islamaumaroc

مهزلة التفكير الإلحادي في كتاب "أزمة الفكر العربي" -2-[رد على تعقيب لمؤلف الكتاب..]

  دعوة الحق

154 العدد

                                                   -1-

نشر "المفكر" ! مصطفى النهيري – و هو اللقب الذي أعطاه هذا الشخص لنفسه ! كتدعيم للدعاية المشبوهة، التي لا يشاطره فيها أحد غيره – رسالة مفتوحة ، موجهة إلي ، في كتابه الأخير "محنة العقل المبدع " ، و هي كناية ، لم تشملني وحدي – حسب رأي هذا "المفكر" - بل شملت العرب جميعا بدون استثناء .. و بالتحديد منذ ظهور الإسلام حتى القرن العشرين !!..
فلقد بلغ أوج عناده درجة، أنه تجرأ على أن يحتقر هذه الأجيال العديدة، على مدى أربعة عشر قرنا، واصفا كل مثقفيها .. و مؤرخيها .. و زعمائها .. بما أسماه " بالأميين " !! ، منتهزا فرصة انحطاطهم في العصور المتأخرة .. و متخذا من ذلك وسيلة لدحض حقائقهم ، و تمويه وقائعهم ، و تسفيه أفكارهم ، و تشويه سمعتهم ، السياسية و الفكرية ، و العلمية .. ضاربا عرض الحائط جميع الإعتبارات الموضوعية ، و المنطقية ، و التاريخية .. و كأنه يثبت في أذهان الناس – استخفافا بالحقائق الكبرى – إن العرب عاشوا    " فاقدي الوعي " حسب إدعائه ، في حالة غيبوبة كأهل الكهف ، منذ اليوم الأول الذي اعتنقوا فيه الإسلام إلى وقتنا هذا .. مركزا حديثه – الذي لا يعرف للحجة و البرهان معنى ! – على أنهم لم يستيقظوا من هذا  " السبات " المزعوم ! إلا على صيحات "نبوة" هذا المتنبي الجديد !!

