islamaumaroc

قضية إحراق مكتبة الإسكندرية

  دعوة الحق

153 العدد

         يحاول بعض المستشرقين في اتهاماتهم العديدة ان يجعلوا الاسلام عدوا لذوذا للعلم ، و هذا امرا صبح ظاهر البطلان لا يقره الا رجل نخر الحقد قلبه و اعمى بصيرته بعد ان قال القران و الحديث كلمتهما في القضية فلم يدعا المجال لاي حاقد لتشويه الحقائق كما يشاء ،ورغم ذلك فالدسائس تتوالى عن طريق الطعن في الشخصيات الاسلامية التي رعت منهج الاسلام خير رعاية ، و ذلك حين اتهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه باحراق مكتبة الاسكندرية اثناء فتح عمرو ابن العاص مصر و بجانب هذا الطعن يرمي الحاقدون من رواء ذلك وصم الفتح الاسلامي بالسلب و النهب و الهمجية .
           و قد روج لهذا البهتان جرجري زيدان و طه حسين (1 ) في حين هذا الاخير ـ يعني طه ـ مفكر لم يكن يصعب عليه تحري الخبر التاريخي و هو الذي تشكك في كثير من القضايا الادبية و التاريخية ـ الاخبار التي هو بصدد التصدي لها في دراسته ، فكيف رضي لنفسه ان ينقل هذا الزعم ، من غير ان يستعمل منهجه المفضل .
          و الحقيقة ان الدكتور طه حسين ايام تطلعه الى حياة المجد لم يكن بالرجل الذي يعمل من اجل تنقبه التراث بروح مخلصة لدينه لكونه مان في تلك الفترة بالذات منبهرا بثقافة الغرب غثها و سمينها .
       و ترجع حاثة احراق مكتبة الاسكندرية كما في راي الحاقدين و أتباعهم الى فتح عمروا بن العاص لمصر ، و معتمدهم في ذلك ما رواه عبد اللطيف البغدادي في كتابه ( الافادة و الاعتبار ) حين قال : (( ارى انه هو الرواق الذي كان يدرس فيه ارسطو طاليس ، و انه دار العلم التي بناها لاسكندر و فيها كانت خزانة الكتب التي حرقها عمروا بن العاص باذن عمر بن الخطاب ) (2 ).

