصرف إلى أمه و هي تباشر عملها.
و لم يكن في مستطاعه أن يعيش على مبعدة من أمه، فقد كانت الحقيقة الوحيدة التي تتحرك في حياته، و لم تكن له أية رغبة في اللعب مع غيره من أطفال الحي.

و حينما ذهب الطفل مع أمه ذات يوم إلى الكنيسة تسلل إلى غرفة الأرغن و أخذ يداعبه إلى أن صدرت عنه بعض الأنغام، فعاد إلى أمه ليطلعها عن سره العظيم، فاستبشرت الأم لذلك، و لكن إحدى الأخوات فتحت عليهما الغرفة و نهرتهما، وعندما غادرا الكنيسة وعدت الأم ابنها بأن تشتري له آلة أرغن ليعزف عليها، وأخذت تدخر منذ ذلك اليوم بعض النقود الصغيرة و تتبع الإعلانات التي تنشر عن الآلات الموسيقية المعروضة للبيع في الصحف، و أخيرا استقر الرأي على أن يزورا المنزل الذي كان يقصدانه و هما يسيران على بعد ثلاثة أميال منه في طريقهما إليه، و كان ذلك في عشية من عشايا أوائل خريف كئيب، و عبرا الوادي ثم قطعا الجسر ليقتربا من المنزل الذي كانا يقصدانه في سيرهما. و يجدا نفسيهما أمام بابه الضخم، و ترددا في نقر الباب، و لكن شيخا غادره وهو يحمل في يده كمانا فتأكدا من أنه المنزل المقصود، و كانت لباب أكرة بديعة استرعت انتباه الطفل، و لما ظهر أمامهما رجل نحيف القامة مد يدها تطلعت الأم أولا إلى صديريته ثم إلى رجليها الصغيرتين و لكنها لم تقل شيئا، فاستجمع الطفل قواه و قال : « هل عندكم من فضلك .. » ثم توقف لأن صوته بدا له مثيرا ...
فقال الرجل بصوت صادق عميق : « اتبعاني » حتى إذا ما اقتربا من قاعة المنزل الداخلية طلب منهما أن ينتظراه، و أنهي إليهما أنه سيعود إليهما بعد قليل، فوقفا في مكانهما وقد احتبست أنفاسهما و هما ينتظران أوبته.
وقفا في الحجرة الدامسة و قد أحاطت بهما الآلات الموسيقية من كل نوع، و عندما عاد الرجل شعر الطفل بالزهو و هو يسمع أمه تسأله عن ثمن الأرغن، بل إنها استطاعت أن تسأله وهي تبتسم ابتسامة مقتضبة خائفة بدت للطفل جميلة رائعة.
وما كادت تسمع الثمن حتى ولت على عقبيها قاصدة الباب و هي تسحب الطفل المشمئز من يده، ولكن الرجل اعترض طريقهما قبل أن يبلغا الباب، و أخذ يبتسم و يتحدث و يقول أنه لا يود أن ينصرفا دون أن يقتنيا أي شيء، و أطلعهما على صندوق أصغر مربع  تحليه زهور حمراء، و قال : لعل هذا أنسب لكما.
و رفع الصندوق خلال ذلك على صندوق آخر للتعليب، و دفع داخله بلفة من الورق ثم أخذ يدير مقبضا، فوقفت الأم و الطفل كأنهما تمثالان و لكنهما كانا مأخوذين فإن الأرغن لا شيء بالنسبة لهذا الصندوق، الذي صدر عنه نغم كانت تعرفه الأم منذ أيام المدرسة فأخذت تحرك رأسها ة تترنم و قد أضاءت عيناها.
و همس الطفل : ما هذا يا أماه ؟
فأجابته أنه صندوق موسيقى، و إذا لم يكن عزيز المنال اشتريناه.
و ذهبت تتخيله و هو يردد أنغامه إلى الأبد في المطبخ بالمنزل، فسوف تضعه على خزانة الصحون و تحافظ عليه بعناية، حتى إذا ما عصفت الرياح بالأمار سارع الصندوق إلى بت الأنس في الحياة ، و عندما يلتحق هنري بالمدرسة – و هي لا تستطيع أن تتصور ذلك اليوم و إن كان قريبا – فإن الصندوق سوف يغريه بالعودة فورا إلى المنزل.
و كان البائع يقدر الثمن المطلوب و هو يداعب شاربه و يحدجهما في تشكك، و كان علي أهبة أن يطلب خمسة دراهم، و لكنه قرر أن يضيف درهما سادسا من قبيل التفاؤل، وهنا فرقع وتر كمان، فجفلوا ثلاثتهم.
قال الرجل : من الممكن شراؤه بستة دراهم فإن الأنغام وحدها تساوي ذلك.
و تبادلت الأم النظرات مع الطفل، في نظراته و في نظراتها سعادة، ثم نظرا إلى الرجل و هو يكتم تثاؤبه، و بعد لحظات غادرا باب المنزل في طريق العودة، و قد تأبطت الأم صندوقا كبيرا لف بعناية كأنه شيء مقدس.
و خيل إليهما أنهما وصلا المنزل في لحظة، و بدأ الصندوق فوق الخزانة رائعا بوروده الحمراء التي تلألأت مع نار المدفأة، و أدارا عدة أنغام قبل أن يخلعا ملابس الخروج، وكانت الأم تدير المقبض بينما جلس الطفل في كرسيه ينظر إليها في إعجاب، و كانا يبدوان معا في حالة من الجد و الاهتمام و لا يتحدثان إلا قليلا، و مما قالته الأم بصوت جاد واثق : ستمتلك أرغنا في السنة القادمة. و لكنها تعلم أن ذلك يكاد يكون مستحيلا على أن موضوع الأرغن لم يعد مما يثير الاهتمام.