                                                   -2-

أما عن رسالته الموجهة إلي.. فقد نشرها ضمن كتابه الجديد، ليرد فيها مقالي المنشور في العدد الرابع – يوليوز 1972 بمجلة "دعوة الحق " الذي يحمل عنوان " مهزلة التفكير الإلحادي في كتاب أزمة الفكر
العربي " ، و الذي تناولت فيه – حينئذ – بالدرس و التحليل جل آرائه التي حشدها في كتابه الأول "أزمة الفكر العربي " أو كما يسميه الأستاذ سالم يفوت " أزمة في أزمة الفكر العربي "(1) .
لكن الذي أريد أن أبرزه أمام الملأ، هو أن انتقاداتي التي شملت آراء النهيري، لم أصدرها بدافع النقد ، كما يظن هو نفسه ، لأن خصالي تستهجن أصلا عملية السطو ، أو المغامرة الهستيرية ، التي لا تستهوي إلا ذوي العقول المريضة .. إنما بانتقاد آرائه، لأنها آراء تخريبية ، غوغائية، تخديرية، سفسطائية .. بكل ما تحمله هذه الكلمات من معان، و الذي يؤكد ذلك تأكيدا ملموسا هو كونه، استمد تلكم الآراء أصلا من مصادر إلحادية مغرضة ،، لها معنا – نحن العرب – حساب طويل ، يبتدئ من انبعاث الدولة الإسلامية الأولى ، على يد الرسول القائد ، و ما حققته – هذه الدولة – من مساواة ، و عدالة ، و حرية ، و رفاهية ، حتى اندلاع ثورة الحركات التحريرية الخالدة ، ضد الإستعمار الغاشم في القرن العشرين ، و ما صاحبها من انتصارات باهظة ، مدهشة ، أجهضت بمفعولها القوي مكائد الخونة ذوي النعرات الإستعمارية ، الفاشستية !..
و لن أناقش في هذه السطور، هذا التحدي السخيف ، من إنسان لا زال بعد لم يعرف حتى حقيقة نفسه .. فيكفي ما قمت به في مقالي المذكور من تحليلات لمعظم أفكاره .. إنما أريد في هذه المرة – و إنصافا للحق – أن أستعرض أمام القارئ الكريم جل آرائه .. كي أترك له – أي القارئ – فرصة الحكم على هذه اللآراء .. حتى يتمكن من وضع كل طرف من الطرفين المتنازعين – في المكان اللائق به .
و هذه هي آراؤه الداخلية الإلحادية التي يدعو الناس إليها ..
أولا مقتطفات من كتابه " أزمة الفكر العربي " :
- يقول في الفصل الأول منه : " إننا عبر مسيرتنا الطويلة إلى اليوم ، لم نستعمل "العقل " و أداته   " التفكير " في بنائنا الذاتي و الحضاري "!.
- و في ص 10 يقول : " إن عنف الجانب الميتولوجي ( أي الأسطوري ) في القرآن قد سطاعلى أكبر مساحة من فكر الإنسان العربي ، و نسف بالتالي جوانبه العقلية الإحتجاجبة الأصلية ، بيولوجيا في النوع الإنساني "!.
- و في ص 12، يقول : " إن معايير المقدس و اللا مقدس ، قد أرهقت ثقافيا الفكر العربي ، و أجهضت نفسه الإنقلابي لمدة أربعة عشر قرنا " !.
- و في ص 14 ، يقول : " كانت مرحلة القرون الوسطى (و يقصد العهود الإسلامية ) حقبة جليدية ، جمدت بترائها اللاهوتي الفكر الإنساني عموما "!
- و في ص 14، كذلك ، يرى أن الإسلام هو الذي يحرك "الفتن السياسية " و "المظالم الإجتماعية " و يغذي " فتواه " هذه فيقول : " .. هذه الظاهرة السيكو – سوسيولوجيا غالبا ما كان وقودها المباشر العامل الديني " !.
- و في ص 38 ، يقول : " إن أربعة عشر قرنا من القهر الغيبي ( أي من هيمنة الفكرة الإسلامية ) و القمع السياسي ، أهانت الجماهير العربية بشكل بهيمي " !
- و في ص 12 ، يزعم أن هناك صراعا طبيعيا بين الله و الإنسان .. هذا الإنسان الذي يراه يتمتع "بروح العناد و التمرد " على القدرة الإلاهية ! بحجة أن التعاليم الدينية " تعطل خاصية الثورة الأبدية في عقل الإنسان " ،  و لقد رأى أن اليونانيين واجهوا الصراع الديناميكي بين الإنسان و الآلهة عن طريق " المسرح " لكنه يشهد ، و يعترف أن مثل هذا العمل لم يحدث لدى المسلمين ، إلا أن ذلك كان كافيا – في نظره – لأن يصف العقلية العربية الإسلامية بما أسماه " بالبلادة الأنطلوجية "!
- وفي ص 156 فما بعدها : يفرد فصلا خاصا أسماه " الإستعمار الفكري " منتحيا في ذلك منحى خاصا لفرض التعاليم الدينية الإستعمارية ، و ذلك بتهكمه على كل الذين يقولون بأن الإيديولوجيات الأوربية هي إيديولوجيات استعمارية ، أو إنها تشكل مبادئ هدامة .. فتراه يرد على هذه الفكرة بقوله أن هذه التعاليم "هدامة بالفعل للجهل " و أن " الإستعمار الفكري " خدعة "يستغلها الرجعيون، و الإقطاعيون " قصد إلغاء المبادئ المستوردة ، التي توقظ في الإنسان روح الوعي (كذا ) ..!
- و في ص 13 : يرى أن الرسول و الخلفاء الراشدين تولوا تسيير دقة الحكم بعد : "تخدير أعصاب المسلمين بقيم الإقطاع و الأساطير " !
- و في ص 12 : يرى أن الإسلام قد " بطش بالوعي الجمعي العربي "!
- و في ص ، 16 يهاجم الفلسفة الإسلامية و يرى أنها " فلسفة تبريرية تزكي من طغيان التحالف السلطوي للقيم الإقطاعية ، و المفاهيم الإيديولوجية الحيادية " !
-  و في ص 31 ، يسخرمن كل الذين يقولون بأن حضارة أوربا اعتمدت على حضارة العرب ، و ينفي هذا الاعتماد نفيا قاطعا ، متحديا في ذلك حتى الملحد المتعصب "نيتشه " الذي يعترف بقيمة عظمة الحضارة العربية الإسلامية.. !
- وفي ص 10، يرى أن العقلية العربية لم تستطع تحليل أو مناقشة القرآن الكريم، بل سلمت به من غير فهم و إدراك، و في ذلك يقول : " أن قساوة معاني النذير و التحذير ، التي جاء بها القرآن إلى الإنسان الجاهلي البسيط ، كانت أكبر ، و أعنف من أن يحللها أو يناقشها ، فما كان عليه إلا أن ينكسر أمام منطق الغيب " !
- وفي ص 30 - حيث بيت القصيد – نجده يستهزيء بنشاط جميع الحركات الإسلامية، الواعية في العالم، التي تجاهد من أجل بعث الإسلام من جديد ، على مسرح السياسة الدولية ، فيقول مستهترا بأهدافها : " إن رواد الإصلاح الروحي ( تأثر ملحوظ ، ناتج عن مدى تشبته بمصطلحات الفكر المسيحي ) ! كانوا يحلمون و يتوهمون (كذا) أن تخلف العالم الإسلامي، يرجع في الأساس المباشر إلى كارثة تخلي الخلف عن محجة السلف .. و سر تقدم  المسلمين حضاريا ، و اقتصاديا، و سياسيا ، و ثقافيا .. مشروط بإدراك الشعوب الإسلامية لروح الإسلام، و حقيقة الإسلام، و أصالة الإسلام، و جوهر الإسلام إلى غير ذلك من مصنفات بضاعة التبريرالمسطحة، التي يزخر بها عقل أكبر"أبله" ! على الأرض " ! ..

