islamaumaroc

جوانب من حياة الفقيه عبد الكريم بن الحسيني

  دعوة الحق

153 العدد

حفلت الشهور الثلاثة الاخيرة بوفيات نخبة من علمائنا الماسوف عليهم في مدائن القصر الكبير و فاس و تطوان ، وكان من نصيب مدينة الرباط وفاة عالمها الجليل : سيدي عبد الكريم بن الحسيني ، ليلة الاثنين 27 شوال عام 1392 هـ / 4 دجنبر سنة 1972 م . 
                                                -*-  
و بالتاكيد فان موته احدثت صدمة عنيفة لكل الذين يعرفونه من قريب او بعيد .
فقد كان فقيدنا يشارك في عدد من العلوم الاسلامية ، و يساهم ـ بحظ موفور ـ في المجالات الادبية ، غير ان الناحية التي برز فيها اكثر هي المادة التاريخية ، و بالتدقيق تاريخ المغرب الحضاري .
ويرجع تكوين ثقافته في هذا الاتجاه ـ بالذات ـ الى مجهوده الشخصي ، حيث انكب على دراسة المصادر التاريخية من حداثة سنه ، و استمر و فيا لها حتى عاقه اشتداده المرض الذي اودى بحياته .
و بلغ به الانقطاع للبحث و التنقيب ، الى ان يخصص ـ احيانا ـ اوقات فواغه من شماغل التوظيف ، لبروز الخزانة العامة في فترة الظهيرة ، و لا يغادرها الا للعودة الى عمله الاداري ، مضحيا براحته في منزله ، و مستعيضا عنها بالغذاء الروحي عن الغذاء المادي .
                                                -*-  
و كانت طريقته في البحث ان يتتبع الموضوع الذي يهمه تتبعا كاشفا ، و لا يكتفي بالمضان العادية ، و المصادر المتعارفة ، انما يعمد ـ بعد هذه ـ الى المؤلفات الاخرى لينقب عن استطراداتها ، و يفتش عن دفائتها ، حتى يستخرج منها للمغرب شاهدا حضاريا يكشف عن حلقة مفقودة ، او يصل بين الحلقات غير متناسقة .
و بهذا جاءت موضوعات الفقيد على قلة ما نشر منها مثل انتاجا مستوعبا ، و دراسات رصينة ، و في هذا الصدد نحيل على ثلاثة نماذج من انتاجه :
واولها : ما كتبه عن الشاعر المغربي : احمد بن عبد السلام الجراري ، و نشره في الملحق سعيد حجي : عند العدد التاسع .
ومن حسنات هذه الدراسة : ان تتبع فقيدنا البحث عن (( الحماسة الجراوية ))، حتى توصل ـ في النهاية ـ الى العثور على مختصرها ، وحدد مكان وجوده : في خزانة السلطان الفاتح بالأستانة .
و نشير ـ الان ـ الى النموذج الثاني من اثار الفقيد ، و سنلتقي في هذه المرة ـ مع دراسته عن جامعة القرويين ، بمناسبة الاحتفال بذكراها المائة بعد الالف ، و بهذه المناسبة يستعرض المترجم تاريخ هذه الجامعة و مركزها ، و يستوعب عيون اعلامها ، و بذكر زمرة من روادها من داخل المغرب و خارجه ، كل ذلك في نفس طويل ، استغرق من (( كتاب الذهبي )) للذكرى : من ص 158 الى ص 172 .
و سياتي ـ بعد هذا و ذاك  ـ الموضوع الثالث ، وهو دفين بين تقاريظ كتاب المعسول (( لمؤرخ سوس المرحوم : محمد المختار السوسي ، و قد جاء تقريظ الفقيه ـ بالخصوص ـ شبه رسالة موضوعية ، اوعب فيها مترجمنا و اسهب و اثبت كثرة من الاحالات و التنظيرات ، لتشهد للنقط التي ابدع في عرضها ، و اجاد في تنسيقها ، و بهذا جاء التقريظ الحسني بحثا وافيا متكاملا ، و استوعب من كتاب (( المعسول )) ج 20 : من  ص316 الى ص 331.
 و بعد هذا : فان الفقيد يجسم في انتاجه لباقة و لطفا و احتراما لشعور القارئ ، مع تخليل صياغته بلطائف النكث ، و بدائع التلميحات ، و احاسن التوربات .
                                                -*-  
وهذه الخلائق عينها كانت تسود مجالس الفقيد و محادثاته و مذكراته ، مضيفا لها حسن عهد ، ومزيد تودد ، و افادة مبذولة ، و تواضعا و عفة لسان ، و صفاء ضمير ، و عقلا و اتزانا و تؤدة، و مقابلة للزائر النكتة  الحلوة التي ترتبط بحياته .
                                                -*-  
و الفقيد ـ فوق هذا ، كان سباقا الى المساهمة في المشاريع العلمية ، و الميادين الادبية : بمحاضراته و خدماته المبذولة .
ومن هذا  انه كان  المشرف على نشر و تصحيح الاجزاء الخمسة المطبوعة من كتاب (( اتحاف اعلام الناس )) ، للمؤرخ المرحوم ابن زيدان ، وهو الذي وضع فهارسها المتنوعة بغاية الدقة و الاتقان ، كما تولى كتابة تصدير الكتاب في طالعة الجزء الاول : ص 7 -13 .
                                                -*-  
ان اخلاق الفقيد العلمية جعلته محترما في اوساط المثقفين ، كما ان اخلاقه الاجتماعية اكسبته تقديرا لدى مختلف الاوساط الاخرى . و بهذا و ذاك كان الرزء في فقده عظيما ، و المصاب اليما ، و قد رزئت فيه ـ شخصيا ـ بعزيز لا يعوض ، و بحبيب لا ينسى ، بالاخ الكريم بن الكريم : ابي المعارف سيدي عبد الكريم ، رحمه الله تعالى رحمة واسعة ، وروح روحه في اعالي الجنان ، و الحقنا به مسلمين مومنين .
                                                 -*-  
و اخيرا فان خير ما يقدم لوح الفقيد في هذه المناسبة : التفكير في جمع اثاره المخطوط و ضمها الى منشوراته ، وطبع الجميع في كتاب تذكاري تمجيدا للفقيد ، و تقديرا لخدماته في الحقل العلمي .
ومن واجبنا ، في نفس المناسبة ـ التذكير بالمحاولات التي كان الفقيد يشرف عليها ، وكانت ترمي الى احياء تراث والده فقيد العلم و شيخ الاسلام : محمد المدني ابن الحسني طيب الله ثراه .
و اذا كان ولده الأكبر قد استأثر الله ـ سبحانه ـ به الى جواره ، فان الامال معقودة على البقية الصالحة ، و الذرية الطيبة ، و الابناء البررة ، اطال الله عمرهم ، و بارك في حياتهم ، حتى يستوعبوا نشر اثار البيت الحسني ، و يقروا اعين المثقفين بإبراز كنوز الوالد و الولد ، وما ذلك على أربحيتهم  ببعيد .
عهود من الاباء توارثها الابناء
و ان من ابر البرور بالإباء و الإخوان ، إحياء تراثهم بعد وفاتهم
و الذكر للإنسان عمر ثان .
       

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here