islamaumaroc

التصور الإسلامي للحياة الحضارية -3-

  دعوة الحق

153 العدد

بين قيمة الحياة و غايتها ...
تتراوح الحياة بين مفهومين خطيرين هما :
مفهوم القيمة و مفهوم الغاية . ونحن ان كنا من الوجهة الاسلامية قد انتهينا في الموضوع السابق، الا ان الحياة لا قيمة لها . فاننا الان سننتهي الى ان الحياة لم تخلق عبثا ، بل خلقت لغاية معينة تؤديها...
و بين القيمة و الغاية مفاوز  قد يصعب على البعض الجمع بينهما ،وقد لا يصعب على البعض الاخر استغلالهما معا ، و قد يظن البعض انهما متنافرتان في الشكل و المضمون و التركيب . فهل من لا قيمة له لا غاية له ؟! الحقيقة ليست كذلك ، فقد يكون الامر حقيرا و لا قيمة له الا ان عبرة وجوده بغايته لا بقيمته...ومن ثم يصبح  للفساد في الارض غاية ، و يصبح للعبث في الارض غاية . و الانسان ان كان ذرة بنسبة حجمه للكون ، و لا شيء بالنسبة بقدرته و سط الكون الهائل ، فان له غاية و اية غاية و هي في الارض . و ان كان السؤال عن قيمة الجنس و النساء و الاموال و الاولاد و اللهو و اللعب و الجد و العمل و حتى الوجود و العبادة لن يجدي في تحديد قيمة المغعنى الوجودي فان هذه كلها و غيرها لها غايات في هذا الوجود قلت او كثرت، استقامت او انحرفت ، فهي التي تحدد لكل من تلك الجزيئات وجودها...
      فالدنيا مجتمعة او مجزاة لها غايتان ، غاية لذاتها و غاية لغيرها . و غايتها لذاتها تتمثل في خضوعها لربها و عبادتها له ، و تسبيحها باسمه ، فهي اسلامية امام الله . و غاية لغير ذاتها و تتمثل في خضوعها لارادة الانسان . و قد يظهر ان هذه الغاية الاخيرة تهم الانسان اكثر مما تهم الدنيا . انها ضرورية ، فيها تتم عملية خضوع الدنيا لله و التسليم له ، فلولاها لما ثبتت الغاية الاولى . و الحياة الدنيا لن تكون اسلامية الا اذا انساقت و لانت بين يدي الانسان ، فالدنيا وجدت لتمد الانسان بما يريد من خيرات ، و يصنع على ظهرها ما يشاء ، و يبني من الحضارات ما يريد . فلله صنعها لتمد الانسان فيمتحن بعمله و يبتليه به .
 
     قال تعالى :
( من كان يريد العجلة عجلنا له فيها مانشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مذحورا ، وكمن اراد الاخرة و سعى لها سعيها وهو مومن فؤلائك كان سعيهم مشكورا ، كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا ، انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ، و للاخرة اكبر درجات و اكبر تفضيلا )(1) .
    خلافة الانسان و الحياة الحضارية ..
   من هذا المدد و هذا العطاء تبدا انطلاقة الانسان في الحياة الحضارية . و ياتي السؤال الغاية دفعة واحدة : لماذا اوجد الله الدنيا ؟! و لماذا اوجد الحياة ؟! و لماذا اوجد الحضارة ؟!
اننا عندما نقول الحياة الحضارية نقصد مجهود الخلافة ، مجهود خلافة الانسان في الارض ، و تفسيره لها , فالانسان هو خالق الحياة الحضارية اثناء تفاعله مع الكون معتمدا على المدد و العطاء من الله سبحانه و تعالى فالعمل اساس الحياة الحضرية و به تتجلى الخلافة في كل ابعادها .
    قال تعالى :
    ( تبارك الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم احسن عملا ، وهو العزيز الغفور ) .(2)
و علينا ان نفهم ان الاحسن هاهنا ليس معناه الاثقن بالمفهوم التقني المهني فحسب ، و انما هو بمعنى الاقوم بالمفهوم العقائدي .. فعناصر الحياة الحضارية لا تقوم على جانب دون جانب ، فهي لا تقوم على الاتقان دون القوامة ، و لا على الصحة دون الكرامة ، فقوة الفرد ، و قوة الجماعة وقوة الحضارة ، لايمكن ان تقوم الا بما يمكن ان تقوم به القوة مجتمعة ..
     و الامة الاسلامية كي تقوم بدور الامامة و الزعامة لا بد ان تعتمد العناصر التي اهداها الاسلام بها ، و التي تؤهلها لهذا المنصب الخطير ...
      ( ومن هذا المنصب الخطير تتالف القوة الحقيقية التي تصل بالامة الى غايتها ، من العزة و المتعة ، و المجد و السؤدد ، و السيادة و القيادة ، و التمكين في الارض .
     و ليست هذه العناصر مقصورة على جانب دون جانب ، و انما تتناول جانب الحباة جميعا فهي تتمثل :
*   في الايمان بالله ايمانا بحرر الضمير و الوجدان .
*    و في الاعتصام ، بالحق استعصاما ما يزهق امامه الباطل و يندحر.
*   و في معرفة الضعف النفسي ، و التطهر منه ، حتى تاخذ النفس طريقها الى العزة ، و السمو
*  و في العلم المقوم لشخصية الانسان ، و الكاشف عن حقائق الوجود المادي ، وما وراء هذا الوجود من عالم ما وراء الطبيعة .
 *   و في الثورة ، و تعمير الارض ، و استثمار قوى الكون و الانتفاع بما في الطبيعة ، من بركات الله و خيراته ، و توزيعها على افراد الاسرة  الانسانية بالكفاية و العدل .
  *  و في اقامة المجتمع على اساس من الحرية و العدالة ، و المساواة و التشريع السمح ، والعمل الجاد ، و المعاشرة الحسنة ، و الحكم الصالح التي تكون فيه السيادة للامة .
*   و في السلام القائم على احترام الانسان و كفالة حقوقه .
*   و في احترام العهود و الحفاظ على المواثيق .
*   و في التضحية النبيلة و الاستشهاد في سبيل الحق ومن اجل الحياة الحرة الكريمة.
هذه هي عناصر القوة في الاسلام ، وهي ليست مثل القوة التي اصطلح الناس عليها ، فهي قوة في العقيدة ، و قوة الخلق ، و قوة في العلم ، و قوة  في العقيدة ، و قوة في التنظيم السلمي ، و قوة في الاستعداد الحربي ؟
    و سيادة الامة و قيادتها منوطة بتوفر هذه القوىلمجتمعة)(3).
ان ممارسة الحياة ، و بناء الحضارة ، و اقامة المدنيات ، من عمل الانسان ، انها محض خلافة الانسان في الارض . و ليس ضروريا ان تكون هذه الحضارات و المدنيات على مستوى واحد ، في التكوين و الإمكانات ، ولا ان تكون مترابطة في حلقات تتم بعضها قهرا ، او تيسر من الانحطاط الى التقدم قسرا ، او من الخرافة الى العلم ضرورة .

