islamaumaroc

نشأة المدن...أسبابها وبواعثها -1-

  دعوة الحق

153 العدد

ظاهرة نشأة المدن عبر مراحل التاريخ ، ليست الا نتيجة سياسية و اقتصادية و اجتماعية ، تفاعلت و تداخلت و تبادلت التاثير ، الى الحد الذي يجعلها تتبلور في هيكل مدينة  ، تتمثل فيها تلك العوامل ، و تكون انعكاسا لها ، ترد اليها عند التحليل و التعليل ، و بعد ان تستوي ظاهرة المدينة كصدى لتلك العوامل و تجسيم لها ، تصبح هي بدورها ذات اثار محسوسة في كل من السياسة و الاقتصاد و الاجتماع ، بحيث تكون علة في نفس الامور التي كانت باعثة على نشاتها .
     وقد يكون مؤسسو المدن في التاريخ القديم و الوسيط مدركين لبواعث تاسيسها ، فيقدمون على عملهم عن بينة من امرهم ومن حقيقة دوافعهم ، و قد ينقصهم الوعي بهذه الدوافع ، و لكن ذلك لا يعني ان  الدوافع ىغير موجودة ، فكثير من حركات التاريخ وردود افعاله ، اثر فيها زعماء و قادة و جماعات باسرها ، دون ان يكونوا مدركين لحقيقة كل الدوافع التي تحركهم ، خصوصا اذا كانت الدوافع شديدة التعقيد ، متشعبة  متشابكة ، متصلة برواسب بعيدة القرار .
    و جدير بالذكر ، ان ادراك البواعث ، عند القيام بعمل من الأعمال الكبيرة ، ذات الاثر الضخم ، في مجرى تاريخ قوم معينين او اقوام كثيرة ، يجنب الشعوب خطر الوقوع في كثير من الازمات المفاجئة ، و لا يعطي الاحداث فرصة التحكيم فيها و توجيهها الى حيث لا تعرف اين تسير ، بل تكون ـأي الشعوب ـ هي المتحكمة في الاحداث ، و الموجهة لها . كما انها تتمكن من جعل منشاتها متفقة و الاغراض المقصودة منها ، و البواعث المدروسة التي اوحت بها .
    و نعود على بدئنا لنتساءل : ما هي بواعث نشاة المدن ؟
     ان لهذه الظاهرة باعثا سياسيا ، و ثانيا اقتصاديا و ثالثا اجتماعيا ، باعتبارها البواعث الرئيسية : و نبدا بالباعث السياسي فنقول : لقد اقترن تاسيس مدن كثيرة عبر مراحل التاريخ بقيام الدول و نشاتها . فكل دولة تقوم ، لابد ان تتخد لها مراكز للحكم ، او مقرا للسلطان او الإمبراطور ، او دار للخلافة او عاصمة  للدولة او غيرها من الاسماء و العناوين . و ذلك لعدة اعتبارات منها اعطاء الدولة الناشئة صور جليلة مهيبة ، في نفوس الناس و عقولهم ، بما يقام في المدينة من منشات عمرانية عالية ، و اسوار حصينة منيعة ، ومرافق عامة تشهد بعزة الدولة و اقتدارها الكبير . ومنها شد انظار الشعوب الى عواصم حكمها ، و اشعارها بالتبعية النفسية و السياسية لها ، تتلقى عنها القرارات و القوانين ، و تصدر عن ايحائها ، و تسير وفق سياستها ، و بمرور الايام تصير المدينة العاصمة رمزا للدولة ، تحمل طابعها ، و تكتسي حلتها ، فتكون قلب الوطن النابض ، ورئته الحية ، و شرايينه المتدفقة ببواعث الحياة . ومن ثم يكون المواطنون في هذه الدولة ينظرون الى مركز الحكم ، على انه القاعدة  العتيدة ، التي لا يتصور جهاز للحكم دونها . ولهذا ارتقت العواصم في نظر الشعوب التابعة لها ، الى مقام الزعامة السياسية ، بالنسبة الى بقية تراب الوطن .