                                                   -3-

ثانيا : مقتطفات من كتابه " محنة العقل المبدع " .
- في ص 10 – يعلن أنه كان يفكر في بناء نظرية "في الشخصية العربية " ! لو لم تتعرض أفكاره إلى عملية نسف شاملة، من لدن بعض الشباب المثقف، ذي الأفكار الحية.
- و في ص 19 : ينال بشكل مباشر و هادف من كلمة النبي الكريم ، مستخفا بقيمته كرسول للبشرية ، و كحامل لمشعل الحرية ، فيقول بأسلوبه الساخر ، الماكر : ".. و يتوفى النبي : الأب الرحيم ، و القلب الكبير ! (طبعا يقول ذلك تهكما . و استخفافا ) و تدب الروح السادجة من جديد في نمادج غزيرة من عرب و عجم للأب " الخاصي" ! ( إشارة استهزائية إلى الرسول الكريم ) متينة في كل زاوية من زوايا الإمبراطورية الإسلامية .. و هنا كان علي أن أفتح ملفات مذابح كل نمادج " الأب الخاصي" !! من عرب و عجم، الذين تعاقبوا على فرض و صاية نيوقراطية " ! باسم مقدسات متخشبة .. و من ثم عمقوا إلى قيعان لا شعور الشخصية العربية ، كل عقد الشعور بالنقص.. و التفاهة .. و اللا جدوى .. و الإتكالية و اللا مبالاة .. و الكسل .. و التدمير الذاتي .. نعم إن " الأب الخاصي " ! لا زال تابعا بداخل العقول، و ما زال منتصبا يبطش في كل المجتمع العربي .. و بالحتم فلا زال الإنسان العربي مقموعا، مكبلا، و على الأجيال الصاعدة أن تصنع لها شخصية جديدة " !!
- ويقول في ص 60 : " لقد آن للوصاية الأبوية ( يقصد هيمنة الرسالة الإسلامية ) أن ينحسر" "طغيانها"  الموروث، و الإعلان عن ميلاد شخصية عربية جديدة " !!
- وفي ص 24 : ينادي بضرورة القيام بدعاية واسعة لأفكار فلاسفة الشرك ، و الإلحاد ، لأن هؤلاء – في نظره – هم المبدعون الحقيقيون ! الذين يجب الإقتداء بأفكارهم، وتقمص آرائهم !، و في ذلك يقول : " وكم أحب هنا أن أجمع شتات تشكيلة من المبدعين ، من كل العصور ، و الثقافات ، و الطبقات .. هومير –سقراط – أقلاطون – دارووين – دوستوفيسكي – سيينوزا –شوبنهور – هيجل – كانط – أوغست – فرويد – هيمينكاوي – برجسون – هنري ميار – باسترناك – ماباكوفسي – كوكول – كويا – بلزاك .. الخ .. كل هؤلاء رفضوا الضعف ، و قالوا : لا لكل أشكال تعديم إنسانية الإنسان فبهم " !
- و في ص 56 ، يدلي لنا بآرائه حول مفكري العرب و أني لاعرف مفكرين أميين ( إشارة موجهة إلى مفكري العرب ) تذهب بهم شطحاتهم الشوفانية إلى أن : دارويين لم يبين نظريته العلمية في أصل الأنواع دون أن يطلع على اجتهادات جابر بن حيان في موضوع تطور العضويات .. و أن ماركس اطلع على مقدمة ابن خلدون : و أن فرويد لم يتمكن من التوصل إلى نظريته في النفس ، و العلاج ، إلا بعد اطلاعه على وسائل إخوان الصفا ، و ابن مسكويه ، و أن إينشتين لم ينجز نظريته في النسبة ، إلا عندما اطلع على مصنفات ابن الهيثم ، و البيروني في علوم البصريات .. !" استغراب – من النهيري – فريد من نوعه ، ليس في حاجة إلى تعليق ! ..
- وفي الصفحات : 29 و 34 و 50 ، يعلن بصفة متكررة – و بزهو متبختر – إنه : المفكر المبدع ، الذي له القدرة الكاملة ! في ابتكار نظرية جديدة ، لها كامل الصلاحية ، في أن تحل محل النظرية الإسلامية !! فيقول في ص 29 : " إنني لا أكتب للفلاح ، و العامل ، و التاجر .. لسبب موضوعي،  و هو أن تسعين في المائة من سكان المجتمع العربي ، يسبح في أمية أبجدية من مآت السنين .. و لو كان علي أن أكتب لكل "إخواني"  العرب .. لكان على أبي أن يضرب موعدا مع أمي ليتزوجها، بعد انقضاء جيل على الأقل ( غرور مفرط ، لا يوازيه و لا يدانيه إلا غرور فرعون حين قال " أنا ربكم الأعلى " ) !
- و يقول كذلك في ص 29 ، معززا غروره هذا ، بترهات شوفانية ، ليست – بأي حال – من أخلاق أي كاتب يحترم نفسه ، فيقول : " باسم " الشعب " أتبنى قضايا الوطن ، و العروبة ( تطفل و خداع ) ككاتب و مفكر ! له شرف المشاركة العلمية في محاولة بناء شخصية عربية جديدة " !!
