islamaumaroc

الإسلام والتأميم -9-: نعود إلى التأميم والعود أحمد …

  دعوة الحق

153 العدد

            من المشاكل التي طرحت نفسها امام النظر الاسلامي ـ مسالة التاميم التي اوشكت ان تاخذ طريقها في حياة القوم ، وهي مسالة تناولتها الاقلام و اختلفت في وجه حكمها الافهام  ، واصل اثارتها جاء من الشام ، وكنا قد ارتبطنا في هذه القضية بمقال نشر العدد  الرابع من مجلة دعوة الحق ، ولا باس ان نعود بايجاز الى تاييد ما كتبناه سابقا ، وتاكيد ذلك الموضوع الهام الذي بحثنا صفته الشرعية ، ومصلحته الاجتماعية ، و الذي تبنته السياسة التقدمية ، وهو موضوع رسمه المذهب الشيوعي من قبل ، واشاعه النظام الاشتراكي  من بعد ، اذ ما عرف التاميم بصورته الحالية الا من تلك الجهة البعيدة التي لا تتجاوب مع طبيعة النظام الاسلامي ، وهو الذي ينفي التحريج و التضييق ، ويكره التبعية و التصفيق ـ و لا تتناسب مع ذلك المذهب القاضي بتوزيع العمل و تحديد المسؤولية  ، و تعبئة الطاقات  و تجميع القوات ، واحترام الحقوق و الميول و الحريات ، حتى يتم النشاط و الحماس في عمل الافراد و الجماعات.
           ومن المفهوم ان الانسان اذا احس ( وهو الحساس ) ان جهوده معرضة لسلطة التاميم المتعارف ، وانه لا يستفيد بحرية مما كسبه بكده وجده ، واصابه بعرق جبينه، و انما هو بمثابة الخديم المجرد من خريته ومادته تنكر قلبه للحياة ، و تكدر نشاطه في العمل ، وتاخر اخلاصه للانتاج . وهذا شيء ثابت بحكم  العقل المجرد و بحكم العادة و الطبيعة ، ولكن قد قال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح : لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر و ذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ، قلنا يا رسول الله اليهود و النصارى ؟ قال فمن ، و لا محالة ان يقع ما اخبر به  صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : (( وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى )) و ذلك ما نلحظه ونشهده في هذا العصر بالذات .
          فحرية الاختيار شيء طبيعي في حياة الانسان ، وعامل قوي في نجاح اعمال التربية و اشغال التنمية ، ومن المصلحة ـ مراقبة الدولة لشؤون الاجتماع ، و تنشيطها للعمل و الانتاج بواسطة التوجيه و التنويه ، و باعتبار المعونة المادية و الفنية من دون تسليط و لا تخليط ، فان ادنى شيء يزاحم حرية الانسان ينال من ارادته و عزيمته ، و يترك اثره في السعي و الشغل  وفي الريع و الاكل ، و يشد هذا و يقويه مال نراه من كارثة المجاعة التي يتخبط فيها اليوم النظام الاشتراكي نفسه مع وجود الكثرة البشرية ، و القدرة الفنية و التقنية ، ومع رجوع العالم الثالث اليه في هذه الناحية ، تلك الكارثة التي تهولها وسائل الاعلام ، و التي يساهم في جملته ، ومن النظام الذي يجمع المال تحت سلطته ، فاين هو ذلك النظام الذي يضمن لمواطنيه كسرة الخبز و لقمة العيشر و يحفظهم من ءافة الجوع و الضيعة.
الاحداث تتجدد ، و ان المصالح تتغير ، و ان الناس يتقدمون و نحن نتاخر ، فهذا كله حق و صدق ، وتاريخ جار وواقع ، و لكنه لا يدفعنا ان نسير في غير دربنا . و لا ان نكون امعة لغيرنا ، واما  يلزمنا ان تحزم ونتقدم  تقدما سليما ، وان نتعلم ونتصرف تصرفا مستقيما ، عفلى ضوء فلسفة الاسلام و طبيعة النظام ، لا ان ناخد ما عند الغير و ننسبه اليه و نحمله ما لا يحمله في الظاهر و الباطن.
     على ان ماخذ التقدم و مناهج التطور غير محدودة و لا محصورة فلكل طريقه في الحياة و الحضارة ، و اسلوبه في البحث و التنقيب و الاسلام قائم في كل زمان وعامل في كل ميادين و قادر على البناء و التصريف ، و الوفاء للحياة بالجدة و التكييف ، بما معه من المقومات الطبيعية و العناصر الحيوية ، التي ترفع من القدر و الشان البشرية ، في كل مقام من المقامات الحضارية ،  اذا توفر على رجال قوامين مخلصين وصالحين ـ وكل نظام مهما سما، فله دون نظام السماء.