     و يتصل بتلك الاعتبارات تحويل انظار شعب من الشعرب من جهة الى اخرى من مراكز الحكم . فقد اسس الفاطميون ـ مثلا ـ مدينة القاهرة لتحويل انظار المصريين وغيرهم من بغداد عاصمة الدولة العباسية ، الى المركز الجديد للحكم الفاطمي ، كما انشا العباسيون انفسهم  بغداد ، لتحويل انظار الشعوب الاسلامية عن دمشق عاصمة الامويين .و الامويون انفسهم اتخذوا دمشق عاصمة لهم ، لصرف انظار المسلمين عن مركز الحجاز الذي كان يحتل مقاما دينيا عاليا كان له اثره الكبير في مركزه السياسي .
    ومنها ـ أي الاعتبارات ـ تاسيس المدن من اجل اعطاء الحكم مظهره الحضاري ، القابل لاحتواء  سائر الاجهزة و المؤسسات السياسية و الادارية الساهرة على تسيير الشؤون العامة ، كالمحاكم ودور الشرطة و الادارات الحكومية ومناطق الحراسة العسكرية و ما اليها . ومن اجل تحصين الدولة ضد اعدائها المتربصين بها في الخارج ، خصوصا في العصور الوسطى القديمة التي كانت الفتن فيها تعم اقطارا عديدة ، الامر الذي يضطر كل دولة الى تحصين نفسها ببناء المدن المنيعة باسوارها العالية ، و ابوابها الضخمة ، ذات المتاريس المتينة ، و المعززة بالحاميات القوية ، و ابراج المراقبة الشامخة ، ومن البواعث على تاسيس المدن ، تقوية الروابط بين الحاكمين و المحكومين . فقد جرت العادة قديما بان تكون عواصم الدول ومراكز حكمها ، هي التي تضم اكبر عدد ممكن من انصار الدولة و اشياعها المخلصين الذائدين عن حوزتها ، و الذين ربما كان الكثير منهم ممن قامت الدولة بجهودهم . وعنها يصدرون عندما يتوجهون الى الاطراف و النواحي الاخرى ، قصد نشر الدعوة للاطراف الناشئة ، وجمع الناس من حولها ، و توحيد الصفوف خلفها .
    و لهذا نرى في جميع حقب التاريخ ان انصارالدولة الجديدة الموجودين في نواح نائية ، غالبا ما بلتحقون بعاصمة الحكم ، ليكونوا للدولة درعا واقيا عندما يحدق بها خطر ، و ان كان كثير من الانتهازيين يندسون بينهم لاغراض في نفوسهم منها ما هو قريب ومنها ما هو بعيد .
     كما يتصل بالباعث السياسي انشاء المدن من اجل تثبيت اقدام الغزاة في الارض التي احتلوها و طردوا اهلها منها ، او دافعوهم بالمناكب و نشروا فيهم الرعب لاجلائهم عنها . ذلك انهم يعرفون جيدا ان انشاء  المراكز العمرانية و المناطق السكنية التي انشاها الغزاة الإسرائيليون و ينشئونها فوق الارض العربية المحتلة ، الا نواة لمدن كبيرة حسب المخططات الاسرائيلية ، كما تقام المدن من طرف المهاجرين الى ارض يقل فيها عدد السكان من اجل الفرض نفسه ، و هو فرض السيادة على الارض .
     و نظرا لكون الشواطئ و المواقع المتاخمة لدولة اخرى ، وكذا جميع مناطق الاطراف الواقعة قريبا من حدود الدولة الناشئة في العصور الوسطى و القديمة ، كانت كثيرا ما تتجنب اقامة عواصمها فيها ، لكونها مهددة بالغزو الاجنبي ، اما عن طرق البر ، او عن طريق البحر او طريقهما معا . و اذا ما كتب للغازي ان يضع اقدامه على قاعدة الحكم ، سهل عليه و ضعها في بقية اجزاء الوطن . اذ يتمكن بذلك من اضعاف الروح المعنوية للسكان ، و بث الرعب ف نفوسهم ، وحملهم على الاستسلام . فاذا نحن اخذنا عواصم االمغرب كمثال ذلك ، وجدنا ان فاس و مكناس ومراكش ، قد اتخذت عواصم في حقب مختلفة من تاريخ المغرب ، لكون مواقعها بعيدة عن متناول الغازي الاجنبي . وقد يظن ان موقع مدينة مراكش الذي هو الى الجنوب ، من مناطق الاطراف بالنسبة الى الوطن المغربي ، الا ان المتامل في خارطة جغرافية المغرب التاريخية ، على عهد المرابطين و الموحدين  ، يجد ان مراكش بعيدة عن مناطق الاطراف ، لكونها محصنة بما يقع وراءها من مناطق شاسعة تمتد مئات الاميال ، و تتصل بالصحراء المغربية الموغلة الى جبال درن . وهذا لا ينفي كون بعض العواصم قامت عبر مراحل التاريخ على بعض مناطق الأطراف كالشواطئ . فقد كانت مدينة طنجة عاصمة الحكم الروماني في المغرب ، كما كانت الإسكندرية التي أسسها الاسكندر المقدوني عاصمة  لمصر في عهود سابقة ، بالرغم من وقوع المدينتين على شواطيء بعض البحار التي كانت مجالا لصراع دولي كبير . و لعل التجربة المريرة للدول التي اسست عواصم حكمها على الشواطيء و بعض الثخوم ، هي التي حدث بدول اخرى ناشئة ، الى تاسيس عواصم حكمها بعيدا عن مناطق الاطراف .
