islamaumaroc

الله: الحقيقة الكبرى -3-

  دعوة الحق

153 العدد

                                                    -3-
حقيقة وجود الله من خلال ملكوته :
       تكلمنا في المقال السابق عن حقيقة وجود الله سبحانه من خلال ملكوته ، و تطرقنا للحديث عن مسالة الصدفة ، و بينا بان هذه الحياة تضم عددا كبيرا من الناس بلغ بهم الكفر و الجحود الى ربط مسالة الصدفة باسباب وجود هذا العالم ، وما فكرة الصدفة في الواقع الا معنى من المعاني الخاطئة التي توهمها الانسان ، اما لقصوره وعجزه او تعنته و عناده ، ليحاول بها ان يبعد الفكرة القائلة بوجود الخالق المبدع ، الذي اوجد هذا العالم كيف شاء ، فلو كان هذا الكائن المفكر قد رجع الى نفسه بالتامل في محتواها و البحث في جوهرها لاكتشف لا محالة القصد الحكيم ، و الغاية المثلى التي خلق لها ومن اجلها و لايقن دون مراء ان الصدفة وهم خاطيء ، وطريق مسدود لا يؤدي الى غاية او هدف .
ان خلق الانسان لم يكن عبثا ، و انما هو وجود غاية في الحكمة ، و لكن الحكمة البالغة لا يكتشف مراميها الا ذو العقول الراجحة و الافكار المتفتحة ، وما كان بصرنا الذي نلتقط به صور هذا العالم الا وسيلة من الوسائل المباشرة التي تمكننا من مشاهدة حكمة الخالق من المخلوق و ايات عظمة الله التي لا تحد بحدود و لا تقاس بمقياس .
        فحكمة الله سبحانه تتجلى في الصور المختلفة لهذا العالم فهي تبدو في الامور الصغيرة التي نراها ملء أعيننا ، و الاشياء الكثيرة التي بلغت من الكبر حدا لا يحيط به البصر ، و الظواهر الغربية التي كنا نجهلها لولا تقدمنا الكبير في مجال صناعة المناظير الدقيقة التي تم اختراعها حين بلغ الانسان مبلغا لا يستهان به التقدم الفكري و التطور الحضاري .
            وما تزال اشياء اخرى رغم المجهود الفكري المبذول في ميدان الاكتشاف ، بعيدة عن
 متناول البصر ، اذ لم بكشف العلم عن دفائنها ومكنونها بعد .
         فالحكمة الالهية المعجزة تتضح للعالم الطبيعي حين يسلط منظاره ليتتبع ابسط صور الحياة المتجسمة في شكل (( الاميبا )) مثلا ، وهو حين يتتبع مراحل تكوينها ، او يعمل على سرشيحها ، يدرك عندئذ قوة   التدبير الخفي الذي وضع سلفا في تركيب كل كائن من الكائنات بدون ميز بين فصائلها و انواعها ، فلكل نوع وسائل دفاعه ، و السبيل الميسر لمد وجوده و بقائه، فلم هذا الانسان بعد كل ما راه و يشاهده لا يريد ان يكون الا متنكرا وحده للجميل ، جاحدا دون سواه نعمة الله في نفسه ، و في كل جارحة من جوارحه ؟ بعد امن اصبح اليوم يدرك القوة الخارقة المعجزة التي تتحكم في مصيره و تسيطر على وجوده ووجود كل المخلوقات التي تحيط به ،  وكنا في مقالنا السابق قد تناولنا الحديث باختصار عن ماهية الكون و بذلنا جهدا متواضعا في نفض الغبار عن اصله ، وكذا عن اولية نشاته و حاولنا   في عجز طاهر و تقصير واضح ان نشير الى الاثر الالاهي الذي يبدو لنا جليا في ذواتنا اولا ، او في كل ما يمتد اليه طرفنا من مظاهر وصور و اخيرا في هذا النظام القار الذي ينتظم في سلكه هذا الكون العظيم المليء بالايات ، الحافل بالعظات و الذكريات .
      و بما ان المقال لطوله كان يتطلب تجزئته ، فقد ارتاينا ان نجعله في ثلاث مقالات ، و اليك ايها القارئ الكريم المقال التالي من الموضوع الثاتي .

