islamaumaroc

الإنسان حيوان يتكلم(1)

  دعوة الحق

153 العدد

  سادتي الأساتذة الآجلة .
         هناك نظرية عند اصحاب اللسنيات الحديثة ( الاتجاه النبوي ) تدعي ان الانسان لا يتكلم باللغة ، بل اللغة تتكلم فيه ، او تتكلم به .
        و سواء قبلنا او رفضنا هذه النضرية ، فلن يمكننا ان ننكر اننا في بعض الحالات : نتكلم فنقول اكثر مما كنا نريد قوله . لذا ما اخالكم الا متفهمين ما قد تجدونه في هذا الحديث من جراة، انه حديث عاشق حبباليه ان يتحدث عن حبيبته ، افتداء بفضيلة الاستاذ الجليل محمد بهجة الاثري فهو لم يتمكن ، في افتتاح هذا المؤتمر المبارك ، من كثمان سر حبه العميق لعزيزتنا المشتركة .
         لكن ، رغم هيامنا بلغة الاجداد و المجد و الكرامة يجب ان لا نغمض اعيننا عما نظلمها به و عما تظلمنا به .
    ومن لم بذق ظلم الحبيب كظلمه
                       حلوا ، فقد جهل المحبة و ادعى 
                                                -*-
        للمشاركة في الكتاب التكريمي للاستاذ الدكتور ابراهيم مذكور ، حررنا بحثا عنوانه : (( ما الانسان ؟)) فحللنا ثمانية تعاريف ، من بينها واحد مشهور هو : (( الانسان حيوان ناطق )) و بعد انهاية من كتاب الموضوع : ظهر اننا لم نعن بهذا التعريف بالقدر الكافي من العناية، لذا اخترنا  فرصة اليوم لنتناول هذه النقطة بشيء من التحليل ، شاكرين للأساتذة الخالدين  ما سيتفضلون به من ملاحظات تعيننا على تعميق هذه التاملات المتواضعة (2).
                                                -*-
        اللغة اداة تفكير وتواصل ، أي من صميم ما يحدد كيان انسانية الانسان ، اذا ، لا يمكن التعرف على الانسان خارج الحقل اللغوي ، كما لا يتصور وجود لغة دون وجود اناس  يتكلمونها ، وهذا الارتباط يخولنا ان نؤكد: ان الانسان لغة ، و لازمة هذه القولة  هي : اللغة من كيان الانسان ، فلا انسانية  ندون لغة .
                                                -*-
كثيرا ما تصدى المهتمون بقضايا اللسان العربي ، بدافع من المحبة و الذاتية ، الى نوع من التمجيد و الحماسة في اظهار لغتنا ، اكثر مما تصدوا ، بدافع الموضوعية ، الى اعتبارها بعدا من ابعاد الشخص ، فلم يظهروا علاقاتها بالواقع الانساني و المجتمعي .
       سنضع اشكاليتنا في نطاق الشخصانية الواقعية ، لان هذا الاتجاه الفلسفي يبحث عن وسائل تحقيق الانسان : فيحرص على ابراز خاصيات الشخص  الحاسمة التي تجعل الكائن البشري يتناسق في العالم ، ومع العالم .
         فلابد من التنبيه الى تفاهة كل محاولة لتعريف الانسان من جانب واحد ، يجب ان نعتبر الانسان كائنا متكاملا ، لايجدد من واجهة واحدة ، لان واجهاته كثيرة  ، متفرقة متباينة ، بل احيانا متناقضة . لكن بالرغم من تشعب الجوانب وعدم الوحدة و الانسجام الكامل ، تبقى اللغة اداة لاجلاء الانسجام و التناقض ، ووسيلة العمل للوصول الى الاول و التغلب على الثاني .
                                                -*-
        كل التعاريف التي اعطيت ل (( انسان )) بقيت دون الوفاء بتخصيص محمولات مفهومه الحاسمة ، باستثناء واحد منها ، يظهر لنا انه قمين بان بقترب من ذلك . هذا التعريف هو : الانسان حيوان يتكلم....
                                                -*-
       الكلام اهم خاصيات الانسان ، وعماد الكلام هو الغة ، بدونها لا نطق ، و لا منطق ، و لا حوار مع الطبيعة ، و لا تواصل بين الاجيال و بين العصور ، هذه هي الابعاد الافقية للشخص .
        بدون اللغة ، كذلك ، لن يتمكن الشخص من معرفة ابعاده العميقة ( مثل : الحرية ، و القيم و التملك ) (3). و بما ان اللغة ملتقى مجموع ابعاد الشخص ، وجب ان تتبوا الرتبة الاولى في البحث عن الانسان :
انها جوهر الكلام و النسق الذي تصبح فيه المقاطع الصوتية هادفة ، تواصلية .
                                                -*-
       الفيلسوف ليس بالرجل الاختصاصي ( بالمعنى التقني ) ، و لا بما يسمى ، في الاصطلاح المعاصر ، بالمثقف ، انه رجل التامل ، او ان شئتم : انه الاختصاصي في (( الاوليات )) . مهمته ان ينزل الى العناصر الاولى للكائن و الى الاسس التي ينبني عليها التفاهم و التواصل بين الناس . انها مهام جد ضخمة ، و اللغة وحدها الوسيلة و المحج ، ومما يزيد في صعوبة الفلسفة، ان الفيلسوف يستعمل ، كذلك ، اللغة لفهم كينونة اللغة .