- و في ص 42 ، يعمد إلى تبرير "بورجوازية " فلاسفة الإلحاد ، فيقول ، واضعا أمامنا هذا السؤال : " على أي أساس إيديولوجي ، ترانا متعاملين مع ماركس و إنجلز ؟ هل نقيس ثقلهما الفكري حسب انتمائهما الطبقي ، ثم ننفض منهما الأيدي .. و نحن نقول إنهما فيلسوفان بورجوازيان "  ؟ ! " و سارتر – مثلا – كأشهر كاتب ثوري ! و أنشط مدافع عن حرية الإنسان حيثما كان ، ( ربما صاحبنا نسي الإنسان الفلسطيني ! ) و كأحد أثرى مفكري العالم مالا .. على أي قاعدة إيديولوجية نقيم كل إنتاجه الثقافي الضخم " ؟؟ !
-  وفي ص 51 ، يجيب على أسئلته المطروحة هذه ، فيقول محاولا تبرير " بورجوازية " سدنة الإلحاد ، و سماسرة الصهيونية العالمية(2)  و مثبتا في الوقت ذاته ما يسميه "بيورجوازية" مفكري العرب ! ، فيقول : " لما كنت استعمل مصطلح " البورجوازية " يبعدها السو سيولوجي بالنسبة  للغرب المصنع ، فإن هذه الصفة تأخذ دلالة أخلاقية !! و بعدا بسيكو- سياسي عندما" ! أي (نحن العرب ) !
-  و في ص 53 ، يبين أن سبب هذا التبرير ، يرجع في الأساس المباشر إلى أن " الغرب المصنع" يرفض تراثه رفضا نهائيا ، خلافا لما نحن عليه من تشبت بهذه المعتقدات التقليدية ! و في التراث، تفكيرا، و سلوكا يوميا، و ثقافيا، على صفحات المجلات، و الصحف المختصة و غير المختصة كما نفعل " نحن " ! العرب " !
-  و في ص 50 : يكرر ثناءه، و مدحه التملقي، لليهودي الفرنسي المعروف جان بول سارتر، كجزاء أخوي على ما قام به هذا اليهودي الملحد عقب حرب خامس يونيو 1967 من مواقف، ماكرة، مبيتة ضد الشغب العربي ، و تأييده المطلق لإسرائيل ، بشكل استفزازي غادر ، أثار انتباه مثقفي العالم إذ ذاك .. خصوصا حين قام بدور فعال في جمع ما يربو على 150 توقيعا من مختلف الكتاب الفرنسيين،  كي يتمكن من تبرير موقعه العدواني ضد الجنس العربي .. نعم ، ففي هذا اليهودي الماجن الذي يعمل لحساب الصهيونية العالمية ، يقول النهيري منوها بمواقفه " النضالية " هذه : " إن سارتر يعد كاتبا بورجوازيا كمثقف يعيش في الغرب البورجوازي ،إلا أنه من خلال إنتاجه الفكري البورجوازي، يلتزم لكل قضايا الإنسان في نظره هو الإنسان الملحد أو المشرك ) . و بذلك يكون أشرف المناضلين ( مع الإعتذار للكاتبة الهرمة ! سيمون دي بوفوار! ) و أصدق الكتاب " الملتزمين" ! في العالم " ( أي إخلاص هذا، يكنه صاحبنا لإستناذه المفضل ؟ )
- و في ص 50 ، ينوه بفيلسوف يهودي آخر – تلميذ لكارل ماركس – هو " هوبرت ماركوز " فيقول عنه : " .. كذلك ماركوز المبدع ،  حينما  يقدم حلولا انتروبو– سياسة ، فإنه يفتح اليوم للإنسانية المعذبة آفاق التفكير ، و بذلك – و بالإضافة إلى إبداعيته – يكون أشرف مناضل ضد القمع ، و أبدع عقل ملتزم لعبقرية إنسانية الإنسان " !
- و في ص 55 ، ينوه بفيلسوف يهودي آخر – ولعل صاحبنا يعتز باليهود أكثر من أعتزازه بالجنس العربي – هو فرويد النمساوي فيقول عنه : "" يعتبر فرويد أعضم مفكر أصيل في القرن العشرين ، يأتي بانقلابات علمية، راديكالية، في كل  التفكير البشري منذ كان " !
-  و في ص 57 – يتنكر لكل شيء أبدعه الفكر العربي طوال مدة 14 قرنا، كل ما هنالك : " إن أعضم ما أبدعه الإنسان العربي قديما ، كان هو اللغة ، و ليس هناك عصرتفتقت فيه اللغة العربية عن عبقريتها الذاتية ، و مكنوناتها الداخلية ، كما تفجرت على أيدي كتاب ما بعد الستينات من الشباب " !
-  و في ص 60 ، يرى أن العمل الوحيد لتحقيق هذه الغاية ، هو القضاء على الإسلام ، قضاء لا رجعة فيه، فيقول : " لقد آن للوصاية الأبوية ( يقصد هيمنة الرسالة المحمدية ) أن ينحرطغيانها الموروث، و الإعلان عن ميلاد شخصية عربية جديدة، و إنها لمعركة أجيال، و إنها لمأساة ان يتناحر البشر دفاعا عن قيم الحرية، و العدالة، و المحبة، و الجمال،  و إنها لمحنة كل عقل مبدع" !!