مولد ارضنا :
تعددت نظريات العلماء المتخصصين في شؤون الكون و تضاربت فيما بينها حول تعديد كيفية مولد  عالمنا الارضي ، هذا العالم الصغير ، بل المتناهي في الصغر ، الذي ارتبطنا به منذ كان وجودنا شيئا معلةما وامرا واقعا ، هذا العالم ، الذي خرجنا منه لنعود اليه ثم نخرج منه من جديد، فبيننا و بينه صلة لا تعادلها صلة ، فارضنا في امنا الاولى ، اذا جاز لنا ان نقول بالازدوواجية في معنى الامومة فلن يذهب بنا الاستغراب بعد اليوم أي مذهب حين نرى الدماء تهرق و الارواح تزهق من اجل حفنة تراب او قطعة ارض ، ذلك لان الرباط الذي بيننا و بين هذه الارض رباط و ثيق الصلة لانه ينبثق من معاني الوجود ، فهو بذلك اقوى رابطة تربط بين عناصر مادية اجسامنا وعناصر مادية الارض ، و لاجل ذلك فقد وجه العلماء انظارهم اليها باحثين عن اصلها باذلين و قتهم و فكرهم كما بذل الناس  ارواحهم و مايزالون يبذلون الانفس في سبيل الذوذ عنها او الاحتفاظ باكبر جزء من رقعتها ، ومهما كانت النتائج التي حصل عليها العلماء في هذا المضمار قليلة و غير مقنعة ، فان الذي يعنينا بعد كل هذا المجهود هو ان محاولات العلماء لم تنقطع ، فهم ما فتئوا يكررون المحاولات ، و ينفقون من اوقاتهم ما يملكون من ساعات اليوم لكشف الغطاء و لا مراء في ان العلماء سيبلغون اهدافهم و يحققون امانيهم ، ثقة منا في العلم و في قوة العقل البشري الذي يملك فيما يملكه من قدرات وغرائز و نوازع ، غريزة حب الاستطلاع ، هذه الغريزة القوية التي لن تدعه يستسلم بل سنحثه و تلزمه و تعلمه في نفس الوقت كيف يعيد الكرة و يكرر المحاولة ، حتى يصل في النهاية الى الهدف الذي رسمه لنفسه ، مهما  كان الطريق وعرا وشاقا ، ونحن في سعينا هذا لا يهمنا ان نحدد الزمن لتحقيق هذه الامال التي تراود افكارنا و تداعب عقولنا خصوصا اذا علمنا ان قانون الجاذبية و غيره من القوانين و الضوابط العلمية الاخرى ظلت مبهمة و بعيدة عن متناول العقل ، حتى ظهرت لنا فجاة و بدون سابق انذار ، فسجلها العلماء وعملوا بمقتضاها ، فلقد راى من قبل العالم الشهير (( نيوطن )) تفاحة تسقط على الارض ، فالهم بهذه الحركة المعتادة و التي لا تهزنا عادة لتعودنا على ظاهرتها ان يضع هذا العالم قانونه الشهير في الجاذبية .
          انه معنى يحمل الايحاء الخفي الذي دفع كثيرا من العلماء الى الابداع و الاختراع ، و انه لنفس  الايحاء الذي وجه النحلة نحو الزهرة اليانعة لترشف لك منها عسلا صافيا سائغا شرابه .
        اما عن مسالة ولادة ارضنا فسنحاول ان نسوق بعض النظريات  لبعض العلماء ، هؤلاء الذين سحرتهم هذه القبة الزرقاء فجذبت اليها ابصارهم ، و شدت اثارها عقولهم ، و استنزفت اياتها وقتهم ، عسانا ان نحصل في النهاية على فكرة مجملة و مختصرة عن مولد عالمنا الارضي هذا العالم الجميل المليء باثار الله و اياته المحكمة الخالدة .