        البناء : مثلا لا يضع الحجر و الجبس و الماء و الاجر كما تيسر ، بعضها فوق بعض ، بل يعمل على ان يحصل من تلك العناصر المختلفة تلاحم خاص ، وتناسق تام ، بحيث تضمحل  (( شخصية )) الحجر ، وشخصية الرمل ، و شخصية اللبنات ، لينتج عن انعدام وجودها الذاتي كائن جديد ، هو الجدار : الجدار ليس الحجر ، و لا الرمل و لا الماء ... و لكنه كل هذا وزيادة، و تلك الزيادة سلبية ، لانها نكران فردية الاجزاء في حقيقة الكل .
كذلك الانسان : انه يتكون من عناصر ، ولكنها ليست هي اياه ، و ليس هو اياها .
      و بالنسبة للغة ، نفس الحال : اللغة مقاطع صوتية ، تفاهم و سوء تفاهم ، معان عن الواقع و اخطاء ، صدق و كذب ، حروف مجهورة و اخرى مهموسة ... كل هذا في اللغة ومن اللغة ، وهناك ، في ظل المقاطع ، ووراء المعاني : حياة و انفاس ، و قوى تؤكد وجودها  بما تحملها اللغة و بما لا يظهر من خلال شفافية اللغة .
                                                -*-
       لعالم بيولوجي شهير كتاب عنوانه (( الانسان هذا المجهول )) حقا : هناك جهل بالانسان، و لكن الانسان يعي جهله ، لانه يتكلم عنه ، أي يجسده لغويا ، لانه يضيء الجهل بالفاظ تخرجه من ظلام الغموض الى وضوح الوعي الذي يحدد مدى الجهل و يخطط طرق القضاء عليه . فدور اللغة ليس تعبديا ، و ان كان من اللزوم التعبد بالغة ، عن طريق الحوار الداخلي ( المناجاة ) و الخارجي :
(( اياك نعبد .
و اياك نستعين .
اهدنا الصراط المستقيم .
صراط الذين انعمت عليهم...)) (4).
                                                -*-
المنولوجيا (5) تعابير عن واقع و احساسات تعجز عن توضيحها اللغة ، كما تثبته سيكولوجية الاعماق ، و تعتبر بعض الجهات البنيوية المعاصرة ان المثولوجيا نظام الحياة الذهنية و الوجدانية لدى الشعوب ، و على الخصوص الشعوب البدائية .
       و الامة العربية التي ليست في طور البدائية ، تعامل اللسان العربي كما لو ان اسطورة ميثولوجية ، فلقد رسخ في ذهنية اوساط العامة ، و حتى عند بعض المغفلين من الخاصة ، ان اللغة العربية (( لغة اهل الجنة )) خلقت كاملة ، و قواعدها قارة ، نحوا و صرفا ... لذا كل من اراد محاولة اصلاح نزلت له صاعقة اللعنات من كل صوب . كذا ابقونا نعتقد ان لنا لغة و هي ليست لنا بالتساوي : انها لغة نخبة قليلة في المحظوظين يستعملونها في الكتابة و المحاضرات الرسمية . اما الجمهرة الساحقة منا ، فتكتفي بمتعة الاستماع الى رنات عذبة ، تنمو عذوبتها بقدر ما تبقى بعيدة عن افهامنا ، لقد حرمنا لغتنا حرمانا لاننا حرمنا عليها الحركات تحريما ، فاعدمنا نصف عناصر كل لفظة . ان اللفظ المكتوب معطوب 50% ، و اما الكلام المنطوق فدارجي...
                                                -*-
           كل امة لا تستطيع ان تغذي ذاتيتها من التاريخ القومي الا بواسطة اللغة المشتركة بين المنطوق ( الاجيال المتواجدة ) و المكتوب : أي تاريخ الاجبال السابقة ، فشعوبنا في معظمها امية ، ( غير قادرة على التواصل بالمكتوب، بماضي الاجيال السابقة ، فتعليمها الكتابة و القراءة يقتضيه اشراكها في الانتاج الوطني ، و لكن يقتضيه بكيفية اكثر الحاحا تاصيلها في كيان مجتمعي حضاري تاريخي . و قد يكون الامي على هامش الانتاج ، و قد يعتبره الاقتصاديون و السياسيون عاهة ، و لكن اذا اعتبرنا الامية من منظار انساني ، برزت مخيفة : انه اجرام ان نترك امة ، تتعدى 100 مليون نسمة ، منفصلة عن تاريخها ، منشقة في خاصة من الخاصيات الحاسمة التي تحدد انسانية الانسان : هل تستحق ان تسمى (( امة)) مجموع شعوب لا تتلاحم مع ماضيها ، فضلا عن ان تستقر له ، و لا تفهم الحاضر لغربتها فيه ، لا تخاطبه و لا يخاطبها ؟ ان الذي فقد لغته ضاعت منه الانسانية ، يصبح الكائن انسانا عندما يقدر على ان يتعرف ذاته فيغيرها و يقيمها ، طبقا للصور : النماذج التي يكونها عن الوسط ، وطبقا للصور الذهنية و القيم ، ففي اللغة يتجسد و يؤول كل ذلك ، و بها يترجم و يتبلور في الوجدان : ان اللغة تلتقط الواقع و (( وتقرؤه )) : من الامام و الخلف ، ومن الداخل و الخارج . صرح بعض فلاسفة اليونان بان (( الانسان الذي يعش داخل المجتمع انما هو حيوان او اله)).