الحياة الحضرية : نظام تصور للحياة :
 الرابطة الحقيقية بين الحضارات هي عقائدها . فلكل حضارة عقيدة و تصور خاص  تقوم عليه، و تعتمد على اساسه . وقد تتعدد هذه التصورات و نظمها ما شاء لها التعدد ، و تتنوع ما شاء لها التنوع ، لكنها لا تخرج عن تصورين : تصور الحياة الدنيا ، و تصور الاخرة . وقد نجلى ذلك واضحا في المذاهب المادية و الاديان واقعيا ، و بين الجاهلية و الاسلام فعليا .. و اشد الفلسفات المعاصرة حركية و قوة ، و اكثرها فعالية و تاثيرا في نفوس الناس ، لهي الليبرالية و الشيوعية .

     التصور الليبرالي :
   ينطلق التصور الليبرالي الراسمالي من الالتصاق بالواقع المعاش .. الواقع الذي يتخبط في مجاهله المجتمع بكل ما اوتي من قدرة العلم و العمل فهو يريد ان يعيش الواقع بمفاهيم و تصورات معينة ، و لكنه واقعيا يعيش احداثا احرى لا تمت لمفاهيمه بصلة .
    فالمجتمع الليبرالي، مجتمع الرفاهية و الانتاج ، مجتمع الاقتصاد  و الاهتمام به ، هو نفسه مجتمع فوضوي الفقر ، مجتمع فوضوي البطالة ، مجتمع الانهيار .. سواء داخل هذا المجتمع نفسه او في المجتمعات الاخرى المستضعفة التي يمتص دماءها بحجة الانسانية و المساعدة .
     في هذا المجتمع ، تندفع الحرب في شكل  عصابات خطيرة تقتل و تسرق و تغتال ... و تندفع خارج تلك المجتمعات في حرب اهلية لاختلاف منفعة او مصلحة .. و تعلو كل هذا شعارات الاخاء و السلام ...
 في هذا المجتمع ، تنخر العصبيات الفتاكة تماسك المجتمع فلا ترى الا حربا هدامة ما بين ، بيض و سود ، و بيض وحمر ، و بيض و صفر ، حيث تندثر فيها كل معالم الاخاء و المساواة.
   في هذا المجتمع ، تجد الدعارة و الفجور التهتك و الاباحية التي ينخلع لها القلب و ينفزع ، تجند نفسها على اساس من الحرية بان تفعل ما تشاء ، و تتلذذ بما تشاء.
   و هكذا ... فرغم شعارات الانتاج فهناك فقر و بطالة . ورغم شعارات الرخاء و الرفاهية ، فهناك نكد و شقاء . ورغم شعارات السلام فهناك حروب ضروس . ورغم شعارات الاخاء و المساواة فهناك عنصريات تذهب بكل القيم . ورغم شعارات الاخلاق و المثالية فهناك الدعارة و الاباحية  و التهتك .
    المجتمع الليبرالي ، حماة مسنونة ، جمعت كل الخبائث ، و ضمت كل المكاره ، ومع ذلك ففيها نفحات الانسان ... يرفع صوته مناديا لكن الصوت يذوي وسط الحماة وقعقعة مفاسدها . و يبقى الصوت حلما تردده الافاق .. وحتى ان حاول الخروج الى عالم الواقع ظل حلما ..

     التصور الشيوعي :
 الشيوعية حلم من احلام المجتمع الليبرالي .. فهي تبشر الناس بعالم جديد ، و بحياة جديدة ، لا دولة في نظامها ، و لا طبقات في مجتمعاتها ، لا فرق بين عمالها و مفكريها ، و لا بين بدوييها و مدنييها .. فكل يفعل حسب قدرته ، وكل ياخذ حسب حاجته ... فعوائد حياتها الاجتماعية ستتغير، و اخلاقها ستتبدل ، وطبائع اناسها ستنطلق بلا قيود في طريق الابداع و الانتاج  ..ز فالحياة التي تبشر بها الشيوعية ليست جديدة في نظامها الحضاري و كميتها فحسب ، بل هو تجديد و تغيير في كيفية الحياة نفسها كذلك..
    هذا الحلم الشيوعي اللاواقعي   ، البعيد عن منطلق الحياة الحضارية و إمكاناتها ، ومقوماتها  وعقائدها .. هذا الحلم عند ما دخل عالم الواقع و التطبيق ظهر اختلاله ، و بانت تناقضاته ، و استحال التطابق بين نظريته و تطبيقها .. فالواقع كذب فكرة انطلاق الشيوعية من المجتمع الرأسمالي الذي بلغ قمة التطور الصناعي ، و لم نر الشيوعية تزدهر الا في الدول المتخلفة ، و لم نرها تقيم الا أنظمة استبدادية قاهرة تغتال الحريات و تقتل الإبداع . وسقط الحلم في أعماقه فالذي تغير هو النظام في عمومياته اما الحياة فلم يطرأ عليها أي تغيير .
     ( فالانحراف البيروقراطي بدا بعد وفاة لينين بخرق مزدوج لمبادئ الديمقراطية الاشتراكية ، اولا في الدولة : إحلال ديكتاتورية الحزب محل ديكتاتورية البروليتاريا . و ثانيا في الحزب نفسه : إحلال
دكتاتورية لزعيم الحزب محل دكتاتورية الحزب مع تضخم المركزية دونما قياس على حساب الديمقراطية )(4).