1 – نظرية ايمانويل (( كانت ))
يمكن اعتبار نظرية هذا الفيلسوف انها اول فكرة اثارت انتباه علماء الفلك و المتخصصين في شؤون هذا الكون الى البحث الجاد في اسباب نشاة عالمنا الارضي  فهذه السماء بجلالها و هيبتها و بهائها وروعتها و بما احتوت عليه من البراهين و الابات الباهرات ، فهي بعظمتها و بما تبثه في افئدتنا من معاني الوحدة و الخشوع تستوقفنا احيانا للتامل و استخلاص العبرة و المغزى ، و لكن هذا التامل العابر ، قليلا مانتعداه ، ونادر منا من يتجاوز مداه ، ليواصل نشاطه و سعيه و بما يتوفر عليه من ذكاء ثاقب و ذهن وقاد و مواهب خاصة الى مجال الدراسة العلمية البحثة ، تلك الدراسة الشاقة العسيرة التي لن يقدم عليها الا اولئك الذين امتزج فكرهم بدقائق هذا العالم فحاولوا تفهم اسراره و فك ما استعصى من الغازه وحل ما تعقد من امره .
       فاصل علمنا الارضي في نظر ((كانت )) يعود الى سحابة غازية كانت تحيط بالشمس ثم انفصلت عنها بحكم السرعة الهائلة لدوران الشمس التي يعود اصلها الى كرة من الغاز.
    هذه هي فكرة الفيلسوف الامالني الكبير باختصار وقد وجدت هذه الفكرة في المستقبل من يعضدها و يوسع من مفهومها من امثال العالم الرياضي الفرنسي ((لابلاس ))(1).

2 – نظرية شمبرلين و بولتن :
مضمن هذه النظرية ان نجما اقتر من الشمس اقترابا جعل الاجزاء منها تنتشر في الفضاء لتتجمع من بعد في شكل كرات مستديرة متخذة لها مدارات حول الشمس .

3 – نظرية سيرها رولد جيفريز .
هناك شيه واضح بين النظرية السابقة و نظرية (( جيفريز )) الا ان وجه الاختلاف بينهما يبدو في كون النجم الذي مر بالشمس لم بقف عند حد الاقتراب ، و انما اقترب من الشمس حتى احتك بها احنكاكا خفيفا مما ادى الى تناثر بعض الاجزاء من الشمس منفصلة عنها .
 ومما لا شك فيه ان النظريات التي اسلفنا الكلام عنها تفتقر الى سند علمي يتضح لنا اكثر من هذا النظام العام الذي يشمل كل ذرة في هذا الكون ، اذ لا بد ان يكون من وراء هذا التنسيق المحكم مدبر حكيم، فليس من المنطق في شيء ان يكون اقتراب نجم من الشمس قد هيا من قبل كل هذه الترتيبات ، و اخذ علما بالفوضى او الحوادث التي يمكن ان تحدث في  المستقبل نتيجة هذا الاقتراب او الاصطدام الخفيف الذي تم هكذا بالصدفة او العفوية كما يتوهم بعض الواهمين ، دون حساب مدبر و مقياس متعمد خصوصا و نحن على علم بالنتائج التي كشفت لنا عن الخط الذي تسير عليه بعض الكواكب او  المدار الذي يدور فيه كل سيار تابع للشمس رلا يزيغ عن طريقه او يحيد عن خطته الورسومة له منذ بلايين السنين (2) فاذا علمنا ان الشمس تملك قوة السيطرة على ما حولها بفعل الجاذبية التي ركزت فيها ادركنا عندئذ صنائع اليد الخفية العليا التي وضعت لكل شيء حسابه الموزون حتى لا تعود هذه السيارات الى الشمس من جديد او تنفلت من منطقة سيطرتها لتضل سيطرتها لتضل عائمة في فضاء غير محدود ، ومن نم فاننا سوف لا نعلم الظروف الطبيعية التي ستتعرض لها ارضنا ، اذا ما فقدت مميزاتها قربها من الشمس ، هذا القرب الذي قدره العلماء بنحو مائة وخمسين مليونا من الكبلومترات (150 مليون كلم ) فياله من قرب بعيد يفصل بين ارضنا و بين الشمس لتكون هذه الارض صالحة للحياة و لوجود الانسان و استقباله بما يحفظ سلامته ووجوده من الموت و الانقراض من اول وهلة .