                                                -*-
اذا كان هذا هو دور اللغة ، فما بالنا بامة يجرؤ ذووها الواعون على اثبات الحركات على الحروف؟ انهم يفضلون الراحة ، مع كتابة الفاظ مبثورة في لغة سكونية( يرضى عنها الفخامات و الخواجات ) على اصلاح يحي حضارة ، و يؤنس شعوبا تعيش في غربة عن التاريخ ، منشقة في كينونتها (6)
                                                -*-
الانسان عالم غامض ، مجهول ، و لكنه اكرم عوالم الكون :
(( و لقد كرمنا بني ادم .
وحملناهم في البر و البحر .
ورزقناهم من الطبيات .
و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ))(7)
وهذا التفضيل الذي يمتاز به الانسان على بقية المخلوقات ، بتجلى في قدرة الانسان على خلق المعاني ، أي في القدرة على تسمية الاشياء لتمييزها و التصرف فيها ، مما يعجز عنه الملائكة انفسهم .
(( و اذ قال ربك للملائكة :
اني جاعل في الارض خليفة .
قالوا :
اتجعل فيها من يفسد فيها ، و يسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك و نقدس لك ؟
قال :
اني اعلم ما لا تعلمون .
و علم ادم الاسماء كلها.
ثم عرضهم على الملائكة .
فقال :
انبئوني باسماء هؤلاء ، ان كنتم صادقين .
 قالوا:
سبحانك لا علم لنا ، الا ما علمتنا .
انك انت العليم الحكيم .
قال :
 يا ادم ، انبئهم باسمائهم )) (8).
                                                -*-
يظهر ان (( سمى يسمى )) و ((اسم )) من نفس الجذر الذي اشتق منه سما يسمو ، و سمو و سماء.
الالفاظ عناصر بدونها لا يتكون كلام ، و لكن الكلام ليس مجموعة من الالفاظ . ان كل لفظ مشكلة في  ذاته ، مادام يحمل معنى ، او معاني ، و المعنى قوة تربط بين الانسان و العالم ، و بين الناس فيما بينهم ، فكيف تكتسب اللفظة معناها ، أي القدرة على الارتفاع من الحركة الفموية الى الادراك المفهومي ؟ ان النطق بكلمة ، او كلمات ، لا يكفي لان لصبح لنا مفهوم او مفاهيم .
للكلمة قوى لا قوة واحدة ، من بينها تلك التي تخول اللفظ الانتقال من المحسوس الى الرمزية ، مثلا في الشعر و في النثر الفني ، و تخوله تجاوز المعنى العام الى المعنى الاصطلاحي الخاص . فلكل كلمة تاريخ يمتزج بتاريخ الكائن المتكلم . المفردات اودية و انهار تسيل بدم وعرق و شعور الجنس البشري ، بحيث لا نعرف انفسنا الا بواسطتها ، فتعريف الانسان بالمتكلم او الناطق ، لا يقبل الا من هذا المنظار. لذا كانت الفلسفة ، بوصفها تاملا في هوية وماهية الانسان مضطرة لان تبدا بدراسة الكلمات و تحديد معانيها للتعبير عن بعض جوانب الانسان .
                                                -*-
     دور الفكر ليس ان يبرهن و حسب ، بل كذلك ان يلتحم مع المفاهيم ليدوتها(9). ليحياها . لقد قررت الاختبارات السيكولوجية ان ثمة علاقة متينة بين القدرة اللفظية عند المرء و بين نجاحه في الحياة العامة و الخاصة . فنمو الذكاء ، لدى الاطفال ، يزداد مع نمو قدرتهم التعبيرية ، اذ لا تفكير بدون كلام ، وان غنى اللغة اساسي لتمتين قوة الفهم . فحتى المولولوغ يعتمد على لغة ، فهو (( حوار)) داخلي يستعمل الكلمات كما لو كان امام الانا مخاطب خارجي . فالاصم ، الابكم ضعيف الفهم و ضعيف الفكر : فهو لا يتامل بالمعنى الصحيح ، لان التامل يحدث حركات عضوية ، انه (( حديث )) حواري مع النفس ، وكل حوار يتوقف على كمية كلامية . فالحصيلة الفكرية رهينة بالقوى التعبيرية الى حد ان جل المتفوقين في ميدان ما ، تكون ثروتهم اللفظية وفق المعتاد . فالكلمة دائما صدى ، او انعكاس ، او امر ( رغبة او نفور ) . انها تخلق الاتصال النفساني في الانا ذاته ، و بين الانا و الانوات الاخرى . اللغة تجعل الحياة الذاتية حياة مشتركة، او (( اشتراكية )). فحتى كلمات الادعية و الصلوات ترمي الى خلق ترابط بين الانا و التعالي .