                                                   - 4-

تلك، هي بعض الهفوات، و اللمزات، و الترهات، و الشطحات الإلحادية، الإستعمارية، اللاعلمية، التي ينادي بها – هذا الذي وضع نفسه من منزلة " المفكر " – مريدا بذلك فرضها على الجماهير السادجة، كمحاولة فاشلة لتغيير دهنياتها تغييرا جدريا، وإعدادها في نهاية المطاف الى تبني هذه الآراء الممسوخة !!
    لقد هاجم كما ترون – هذا المقامر بالالفاظ – العرب هجوما تعسفيا جنونيا، وبالتي اعتبر نفسه في حالة حرب ضدهم .. وضد عقيدتهم .. متهما إياهم بالجهالة تارة !.. وتارة بالبلادة ! .. واخرى بالغباوة !.. الى غيرها من الصفات الملفقة المزيفة .. من تلك التي لم نألفها حتى من السنة الصهاينة أنفسهم المشهودين بالعداء الدائم للعرب .. !
     ولقد ظهر لنا جليا، بعد الجولات المتعبة التي طفنا فيها على جميع اروقة ممرض افكاره – وبدون اي لبس او غموض – أن الذي يعمل على إبراز أبعاد تحايله هو : تعمده النفاق، والتضليل، والخداع، والتزوير .. بصورة مكشوفة لا غبار عليها، مموها القراء ان آراءه التخريبية، هي آخر ما توصل إليها  " الفكر العلمي" من إبداع وابتكار !!
     ولعل منهجه التضليلي هذا .. هو الذي يضع لنا بنسفه صيغة مشخصة، لهذا الإيحاء المنطقي الذي  يمدنا بحقائق مذهلة .. وهو الذي يوضح لنا بجلاء حقيقة مكنوناته الباطنية، المكبوتة .. خصوصا حين يعلن – وباستهزاء ماكر – ان جميع المجهودات الجبارة التي قام بها العرب المسلحون – والتي لا يستطيع ان ينكرها حتى الملاحدة ك " نيتشه " حيال التقدم العلمي والحضري – ليس لها أي اعتبار تاريخي ، أو علمي، أو اجتماعي، أو سياسي، أو اقتصادي، أو تكنولوجي، بالنسبة للتاريخ البشري عموما !!! مستهدفا بالدرجة الأولى – وبدون أدنى تحفظ – النيل من كرامة الاسلام كإيديولوجية " خرافية " اسطورية " ! " قيدت "  الفكر العربي خاصة ، والفكر الانساني عامة !- حسب مزاعمه الموروثة عن القديس اليهودي الملحد كارل ماركس – وطيلة أربعة عشر قرنا، عن كل بحث علمي وعن كل معطى ايجابي في عالم السياسة والاقتصاد، والاجتماع، والعلوم النظرية والتطبيقية !!.  