          على انه ينبغي ان لا يعزب عن بالنا ، ان لقوة الدولة او ضعفها ، اثرا في اختيارها لموقع عاصمة الحكم . كما ان للظروف العالمية ، وما بين الدول و الشعوب من علاقات السلم و الحرب اثرا في ذلك . هذا بالاضافة الى الاحوال الداخلية للدولة وما يكتنفها من ظروف وملابسات . فالدولة عندما تكون عظيمة الثقة بتفوقها العسكري ، وطاقتها البشرية ، ر يخيفها اقامة عاصمتها على الاطراف او على الشواطىء ، اما اذا كانت ناشئة او ضعيفة ازاء جار قوي يخشى جانبه ، او كانت الطرق المؤدية اليها محفورة بالمخاطر ، فهنا نراها تفضل انشاء العاصمة في الداخل ، و قد تنقلها من موضع الخطر الى موضع اخر بعيد عن مصدر القلائق و المخاوف ، ومعنى ذلك مرة اخرى ان الباعث السياسي يلعب دورا كبيرا و خطيرا في تاسيس المدن ، لدوجة انه ربما كان يحتل الدرجة الاولى من بين البواعث الاخرى ، الا انه لا يقف بمعزل عنها ، و انما هو متصل بها اتصالا و ثيقا ، ملتحم بها ، ياخذ منها و يعطيها و يتبادل معها التاثير ، بحيث لايمكن فهمه فهما عميقا دون الرجوع اليها ، قصد فحصها و استكشاف ما بينها من علاقات ، تجعل منها وحدة لايمكن فصل اجزائها بعضها عن بعض فصلا نهائيا ، وهي خلف جميع  الظواهر التاريخية التي منها انشاء المدن . و اذا كنا قد تناولناها واحدا بعد الاخر . فليس ذلك لكونها تنفصل في واقع الطبيعة ، و انما لتسهيل الدروس ، و تناول الموضوع الواحد جزءا جزءا حتى تبرز فكرته بشكل واضح في اخر الامر .
         هذا الباعث السياسي يسانده باعث اخر هو الباعث الاقتصادي الى جانب الباعث الاجتماعي ، في مسالة انشاء المدن ، وهي بواعث تتكامل فيما بينها لابراز ظاهرة المدينة الى حيز الوجود ، فماذا يراد بالباعث الاقتصادي ؟
     ان ظاهرة نشاة المدينة هي نتيجة انتقال من اقتصاد القرية الى اقتصاد حضارة المدن ، من اقتصاد البداوة الى اقتصاد الحضارة . فعندما يتضح حجم اقتصاديات القرية بزيادة المحصول الزراعي ووفرته و تقدم مستوى عيش السكان ، و انتشار الرخاء المادي ، يكون من الطبيعي حينئذ ان ان يفكر في البحث عن اطار حضاري اكثر تقدما ، لاستيعاب المتطلبات الاقتصادية المتزايدة ، و للاتساع للحاجيات المادية الكثيرة . وكل الشعوب مرت باقتصاد القربة ، قبل وصولها الى اقتصاد المدينة . وكلما تحولت القرية الى مدينة ، كان هذا التحول مبنيا على اساس من الاقتصاد ، بالاظافة الى العوامل الاخرى المشار اليها .