4 – نظرية الدكتور ليتلتون :
ذكر الدكتور (( فرنربولر )) في كتابه ((الى عالم اخر )) ص 289 نظرية للدكتور ليتلتون تقول : (( بان الشمس كانت في بدايتها احد عضوين يكونان نجما مزدوجا ثم اصطدم العضو الاخر بنجم و انفصل هذا العضو عن الشمس و انضم الى النجم الاخر ، اما ما تبقى من الحطام فهو الكواكب عنها)).
         و تفتقر هذه النظرية الى ما افتقرت اليه النظريات اللسابقة رغم ان صاحبها حاول كما بين ذلك الدكتور (( فرنر )) ان يتفادى جميع الاعتراضات و الانتقادات التي وجهت الى النظريات السابقة ، فكل نظرية تتحدث عن انفصال العالم او تجزئته الى هذه الملايين التي لا تحصى من النجوم تبقى في اخر المطاف رهينة  بالتدابير الفعالة و التنظيمات المقننة لها من قبل، لدوام صلاحيتها من جهة و الابقاء على استقرارها من جهة اخرى ، وهذا ما اغفله المتحدثون عن كيفية انفصال عالمنا الارضي حيث انهم لم يعبروا هذا الجانب أي اعتبار ، وحسبةا ان المادة يمكنها ان تقوم من تلقاء نفسها بوضع نظام قار عجز عن فهمه بالحقيقة الالاهية الكبرى .
ومتى رجع هذا الكائن الى المنطق السليم و القول الحق فانه لا محالة سيهتدي الى الصواب.

5  -نظرية السير جيمس جينز :
       يرى هذا العالم الفلكي الكبير ان الارض ماهي في الواقع الا عينة من الشمس انفصلت عنها ، ثك تجمدت ، و يستدل على ذلك بالعناصر التي تشاهد على سطح الشمس بواسطة مبين الاطراف ، و بين بانها نفس المواد التي تتكون منها الارض ، و اوضح بانه لا توجد لدينا وسيلة نستطيع بواسطتها ان نتعرف اكثر على المواد التي تتكون منها اعماق الشمس وما تحتوي عليه في داخلها من المواد و العناصر ، و ان ما تحصل لدينا من البحوث البي اجريت في هذا الحقل تدل دلالة قاطعة على ان المواد التي ترى على سطح الشمس هي نفس العناصر التي تتكون منها طبقات الارض  ، و يقول السير جيمس بالحرف الواحد .(( انه لا يوجد سبب يحملنا على الظن بان جو الشمس يحوي أي مادة لا وجود لها على الارض )).