          و بعده جاء القفطي فذكر في كتابه  ( تاريخ الحكماء ) قول البغدادي و زعم ان يحيى النحوي الاسقف لعمرو بن العاص و طلب منه الكتب الموجودة في مكتبة الاسكندرية لينتفع بها فاستشار عمرو عمر بن الخطاب و امره باحراقها (3 ).
        ثم اورد ابو الفرج بن العبري ( Bar hebraeus) وهو مسيحي يهودي الاصل الخبر في كتابه مختصر الدول مسهبا وزعم ( ان رجلا من اهل الاسكندرية يسميه العرب حنا الاجرومي طلب الى عمروا ان يعطيه ما في المكتبة من المخطوطات فكتب عمرو الى الخليفة يستأذنه في هذا ، فرد عليه عمر بقوله : اما ما ذكرت من امر الكتب فاذا كان ما جاء بها يوافق ما جاء في كتاب الله فلا حاجة لنا به و اذا خالف فلا ارب لنا فيه و احرقها ) (4 ).
          و يضيف ابو الفرج الى هذه الاسطورة ان عمرا امر بالكتب فوزعت على حمامات المدينة البالغ عددها اربعة الاف حمام  لتوقد بها فمازالوا يوقدون بملفات البردى و الرق ستة اشهر )(5 ).
        و عبد اللطيف البغدادي الذي روى هذا الخبر ربما يكون قد استند فيه عند زيارته لمصر على بعض اقوال الرعاع من العامة دون تمحيص و ليس هذا غريبا على من زعم ان ارسطو كان يدرس في الاسكندرية .
          و اما يحيى السالف الذكر و اتصاله بعمرو فالامر لا يستند على اساس تاريخي لان يحيى عاش قبل الفتح الاسلامي بقرن كما يقول المستشرق يوسف فورلاني .
           ومما يوهن هذا الزعم ان عمرو بن العاص قبل دخوله الاسكندرية اعطى لاهلها احد عشر شهرا لا يدخلها الا بعد انتهاء هذا الرجل المقرر ، وكان من المنطقي ـ لو كانت المكتبة موجودة ـ ان يغتنم الرومان هذه الفرصة فينقلون الكنوز العلمية التي توجد في مكتبة الاسكندرية و لا يتركونها للعرب ، و نضيف الى هذا ان عمرو بن العاص لو احرق الكتب خشية تسرب افكارها لعقول المسلمين ما وزعها 
على الحمامات لتحرق مدة ستة اشهر ـ كما جاء في كلام العبري ـ وهي مدة كافية لان تتعرض للسرقة فتصبح في متناول الأيدي . وهذا تناقض  واتضح في القصة و تهافت بين بالقياس الى ما عرف به عمرو من ذكاء يعصمه من الزقوع في امثال هذه الأخطاء البسيطة و البسيطة جدا .
         واذا نحن بحثنا عن هذا الخبر لدى المؤرخين وكذلك غير المسلمين من اليونان و الاقباط و اليهود ممن عاشوا قبل عبد اللطيف البغدادي ، ومن أولئك : اوتيكوس كبير اساقفة الاسكندرية الذي اسهب في وصف الفتح للإسكندرية و لم ينبه الى هذه الحادثة ، و ليس من المنطق في شيء ان يسكت هذا المؤرخ عن مثل حادث الاحراق وهو في معرض الحديث عن فتح عمر لمصر .
اذا من احرق مكتبة الاسكندرية ؟
         سؤال الجواب عليه بسيط ، ذلك ان التاريخ ينص على ان مكتبة الاسكندرية انشئت لنقل الاثار اليونانية الى مصر و قد دهمتها محن كثيرة في ايام الرومان فضاعت بين النهب و الاحراق ، وحين جاء يوليوس قيصر الى الاسكندرية سنة 48 ق م قامت معركة بحرية احرقت من جرائها دار صناعة السفن وما حولها من المباني ومنها مكتبة الاسكندرية التي لم يبق منها الا النزر القليل الذي وضع بمعبد ( سيرابيس ) وهذا المعبد نفسه شب فيه الحريق في عهد الامبراطور نيودسيون الذي امر بهدم المعابد و منها معبد ( سيرابيس ) و مكتبته .