       لقد كان في عهد النبي صلى الله عليه و سلم وفي عهد خلفائه الراشدين ـ اغنياء و اقوياء  ، و فقراء و بؤساء و لم يفكر و لا واحد منهم في تاميم املاك الاغنياء و لا في اخذ شيء منهم بالعطرسة و القوة ، و انما فرض فرض للضعفاء و المحرومين حقوقا في اموال الاثرياء ، و رغب كثيرا في  الصدقة و النفقة ، وشرع الكفارات و الاوقاف و الضيافات و الضحايا و الهدايا و الوصايا ، ليعود بذلك كله على المحتاجين و يدفع به ضرورة المضطرين ، وهذا كله في الاحداث الجارية و العادية لا في الظروف القاسية و الاستثنائية ، اذ الضرورات لها في الاسلام احكام  تخصها و تدفعها .
    اما الملكية فقد احترمها الاسلام ، و بنى عليها كثيرا من الاحكام ، وليس لغاصب لدى عرق ظالم حق في اموال الناس ، و لقد قالوا:  العروق اربعة  ، عرقان ظاهران : البناء و الغراس ، وعرقان باطنان : المياه و المعادن ،اما ذوو  الغصب و التعدي من الاقارب  ومن الاجانب ، واما الاراضي الفاضلة عن اصحابها وزائدة عن حاجات اهاليها او الذين لا قدرة لهم على معالجتها و استغلالها اما مصادر ومنابع الطاقة الكبرى ـ فمرجع ذلك طبعا الى نظر الامام ، وم صرفه شرعا الى  الصالح العام مع اعتبار ما يجب اعتباره ، واما القضاء على الخاصة بحكم العمة فذلك نظر ءاخر ومجاله رحب وواسع.
        وليس بعاقل من يريد ان يحتكر العلم لنفسه ، او ان يكون تاويله اولى من تاويل غيره فان العقول و الحظوظ متفاوتة ، وان الملكات و الاستعدادات مختلفة و انه فوق كل ذي علم عليم و نهاية العلم الى الله العلي الحكيم ، الا انه لا ينبغي لنا ان نتعجرف و نتكبر على  ءابائنا فان الاباء خير من الابناء الى يوم القيامة بشهادة قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، فقرن الصحابة رضوان الله عليهم خير من قرن التابعين ، وقرن التابعين رضي الله عنهم خير من قرن التابعين لهم ، وهكذا قرن ابي عبيد القاسم بن سالم ، وقرن ابي اسحاق الشاطبي رحمهما الله تعالى افضل من العصور الباقية واقرب منا الى فهم الشريعة و كذلك عصر هذا الجيل خير من العصر الذي ياتي وراءه مهما استدار الزمان وتطور الانسان فانه مامن يوم للا والذي بعده شر منه كما في  حديث بن انس بن مالك رضي الله عن النبي صلى الله عليه و سلم ، و لا اعتبار بالتطورات المادية و لا الاتجاهات المذهبية التي تفسد اكثر مما تصلح و التي يلزمها الظلم و الدمار، و تخريب البيوت و الديار ، و القضية المشار اليها تعتبر من باب المجموع لا من باب الجميع فما من عصر الا وفيه عناصر الخير و عناصر الشر وهم اكثر واوفر ، الا ان ذلك من الامور الاضافية التي تختلف بحسب القلة و الكثرة و هذا الحجاج بن يوسف الثقفي كان في عصر سابق و هو من شر التابعين واقبح المتجردين ، وقديما قالوا اذا كانت العلوم منحى الاهية   و مواهب اختصاصية فغير مستبعد ان يدخر لبعض المتاخرين ما عسر فهمه على كثير من المتقدمين .
       وليس بفاضل كذلك من يظن ان كل تصرف اجنبي محدود وممنوع في الاسلام كيف و الحيان تعاون بين الناس ، واخذ وعطاء بالنسبة و القياس ، و الله يقول : (( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر و انثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا )) أي و لتتعاونوا فانه لا يكون التعاةن بدون تعارف ، ويقول : (( لا ينهاكم الله  عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين )) ، وهذا هو شان الكائنانت الحية ، ياخذ بعضها من بعض و تلك هي طريقة الحياة و الاحياء ، و طبيعة التطور و الارتقاء ـ وسياق الكلام و مجراه ، وانما كان في موضوع التاميم ، فاين جاءت فيه صيغة التعميم ، و العلماء كلهم يومنون باعتبار المصالح الكلية ، و ان ذلك من مقاصد الشريعة الاسلامية ، الا انه يتحقق في التاميم مصلحة شرعية ، ولربما تحقق عكس القضية ، فانه قد  احدث عقدا نفسية و فوضى اجتماعية ، وهاهم يتذمرون و يتسخطون ، ما عدا اولئك الذين يؤممون ، و المشكل قائم وماثل امام العيون ، ومن القواعد و الاصول انه لا يحكم على عمل من الأعمال، الا بعد النظر في العاقبة و المثال .