التصور الاسلامي ...
من الاخطاء الشائعة بين الكتاب الاسلاميين استعمال للشعارات  التي طرحتها الجاهلية المعاصرة الراسمالية و الاشتراكية ، لاظهار الاسلام في ابهى حلة ، فهم يقولون ان النظام الاسلامي هو اصلح نظام ، فهو الذي سيحمل السلام الى العالم ، و هو الذي سيحقق السيادة ، وهو الذي سيرفع الحياة الى اعلى المثاليات ، وهو الذي سينشر العدالة الاجتماعية فيقضي على الظلم و الفقر .. هذه النظرة الفرابية للحياة ، البعيدة المنال  ، التي لا تحقق في عالم الناس ، لا تضع فرقا حقيقيا بين الحباة الجاهلية و الحياة الاسلامية . بل و تعكس في وقتنا الحاضر مظاهر التاثر بمفاهيم الحضارة المعاصرة ، فالسلام و المواساة ، و الاخاء ، و السعادة ... شعارات ومفاهيم غريبة  لا تعبر عن الواقع المعاش في مواطنيها  فبالأحرى في البلدان المستوردة  اليها ، فالحياة الاسلامية ليست شعارات تخلق ، و لا اماني تصاغ ، و لا مثاليات ترتجى ، و لا اخلاقيات ترتقب . انها تلك الحياة التي تتفاعل في محيط الحياة و الواقع ، فلا تقوم الا بمجهود ، ومجهود جبار كما  تقوم به اية حياة . فالاسلام لن يحل بعكازه السحري ، كما يتوهم البعض ، مات المشاكل ، بل قد تخلق مشاكل اعوص من مشاكل الجاهلية . و ليس هناك مانع لذلك . فالمجتمع الاسلامي ليس معناه قمة الكمال و المثالية . انه مجرد مجتمع انساني (5). يحتكم الى شريعة الله و ياتمر بامر الله . انه مجرد مجتمع انساني معرض لكل المشاكل الفردية او الجماعية ما لم يكن هناك حسم و حزم في الحركة الاسلامية التي تستطيع ان تتحكم في مجرى الحياة . فان كان المسلمون في مستوى دينهم ومعركتهم كان مجنمعهم اقوى و امتن و اقدر على حل المشاكل ومحو اثارها من المجتمع .

بين الجاهلية و الاسلام ..
فهل مظاهر الحياة الحضارية واحدة اذن ؟! اليس هناك فرق في الحياة الحضارية بين الاسلام و الجاهلية ؟!
  لا شك ، ان الانسان يستطيع ان يجزم ان مقومات الحياة واحدة . و ان كثيرا من مظاهرها متشابهة الا ان لكل حياة طابع يطبعها ، و لكل حياة ميزة تميزها . فان طبعت الجاهلية و تميزت بانها حلم في واقع مرير فان الاسلامية تتميز لانها واقع . فالمسلم لا يتخيل الحياة في اطار خارج عن مقدرة الانسان و كفاءته في الكون ، و ارتباطه معه فيزيولوجيا و سيكولوجبا ، و سوسيوبوجيا ..

1 ) اختلاف نظام الحياتين في الجوهر:
 يبدو اختلاف بين الحياتين الاسلامية و الجاهلية في الجوهر و المظهر ، فمن حيث الجهر نرى :
1) ان النظام الاسلامي يقوم على التقوى التي تجعل الانسان يتقيد بالقوانين تلقائيا استجابة لامر الله و ارضاء له و اسلاما . اما النظام الجاهلي فيقوم على الخوف و الهربة من بطش الحكام بالناس فيستسلمون له خاضعين في عبودية وذلة .
2)  النظام الاسلامي دين يتعبد الناس به و يتقربون به الى الله و الانسان فيه ثواب منتظر من الخاق . اما النظام الجاهلي فلا تعبد فيه و لا ثواب عليه و انما عقاب منتظر فهو مجرد خضوع و تنظيم .
3) النتظيم الاسلامي يربط الانسان بالله فيرفعه من عبودية الانسان لاخيه الانسان او عبودية شعب لشعب ، و يبعده عن استغلال امة لاخرى , بينما النظام الجاهلي يربط الانسان بالانسان ( صاحب السلطان ) او بالدولة التي و هي التي يسيطر عليها الانسان فتظل العبودية قائمة او متوقعة (6).

اختلاف الحياتين في المظهر ...
يختلف المجتمع الاسلامي عن المجتمع الجاهلي في كثير من مظاهر الحياة ، فان كان الليل عند المسلمين سباتا ، فهم ينامون فيه مبكرين ، ونتوقف كل جهود الانتاج وكل مظاهرات السهرات و حفلات الليالي الحمراء ومنشطاتها من سينما ومقاهي وحانات ، فمعها تدوى كل الاغاني الفاجرة التي تمدح الليل الفاجر . وتنطفيء شموع الدعارة و الإباحية . و تسقط مع الشروق كل الهالات التي تحيط بالكاسيات العاريات . فلكل امراة كرامتها ، و لكل امراة عزتها ، فلا تبتدل و لا تكون صدقة سهلة لكل رجل في الحرام .. فنظافة المجتمع اقوى مظاهره ، نظافة في اللباس . و نظافة في البدن ، ونظافة في الاخلاق . و نظافة في العمب .. وتجد الاخوة و التعاون و التكافل و التضامن من العمليات  اليومية التي تحدث و تقع في هذا المجتمع في اشكال عدة ، ومظاهر شتى .
     وهذه المظاهر مجتمعة ليست منعدمة في المجتمع الجاهلي ، الا انها قليلة الحدوث ، نادرة الوقوع . و ان حدثت حدثت منفصلة عن بعضها البعض  فتطفو و كانها شذوذ .. في حين انها في المجتمع الاسلامي كل لا يتجزا... متشابكة مع بعضها البعض . فان حدث فساد كان شاذا او نادر الوقوع . فالاختلاف في مظهر الاختلاف بين الصلاح و الفساد . ففي الجاهلية  يكثر الفساد باشكاله المتعددة . و في الاسلام يكثر الصلاح بوجوهه العديدة .
اختلاف الحياتين في النظام ..
ان النظام كيفما كان نوعه و شكله ، كيفما كانت قوانينه و تشريعاته ، يقوم على عقيدة تحدد له الخطوط العريضة و الجزئية التي يقوم عليها ، و يتشكل في اطارها . ومن هذا الاساس علينا ان لا نفرق بين شيئين اثنين ، بين النظام ومبادئ النظام ... فالمباديء قد تكون نظرية لم تقدر في الواقع ، ولم  تشكل نظاما ، في حين ان النظام هو الوعاء الكامل للنظرية و التطبيق ، للكتاب و السنة . و الفصل بينهما عندئد مستحيل لاننا لم نعرف الاسلام منفصلا عن الرسول ، عن افعال الرسول ، عن نظام الرسول . فالنظام الاسلامي هو تلك العقيدة التي تحقق نفسها في الواقع و يكون منفتحا . قابلا لابتلاع كل التنظيمات الممكنة لمواجهة المشاكل . فهو ثابت نامي . في اطره ومؤسساته و فكرة النماء هذه في النظام ليست باي حال تغيير فيه ، و لا تطور ، انه ليس الا نمو في الاجزاء و المؤسسات و الاطر .