    بيد انه ينبغي الا يفهم من هذا ، ان كل قرية تحققت لها الكفاءة الاقتصادية ، لابد ان تتحول الى مدينة . ذلك ان العامل الاقتصادي ليس هو العامل الوحيد في انشاء المدن او نشاتها ، فلابد من توافر العوامل السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية مجتمعة  كي تخطو الثرية هذه الخطوة الحضارية الكبيرة . انما لايمكن ان نجد قرية تحولت الى مدينة الا اذا كانت على جانب كبير من الازدهار الاقتصادي .
     وجدير بالذكر ان الرخاء الاقتصادي الباعث على انشاء المدينة قد لا يكون في نفس الموقع الذي يقع الاختيار عليه لانشائها فيه . و انما تكون الدولة او الجماعة التي تقدم هلى هذا العمل ذات امكانيات اقتصادية غير عادية ، بمعنى ان هناك نوعين من المدن : مدن تنشا نشاة تلقائية ، بدافع من نشاط سكان القرية ورخائهم المادي و بحثهم عن اطار حضاري اوسع . ومدن اخرى تقوم الدولة بانشائها بعد ان لم  تكن .وهي  اما ان تعمد الى قرية فتطورها من حيث هيكلها المادي و شخصيتها المعنوية ، بما تنشئه فيها من مرافق عامة ، ومؤسسات اجتماعية و ثقافية . واما ان تعمد الى مكان خال نهائيا او شبه خال من السكان ، فتؤسس فيه المدينة ، ابتداء من اللبنة الاولى، وكلتا الحالتين ، أي حالة النشاة التلقائية للمدينة ، وحالة انشائها بعد ان لم  تكن شيئا ، متاثرتان بالدافع الاقتصادي الذي نتحدث عنه . وقد عرفت بقاع كثيرة من العالم هذين النوعين من المدن ، عبر مراحل التاريخ المختلفة .
     و ليس هذا فقط هو ما يدخل تحت الباعث الاقتصادي ، و لكن هناك امرا خر ، وهو ان انشاء المدن من شانه ان يجذب رؤوس الأموال الصغيرة و المتوسطة و الكبيرة اليها ، بدافع من بحث أصحابها عن الأمكنة المكتظة بالسكان . حيث يتسع مجال المبادلات التجارية و يكبر حجم الاستهلاك الفردي ، و تنتشر القوة الشرائية ، وهذا من شانه ان يقوي اقتصاد الدولة ، و يزيد في رخائها المادي ، و يعدد مصادر ثروتها المادية . فهي ترفض على سكان المدينة ضرائب متفاوتة تابعة لتفاوت مستوياتهم المادية ، كما انها تجد سوقا كبيرة لترويج منتجاتها هي نفسها ، تبيع فيها ما تعله عليها اراضيها من حبوب زراعية . وكذا الفائض من ثروتها الحيوانية ، بالاظافة الى ما قد تنتجه من ادوات الحضارة المتلائمة و الطور الحضاري الذي تمر به . و اذن فتاسيس المدن ، و تشجيع الناس على استيطانها و نقل نشاطهم الاقتصادي اليها ، من شانه ان يطور حجم اقتصاد الدولة ،و يفتح امامه مجالات واسعة للعمل و الاستثمار . و بناء على  ذلك فليس انشاء المدن ظاهرة ترفيهية ، وانما هو ضرب من النشاط الاقتصادي البعيد المدى ، له مردوده الكبير ، و عوائده الناجحة الكثيرة . و بالرغم من انشاء المدن فان اعتمادها على اقتصاديات القرى و البوادي الغير منقطع . فالمدن تمد القرى و البوادي بالادوات الاستهلاكية وخصوصا الصناعة منها ، كما تمدها بالخبرة في بعض الميادين  التقنية ، نظرا لما تتوفر عليه المدن عادة من قدرات تقنية في مختلف المجالات . و القرية و كذا البادية تمد المدينة بكل ما تحتاج اليه من البان و لحوم و خضروات و حبوب وما اليها . وحتى في عصرنا هذا الذي بلغت فيه المدينة مستوى عاليا من الكفاءة الاقتصادية ، فان اعتمادها على اقتصاد القرية غير منقطع في المجالات التي ذكرتها ، و يظهر ان المدن سائرة نحو التخصيص الصناعة على حين القرية ستبقى محافظة على طابعها الزراعي الاصيل .
