islamaumaroc

في رحاب الملتقى السابع

  دعوة الحق

154 العدد

في مدينة (تيزي أزو) من القطر الجزائري الشقيق التي تأنقت فيها يد الطبيعة، وتألقت بها قدرة الله، وازدادت جنباتها بالحدائق الغلب، وتفيات الدوح الباسق، والشجر الوريق، فطفحت بالبركة والخير، وفاضت بالامل والنعيم، وريضت على عيون وكنوز ومقام كريم، ما يملأ الخيال بالتأمل الحالم، والذهن بالتفكير الرفيع، والشعور بالطرب المنعش، والوجدان بالفرح الباسط...
وفي أحضان جيال جرجرة الشاهقة، وقننها السامقة التي تناغي السحاب وتحمل قمتها اسم للاخديجة أم البطلة المناضلة فاطمة (نسومر) التي أيقظت بنضالها وتضحياتها ويسألتها وعن الأمة الجزائرية في القبائل الكبرى، وأوقدت نار الثورة،  وقادت كتائب الجهاد، وكافحت الجيش المعتدي الذي كان يقود سبع جنرالات على راسهم الحاكم العام الفرنسي في الجزائر المارشال راندون الذي عمل، في مكر وخبث، على أذلال الامة الجزائرية الصابرة،  فعوق نهضتها، وفوق كلمتها، وبدد ثروتها، فجرعته مر العذاب، وعلقم الاوصاب في ثورة عارمة زلزلت أقدامه، وهزت أركانه، وأتت بنيانه من القواعد، وأخذته، في قوة وضرواة واستماتة، أخذه رابية....!
وفي رعاية الحكومة الجزائرية المسلمة، وحفاوة علمائها الملتزمين الافياء الذين فكروا في تحضير مؤثمر اسلامي جامع إلى تحقيق غاية واحدة يهتدي إليها من ضل، ويتوافى عليها من تأخر، وعناية شبابها المتوثب الذين فاضت في نفوسهم الحياة وزخرت في صدورهم القوة، وانتعشت بهم الآمال فاسترجعوا المجد الذاهب، واستردوا الحق المغضوب، وأجلوا عن وجه بلادهم الوسيم القسيم غبرة القرون، وذلة الأحداث، وعنجهية الدخيل فأفضوا على الملتقى السابع للتعرف على الفكر الاسلامي روحا وثابا، وابعادا جديدة حيث نزلوا إلى ميدان الملتقى جنودا متطوعين وعمالا متواضعين يهيؤون الجو الملائم المنعش لنجاح الملتقى، ويؤكدون حضورهم بأنهم يشقون طريقهم القاصد لانقاذ بلادهم العظيم الراقي من احتلال فكري قاهر، شديد الخطر، قبيح الاثر خلفه أجنبي واغل طفى بيده، وبغى بلسانه وكفر بالقيم الانسامية، والمثل العليا...
وفي ظروف مواتية هيأتها مؤتمرات سابقة في المغرب والمشرق، وفي شتى المناسبات، وعلى مختلف المستويات يتدارك فيها علماء الاسلام ومفكروه، في عناية يقظة، واهتمام بالغ، ما فات ليضعوا للأمة الاسلامية فكرا محددا، وتشريعا اسلاميا مستمدا من الكتاب زالسنة يرشد الغوي, ويوجه الحائر, وينبه المخطئ، ويهدي, من يشاء إلى صراط مستقيم...
في هذه الاجواء العبقة، والظروف المواتية احتضنت مدينة ""تيزي أوز"" في الصيف الماضي الملتقى السابع للتعرف على الفكر الاسلامي بمشاركة وفود جاءت من شتى الجهات ومختلف انحاء العالم الاسلامي تضم خبة من الباحثين والمفكرين في القضايا الاسلامية المتنوعة.
وانعقاد هذا الملتقى الاسلامي في القطر الجزائري الشقيق وفي كل سنة له دلالة وابعاد....فالجزائر الاسلامية ظلت طيلة ثلاثة عشر قرنا متمسكة بمبادئ وتعمل لها، وتدعو إليها في ظروف عسيرة قائمة الافق، حالكة السواد، كما شاركت بصفة خاصة في بناء الحضارة الاسلامية في هذه المنطقة من العالم الاسلامي فكانت الدرع الواقي التي تحطمت على صفاته كل موجات الغزو التبشيري التخريبي الذي قام به أبالسة الانس، وسماسرة القلوب، وشياطين الضمائر.
لقد أبدى احد المستشرقين الاوروبيين المنصفين في معرض حديثه عن الاسلام في الجزائر فقال : " لو أن أمة أخرى تعرضت لما تعرضت له الجزائر من محاولات ضارية، ومتواصلة لتفويض ما في داخل وجدانها من الاعتزاز بالنفس، والتمسك إلى درجة التعصب بالاسلام، لانهارت وذابت...".