                                                   -5-

ولما كانت رسالته المذكورة، تدعو الى شيء من التوصيح .. عما هو عليه من جهل مطبق بحقائق الأشياء، وطبائعها .. كان ملزما على – والحالة هذه – ان اوجه له بدوري هذه الرسالة .. لا لتكون بمثابة تعقيب جديد ، على ما ألفناه منه من آراء شاذة ممقوته ، ولكن ، لتكون بمثابة ابراز " لغز " .. هو حصيلة تفكيره الطويل، الذي لم يعرف طريقا سوى تقديمه للأشباح .. الامر الذي كان يجعله دائما يتوهم ان كل شبح يمثل " الحقيقة " في ذاته .. تماما كالظمآن الذي يحسب السراب ماء.. ! 

                                                   -6-

لذلك أوجه هذا الخطاب فأقول له :
لقد قرأت كتابك الأخير " محنة العقل المبدع "، فوجدت عقلك – بالفعل – يعيش في محنة .. لكنها محنة من نوع غريب ! ليست بطبيعتها كمحنة الكتاب الحركيين الملتزمين، من الذين ينطلقون من الواقع لياخطبوا هذا الواقع .. بل هي محنة "نهيربة " ! تعرف بك و لا تعرف بسواك ! .. محنة تعقلك بالأشباح و الأوهام .. محنة تماديك في الضلال، و قول الزور .. محنة تمردك على الحقائق الحية، و الوقائع الثابتة .. !
 و إنها حقا .. لمحنة قاسية جدا .. لن ينقدك منها إلا طبيب اختصاصي في الأمراض الوهمية ... !
إن عقلك المريض ، سيظل أسير هذه "المحنة " .. طالما أن هذا العقل يعيش في " أزمة فكرية "(3).. و طالما أنه يبتدع هذه المحنة "(4) !.. التي تختلف بطبيعتها – كما أشرنا سابقا – عن أصناف المحن الأخرى، و التي لم يسبق لكاتب أن عاشها – على الأقل في المغرب – إلا أنت ! ..

                                                   -7-

لقد دفعتني " محنتك هذه " – و التي أشفق عليها، عطفا على حمى البلاهة التي أصابتك – إلى تصفح مجلة " دعوة الحق " ، العدد الآنف الذكر ، كي أعيد قراءة مقالي المنشور ، في هذا العدد ، لأطمئن فيه إلى جدية منهجية التعقيب .. فتأكدت – ثانية – أن ما كتبته في ذلك المقال كاف للرد ..ليس فقط على كتابك الأول ! .. بل حتى على كتابك الثاني .. و .. و العاشر ، إن كان لك عاشر ! إلى أن تتحرر من هذه " المحنة " ! .. و إلى أن تغير نظراتك، للكون، و الحياة، و الإنسان .. !!
ذلك أنه ليس لي وقت، في أن أظل أكرر كلاما، فقد يصرفني عن وظيفتي الأساسية، في توعية الجماهير .. أن هناك أشياء كثيرة تنتظرني و مواضيع متشعبة أريد طرقها، و معالجتها بين أيدي القراء الكرام .. فلا أريد أذن أن أضيع وقتي في إعادة تصحيح أخطائك .. في الوقت الذي أجدك فيه أكثر تعصبا إلى هذه الأخطاء ، و لأكثر الناس تقديسا لها .. نعم، قد أنبهك إليها عند الوهلة الأولى .. لأن ذلك يدخل في نطاق واجبي .. لكن هذا الواجب يسقط التزامه، في حالة ما إذا تماديت – و مع سبق الأصرار – في تقديس هذه الأخطاء لذات التقديس ..