     هذا و لا يعزب عن بالنا ان هناك من المدن الشهيرة ، تلك التي لعب الاقتصاد فيها دورا اكبر ، حتى لربما كان اقوى من العامل السياسي الذي ألمت بجوانب منه ، وهي المدن التي كانت في اصلها مركزا تجاريا اخذ يتطور مع مرور الزمن وازدياد النشاط التجاري قوة و تمكنا و اتساعا ، الى ان اصبح مدينة واسعة  الارجاء ، غاصة بالسكان ، مستبحرة العمران.
     وهنا نذكر على سبيل المثال المراكز التجارية التي أنشاها الفينيقيون على بعض الشواطئ المغربية و التي كانت نواة لمدن طنجة و مليلية و العرائش . الامر الذي جعلها مثار تنافس استعماري ، اذ كانت عدة دول أوربية قد حققت تقدما محسوسا في الصناعة ،  فأنشئت الأساطيل التي تسير بقوة البخار ، ضاربة لها عرض البحار ، بحثا عن اسواق خارجية لمنتجاتها الصناعية و استكشافا للمواد الخام ، و التماسا لمناطق النفوذ ، وهذه المدن التي كانت نواتها الاولى مراكز تجارية ، عرف بعضها كثيرا من تقلبات المد و الجزر ، و اضطراب الميزان التجاري و استقراره بين فترة  و اخرى . وخصوصا عندما دخلها الاجانب فربطوها بتقلب الاحوال الاقتصادية في بلدانهم الاصلية ، و بذلك صارت متاثرة الى حد بعيد بالاقتصاد العالمي . ومن هذه المدن ما ضعف نشاطه التجاري ، الذي عرفه حقبة طويلة من تاريخه ، بناء على انه هو الرئة التي كان يتنفس بها ، و بناء على انه يكون  الخيوط الرئيسية في نسيجه العام ، و بعضها فقد هذا النشاط بالمرة ، وهذا  امر راجع الى تقلبات سياسية ، و قوة الدولة و ضعفها ، و تحول الطريق التجاري من جهة الى اخرى ، وطبيعة تحركات السكان ، و فتح مراكز تجارية جديدة ذات إمكانيات ضخمة ، وما الى ذلك من العوامل المؤثرة في ازدهار النشاط  التجاري في بعض المراكز وضعفه او انهياره في اخرى ، و يمكن لمن اراد ملاحظة ذلك ، ان يتتبع المراحل ألت قطعتها مدينة تجارية عريقة كطنجة عبر مراحل التاريخ ، منذ ان كانت مركزا تجاريا صغيرا الى الوقت الحاضر ، يرى كيف تأثرت هذه المدينة القديمة بالعوامل الأنفة الذكر او بالبعض منها، من حيث نشاطها التجاري العريق .
    هذا الضرب من المدن ، كان هو الملتقى التجاري الواسع للبضائع المحلية و الاجنبية  يقوم بدور ، التصدير و الاستيراد ، و بفتح نوافذ  على العالم الخارجي ، اذ يحمل الى المواطنين في الداخل الوانا من الحضارات المادية لدول و شعوب  اجنبية ، نظرا لوقوعه على شواطئ بحار عظيمة تتصل باوطان كثيرة ، تجوبها اساطيلها حاملة السلع و البضائع ، و حاملة الدمار و الخراب ايضا الى جميع المدن التجارية الشاطئية . فلا غرو اذا كانت هذه المدن صلة وصل بين حضارات مختلفة ، تلقح يعضها يبعض ، و تطعم شيئا منها بشئ اخر . وغير خاف ان هذا الوصال المادي المبني على اساس المعاملات التجارية ، هو المقدمة الطبيعية للوصال الفكري و الروحي المبني على اساس تبادل ثمرات العقول و الافكار .