أن الجهود التي يبذلها دعاة التخريب إلى العالم الاسلامي، والمبشرون ذوو القلوب الغلف، والأكباد الصلد الذين لايستطعون أن يبذروا غير الخلاف، ولاأن يحصدوا غير الضغينة بما يبثونه، في أوساط المجتمعات الاسلامية من ضلال العقيدة، وشيوع الجهالة، وأفكار تبلبل كل نفس، وتخدر كل حس، وتزعزع كل نظام، وتغير كل معنى لهي جهود ضائعة مائعة لأنها توقظ الغافل وتنبه الوسنان، وتهدى الحائر، ثم يقضي عليها في المهد....
وقد أدرك "زويمر" أحد أساطين التبشير هذه الحقيقة فقال: " إن الغاية من التبشير ليس التمسيح بالضرورة، ولكن يكفينا أن نذبذب المسلمين، ونشككهم في عقيدتم ونزعنهم وثقتهم بأنفسهم واسالتهم...".
وبالرغم عن أن المبشرين ينفخون في رماد، ويصيحون في واد، ويضربون في حديد بارد، إلا أن شبح قيام دولة اسلامية يقلق راحتهم، ويزعج أفكارهم، ويطير النوم عن معاقد أجفانهم فيطردون عن خيالهم قيام هذه الدولة ذات الدين الاسلامي الذي هو صورة كاملة لشرائع الله، وقوة مهذبة لقوانين الطبيعة...فقد نشرت مجلة "درشبيغل" الالمانية مقالا عن الاسلام جاء فيه: "أن خلافة جديدة توحد المسلمين من المغرب إلى اندونيسيا ستبقى حلما من أحلام المثالين، وأمنية من أماني الطوباويين....".
                                                   -*-
من أجل هذه الغاية احتضنت مدينة "تيزي أزو" هذا الملتقى لدراسة مشاكل التبشير، ودور الاستعمار التخريبي بالامس واليوم وما يجب القيام به إزاء هذا الخطر....
وفكرة الملتقى، كما هو معلوم، عبارة عن لقاء يضم من البلدان العربية والاسلامية تضم نخبة ممتازة من العلماء والمفكرين والاساتذة والشخصيات الاسلامية والاجنبية تقوم بأدوار هامة في أنحاء الوطن الاسلامي، وتعكف على معالجة جوانب من حياة الأمة الإسلامية، والكشف عن مآثر الفكر الاسلامي المبدع الخلاق، ودوره البارز في اثراء الحضارة الانسانية، واخراج بني البشر من ظلمات الجهل والفساد إلى رحاب العلم وحياة العدل والأمن والاستقرار.
وفي هذا الملتقى، الذي يتميز بالجدية والارتفاع إلى مستوى المسؤوليات، يجري الحوار الهادف حول مجموعة من المسائل التي تهم الشعوب الاسلامية في مجالات مختلفة وقضايا متنوعة.
                                                  -*-
وقد انعقدت اجتماعات ومجالس بين علماء مسلمين في مناسبات عدة، وفي عواصم مختلفة من عالمنا الاسلامي الاوسع الرحيب، ولكن لاول مرة في العصر الحديث تحركت في الجماعة الاسلامية حوافز السمو، ونوازع الكمال، وانبعثت رواقد الأماني، فاجتمع في للقطر الجزائري، وفي "تيزي أزو" مدينة ابن معطي صاحب الألفية، ونية خالصة لتجديد ما درس من مفهوم الاسلام، وتوضيح ماالتبس فيه، ونفي ما غشيه من أضاليل النحل وأباطيل القرون وترهات علماء السوء، وتبادل وجهات الرأي حول المصير الواحد والقربة الواشجة، واللغة الواحدة والوطن المشاع حتى يعيدوا للاسلام جدته للامة الاسلامية منزلتها من صدر الحياة، ومكانتها من قيادة الناس....
فقد تلاقى في مدينة "تيزي أزو" السادة المالكية والزيدية والاباضية والجنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية، وعلماء الدين من كل مكان، انسلحوا من جمود المذهبية، وتحللوا من عقد التسلمي والاستعلاء، ونفروا من كل فرقة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.