                                                   -8-

لقد نعتني في رسالتك " بالأستاذ الأمي " ! – كعادتك في مهاجمتك لأي كاتب عربي ! – و إيمانا منك في أن مفعول هذه الكلمة سيزعجني .. و الواقع أنك لم تصب الهدف ، إذ أن هذه الكلمة أعجبتني كثيرا ، لأنها أظهرت لي حقيقة متناقضاتك المتداخلة مع بعضها البعض ، بشتى معاييرها المتباينة في حقل التفكير .. ذلك التفكير العتيق ، الهزيل ، الهرم .. الذي عجزت فيه حتى على شرح كلمة " أمي " ، فبالأحرى أن تدرك جوهر المعنى الذي تحتضنه هذه الكلمة من دلائل و إيحاءات .. و هذا يعني من جهة أخرى ، أنك تكتب أشياء ، دون أن تفهم ، بل – أن تدرك – ما نكتبه ! أي أنك تلوك الكلمات تلويكا ، دقيقا .. موافقا مع غير تقيمها ، تقييما علميا ، دقيقا .. موافقا مع المعنى الذي يريده المنطق !!
و لعل هذا ، هو نفس الخطأ الذي وقعت فيه ، حين كنت تقرأ مقالي المذكور " مهزلة التفكير الإلحادي .." إذ أنك أنزعجت - وقتئذ - و تهجمت من الصفات التي وصفتك بها ، على الرغم من أنني اعتبرت تلكم الصفات .. صفات لاصقة بسلاوكك .. و ملزمة بالنسبة لتقييم شخصيتك .. و ضرورية بالنسبة لمعطياتك الفكرية .. الأمر الذي دعاني إلى أن أثبتها في مقالي السابق ، كي تدل القراء : من أنت ؟ .. و من هو قدوتك ؟ .. و ما هو اتجاهك ؟ .. فهي صفات حية نابضة ، تشخص لنا بعمق ، و بدقة علمية ملموسة ، " ورقة تعريفك " بكل مميزاتك .. و خصائصك .. و مقوماتك .. فلا معنى إذن لأن تنزعج منها ! ..

                                                   -9-

إن آراءك، أنتي جاءت وليدة " أزمتك " ! و " محنتك " !، هي آراء ليست – بأي حال – في مستوى المناقشة، لأنها هزيلة و عتيقة، أكل عليها الدهر و شرب، لسبب واحد، وهو أن : فكرة الطعن في العقيدة الإسلامية، أي الطعن في – الله، و الرسول، و القرآن، و الخلفاء الراشدين، والعلماء، و المفكرين،و المسلمين – هي فكرة مقدسة لدى طائفة معين من الناس !، نذروا أنفسهم لخدمتها منذ اليوم الأول الذي ظهر فيه القائد الإسلامي الأول، رسول البشرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم، وهو يدعو الناس فيه إلى الإسلام..
و إذن ..
- فلا يحوم بك الغرور، إلى حد الاعتقاد، بأنك قد " ابتكرت " شيئا لم نكن نتوقعه !!
- و لا يجنح بك الإفراط إلى حد الاعتقاد، بأنك أصبحت – باعتناقك لهذه الأفكار التخريبية – مفكرا ..!
- و لا يطوف بك الهوس، إلى حد الاعتقاد، بأن أفكارك الرجعية، قد لقيت تجاوبا لدى الشباب المثقف!
- و لا يستأثر بك الزهو، إلى حد الاعتقاد، بأن آراءك تستند إلى أساس علمي سليم !
إنما الذي ينبغي عليك أن تضعه في حسبانك – و بيقين جازم و قاطع – أن هذه الطائفة المشار إليها، و المعروفة حاليا " بالصهيونية العالمية "، قد ربحت – بموقفك " الشجاع " هذا – عضوا، فعالا، حركيا .. مخلصا لقادتها.. و مناضلا من أجل تحقيق تعاليمها، و أهدافها ..!
فأسلم بهذه العضوية الجديدة!، يا " أخ "! العرب، من ألد عدو للعرب !!
إن الصهيونية الممقوتة، ليحسن بها – الآن – أن تفتخر بأمثالك، و أن تعتز بفضلك عليها، و على أهليها.. خصوصا، و قد أعددت نفسك لهذه المهمة " العظمى " !.. من غير أن تتكلف هي بالنفقة على إعدادك أو تربيتك.. ما كانت إلا " منة " فكرية جمعت بينك و بينها، في الدروب المظلمة..!