     هذا و تجدر الاشارة  الى ما بين العامل السياسي و العامل الاقتصادي من ترابط و تكامل في هذا المضمار ، فالاقتصاد له اثر كبير في صناعة السياسة ، و السياسة لها اثر كبير بالاقتصاد ، وكثير من التحركات السياسية في التاريخ  ، لا يمكن فهمها بعمق الا بردها الى العوامل الاقتصادية في القديم و الحديث ، يبقى الوعي بها ناقصا ، ما لم يرجع في تعليلها الى البواعث السياسية . و بخصوص انشاء المدن التي هو صلب هذا الحديث ، نجد تلاحما كبيرا بين السياسة و الاقتصاد . فانتشاء الفينيقيون لمراكز تجارية على بعض السواحل المغربية ـ مثلا ـ هل كان بمعزل عن التاثر بالنوايا و المقاصد السياسية ؟ و الا مما معنى تحول معاملتهم التجارية للأهالي المغاربة الى استعمار له ناب عضوض و مخلب حاد ؟
     بعد تناول الباعثين السياسي و الاقتصادي على تاسيس المدن او نشاتها ، نجد انفسنا امام الباعث الاجتماعي وجها لوجه ، فما علاقة ظاهرة المدينة في انشائها او نشاتها بالاحوال الاجتماعية ؟ نستطيع بادىء ذي بدء ان نقول : ان انشاء المدينة او نشاتها كان قمة استقرار مجتمع  انساني في مكان معين ، و في حدود مكانية معينة ، فقد مرت على الانسانية حقب من تاريخها كانت خلالها في تنقل مستمر ، تحت تاثير شتى العوامل الطبيعية و البشرية ، فكانت القيم و الأفكار  و المعتقدات هي الاخرى مضطربة متقلبة لا تكاد تستقر على وضع واحد او أوضاع واحدة . ولما تمكن الانسان من اختراع الزراعة و تكوين الاسرة ، بدا يسلك سبيله الى نوع من الاستقرار النسبي . بمعنى ان حياته الاجتماعية اصبحت متأرجحة بين التنقل و الاستقرار . وما ان وصل الى هيكلة القرية و نظام القبيلة ، حتى كانت عوامل الاستقرار متغلبة عنده على عوامل التنقل . فجل القرى تبقى مستقرة حقبا متطاولة من الزمن . و لكن ربما يطرا ما يجعل الهجرة منها و إخلاءها امرا حتميا . فقد ينفجر بركان قريب منها ، او تهددها السيول ، او تتعرض باستمرار لغضبة البحر اذا كانت على شاطيء شديد الشراسة ، او تصبح هدفا لغزو تقوم به ضدها جماعة او جماعات مجاورة ، و الحال ان الهيكل البسيط للقربة ، وحواجزها المادية البسيطة ، لا تستطيع وقايتها من شر العوامل المعاكسة ، مما يضطر سكانها الى الهجرة . الا انه ينبغي الا يغلب عن اذهاننا هذه التحديات قد تحمل سكان القرية على التفكير في حمايتها و تحصينها ضد الآفات المحدقة بها ، حتى تتمكن من الصمود في وجهها . و لعل هذا يتفق مع ما ذهب اليه المؤرخ البريطاني تويينبي من ان مواجهة الانسان للتحديات الطبيعية و البيئية هي التي انتجت الحضارة . اذا فقد كان الاستقرار المتأتي في ظل نظام القرية ، مهددا و غير مضمون الاستمرار ، نظرا للاخطار التي تحدق به و لا قبل له بمواجهتها و الصمود أمامها . و لكن عندما تمكن الانسان من انشاء المدينة كان قد بلغ قمة الاستقرار الاجتماعي و السكني . ذلك ان المدينة كانت قلعة حصينة ضد جميع الافات . و بالفعل فان المدن المؤسسة في التاريخ القديم و الوسيط كانت على شكل قلاع ، اذ ان الذين اسسوها راعوا في تكوينها ان تكون حصنا حصينا ضد الافات الطبيعية و البشرية . و بهذا يفسر ارتفاع اسوارها . وصناعة موقعها , وضخامة ابوابها ، بحيث تكون حامية لاستقرار سكانها ، مانعة لمجتمعهم من التعرض لهزات عنيفة تعصف به ، وتهدد بالانحلال ، وهذا معنى ما قلناه من انشاء المدينة كان قمة الاستقرار الاجتماعي للانسان .
      وهنا اجدني مضطرا الى ازالة التباس قد يتطرق الى مفهوم الاستقرار الاجتماعي . و بيانا لذلك اقول : ان هذا الاستقرار الموصف بانه اجتماعي ينصرف الى معنيين عند اطلاقه . المعنى الاول هو هذا الذي شرحناه ، من انه ثبات مجتمع معين في مكان معين داخل حدود معينة بعيدا عن عوامل التنقل و الترحال  و المعنى الثاني هو ثبات النظم و العادات و القوانين من الوجهة الاجتماعية و عدم تعرضها للتشتت و الاضطراب و تبعا لهذا المعنى قد نجد المجتمع قارا من حيث مكانه و مساحته الطبيعية و ابعاده البشرية , الا انه متقلب في قيمه وهياكله ومفاهيمه . 