نظام الخلافة في الاسلام ...
وقف بعض المعاصرين من الخلافة موقف المعارضة . فمنهم من يرى ان نظام الخلافة ليس اسلاميا . ومنهم من يرى استحالة تطبيقه ، ومنهم من يرى ان الحكم للبشر و ليس لله ، ومنهم من يرى انه كان لفترة حضارية معينة و اما الاسلام فلم بات بشكل تنظيمي معين .

علي عبد الرازق و الخلافة ..
ذهب علي عبد الرازق في كتابه الاسلام و اصول الحكم ، الى ان الاسلام وحدة دينية و لا علاقة له بالوحدة السياسية . و ان زعامة الرسول كانت دينية لا سياسية و يقول في ذلك :
( ان الاسلام وحدة دينية و النبي صلى الله عليه و سلم ) دعا الى تلك الوحدة و اتممها بالفعل قبل وفاته ) . و الرسول : ( ما كان الا رسولا لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك و لا دعوة و لا دولة ). و ان كانت : ( الرسالة لذاتها تستلزم للرسول نوعا من الزعامة في قومه و السلطان عليهم ، و لكن ذلك ليس في شيء من زعامة الملوك  و سلطانهم على رعيتهم فلا تخلط بين زعامة الرسول و زعامة الملك ) . و : ( من كان يريد ان يسمي تلك الوحدة الدينية دولة ، و يدعو سلطان النبي (ص) (( ذلك السلطان النبوي المطلق )) ملكا او خليفة او سلطانا.. الخ. فهو في حل من ان يفعل ، فان هي الا أسماء لا ينبغي الوقوف عندها ، و انما المهم كما قلنا هو المعنى وقد حددناه لك تحديدا).
     امام هذه النصوص ، و عليها استند الكثيرون ليقولوا ان علي عبد الرازق ينفي ان يكون الاسلام دينا ودولة ، عقيدة و سياسة ، مبادئ و نظاما ، نجد الكثير من الحق في الوصف ، فالرسول حقيقة اقام  الاسلام و لم يقم دولة ! . و لكن خطر الفكرة يبدأ عندما يستند على عبد الرازق على هذه الحقيقة ليفرق بين المبادئ و النظام ، بين الكتاب و السنة ، بين النظرية و التطبيق . فيصل الى ان الاسلام خالي من نظام الحكم ، و لم يقم نظام حكم قط.
قال : ( و الحق ان الدين بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون ، و بريء من كل ما هياوا حولها من رهبة ، ومن عزة و قوة . و الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية .
كلا ، و لا قضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة . وانما تلك كلها خطط سياسية صرفة ، لا شان للدين بها ، فهو لم يعرفها و لم ينكرها ، و لا امر بها ، ولا نهى عنها ، و انما تركها لنا لنرجع فيها الى احكام العقل ، و تجارب الامم و قواعد السياسة ).

     عبد الحميد متولي و الخلافة ..
 يرى عبد الحميد متولي في كتابه مباديء الحكم في الاسلام ان الاسلام و وسط الاعتدال . فهو لم يات بنظام معين و انما اتى بمباديء شاملة عامة صالحة لكل زمان و مكان لا تتعارض مع أي نظام كام اذا جعلها مبادئه يقول :
( ان وضع المسالة على اساس اذا كان الاسلام دين و دولة ؟! هو وضع غير سليم ؟! و الوضع الصحيح في نظره هو : ( اذا كان الاسلام قد جاء بمباديء عامة لنظام الحكم في الدولة ؟! )
    هذا الوضع في الحقيقة فصل صارخ بين المباديء و النظام أي بين الوحي و السنة . وهو سيؤدي بعد قليل بالكاتب ( متولي ) الى اهدار السنة و الاجماع وغيرهما من مصادر التشريع اولا . وثانيا الى فتح سلسلة من التطورات التي لا حد لها ..
 يقول : ( ان القران الكريم قد جاء بها مباديء عامة تتسع عموميتها و تتقبل مرونتها ان تتشكل صورتها و يتطور مضمونها تبعا لمختلف البيئات في مختلف العصور حيث لم يعرض القران بصددها الى التفصيلات و الجزئيات او الى بيان صورة من صور كل مبدا من تلك المباديء مما يختلف باختلاف ظروف الزمان و المكان ))(7) .
اننا قد نتفق مع الكاتب ان القران اتى بمبادئ عامة ، و لكننا لن نوافقه على تمييع مضمونها تبعا لذلك ، و لا لاجهاضه للتفصيلات و الجزئيات لانها من السنة . فهي حسب قوله ليست تشريعا عاما و لا تلزم الاجيال التالية شرعا . وهذا في نظري فصل مزري بين مبادئ النظام و النظام نفسه .  يقول:
( اما السنة التي تعرض احيانا لتلك التفصيلات و الجزئيات فهي لا تعد في هذا المقام : مقام الشؤون الدستورية ( الشؤون المتعلقة بنظام الحكم ) تشريعا عاما ، أي انها لا تعد ملزمة شرعا للاجيال التالية ، و بالتالي لا تعد ملزمة لنا في العصر الحديث ). (8)
   و هكذا ينطلق متولي من اجهاضه لمصادر التشريع الى استحالة قيام نظام الخلافة فيقول:
( ان قيام نظام الخلافة (( بالشروط و الصور التي بينها رجال الفقه الاسلامي)) يعد في عصرنا  هذا ـ شانه شان الاجماع ـ ضربا من المحال ) (9)
   فالاسلام قد جاء ـ في شؤون الحكم ـ بمباديء عامة معينة تصلح للتطبيق في مختلف الازمنة و الامكنة فهو لم يجيء بنظام معين من انظمة الحكم ))(10)