                                                   -10-

إنني أعرف جيدا، أن آراءك، لها اعتبار " كبير " لدى هؤلاء الأسياد، فهي تعتبر عندهم بمثابة " النظريات المقدسة " كتلك التي كان الباباوات يؤمنون بها، إبان العهود المتحجرة في القرون الوسطى.. ذلك أنها تتضمن مغزى هادفا يجسده لسان  حالك، و أنت تخاطبهم بحماسك المألوف : ها أنذا في الميدان بجانبكم !!.. نعم أعلنت لهم ذلك بشكل أو بآخر، في الوقت الذي يجد العرب فيه أنفسهم، وجها لوجه أمام عدوهم رقم واحد " الصهيونية العالمية " أي، أن مشاركتك في محاربة العرب، جاءت كطعنة غادرة من الخلف، أثناء المعارك المستمرة بين العرب و إسرائيل.. ونحن إذ نسجل هذه الطعنة الانتقامية، لنضيف إليها طعنات جديدة، وجهها مؤخرا رفيقك في الخيانة الملحد : صادق جلال العظم في كتابه الأخير " دراسات نقدية في فكر المقاومة الفلسطينية "، ضد الشعب الفلسطيني المجاهد !!

                                                   -11-

إن آراك المسجلة، في كتابك الأول أو الثاني على حد سواء – و التي نشرت في بلد جل أهله من المسلمين، فضلا عن كونها لم يستسغها حتى الماركسيون الملحدون – هي آراء ميتة، نتنة .. لفظت أنفاسها قبل ولادتها، نتيجة تبنيها لأفكار باطلة، رجعية، أي أنها ترجع بالإنسان إلى شريعة الغاب، حيت الدمار الإنساني المحقق !!.
إن هذه الآراء المنبوذة – التي لم تجد آذانا صاغية عندنا نحن العرب – قد حكمت على نفسها بنفسها بالإفلاس، و الذي زادها إفلاسا على إفلاس هو : أنها منشورة بلغة القرآن.. لغة العرب المسلمين .. أي لغة الأمة التي لا تعترف بفضيلتها، و بمقدريتها في هذه الحياة.
لهذا كان الأجدر بك – و قد تنكرت لعروبتك و إسلامك – أن تكتب بلغة أسيادك.. لغة أولئك الذين سيعظمونك.. و يرفعونك فوق رؤوسهم،و بالتالي سيضعونك – و بصورة مؤكدة – في منزلة " المفكر " .. و هي الأمنية الغالية، التي تسعى إلى تحقيقها لحساب هذا التضليل، و التي تعمل جادا على تحريض القراء، في أن يلقبوك بها رغما عليهم !!.

                                                   -12-

إن الذي يجب عليك إدراكه ابتداء، هو أن لغة الضاد، و هي لغة القرآن.. أي أنها ملك له.. فالذي يعتز بهذه اللغة يعتز تلقائيا بهذا الدين.. و هذا يعني أن خطتك المبيتة – و التي تسعى من ورائها إلى اتخاذ هذه اللغة، مطية للطعن في هذا القرآن، باعتبارها اللغة السامية اللاصقة به – هي خطة مائعة، و فاشلة من أساسها.. لذلك يجب عليك ألا تنسى هنا شيئا مهما .. تتعمد نسيانه و نكرانه، وهو أنه يتحتم عليك أن تأخذ بعين الاعتبار، أن وسيلتك الخسيسة هذه، قد باءت – منذ البداية – بالفشل الذريع .. إذ أن هذه اللغة لا يمكنك – و لا لغيرك – استعمالها لطلقا كسلاح ضد العرب، و معتقداتهم الإسلامية !!!.
إن هذه اللغة – أو كما يسميها الأستاذ الشهيد سيد قطب اللغة الإسلامية – تبرهن مرة أخرى، على حقيقة ضخمة، تحتضنها الذاتية الإسلامية ..
و إلى أن تعرف هذه الحقيقة بنفسك، فإني أنصحك بأن تطرحها لأصحابها.. حتى لا تقع في تناقض مع مبدئك، الذي عاهدت أسيادك على التضحية من أجله !..
و السلام على من اتبع الهدى.


(1)  مجلة "أقلام" المغربية، العدد الممتاز 2 و 3 لسنة 1972.
(2)  نحن مستعدون لأن نثبت – علميا – أن هؤلاء الفلاسفة، يمثلون الجناح التوجيهي بالنسبة للحركة الصهيونية العالمية !
(3)  إشارة إلى كتابة الأول " أزمة الفكر العربي".
(4)  إشارة إلى كتابه الثاني " محنة العقل المبدع ".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here