و فجأة سمعا وقع خطى
فقال الطفل في هلع  « إنه الأب » و لم تكن الأم قد أعدت له أي طعام يتناوله.
قفزا معا و أسرعا إلى الباب، و جرؤ الطفل الصغير على أن يصيح : أبي، أبي. فقال الرجل : أين الشاي.
قالت الأم : سيكون كل شيء معدا في لحظة تم دفعت بالإبريق إلى قلب النار و وضعت في سرعة بعض الأشياء على المائدة.
و كان يبدو على الأب أن هناك ما يضايقه فقد خسر درهما في سباق الخيل في ذلك المساء، و لم يكن كثير المشاركة في هذا الرهان، و لكنه كان يخسر فيه على الدوام و دون استثناء تقريبا، على أنه كان يتوقع دائما أن يكسب مبلغا كبيرا في السباق التالي – و فجأة وقع نظره على صندوق الموسيقى، فغمغم :
- ما هذه الخزعبلة ؟
فنظر إليه الطفل و هو يتلعثم، فقد تملكه أنه قوة تقمصت أباه، و إن من الممكن أن يستعملها في قسوة بالغة، و بدا على الأم أن نفس الشعور ساورها، و قد أخفت وجهها في انتظار غليان الإبريق، وهي تبدو كأنها تنتظر العقاب.
- هيا، إننا نريد أن نعرف ما هذه الخزعبلة
فأجابته زوجته بصوت لا يكاد يسمع : إنه صندوق للموسيقى.
و نظر الرجل إلى الصندوق في كآبة، و تطلع الطفل إلى وجه أيه، ثم سحب كرسيا وقف عليه و أخذ يدير مقبض الصندوق، فاستمع إليه الرجل مليا، ثم علا وجهه غضب مثير، ما لبث معه أن وقف ملوحا بيديه و هو يصيح : أقفل هذه الجلبة، من الذي جاء بهذه اللعنة إلى المنزل ؟
فتوقف الطفل، و قد غادر البشر وجهه ليحل محله الشحوب، وبدأ غطاء الإبريق يهتز و لكن الأم لم تنتبه إليه، و إنما قالت و هي في مثل شحوب الطفل : لقد اشتريته.
- إذن تستطيعين إعادته إلى صاحبه.
قال ذلك وهو ينظر إلى الصندوق في مقت كما لو كان قد ألحق به ضررا.
و بدأ الماء يتطاير من الإبريق إلى النار، فكان ذلك الصوت الوحيد الذي يسمع في الحجرة بعد ذلك.
و ما كاد الرجل يغادر المنزل إلى عمله في صباح اليوم التالي حتى أسرعت المرأة إلى ارتداء ملابسها و ألبست الطفل معطفه و فتحت الباب، و طالعهما الضباب فسعلا و هما ينحدران مع الشارع،  و لم يكونا قادرين على تناول وجبة الإفطار، و أخذا يرتعشان من برد الشارع، و كانت الأم تحمل علبة الموسيقى لتعيدها إلى صاحبها، و قد بكت الأم بكاء مرا، كما فعل الطفل، و قد وعدا الأب بأن لا يديرا الصندوق حينما يكونا في المنزل، فاقتصر على إجابتهما بأن الصندوق يجب أن يعاد، فهو لا يعرف لماذا يحق لهما أن يروقهما ما لا يروقه.
كانا يسيران في بطء شديد و قد بدأ الصندوق ثقيلا، و شعرت الأم بالخجل، و لم تكن تعرف كيف يمكن أن تفاتح الرجل ذا القامة المديدة في موضوع استرداده للصندوق، و خشيت أن يرفض إعادة ثمنه، و بدا لها حل وحيد، وذلك أنها لم تتمكن من أن تخبر زوجها بأنها نقدت ثمنه حينما كان زوجها يصيح و قد تعلق الطفل بأذيالها.
و أخيرا وصلا إلى الشارع المقصود بعد أن توقفا عن السيد عدة مرات، و كانت المنازل الشاهقة ملفوفة في الضباب و قطرات الماء تتساقط من الأشجار، و كادا يقفان عدة مرات في الشارع اللزج.
و بينما كانت الأم تنقر الباب نقرا خفيفا مسح الطفل الصغير الأكرة العاجية ليتأملها، فدارت الأكرة في يده، و لم يسمعا أي ركز فاستدار إلى أمه و نظر إليها في تواضع بعينه المنتفختين، و بدا عليها أنها فهمته، فدفعت الباب بذراعها فانفتح : ثم دخلت لتضع الصندوق على أرض البهو الصغير ثم أقفلت الباب في رفق، و لم يمر وقت طويل حتى كانا معا قد اختفيا في الضباب.

       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here