حسن عشماوي و الخلافة ..
يذهب حسن عشماوي في كتابه قلب اخر للزعيم بان النظام من اختصاص المسلمين و ابتداعهم . فهم الذين يحكمون انفسهم و عليهم في ذلك ان يختاروا النظام الذي يروقهم للحكم ... فهم الحاكمون .. اما الانبياء و الرسل فلم يكونوا حكاما فهم مجرد رسل او معلمو مذاهب . يقول :
 ( ان صح القول بان واحدا من هؤلاء الثلاثة قد حكم بالمعنى المفهوم لدينا ، انا لا اتعرض لهؤلاء .. فهؤلاء رواد ! انهم رسل الله عند من يؤمن بالله و الرسل ، ومعلمو مذهب عند من لا يؤمنون بالغيب). (11)
وطرافة رفض عشماوي للخلافة تاتي من زاوية تختلف عن علي و متولي . فهو يرفض اهم فكرة تقوم عليها الحركة الاسلامية المعاصرة ... يرفض فكرة   الحاكمية لله ( في السياسة الخاصة ) و يراها من اخطر النظريات العامة التي لا تعرف التطبيق . يقول:
( وحين زالت الحقيقة المشرقة التي عاشها الناس في ذلك الوقت ... بداوا يقولون بالنظريات العامة التي لا تعرف التطبيق فكان اخطرها جميعا قول من قال : (( لا حكم الا لله)). (12)
و يقول عن الدعوة المعاصرة : ( ومنهم من نادى بالمودة الى ماضينا نستمد منه نظامنا ، نظام حكمنا .. فنادى الاسلام دينا ودولة ، دون ان يبين لنا كيف يكون ذلك و اغرق احيانا فنادى بحاكمية الله دون ان يبين لنا كيف يحكم الله ؟ (13)
ثم يناقش عشماوي فكرة الحاكمية لله فبرى : ( ان حاكمية الله في الارض بمعنى سيادة نواميسه قائمة بحكومة دينية او غير دينية ... و بغير حكومة على الاطلاق . اما حاكمية الله في الارض على النحو الذي يرفعونه شعارا للحكم فلا يعني الا احد الامرين : اما حكومة دينية متسلطة.. واما  فوضى)(14)
  و بهذا يضع عشماوي يده على نقطة اساسية في قضية الحكم في الاسلام , و يجرد النظام منها، حتى لا يبقى للنظام مسند تتكئ عليه ، و يقوم على اساسه . و لكن عشماوي يقع في مغالطة فادحة و تناقض بين . فهو يرى :
( ان الحكومة الدينية بمفهومها الحقيقي هي تلك الحكونمة التي تقوم فيها واسطة بين السماء و الارض ، و تحكم هذه الواسطة باسم السماء ، فتحوم ما لا نرضى عنه ، و تحل ما يسند لمصالحها).(15)
    ثم يناقض نفسه حيث يؤكد ان الحركة الاسلامية المعاصرة لا تريد حكومة دينية ، و لا تقصد بمفهوم الاسلام كدين و دولة ما يفهم من الحكومة الدينية . و السؤال الان اذا كان الامر كذلك فلم يحارب عشماوي فكرة الحاكمية لله ؟
يقول : ( هل يظن احد ان دعاة الحركة الاسلامية ـ بما فيهم هؤلاء الدعاة ـ يريدون في المنطقة حكومة دينية ... و ان هذا المفهوم حديثهم عن الحكومة الاسلامية ، و عن الاسلام كدين و دولة؟.. يقيني ايضا ان لا ..)(16)
فصاحبنا اذن يرفض الحاكمية لله و يخلط بينها و بين الحكومة الدينية و يبريء الحركة الاسلامية منها بالتالي .. وهذه مغالطة و تناقض في نفس الوقت ليصل الى السبيل المنجي . وهذا في نظره ان الامة هي مصدر السلطة على الارض و صاحية السيادة ، ومقومات ذلك ووسيلة ممارسته هي  الحرية و القوة و حق الاختيار وحق المحاسبة و المراقبة ..