 الكلمات تفتض صميمية الانا ، على أي مستوى تبوات .
                                                -*-
 اللغة كائن يتاسس بناؤه على الكلمات ، و لكنه كائن يتعدى الكلمات بمجرد ما يتصل بعضها ببعض ( نحو ، صرف، بلاغة ، بديع ، منطق...) . بالرغم من هذه (( العلوم)) الالية ، فاللغة لا تفي بحاجاتنا التعبيرية ، لذا نفتقر الى استعمال الرموز ، و الخلق الفني ، على اختلاف اشكاله ( الموسيقى ، المسرح ، التصوير ، النحت ، الرسم...) . وهنا اخر ، هو  الرمزية العلمية ، كما في الرياضيات و المنطق الجديد .
ارتباط الفلسفة باللغة وطيد ، الا ان الفيلسوف لا يهتم بالالفاظ الا بقدر ما تتصل بكائن تاليفي يتجاوزها بنكرانها : الكلمة ايجابية في فرديتها و لكن لما غاية تتعداها ، ان (( غالية )) الالفاظ ان تصبح  لغة ، ومن وظيفة اللغة ان تدخل في نطاق لسان ، على اعتبار وجود فرق بين لغــــــــــة (Langage ) و لسان ( langue).
اللغة من جذر ( ل.غ.و.):
اللغو : التشويش( لغا: قال ما لا يتعد به من القول ):
(( وقال الذذين كفروا لا تسمعوا لهذا القران ، و الغوا فيه لعلكم تغلبون )) (10).
نفس المعنى في الاية 225 من سورة البقرة :
(( لا تؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم )).
وهذا يخالف جذر ( ل.س.،) :
(( وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ، ليبين لهم ))(11).
ان التواصل المباشر المبين يكون باللسان اكثر منه باللغة . و اللسان قوي للاقلاع و الدفاع عن المبادئ و المواقف . فموسى يصرح بانه يخاف مجابهة فرعون و قومه ، لذا يرجوان يصاحبه اخوه هارون ، لان هارون : (( هو افصح مني لسانا ))(12)
                                                -*-
هناك فرق اخر: بين لغة و كلام ( او حديث) . فعندما اعتبراللغة موضوعا للتفكير العلمي تصبح لسانا . اما عندما استعملها ، فاني ازمنها ، احينها ( أي ادخلها في نمط الوقت الحالي ): اجعلها كلاما أي ( أي كلامي) فحديثي ، او تكلمي ، يجعل اللغة شيئا محسوسا يتدرج في الزمان و ينبض حياة  ، فيه تتفجر حياتي الذهنية ووجداني .
عندما اقول : (( احب اللغة العربية )) ، احدث بكلامي علاقات بين مفردات متفرقة ، فهناك الاف من اللغات كما هناك ملايين من الاشياء التي توصف ب(( عربية)) ، الا ان الزواج بين ((لغة )) و المحمول (( عربية )) اتى مني فانا الذي حققته بكلامي ثم ان لفظ ((لغة ))لا ـ زماني، فباستعمال (( احب)) زمنته .
كل لفظه تتركب من بنية ومن حدث ، و بتفاعلهما الداخلي يتكون نسيج الكلام (13).
                                                -*-
باللغة يحصل التواصل و الائتناس ، و لو اختلفت الاجناس ، و بعدت المسافات ، ففي اواخر القرن الماضي ، حكى (( Romanes  في كتابه تطورالذهنية عند الانسان ان (  Mallery) اجرى تجربة في 6 مارس سنة 1880 ، بالولايات المتحدة ، على جماعة غير مثقفة من الصم ـ البكم تنتمي الى الجنس الابيض ، و على جماعة من الهنود الحمر ، فلاحظ ان كل جماعة تتوفر بكيفية تلقائية ، على لغة كلها حركات دون الفاظ ، و لكنها مشتركة بين الجماعتين ، مما يسر التفاهم بينهما ، كان هذا التفاهم بتعبير مباشر بسيط :
ففرك كف اليد اليمنى بكف اليد تاليسرى معناه : (لا شيء) ، اما ضغط كف اليد اليمنى على كف اليد اليسرى ، ووضع ابهام كل واحدة على ظهر اليد الاخرى ، فقد فهم منه : (( نحن اصدقــاء))(14) .
تدعى المدرسة الجشطالتية( Gestait ) السيكولوجبا المهتمة بالصيغ و الاشكال ) ان الفرد ، جزء عضوي ضمن كل ، فلا بد من دراسته داخل اطاره الطبيعي ، كذلك نفعل عندما نفسر الاشياء : لا نفسرها تفصيلا و اجزاء ، بل كلا ومجموعا ، فالتفكير تفكير في الكليات لا في الاجزاء.
يرى kohier) ( الالماني ، رئيس هذه المدرسة ، كما يرى اتباعه ، ان من الخطا ان نحلل الاجزاء لندرك  الكل قبل فهم الاجزاء ، فالتجربة تتركز في الاحساسات القادرة على ان تتداعى مع غيرها في ترابط تنشا عنه تجارب جديدة و فكرات مركبة .