    ثم انه لا يسوغ لاحد منا ان يسمح لنفسه بالقياس على ما ورد فيه نص شرعي خاص ، كعمر ابن الخطاب و علي بن ابي طالب رضي الله عنهما فقد امر المعصوم صلى الله عليه و سلم ان ناخذ بقولهما و نقتدي بفعلهما ، فقال: عليكم بسني و سنة الالخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ابي بكر وعمر ، وقد اخبر صلى الله عليه و سلم ان الحق يجري على لسانه .
      هذا و الظن انني اوفيت المقام حقه ، و اسندت وضعه و حكمه ، في قولنا : مادام الاسلام يعترف بالملكية و يحترمها ، وماداتم المحافظة على الاموال احدى الكليات التي اجمع عليها الملل ، فلا يخرج مال الانسان الا برضاه وعن طيب نفسه ، الا يكفي هذا السند المستفاد من الكتاب و السنة و الاجماع ، اما الكتاب فقوله تعالى : (( يا ايها الذين امنوا لا تاكلوا  اموالكم بينكم بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض منكم )) ، وهذا خطاب لكل مومن بالله وهو يضع قانونا عادلا للاموال ، فلا تنتقل عن اصحابها الا لسبب من الاسباب الشرعية ، ومال الفرد و ان كان كان مال الجماعة لان فيه حقوقا معينة و حقوقا غير معينة ، يجب احترام الحيازة و الملكية و حفظ حقوقها ، وحتى المحتاج الذي له حق في مال الغني لا ياخذه من اربابه الا باذنهم منعا للفوضى في الاموال ، وللكسل في الأعمال ، وحديث الفقراء متعالم مشهور ، وهو يا رسول الله ذهب اهل الدثور بالاجور ، فاجابهم صلى الله عليه و سلم بان للاجر طرقا  اخرى غير المال فينبغي لكم ان تلتمسوها .
    واما السنة فقوله صلى الله عليه و سلم . لا يحل مال امريء مسلم عن طيب نفس منه . و بالتاميم يكون بالعنف لا بطيب النفس ـ وقوله صلى الله عليه و سلم : كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، واما الاجتماع فهو ما ذكره علماء الاصول في مبحث المناسبة من مسالك العلة ، وهذه النصوص و الدلائل هي ما نعني بجادة الاسلام ، ومن وصية عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : و لا تظن بكلمة خرجت من مسلم شرا و انت تجد لها من الخير محملا .
       على انه قد عرف في الاصول كما في قواعد الاحكام لابن عبد السلام ان من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد حصل له من مجموع ذلك اعتقاد او عرفان بان هذا الشيء مصلحة او مفسدة و ان لم يكن فيه اجماع و لا نص خاص فان فيهم نفس الشرع  يوجب العمل بذلك ، مثال هذا من عاشر انسانا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يوثره و يكرهه في كل ما ورد و صدر ثم سنحت له مصلحة او مفسدة لم يعرف قوله فيها فانه لعرف بمجموع ما عهده من طريقته و الفه من عاداته ، انه يوثر تلك المصلحة و يكره تلك المفسدة ، وهذا شيء معهود من علماء الاسلام فانه يتاتى النص الشرعي في كل حادثة حادثة .
            واما حديث ابي داوود  فدلالته واضحة لغة وشرعا و قد شرحه الائمة بما لا يتنافى مع قواعد الشريعة و عللها ومراميها ، وانما خص صلى الله عليه و سلم تلك العناصر لكونها من ضروريات الحياة للانسان و للحيوان حتى لا يقع التسابق اليها و الاستيلاء عليها و التخاصم في شانها ، قال شراح الحديث : المعروف بين العلماء ان المراد بالكلا الكلاء المباح الذي لا يختص باحد ، و بالماء ماء الانهار التي لا تملك ، و بالنار الشجر الذي يحطبه الناس من المباح فيوقدونه / وقال الامام الخطابي : الكلا الذي ينبت في موات الارض يرعاه الناس ليس لاحد ان يختص به دون احد ، واما الكلا في الارض المملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لاحد ان يشركه فيه الا باذنه اه .
           ومن المقرر في اصول الشريعة ان اللفظ محمول  على ما يدل عليه ظاهرة في اللغة او عرف الشرع اة عرف الاستعمال ، ولا يحمل على الاحتمالات الخفية و البعيدة و لا سيما اذا كان ذلك منافيا لطبيعة الشريعة ، ومن ثم قال العلماء في حديث استعاذة النبي  صلى الله عليه و سلم من الفقر ـ انه لا يجوز حمل الفقر على فقر النفس لانه خلاف للظاهر بغير دليل ، ونعوذ بالله من الجهل و الفقر و الكفر ، و نسال الله التوفيق في السر و الجهر و في اليسر و العسر ، و الكلام يجري مع الكلام ، و الحمد لله في البدء و الختام .


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here