      ولما كان انشاء المدينة او نشاتها قمة الاستقرار الاجتماعي بالعمنى الذي نقصد اليه في هذا المضمار ، فانه كان من جهة اخرى قمة استقرار اخر هو استقرار القيم و النظم و العادات وما اليها . و لاول مرة في التاريخ تتحصن هذه الأمور ضد عوامل الاضطراب ، كما يتحصن المجتمع المادي ضد عوامل الانحلال و التدهور و الفناء . وهذا علة ما نجذه من ان نظم وعادات المدن في تلك  العصور ، كانت قادرة على البقاء زمنا طويلا . فغالبا  ما يكون الاستقرار المعنوي تابعا للاستقرار المادي ، فاذا اضطرب هذا الاخير ، اصاب الاخير عدوى اضطرابه .
   الا ان المدن قد لا تبقى دائما بمعزل عن القلق و الاضطراب , واو بلغت حصانتها المادية ما بلغت من الكفاءة و المقدرة . فقد تحدث حروبا كبرى تهدد امنها و سلامتها ، و قد تهدد وجودها نفسه ، كما حدث لمدن شهيرة في التاريخ ، نذكر منها قرطاجة في حروبها مع الرومان ، ومدن بابل و اشور في العصور القديمة ، اثناء حروب طاحنة مشهورة في التاريخ . ومن هذه المدن مازال بالفعل ، ولم يبق منه الا اطلال ، ومنها ما عيد ترميمه و بناؤه ، ليواصل حياته و يصل حاضره بماضيه مما لم نذكر منها . بيد ان مثل هذه الاخطار التي قد تتعرض لها المدب ، لا تعني دائما زوال الشعوب القاطنة بها ، فكم مدن تحطمت على رؤوس اهلها فلم يهاجروا منها ، و انما ظلوا متمسكين بالارض  يواصلون حياتهم بين الخرائب و الانقضاض و الاطلال ، الامر الذي يدل على ما جذرته المدن في اعماق نفوسهم من ميل قوي الاستقرار و الاصرار على التمسك بالارض . ذلك ان المدينة تقوي الشعور بالانتماء للوطن ومفهومه الواضح الدقيق . فالشعور الوطني بدا يتكون عند الانسان منذ التاريخ الذي اخذ فيه برتبط بقطعة الارض و يتمسك بها , وبما ان ارتباطه بالمدينة يجسم قمة استقراره الاجتماعي كما سبق ان اوضحت ، فان شعوره الوطني تبلور في نفسه بشكل واضح ومركز ، بعد تمرسه بالحياة داخل المدينة . و ليس معنى هذا  ان سكان القرية و البوادي السابقة على المدن في التاريخ لا وطنية لهم , و انما معناه ان الوطنية بدا الشعور بها ضعيفا يتناسب مع نسبة الاستقرار الاجتماعي ، ثم اخذ يتدرج و يتسع شيئا فشيئا ، و لم يبلغ درجة عالية من النضج ، الا بعد نشاة المدينة و التمرس بالعيش المستقر فيها .