                                                -*-
اذا طبقنا هذا على موضوعنا ، جاز ان نقول : ان اللسان العربي ليس ابجذية ، او مجموعة لهجات ، و ليس هو ما بين ضفتي القاموس المحيط وما جاء عند سيبويه و الخليل و غيرهما . انه تالريخ ووجدان ، انه انسية (15) وقد تجسدت في الثقافة العربية الاسلامية . فاللسان العربي لا يحيا و لن يحيا الا داخل ميدانه الطبيعي ، مثله كمثل السمك الذي يموت خارج الماء.
قد فطن الفلاسفة الى علاقات اللسان بالمحيط الثقافي ، فانكبوا ، بفضول ملحاح ، على التامل في اللغة من المنظار الشامل .
                                                -*-
هذا نموذج من طرق التفكير و الادراك ، وهناك نماذج كثيرة متغايرة ، نذكر منها المنهج الذي اتبعه سقراط .
الطريقة السقراطية ، طريق السخرية و ((التوليد ))، يرمي سقراط من وراء المناقشة الى ابراز خطا الافكار التي تروج في خاطر المخاطب ، فيعينه على اكتشاف عجزه ، من هذا العجز ينقاد المحاور الى استنتاج منطقي هو انكار فكرته ، او الشعور بتناقضها .
اذ ذاك يتدخل سقراط ليمهد لمحاوره طريقا فكريا يستولد به الحقيقة ، مستغلا استعداداته العقلية الخاصة ، ليخرج من الشك و يصل الى اليقين . ومهمة سقراط هي وضع السؤال وقلب الجواب على كل وجه حتى يظهر فساده ، هكذا تبقى الاسئلة تتولد ، الى ان يعترف المحاور بانه لا يعف شيئا ، و يبدا البحث عن الحقيقة . فالوعي بالجهل مخصب.
 اذا تساءلنا كيف تخرج للوجود نتائج (( التوليد )) كان تساؤلنا في الواقع هو : كيف نعبر عن الافكار
                                                -*-
مشكلة التعبير من اصعب مشاكل البحث في الانسان ، وقد رسمنا بعض خطوطها في عرض تشرفنا بالقائه على مجمعكم الموقر ، في السنة الماضية (16) نكتفي الان بالاشارة الى نوع من انواع التعبير : الشعر .
                                                -*-
عارض ( سارطر ) كل انواع الثنائيات و لم يحتفظ الا بواحدة : المنتهى ـ و اللامنتهى ـ ان الكائن كله في الظاهرة التي تتجلى فيها و بامكان المتناهى ، هو ايضا ، ان يتجلى و يظهر . فالوجدان او الذات ليس شيئا من الاشياء  ( فهو جوهرا ، و لا قوة ، و لا مراة تعكس المادة ...) بل ان الشعور معدوم ، و انما يحيا من الموجودات.
        نظرية ( سارطر) لا تفسر لنا كيف يحصل الابداع الفني . كيف يقول المحب الشعر وهو بلا شعور ؟ فالموجودات الخارجية لا تستطيع ان توحي الى اللا موجود ، اتاثر بمنظر ، و يزعزعني موقف او ظاهرة ، و لكن الشعر لا يصدر الا عني انا ذاتيا ، الشعر شعوري ، و قد تعالى عن المعطيات الخارجية : اللغة ، و الصناعة ، و الايقاع ، و العروض... موجودات مكتسبة ، و لكن الشعر يعتمد عليها و يتعداها ، و الا كان مجرد نظم ، وكانت كل القصائد عن الحب، مثلا ، من قالب واحد ، لا شخصية تميز بينها ، لا ذاتية فيها ، أي لا شعر اطلاقا . فلا بد من التفرقة بين عامل الجبلة وعامل الاكتساب .( سارطر ) نفسه يؤكد ان الشعور في حركة مستمرة تلقي به نحو الاشياء ونحو ذاته ، دون ان يستطيع الاتحاد يهذه او يتلك ، هذه الحركة عي التعالي ، وهل الشعر الا تطلع نحو تجاوز الموجودات للتعبير مما يتجاوز الذات الشاعرة وما يحيط بها من اشياء ؟
يخلق الشعر عالما ، لا من العدم ، و لكن من الوان الشعور التي تنبت في اعماق الوجود ، و تثبت وجود الموجود في الوجود ، لان القصيدة هي المكان الذي تصعد فيه طاقات الكون نحو اللغة ، فاذا كان الشعر متعاليا ، كانت اللغة متعالية بالطبع ، فكما جاء في كتاب (( الشعر)) لارسطو : ((الشعر اكثر قرابة بالحكمة )) و اكثر قيمة من البحث التاريخي ، ذلك ان الشعر يتحدث بالاحرى عن الشمول ، في حين ان التاريخ يتصل بالخاص .
       الشعر فن ، و علم ، انه سلاح جهاد : فهو فن ، اذ يتغلب به على العراقيل التي يلاقيها التعبير وهو علم ، لكونه يسير اغوار الكائن ـ الكل .