           و نظرا لكل هذه الحقائق الدامغة فان علماء اوروبا لم يجدوا بدا من الاعتراف بادانة الرومان ، لذا نورد اقوالا لهؤلاء كحجة على الحاقدين الذين يرسفون في اغلال الثقافة الغربية . يقول ول ديورانت ( ... فان معظم المؤرخين يرفضون هذه القصة و يرون انها من الخرافات الباطلة ...) (6) و يقول البرسيم ( لشد ما استحكم وهاهو الان اخذ بالاضمحلال ، اما انا فقد اغتبطت بما سنح لي من الفرصة فكنت من العاملين على مكافحة هذا الوهم و اثبت بالبراهين التي وصلت يدي اليها ما اعتقدت انه هو الحقيقة ...) (7) و يقول المؤرخ  لوكلير : ( ان مكتبة الاسكندرية لم تبق الى عهد الفتح  الاسلامي لمصر حتى يقال ان العرب احرقوها )(8) و يقول فيليب حتى ـ على ما له من هفوات ـ في كتابه  ( تاريخ العرب ) ( اما القصة التي تقول ان عمرا احرق مكتبة الاسكندرية باشارة من الخليفة و احمي بها حمامات المدينة مدة ستة أشهر فينكرها البحث العلمي ...الخ )(9)
          و أولئك الذين يتشدقون في أقوالهم عن الاسلام وموقفه من العلم افتراء ، لم ينددوا بما عج به تاريخ أوروبا من مطاهدات للعلم و العلماء و تقتيل لأحرار الفكر الذين قالوا بنظريات راها رجال الدين المسيحي مناقضة للمسيحية ، و قصة جاليلو اسطع برهان على التخلف الفكري الذي عاشته أوروبا ردحا من الزمن ، و لم لم ينددوا أيضا بما فعله الصليبيون في طرابلس الشام خلال الحروب الصليبية عندما احرقوا مكتبتها بأمر الكونت برتزان ، وما قام به المسيحيون حين دخولهم غرناطة حيث أشعلوا النيران في عدد كبير من الكتب العربية بأمر الكردينال ( خيمينس) الذي لم يكتفي بذلك فقط ، و انما اعطى اوامره لابادة عصارة الفكر الاسلامي في المسلمين الثقات و غيرهم و جدناهم لم يشيروا اليه ، جميع البلدان الأندلسية .
           و المسيحيون معروفون بهذه الجرائم الفادحة سواء في العصور القديمة او الحديثة رغم ادعائهم القيادة الحضارية ، و ليس ادل على ذلك من ان الفرنسيين عندما استعمروا الجزائر ما تورعوا عن إحراق الكتب في قسطنطينية . و لا نزال في القرن العشرين  هذه العقلية المسيحية البسيطة السائدة في بعض مناطق الارض تشجعها القوى الامبريالية و الصهيونية فلا ترعى حرمة للعلم ولا تحترم  القيم الانسانية . ومن ذلك ان جيش ماركوس في الايام الأخيرة أضرم النار في الجامعة الاسلامية في الفلبين و في مكتبتها دون ان نسمع استنكارا لهذه الجرائم التي تقوم بها الصليبية ضد مسلمي العالم ، و يحسن هنا ان نورد الخبر كما جاء في جريدة العلم في الصفحة الاسلامية تحت عنوان _ جيش ماركوس يحرق الجامعة الاسلامية في الفلبين و كتبتها )  (10) : (( قامت السلطات العسكرية الفلبينية في الفترة الاخيرة بالاقدام على ارتكاب جريمة اخرى في سلسلة من جرائمها لابادة المسلمين وومحو الشخصية الاسلامية في البلاد ، فاحرقت مبنى الجامعة الاسلامية الفلبينية الاهلية و قد اتت النيران على اقسام الجامعة و فصولها كما قضت على المكتبة الكبرى للجامعة و التي كانت تحتوي على مجموعة كبيرة من التراث الاسلامي و المراجع و المؤلفات الاسلامية )).
اذا فالامر الان واضح لا يحتاج الى اكثر مما قلناه .

1 انظر : ( الجندي انور )(( الاسلام و الثقافة العربية في مواجهة تحديات الاستعمار و شبهات التغريب )) 364 مطبعة الرسالة .
2 نفس المصدر السابق ص 367 .
3 نفس المصدر السابق و نفس الصفحة .
4 انظر ( ديوارنت ) ول ، قصة الحضارة ، ترجمة محمد بدران ص 262 – 263 ج 13.
5 راجع نفس المصدر السابق و الصفحة و الجزء.
6 انظر قصة الحضارة ص 263 ج 13 .
7 انظر محمد كرد علي ( الاسلام و الحضارة العربية ) ص 20 ج 1 ط مصر – 1934 .
8 راجع مقال : له احرق العرب مكتبة الاسكندرية بمجلة الهلال العدد الخاص عن ادب البحر ص 128 .جمادى الا خيرة  1392 ، و فيها أقوال اخرى عن مكنية الاسكندرية واردة في دائرة المعارف الفرنسية و البريطانية .
9 راجع ص 222 ج 1 ط بيروت 1958.
10 انظر جريدة العلم السنة 27 العدد 8215 – الخميس فاتح ربيع الاول 1393.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here