     ولا يخفى بين نشاة المدينة و بين نمو المجتمع من صلة قوية . و ليس نمو المجتمع مقصورا على ازدياد عدد السكان كما قد يتبادر الى الذهن ، بل كثيرا ما يكون المجتمع ذا اعداد كبيرة من الافراد تقدر بالملايين و عشراتها ، ومع ذلك فهو بعيد عن النمو الاجتماعي  الحقيقي . و اذن فالنمو الاجتماعي كثيرا ما يكون شيئا اخر غير تفجر السكان ، الذي ربما كان هو نفسه من اكير عوائق نمو المجتمع ، و حينئد يراد به ازدياد قدرات المجتمع ومهاراته و قابلياته العامة . بحيث تكون فيه اليد التي تبني . و اليد التي تصنع ، و الراس الذي يفكر و يخطط ، ثم الوسائط التي تحول الافكار زو المخططات الى عمل . و العمل يكون متوسلا اليه بادواته ووسائله الخاصة . وهذه تحتاج في ايجادها الى الوان من المهارة المكتسبة بالجهد و الخبرة و المران ، وهكذا يمكن ان نتصور ان بناء مدينة او نشاتها بطريقة تلقائية ، يكون مبنيا على وفرة عدد من الصناعات الكثيرة المتشابكة لكي ينهض البناء . فما ان يصل الانسان الى طور تاسيس المدن حتى تكون المهارات و الصناعات عنده قد عرفت شيئا من الاستقلال عن بعضها بمعنى ان كل مهارة او صناعة تنقطع لها طائفة من افراد المجتمع ، لاتقانها و احترافها كوسيلة للحصول على الطعام . ففي مجتمع القرية السابق على مجتمع المدينة ، كان الفرد غالبا ما يجمع بين عدة صناعات دون تخصص . بحيث كنت تجده يقتطع الحجارة و قطع الطوب من مكان معين ، و يتولى بنفسه او بمعاونة بعض اقربه او اولاده نقلها الى مكان اخر ، ثم يشرع في بناء مسكنه بيده ، و بقطع الأخشاب ليصنع منها العوارض و الاضلاع و الابواب . ومازال الناس الى ايامنا هذه في كثير من القرى و البوادي يفعلون نفس الشيء ، مما يعتبر صورة و لو معدلة عن القرية التاريخية السابقة لتأسيس المدينة . و اذا كان طور انشاء المدن ، هو طور استقلال الصناعات في التاريخ الانساني الاجتماعي ، فهذا الاستقلال هو من اهم مظاهر نمو المجتمع ، بمعنى تفتح طاقاته و قابلياتها و كفاءاته . ومن المعلوم ان استقلال الصناعات عن بعضها ليس الا  تعبيرا  عن تزايد حاجيات اجتماعية كثيرة . اذا من غير الممكن ان يتخصص  عدة افراد في صناعة او حرفة ، دون ان يكون ذلك مرتبطا باقبال الناس عليها و على مثيلاتها . وهكذا يمكننا ان نفهم ان ظهور البناء المحترف ، و النجار المحترف ، و الصباغ المحترف ، ومن اليهم ، دليل على ان هناك عددا كبيرا من الناس اخذوا يهتمون بالبناء و النجارة و الصناعة و الأعمال المرتبطة بها في انشاء بيوتمه واصلاحها و توسيعها و تزيينها . و لولا ذلك ما ظهر محترفون في تلك الصناعات و امثالها . وعندما يبدا الناس في الشعور بضرورة التوسع به البناء مع اتقانه ، وفي جمع ادوات حضارية صناعية داخل بيوتهم ، فذلك هو مبدا تحول القرية الى مدينة.
ومعنى ذلك مرة اخرى ان نشاة المدينة مرتبطة بنمو المجتمع بالمعنى الذي شرحته .
     وعندما يحس المجتمع القروي الناضج بنموه و تفتح طاقاته و ملكاته على ذلك النمو ، يحس في نفس الوقت ، و بطرقة تلقائية ، بان مجتمع  القرية قد استنفذ اغراضه  وان لا بد من تحول اجتماعي عام ، بالتحرك نحو إطار أوسع للهياكل الاجتماعية ، في الحيز المادي و المجال المعنوي ، و حينئذ فليس البناء  و الطرق و المرافق العامة هي وحدها التي ينالها التحول ، بل حتى القيم و العادات و النظم  . وان كان هذا التحول لا يتم بين يوم وليلة ، و انما يحصل خلال عقود من السنين . فليس ابطا من تغير الشؤون المعنوية للإنسان ، عبر مسيرته التاريخية .
    وقد اقترن ظهور المدن التاريخية بازدياد الجنوح الى الملكية الفردية و تغلبها على الملكية الجماعية . نعم كانت هناك ملكيات فردية قبل ظهور المدن ، الا انها كانت نادرة ، و لا يقرها المجتمع غالبا ، و لذلك كان اصحابها من ذوي القوة و الباس الشديد لحمايتها و الدفاع عنها و فرضها بالقوة . و لكن لما ظهرت المدينة اصبحت قلعة الملكيات الفردية ، على حين القرى و البوادي بقيت خاضعة لنظام الاراضي الجماعية زمنا طويلا ، قبل ان تبدا في تقبل فكرة الملكية الفردية .
و ذلك لاختلاف نظام القرية و البادية عن نظام المدينة من الوجهة الاجتماعية ، و في اطار الظروف التاريخية المشار اليها .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here