      فن وعلم ، اذن : الشعر وحدة بين الذوق و الفكر ، بين الهوى و العقل ، بين الوجدان و النشاط . الشعر متحرر من المثالية و المادية ، و الواقعية و الموضوعية و البرغماتية ... انه كلي ، وحدة الكلمات . انه الذكرى ( أي الماضي ) ، و الاضواء ( أي الحال )، و النزع (أي المستقبل )وهو كل هذا لان الفن خلاق ، و الابداع الاصيل يخلق زمانه انطلاقا من نظرة انيسة و ثقافية ، انه الابن و الاب للزمن.
      غير ما مرة حاول الرسام الشهير ( ديغاس) صنع قصائد ، فلم يوفق فتحدث يوما في ذلك مع الشاعر ( ملا رمى ) ، ثم ختم حديثه قائلا :
       (( واغرب ما في الامر ان لي افكارا كثيرة و بالرغم عن ذلك فان ما اصنعه ليس بشعر )).
فاجابه ( ملارمى):
(( ان القصيدة الشعرية لا تصنع  بالافكار ، و لكن بالكلمات !)).
        نعم ، المادة الاولى التي يعتمد عليها الشاعر هي الالفاظ ، لكن كل فرد يحيا بالكلمات : يتنفس و ياكل ، و يشرب بالكلمات ، وعم ذلك ليس الناس شعراء ! فكما ان البحار و الانهار و البحيرات تجري بماء مشترك بين الجميع ، كذلك الكلام يتركب من حروف الابجدية المشتركة ، ومن الكلمات المتداولة و المتجمعة في قواميس اللغة . و القواميس تحت تصرف جميع الناس ، ومع ذلك ...
       لذا ، يمكننا ان نقول ان السر الغامض الذي يحاصر الفكر الانساني في هذا العالم ليس علاقة الكائن بالزمان ( نظرية هايديغر) ، و ليس في علاقة الكائن بالحرية ( نظرية سارطر) بل في ارتباط الانسان باللغة .
       و الزمان ، اما ، ديمومة  ( أي كيف صرف ، كما وضحه برغسون ) ، واما كم ( الزمان القابل للعد الفزيائي ) . الاول صميمي في ذات واعية ( و لا و عي دون تعبير ) و الثاني ان ما تتحمله الذوات لانه خارج عنها ، ومع ذلك وضعت له رموز ، ومقاييس و اسماء . و بالنسبة للحرية ، نعرف انه لا توجد (( الحرية)) بل حريات(17)، ومن انواعها الكثيرة ، حرية الضمير ، وحرية الفكر، وحرية التجارة ، وحرية التنقل ... فقد تمنعني التقنيات التشريعية او ظروف صحية او غير ذلك من ان امارس هذه الحرية او تلك ، بل قد تحرمني الظروف كل الحريات ، ورغم ذلك ابقى موجودا ، اجاهد من اجل استعادة الحرية السياسية او حرية الصحافة او التجارة ... معنى هذا انه ، رغم قيمة الحريات في الحياة ، قد لا تتوفر في فترة مؤقتة ، ومع ذلك لا ينتهي الوجود بتوقفها ، اما اللغة فتنبع ، كما وكيفا ، من جميع الذوات : كل ذات لا تعني ذاتيتها  الا اذا كانت مقرا للغة و المستهلكة لها باستمرار .(( اتكلم)) اذن احيا ، الكلام ليس هو ما ضد السكوت ، بب النسق الفكري و الوجداني الذي تنتظم فيه ( وبه ) علاقات الكائن البشري بتشخصه ، أي ارتباط الانا بذاتيته ، و بالمجتمع ، و بالثقافة . فالثقافة خلق مستمر يسهم فيه كل واحد بحركات (و الحركة اجوية باعمال تعبيرية تصدر عن الجسد ) ، او بالكتابة او بالنطق .
      الثقافة وجود وادع اكثرمنها معلومات تتناقل و تتوارث ، كما تتناقل بعض الامتعة العتيقة . الثقافة العقل و الذوق في تفاعلهما مع الطبيعة ، و في تفاعل الذوات فيما بينها . فالقصيدة ، مثلا تستلزم وجود الاخرين امام الشاعر . انها فعل يتجه داخل الغير ليمتزج بمشاعره و تمتاز الثقلات القومية ، بعضها عن بعض ، بالقدرة على التعبير عن مد وحدة التفاعل .
فظاهر ان الثقافة ترمي لان تكون تعبيرا صادق و دقيقا عن الواقع في تحديده وحدته .
                                                -*-
اوردنا قولة سابقة اثبتنا فيها ان الذي يستطيع ان يقول : (( اتكلم )) هو الذي يستطيع ان يقول (( اني احيا)).و اللازمة لذلك هي : احيا ، اذن اتكلم ، و نتيجة لذلك ، يجوز لنا ان نصرح : الانسان هو الحيوان ـ اللغة ، أي حيوان يتكلم .
الجزائر :محمد عزيز الحبابي
مناقشة و تعليق عن البحث من طرف اعضاء مجمع اللغة العربية ، تحت رئاسة الدكتور طه حسين :
الدكتور طه حسين رئيس المجمع :
نشكر الزميل على هذا البحث القيم ، وقد سبقنا و ارسططاليس فعرف الانسان بانه حيوان ناطق . و الان ، هل لاحد من الزملاء تعقيب على الحديث ؟
الدكتور ابراهيم انيس :
سيدي الرئيس ، لا يسعني الا الاعجاب ، كل الاعجاب ، بهذه الكلمة العظيمة ، و البحث القيم . و برصفي لغوبا كنت اتمنى لو استطعت ان اعبر عن اهمية اللغة بالنسبة للانسان كما عبر الدكتور الحبابي في كلمته .