محمد احمد خلف الله و الخلافة ...
ذهب احمد خلف الله في مقال مسلسل في مجلة الكاتب المصرية الى نفي الشكل التنظيمي للدولة في القران الكريم و السنة النبوية و اعتبار نظام الخلافة من اجتهاد الخلفاء الراشدين ، و ان لا ضير علينا في ان نختلف معهم ، فاجتهادهم كان يتلائم و الطور الحضاري الذي كانت البشرية تمر فيه .
يقول:(  لم ترد في القران الكريم اية واحدة عن الشكل التنظيمي للدولة ، شانها في ذلك شان الايات سواء بسواء .
ولم يكن ذلك الا عن قصد اقتضته حكمة الشارع الحكيم في هذه المرحلة من حياة البشرية .
ان المجتمعات البشرية في تغير مستمر و القاعدة  الاصولية و الاسلامية تقول بتغيير الاحكام تبعا لتغير الازمان .
وموقف القران و موقف الحديث او السنة ،من الشكل التنظيمي للدولة هو الموقف الحكيم الصادر عن العليم الخبير )(17).
و يقول في اختيار الخلفاء : ( ان كيفية اختيار الخلفاء الراشدين او رؤساء الدولة الاسلامية الاولى صدرت عن اجتهاد من الخلفاء الراشدين و لم تصدر عن نص من القران او من السنة النبوية الشريفة .
و ان هذا الاجتهاد قد اختلفت صورته عند الخلفاء الراشدين انفسهم فلقد كان اجتهاد عمر نفسه فيمن يخلفه و كان اجتهاد ابي بكر فيمن يخلفه مغايرا لاجتهاد عمر في المرتين .
او معنى ذلك ان باب الاجتهاد في هذه القضية مفتوح على مصراعيه و ان من حقنا ، و لا ضير علينا ، في ان يجيء اجتهادنا مخالفا لاجتهادات غيرنا .
 ان اجتهادنا انما يجيء في اطار من الظروف التي تحيط بنا ومن المرحلة الحضارية التي نمر بها)(18).
في هذه المواقف المتشابهة في معارضتها و المختلفة في اتجاهاتها و ميولاتها نجد الرفض شبه التام لنظام الخلافة بتعليلات مختلفة  ... في حين كل منهم يدعو الى سبيل جديد ، و نظام مقترح لا يخرج في اطره عن التعاليم و الشعارات الغربية المعاصرة ... و لقد اردت من كل هذا العرض ان اترك للقارئ الكريم المجال ليشعر بتباين النظام الجاهلي مع النظام الاسلامي من خلال رفض ابناء جلدتنا للنظام الاسلامي في عهد الرسول و الخلفاء الراشدين ، مع دعوتهم لانظمة جديدة هم انفسهم لا يتفقون على تفاصيلها وعموميتها رغم ان شملهم يجمع في تأثرهم بنظام الحكم الجاهلي المعاصر .

نظام الاقتصاد في الاسلام ...
الحديث عن النظام الاقتصادي في الاسلام من اشد الاحاديث أفضلية لما له من مكانة في نفوس الناس ... ونحن اذا ملنا الى ما كتبه الاسلاميون  في الاقتصاد الاسلامي نجد ثلاثة تيارات منها ما يميل الى النظام الاشتراكي ، ومنها ما يميل الى الرأسمالي ، ومنها مايرفض التيارين المتاثرين بالحضارة الجاهلية ، بحيث لا يكون وسطا بينهما و لا يميل الى احدهما فهو يرى الاسلام نسيج وحده .