وفي هذا الملتقى الاسلامي الرائع الضخم الذي حضره ما يربو على ألفي طالب نسلوا إليه من كل جهات العالم الاسلامي، سادت الفكرة الاسلامية التي يحس المسلم معها إن اخوانه سواسية، منفقون في الشعور، متحددون في الوجهة، متعاطفون في المكروه، متناصرون في الشدة، فلا يتنابذون بالمذهب، ولا يتنافرون في الوجهة ولا يتعادون في الخلاف...فيقولون هذا سني، وهذا شعبي، وهذا درزي، وهذا اسماعلي....وإنه ليس لمسلم فضل على مسلم إلا بالتقوى، وأن الاوحدة الاسلامية هي التي حررته اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وعقيدة التوحيد هي نواة الاسلاح ونقطة التحول التي تملك غرس الوئام في النفوس واقرار السلام في العالم، فلا تبقى معنى للنعرات المذهبية التي طالما عرسها الاستعمار، وعمق جذورها في الارض وبثها في نفوس المذبذبين تحقيقا لمطامعه و أغراضه وشهواته فكانت في تاريخنا الحافل بالاحداث والهبر علة العلل في انتشار الامر، وانحلال العقدة، وانقسام الراي وانشقاق العصا وتعدد الدول التي تتقاطع في الدين وتتجافى في الدنيا وتتطاحن على الأغراض والشهوات.
                                                  -*-
ويكفي أن نشير إلى جدول أعمال الملتقى الذي عكفنا على دراسة موضوعاته الهامة أيام المؤثمر طرفي النهار وزلفى من الليل لندرك الاهداف والغايات التي ترمي إلى تحقيق فكرة الجامعة الاسلامية المنشودة التي هي الغاية المحتومة التي تتوافى عندها أمم الاسلام في يوم آت لاريب فيه، لأنها تتضمن نظاما إلاهيا النظم بكرامة الانسان يقوم أساسه على الاخاء في الروح، والمساواة في الحق والتعاون على الخير لتكون كلمة الله هي العليا، وعقيدته هي الوثقى، ودينه هو الصحيح، ودولته هي القائمة، وحزبه هو الغالب.....
فقد تضمن الملتقى المواضيع التالية:
1) روح الشريعة الاسلامية وواقع التشريع اليوم في العالم الاسلامي.
2) المؤامرات التي تعرضت لها وحدة الأمة الاسلامية بالامس ويتعرض لها ما تبقى منها اليوم من طرف الصهيونية وغيرها، وما يجب علينا حيال ذلك.
3) نشاط لالتبشير ودور الاستعمار التخريبي بالامس واليوم، وما يجب القيام به ازاء هذا الخطر.
4) أخطار العزلة والاندماج التي يتعرض لها أبناء الجاليات الاسلامية في الهجرة وواجب الدول الاسلامية نحوهم....
5) دور وسائل التأثير على الجماهير، وخاصة منها الصحافة والسينما والتلفزة في عملية إيقاف التخريب لبقايا الشخصية الاسلامية في البلاد النائية، أو دور الاعلام في تقويم أو تعقيم الاجيال الصاعدة الفكرية المعاصرة.
                                                  -*-
تلك هي المواضيع التي أدرجت للدراسة في جدول أعمال الملتقى، ووقفت في اختيارها وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية في الحكومة الجزائرية الشقيقة، وهي في ذات الوقت مواضيع جد هامة في الظروف الحاضرة لأنها تمس حياة الاسلام، وأوضاع المسلمين، وواقع تشريعهم في حاضر العالم الاسلامي، وتتناول، أيضا، أخطار العزلة القاتلة، والاندماج الذي يتعرض له أبناء الجاليات الاسلامية في الهجرة، وواجب الدول الاسلامية نحوهم، وتستحث العلماء ودعاة التجديد إلى أن يصدعوا بالحق، ويبينوا للناس مانزل اليهم، ويكشفوا حقائق الاسلام، كما أنزلها الله سبحانه وتعالى، بالتوجيه المرشد، والتنبيه الموقظ، لمن أعمتهم الضلالة ودفعتهم شهوة الاباحية، وجهلهم التام، وعلمهم الناقص ورأيهم الفطير إلى أن يشتروا الضلالة بالهدى، ويستبدلوا الخبيث بالطيب، ويؤثروا أن يكونوا كالذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام....
                                                  -*-
إن يقظة الوعي الاسلامي التي بدت اليوم أكثر منه أي وقت مضى والتي تتجلى في التآم عقد الملوك ورؤساء المسلمين- وهم معقد الرجاء، ومناط الامل، ومثابة الامن- وتبرز رغبتهم الصادقة في تحقيق أشواق الأمة الاسلمية وتطلعاتها، وتتراءى في تعاطفهم على البعد، وتناصرهم على الاعداء، وتحالفهم على الاحداث لتدعو إلى التأمل والتفاؤل والثقة والرضى بمستقبل خطير للاسلام، وتقديم مطرد لاحوال المسلمين يستمد غذاءه الروحي من الحنفية السمحة، وآداب الرسول، وعقيدة السلف، وشجاعة الابطال، وتاريخ الفتنوح، وحضارة الانسانية الراقية...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here