وقد طبع لي كتاب منذ سنة او سنتين بعنوان ((اللغة بين القومية و العالمية ))، و جعلت اللغة هي كل  شيء في تكوين القومية ، وجعلت محور الكتاب كله حول هذه النقطة ، وكنت اظن انني قد غلوت في هذا ، و لكني بعد ان استمعت الان الى كلمة الدكتور الحبابي ، اعترف ان اللغة لا تخلق القومية وحدها ، بل تخلق الانسان نفسه ، لاننا دائما نقول : ان اللغة هي التي علمنا الله ، و لا اتفق مطلقا مع اولئك الذين يأفكون فيقولون ان الانسان قد استمد اللغة في نشاته من اصوات الطبيعة ، بل ان الله القادر سبحانه الهمه هذه القدرة على ان يخلق اللغة ، و ان كان قد استغل اصوات الطبيعة في بعض كلماته.
و الذي لا اوافق الدكتور حبابي عليه هو انه قد انتقد كمن الامي فقال : انه غير متكامل الانسانية . ثم  قال ان الامي متى متى كان قادرا عن الكلام و على التعبير عن نفسه ، فهو متكامل الانسانية ، و ان الكتابة و القراءة ليس لهما اية اهمية في كل ذلك ، بل قيل فيما مضى ان السر في موسيقى اللغة العربية هو امية العرب قبل الاسلام ، فقد اعتمدوا على اذانهم و على السنتهم فكانت لهم اللباقة و الذلالة بالاعتماد على الوسيلة الطبيعية التي وهبها الله  لنا ، وهي الاذن ـ وحدها ـ في اللغة ، فكان لهم بذلك موسيقى اللغة العربية .
الدكتور مهدي علام :
اضيف الى ما تفضل به الزملاء من شكر الدكتور الحبابي شكرا اخر ، و اعبر عن امتناني لعنوان المحاضرة الذي كان يبدو امرا غريبا في تعريف الانسان بانه حيوان يتكلم مقنبسا هذا من قوله تعالى: (( الرحمان علم القران خلق الانسان علمه البيان )) وهذا اقوى دليل على ان الانسان الحقيقي هو الانسان المتكلم .

الدكتور محمد كامل حسين :
       لا اريد ان اتعرض الى العمق الفسيح الذي تكلم فيه الدكتور الحبابي ، فقد عودنا هذا العمق في كل ما يكتب.
    اما تعريف الانسان فلا بد ان يكون متعارفا عليه ، و الانسان عند المفكرين هو الانسان المفكر و  المتكلم ، و لكن عند رجال الدين : الانسان هو الرجل الذي يعرف الحلال و الحرام .
    هذا هو المعنى الذي رود في الكتب السماوية ، فقد ذكرت ان الانسان هو من عرف الحلال و الحرام ، و الخبيث من الطيب.
الاستاذ محمد بهجة الاثري :
 اود ان اعرف الدليل على ان الانسان من عرف الحلال و الحرام .
الدكتور محمد كامل حسين : 
    الرجل الذي لا يعرف الحلال و الحرام ، في نظر رجال الدين ليس انسانا ، فليست اللغات مجرد تعبير ، انما هي اداة تفكير ، وهي عنصر من عناصر التكوين الفكري للامة ، و ليست مجرد التعبير عنه ، و لذلك نرى الاختلاف فيها يدل على اختلاف العقلية في الامم المختلفة .
       ومما يدل على ان ذلك طبيعي في الانسان ان اللغة شيء منظم ، وهذا دليل على ان التفكير الانساني منظم ، كما ان الرياضة والحساب دليل على ان الانسان تفكيره منظم .
كذلك اللغة تدل على ان اصل جوهر التفكير الانساني منظم ، و لكنه اقل دقة من النظام الرياضي .
     و في اللغة العربية يصعب ان نقول : ان لالفاظها تاريخا لانه جرت العادة على ان كل جديد في معنى كلمة يقال عنه خطا ، و لذلك لا ارى من السهل ان نجد معجما تاريخيا للغة العربية .
     اللغة العربية ، بصفتها صورة من صور اهلها ، كانت في اول امرها لغة الخاصة  ومن هنا كانت صعوبتها ودقة تعابيرها ، و يجب ان تكون اللغة التي نعبر بها مختلفة بعض الاختلاف عن اللغة اللتي كانوا يتكلمون بها ،لانها لا تحيا الا اذا كانت صورة من تفكير اهلها لذلك مازلت اقول : ان اللغة العربية اذا اردنا ان نحافظ عليها فلا بد ان نفرق بين الافصح و الفصيح و بين الاصح و الصحيح ، حتى لا نقع في العامية التي لا ضابط لها .