 التيار الاشتراكي الاسلامي ...
انتشر التيار الاشتراكي بين الاسلاميين منذ دخول الثقافة الغربية و انظمتها الى العالم الاسلامي . ومن الرواد الاوائل الذين قالوا بالاشتراكية جمال الدين الاسد بادي المشهور ( بالافغاني ) وعبد الرحمان الكواكبي . ثم بعدهم كثيرون و على راسهم مصطفى السباعي الذي اعطى بكتابه اشتراكية الاسلام اشارة  المرور بجحافيل الاسلاميين ليعلنوا بكل ما اوتوا من علم ومقدرة عن اشتراكية الاسلام .
و صادف ذلك ان كثر الكلام عن الاقتصاد الاسلامي و ادلى كل عالم برايه بل و كاد ان بخرج للعالمين مذهبا اقتصاديا جديدا بلسما للمشاكل و ترياقا للمصاعب . وهؤلاء جميعا نسوا او تناسوا ان الاقتصاد الاسلامي ليس مذهبا اقتصاديا صرفا بحيث يمكن استخراجه استخراجا من الاسلام ليكون قائما بنفسه ... فالاسلام منهج للحياة ... ومنهج يعتمد شرائع و مبادئ متكاملة ، متناسقة ، مترابطة ارتباطا وثيقا ولا يمكن فصل جزء منها عن غيره . فالزكاة ان طبقت مجردة عن الاسلام كمنهج للحياة  شامل , ستكون  مجرد ضريبة من الضرائب وما اكثرها !! وكذا بالنسبة لمجموع التعاليم الاقتصادية الاسلامية اذا فصلت عن المجموع وعن المنهج الشامل للحياة .
     على هذا الاساس  نرى ان المحاضرة التي القاها الاستاذ علال الفاسي في ملتقى الفكر الاسلامي بوهران ، فيها جوانب اخذ ورد رغم شموليتها وعمق بحثها . و بالتالي ، ان هذا الجوانب مسائل اساسية و ليست جانبية ... و اهم هذه الجوانب الملكية بصفة عامة وملكية الارض بصفة خاصة .
يقول الاستاذ علال الفاسي :
( اما الملكية فقد جعل منها الاسلام ملكية عامة و ملكية خاصة : فالأولى : تشمل المواد الأساسية هي : الماء و يشمل المائعات و المرعى وكذلك ما هو موزون و الحطب يدخل فيه كل مواد الوقود و يشمل كل المعادن و لا مانع من ان يضاف اليها كل ما يرى المسلمون مصلحة في جعله ملكا عاما كما فعل عمر اين الخطاب في عام الرمادة .
    و الملكية الخاصة و تشمل ما يحتاج اليه الانسان من سكن و غذاء و لباس وما اليها ، وكل ما يكسبه الانسان بكد يمينه وعرق جبينه او يستحقه بميراث او عطية هو ملك حلال له .
    لكن هذه الملكية الخاصة ليست ذاتية للانسان لان المالك الحقيقي هو الله وكل مال فهو ملكه تعالى سواء تمثل ذلك المال في ( سلعة اقتصادية ) او ( سلع حرة ) و قد استخلف الله الانسان في الارض و امره بالانتفاع بخيراتها للوفاء بحاجاته و اصلاح  معاشه على ان يكون انتفاعه متفقا مع مصلحة المجتمع الذي هو فيه و مصلحة البشرية كلها على العموم وهذه الخلافة في ملك المال تبيح ان ينسب ملك المال الى افراد الخليفة و الى الجماعة )(19).
هذه الفقرة ـ وهي ككل الفقرات التي تميل الى اشتراكية عند بعض الكتاب الاسلاميين ـ تجد فيها اسلوبا صرفا .. وتجد حقائق اشتراكية ماركسية محضة.
فمن ناحية الاسلوب نجد كلمة الاسلام و نجد حديث الناس شركاء و نجد الملكية لله ... و نجد الانسان مستخلف فيها .. وهذا اسلوب اسلامي لا غبار عليه .
و لكننا اذا انتهينا الى المحتوى و تاملنا حدود الملكية العامة وحدود الملكية الخاصة ، و التصور الذي ينطلق منه المفهومان ، لراينا عجبا .
ففي الملكية العامة نجد المائعات و الموزونات ، وموارد الوقود و المعادن .. و لا مانع ان يضاف اليها .. ما لا نهاية له من المصالح !!
 اما الملكية الخاصة فمسكن وغذاء و لباس و سلع وما يكسبه الانسان بعمل او ميراث او عطية !
 و يفهم من هذا ان وسائل الانتاج ملكية عامة ووسائل الاستهلاك و الكسب الفردي بالعمل ملكية  خاصة ..و السؤال الذي يطرح نفسه الان . ماهو الفرق بين الماركسية و الاسلام اذا كانت الشيوعية تحرم ملكية وسائل الانتاج و تبيح ملكية و سائل الاستهلاك و الكسب بالعمل الفردي و الميراث و العطية ؟! وهي كذلك حقيقة !! انا شخصيا في هذه الحالة لا ارى فرقا ، بل وحتى الاستاذ علال الفاسي نفسه لا يرى فرقا فقد تعرض للفرق بين الاسلام بين الماركسية فلم يجد بينهما الا الايمان . فالاسلام مؤمن و الماركسية ملحدة . قال : ( الواقع انه اذا كان ثم التقاءات في بعض المسائل فان الماركسية الحقيقية تجعل التخلي عن الدين في مقدمة الاسس المبنية عليها فالاسلام مادة و روح  و الماركسية مادة فقط...))( 20).
او مكا قال : (( ان ماركس يكره الاله و المسلمون في حالتهم الحاضرة غير مستعدين للتخلي عن ايمانهم بالله ))20
وفي مقال كتبه في العلم  عن انطباعاته حول الملتقى بوهران قال : (( اننا نحن و ان اخترنا في حزب الاستقلال كلمة التعادلية قرارا من ان نلبس على الشباب المدلولات المختلفة الاشتراكية ، فان الاسلام لا يرى مانعا من اطلاق الكلمة على مجموع التغيير المقصود بالاصلاح الاشتراكي ، و قلت انه يمكننا اقتباسها من قول النبي ( ص) : الناس شركاء في ثلاثة : الماء و الحطب و المرعى فالناس اشتراكيون في ملكية ما لا يجوز لاحد الانفراد بتملكه وقد صفق الحاضرون كلهم بهذا التاويل .))
    و الحقيقة ان هذا التاويل الذي اعطاه الاستاذ  علال الفاسي للحديث ـ و كذلك يفعل من يتهم بالاشتراكية و يتاثر بها ـ يقدم لنا تصورا جديدا ليس من مدلول الحديث . فالحديث اصبح يحدد معنى الملكية العامة و الخاصة في حين انه لا يمكن بمفرده ان يصور حقيقة الاسلام و تصوره للملكية العامة و الخاصة . فالانطلاق من حديث يتيم الى المذهبية الاقتصادية برمتها لمن اخطر القياسات منذ ان بدا القياس كركن من اركان الاجتهاد .
  و يساند ما ذهبت اليه ان هذا الحديث ( الناس شركاء) ما كان يفسر او يؤول بهذا التاويل قبل دخول الاشتراكية كنظام و ثقافة الى عالمنا الاسلامي .. و يؤيد هذا حديث ابي هريرة يرفعه الى الرسول (ص) : ثلاث لا يمنعن : ( الماء و الكلا و النار ) و اسناده صحيح  (21)-(22).

التيار الراسمالي الاسلامي ..
اما التيار الراسمالي فقلما نجد من يسانده فكريا و لكنه واقعيا قائما في المجتمعات الاسلامية ، فهم يقيمون اغلب بنياتهم الاقتصادية على اساسه ، و ينظرون اليه كامر واقع لا يختلف عن الاسلام الا في بعض المبالغات المنحرفة و التي لصقت به نظرا  لاعتماده على مبدا الربا و النظام المصرفي ... و يذهب هذا المذهب في بعض الكتابات العلامة ابو الاعلى المردودي . يقول :
( عليك ان تعيد النظر قليلا في الصفحات التي مررت عليها في باب ( النظام الراسمالي الجديد ) قبل ، فسوف تعلم من شرحنا فيها لمبادئ الاقتصاد المطلق ، ان هذه مبادئ  الاقتصاد الانساني بشرط ان تجرد من المغالات التي ادخلها عليها رجال الطبقة البورجوازية لاثرتهم و تطرفهم . ثم اذا تاملت في ( اسباب الفساد ) التي بيناها في تلك الصفحات عرفت بدون شك انها هي اسباب الشر ومنبث الفساد و الظلم ، حيث اذا ازيلت ، سار نظام الاقتصاد الانساني على اسسه الفطرية لكل طمانينة و سهولة بدون ان تنشا فيه مفاسد النظام و يضطر الانسان لعلاجها الى الاخذ بمشاريع و تدابير غير فطرية .
وهذا هو طريق الاسلام انه يحول الاقتصاد الطلق الى الاقتصاد الحر و يورد على هذه الحرية طائقة من الحدود و القيود ).(23)
    اذن فالعلامة المردودي يرى النظام الراسمالي هو النظام الفطري الانساني اذا ما هذب و شذب..
فيقف بذلك من المصارف و البنوك موقفا اسلاميا . فيطالب باقامتها على اساس اسلامي لا ربوي مع استمرار وجود مثل هذه المؤسسات التي تقدم النفع للمسلمين و الناس ، يقول :
( ان البحث الذي سقناه في النظام المصرفي ما كان معناه ـ ان نظام المصارف خاطيء من اساسه لا صلاح فيه البتة ، بل الحق ان هذا النظام شيء نافع مهم من حسنات المدنية الغربية الجديدة ، قد نجس باشتماله على عنصر شيطاني مع عناصره الاخرى ).(24)
و مثل ذلك الشركات الكبرى التي تسيطر عليها فئة محدودة من الراسماليين .. يشترط لها اعطاء حق العامل مع اشتراك اكبر عدد ممكن من الناس لكل منهم اسهم معلومة . تقول الجماعة الاسلامية :
( وتوزع ملكية الصناعات الرئيسية و التجارات الكبيرة بين عامة الناس و يحدد القدر النهائي الذي يستطيع شخص او اسرة ان تمتلكه من الاسهم في ملكية الشركات بموجب القانون و يعرض ما يزيد على هذا القدر من الاسهم للبيع لدى عامة الناس )(25).
      و اود ان اقول ان هذا لا يدفعنا الى ظن الظنون بالاستاذ علال الفاسي و العلامة المردودي، فهما كما عهدناهما من اقوى الاسلاميين منطلقا ، و تفكيرا ، وما قلناه سابقا عن اتجاههما المتباين ليس الا تطويعا و اخضاعا لحسنات النظامين الراسمالي و الاشتراكي لمباديء الاسلام .