الدكتور عبد الرزاق محي الدين :
        البحث الفلسفي الممتع الذي سمعناه كان يهدف بالدرجة الاولى الى تقييم اللغة و اثرها في الانسانية و الانسان و ضرورة تطورها بتطور الانسان لانه لا انسانية بلا لغة و لا لغة بغير انسان، ونحن نوافق على هذا . و انما التطور الذي يبغيه لم يكن واضح الابعاد فقد يكون تطورا عشوائيا و سريعا ، و قد يكون تطورا متدرجا و نحن نعيش عصر صراع مع لغتنا ، لان فيها كميات من الالفاظ الداخلية ، و الاساليب الدخيلة ، و اذا اردنا ان نستجيب لهذه التطورات بسرعة نكون في الواقع قد امتنا لغتنا و لم نحيها .
  فمهمة المجتمع هي مسايرة التطور ، و الاخذ بالتجديد ما امكن مع المحافظة على اللغة .
      و اذا كان قصد الزميل تطور الحفاظ على اللغة فاظنه ما نحن فيه ، و اذا كان يقصد التطور السريع و التجديد الذي يؤدي الى ضياع معالم لغتنا فلا اعتقد انه يريد و لسنا على استعداد لقبوله .
الدكتور محمد عزيز الحبابي:
       ليس لي تعليق في الحقيقة ، و لكنه تدقيق صغير . فانا لم اقصد بلفظة امية عدم القراءة و الكتابة ، بل اعطيتها مفهوما اشمل ، يعني عدم القدرة على التعبير . في المغرب يقولون : (( امي مثقف )) فصانع الصناعة التقليدية مثلا كان يخرج في الصباح المبكر ليصلي صلاة الصبح ، و يجلس في حلقة المسجد يستمع الى فقيه ، فيتعلم الفقه و الحديث وهو لا يحسن القراءة و الكتابة .
     وكذلك في الظهر و في العشاء ، فكانت المساجد هي (( الجامعة الشعبية )) ،و باللغة العصرية (( النادي )) .و اذا دخل الرجل الى بيته حكى لزوجته و بناته ما قاله الفقيه ، فهو يعرف الكثير عن السيرة و الحديث و علوم السلف ، و لكنه لا يحسن القراءة و الكتابة .
     فالكتابة و القراءة وسيلة للوصول الى شيء ، فاذا استطاع الوصول المباشر الى المفهوم فهو مثقف .
    اما فيما يتعلق بالتطور ، فانا لا اقصد الفوضى بل اقصد التطور و التقدم الطبيعي للغة العربية .
    لقد ذكرت شيئا عن التطور حيث قلت : نريد ان نجعل شعوبنا تتواصل لتصل بين الاجيال السابقة و الاجيال المتواجدة ، او المتعايشة ، و على ذلك يرقى العربي ، و يستطيع ان يقرا و يعرف ما يحيا به، و على ذلك نحن متفقون ، لا خلاف بيننا .

الدكتور طه حسين :
      معنى كلمة (الامية ) في الاصل هي ان العبريين كانوا يطلقونها على كل من ليس يهوديا ، او من اناس خارج اليهودية .
اما استعمال كلمة امي بمعنى لا يقرا و لا يكتب فهذا استعمال جديد .
     فمثلا النبي الامي يعني النبي الذي هو من اصل عربي و الذي هو من امة اخرى ، فكلمة امي بالمعنى القديم هي هذا ، و على ذلك لا ادري لماذا استعملنا كلمة الامية بمعنى الجهل بالقراءة و الكتابة ، فقد ذكروا ان الذين يحسنون القراءة و الكتابة ماداموا ليسوا عبريين فهم ( اميون) سواء قراوا و كتبوا او لم يقراوا و لم يكتبوا ، و لانهم قالوا : (( ليس علينا في الأميين سبيل )).
 


1  المؤتمر ، القسم الثاني : البحوث (1) صفحة 27
2 نعتبر حديث اليوم ذيلا و تكملة للموضوع المشار اليه عن الانسان .
3 للتفرقة بين الابعاد الافقية : و الابعاد العميقة ، كتابنا :  de l’Etre à la personne  K.Paris.P.U.F.   من ص 133 الى 338
4 قران : سورة الفاتحة.
5 علم الاساطير : تاريخ عجائب الالهة و الابطال في العصور القديمة .
6 ندعو الى وجوب وضع الحركات على الحروف ، على الاقل في الطور المدرسي ، الابتدائي و في الصحافة اليومية و الكتب الموجهة الى العامة . فهذه مرحلة حاسمة في محاربة الامية
7 قران : الاسراء :70.
8  قران : البقرة : 30 ، 31.
9  نقترح ذوت يذوت في مقابل SUBJECTIVER
10 قران : فصلت : 26.
11 قران : ابراهيم : 4.
12 قران القصص: 34.
13   يفرق القاضي عبد الجبار بين صوت و كلام ( المغنى ، ج 7 ص 6 الى 13 ).
14   انظر كتابنا من المنغلق الى المنفتح ص 179-180 ( القاهرة ،الانجلو )
15  Humanisme
16 (( الانسان و التعبير ))، الجلسة السابعة ، 1971.
17  انظر كتابنا : (( من الحريات الى التحرر )) القاهرة دار المعارف 1972

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here