التيار الاسلامي ...
      كثير من الدعة الاسلاميين يرون الزكاة اذا ما طبقت ارتفعت الحاجة و الفاقة عن عامة الشعب. الا ان الحقيقة ان الاقتصاد لن ينمو ، و لن يقفز قفزته التي تخرجنا من تخلفنا بالمفهوم الحضاري الغربي للتخلف ، فالزكاة لا تشكل الاطار الاقتصادي للاسلام . فهب اطار اجتماعي انساني قبل كل شيء و فائدتها انما تقاس في ميدان الاجتماع كي لا تسقط الفئات البشرية الفقيرة في العدمية الاقتصادية فهي ليست الا تدعيما استهلاكيا في الاساس .
      و اعتبار الزكاة الدعامة الاجتماعية الانسانية في الاقتصاد الاسلامي لمن الامور التي تجعل الانسان  يبحث عن الاطار الحقيقي لهذا الاقتصاد ، فالزكاة تشير من تلقاء نفسها الى التملك الخاص ، فالذي لا يملك لا يزكي ، و الذي يزكي لابد ان يكون من المالكين ( لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون و لا تظلمون). فما هو نمط الاقتصاد الاسلامي بين الانظمة الاشتراكية و الراسمالية ؟! ..
اننا نجد مرة اخرى ان التصور لا يفترق عن النظام و المباديء و النظام يكونان وحدة كاملة . فالمسالة ابعد من شكل تنظيمي لان الانظمة كيفما طبقت لن تخرج عن اشكال معينة  نظرا لطبيعة الانسان و طريقة معاملته مع المعطيات الواقعية . فالشيوعية تطرح نظاما مغايرا للنظام الراسمالي ، و لكن الحقيقة ان  النظام يكاد يبقى واحدا ، فالمعامل في روسيا  تعمل على نفس الشاكلة ، و نفس النمط في الولايات المتحدة ، كما هي المهارة و التكنولوجية العلمية ، الا ان المحتوى الإيديولوجي يجعل العمال يشعرون باختلاف النظامين .
        ومن ثمة فالاقتصاد الاسلامي ياخذ صبغته الاسلامية بان يعيش المسلمون اقتصادهم حقيقة، و يعتمدون عقيدة اسلامية صرفة .. فان أقيمت هذه و انطلق المجتمع يعمل على هديها ، انطلقت معها أعنة المفكرين الاقتصاديين الإسلاميين لتبحث عن الأطر الصالحة ، لتاخد صبغتها الاسلامية المستقلة عن الأنظمة الاخرى . فما على الاقتصاد الاسلامي ان ياخد شكله الخاص به في دنيا الواقع . فيتميز به عن غيره ، و ينطلق من عدنياته ، و يخلق لنفسه نمطا جديدا لا هو بالنظام الاشتراكي ، و لا هو بالنظام الرأسمالي .

1  الاسراء :18 -20
2  الملك : 2
3  من مقدمة كتاب : عناصر القوة في الاسلام للسيد سابق ص 3- 4
4   في سبيل نموذج وطني للاشتراكية روجيه غرودي ص :125.
5  لا اقصد المعنى الأخلاقي بكلمة إنساني
6 المجتمع المتكافل في الاسلام الدكتور عبد العزيز الخياط ص 51 -52.
7  ص : 460
8    مباديء الحكم في الاسلام عبد الحميد متولي ص : 460 
9     مبادئ الحكم في الاسلام عبد الحميد متولي ص :  548 
10    مبادئ الحكم في الاسلام عبد الحميد متولي ص : 550
11     قلب أخر لأجل الزعيم حسن عشماوي ص :107
12  قلب أخر لأجل الزعيم حسن عشماوي ص: 118
13 قلب أخر لأجل الزعيم حسن عشماوي ص :120
14  قلب أخر لأجل الزعيم حسن عشماوي ص :136
15  قلب أخر لأجل الزعيم حسن عشماوي ص :132
16   قلب أخر لأجل الزعيم حسن عشماوي ص :131
17 ( مجلة الكاتب ، مقال القران و الدولة ) العدد : 139 – ص : 25
18  ( مجلة الكاتب ، مقال القران و الدولة ) العدد : 140 – ص : 34
19 الملحق الاسبوعي بجريدة العلم ( المغربية ) الجمعة 6 اغسطس 1971.العدد 119. السنة الثالثة
20 فقرات من نفس المحاضرة . و في راينا ان الفرق بين الاسلام و الماركسية هو ابعد من مجرد فرق من الايمان بالله او كره له ، انه في نفس تلك الالتقاءات في بعض المسائل .
21  من كتاب ( يسألونك ) للدكتور احمد الشرباصي ص .488
22   مجلة جوهر الاسلام السنة الرابعة العدد 9 مقال التعادلية او الاشتراكية 
23 اسس الاقتصاد بين الاسلام و النظم المعاصرة ، ص 119 - 120
24 الربا ، ابو الاعلى المودودي ص 139
25 بيان الجماعة الاسلامية في باكستان ص 35

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here