6 – نظرية العالم الطبيعي فيكتور فايسكوف :
     لهذا العالم ايضا وجهة نظره في خلق ارضنا ، ذكرها في كتابه في كتابه المفيد  (( المعرفة و التساؤل )) صفحة 221 تقول هذه النظرية : (( يمكننا ان نتابع تاريخ المادة على الارض منذ كانت سحابة من الايدروجين الخالص اصلا الى حالتها الحاضرة ، فالسحابة تركزت في نجوم ، وحتما انفجر نجم واحد على الاقل من هذه النجوم ، و انتشرت مادة الانفجار في سحابات ايدروجينية اخرى ، كونت بدورها نجوما مرة اخرى وكانت الشمس احد هذه النجوم، و اثناء تكون الشمس تجمعت كميات صغيرة من المادة في جوارها المباشر و كونت الكواكب التي استبقت العناصر الثقيلة بصفة خاصة )).
و يستطرد العالم فايسكوف قائلا : (( من المحتم ان عملية خاصة من نوع ما حدثت عندما تكونت الشمس من السحابة الايدروجينية المشوية الاصيلة ، و تسببت هذه العملية في وضع قطع صغيرة من المادة في مدارات حول الشمس ، فنحن نعلم ان الشمس يحيط بها تسعة كواكب اصغر منها بكثير )).
       و يتخيل (( فايسكوف )) هذه الطريقة او العملية التي ادت الى خلق ارضنا فيقول في نفس الصفحة :
(( وفيما يلي طريقة من الطرق التي تصلح لتخيل اصلها ، فعندما انكمشت السحابة الغازية و كونت النجم لابد انها خلفت وراءها قطعا صغيرة من السحب ، و تجمعت هذه القطع تحت تاثير التثاقل و كونت الوحدات الصغيرة التي تدور الان حول الشمس ككواكب لها ، و طبيعي ان هذه الاجزاء المتخلفة تكونت اصلا من نفس المادة المتكون منها باقي النجوم )).
         اذن فارضنا ليست الا جزءا من الاجزاء المتخلفة تم تكونها من نفس المادة التي خلق منها  النجم الاصلي الاول ، و على هذا المنوال ، يمكننا ان نعتبر بان الكون كان في بدايته مركزا في كتلة واحدة تركيزا خارقا لكل عادة معروفة ، و ان هذه الكتلة كانت تحتوي على جميع العناصر التي تم اكتشافها على ارضنا حتى الان ، او ربما كانت تحتوي على عناصر اكثر مما هو معروف لدينا لان بقاء العناصر و ضمان وجودها في أي كوكب من الكواكب رهين على ما يبدو بالظروف الطبيعية التي تكتنف جو هذا الكوكب او النجم ، و لاثبات هذه الحقيقة نستدل بما ورد في كتاب (( الكواكب التسعة ) للعالم (( الان نورس)) هذا الكتاب الذي جعله في متناول قراء العربية الدكتور محمد خيري ، يقول هذا العالم في الصفحة 97 : (( و اذا لم تكن هذه الغازات الثقيلة فد تسربت الى الفضاء و تخلصت من قوة جذب ( عطارد ) ، فانه يكاد ان يكون من المؤكد انها تسربت الى جهات اخرى ، فكل غاز من الغازات قادر على ان يتكثف بتاثير الضغط او في درجات الحرارة المنخفضة , ومن الممكن ان يتشتت أي غاز بطبيعته و يزداد هذا التشتت كلما ارتفعت حرارته . فاذا عرفنا ان درجة الحرارة في الجزء المعتم على سطح الكوكب ، تصل الى درجة الصفر المطلق ، فمن الممكن ان نتنبا بثقة كافية بان جميع هذه الغازات الثقيلة قد تحركت ، او في طريقها الى الانتقال من الجزء الحار الى الجزء البارد المعتم )).
          و يستطرد هذا العالم موضحا انتقال بعض الغازات بحكم الظروف الطبيعية التي تعمل على نقلها فيقول في الصفحة الموالية من  الكتاب : (( و بمجرد وجود هذه الغازات في الجو البارد ، فانها لن تتمكن من الهروب منه مرة اخرى ، الا ان درجات الحرارة عند حافة الاجزاء الباردة لا تبقى ثابتة على قدر معين ، فهي تزداد كلما اقتربت الشمس مما قد يدعو الى  وجود تبارات عنيفة من الابخرة المتطايرة من الغازات السائلة مندفعة الى البقاع الباردة لتستقر فيها)).
       لقد كان سعبنا من وراء ذكر هذه النظريات هو ان نستخلص فكرة و لو موجزة عن مولد عالمنا الارضي ، هذا الميلاد الذي اختلفت في استقصاء حقيقة الافكار فما اهتدت بعد الى صواب ، فليس المهم ان نعرف كيفية نشوء ارضنا و لكن الاهم من هذا كله هو ان ننظر بعين التعظيم و الاكبار الى عمق القوانين المحكمة التي هيات ارضنا و اعدتها اعدادا كاملا و تاما لاستقبال معنى الحياة ثم لاستقبال هذا الانسان الذي اكسب الوجود معنى و قيمة .
        و خليق بنا و نحن نتحدث عن ميلاد ارضنا ان نفتح كتاب الله و نقرا منه ما يبصرنا بحقيقة الوجود ، و اذا ببصرنا و فكرنا يقفان امام هذه الاية الكريمة التي وردت في سورة الانبياء حيث يقول جل من قائل : ( او لم ير الذين كفروا ان السماوات و الارض كانتا وتقا ففتقناهما ، وجعلنا من الماء  كل شيء حي افلا يؤمنون )). انها اية تلفت النظر الى نقطة البداية ، و كم من اية نمر عليها معرضين ، و اذا هذه الكلمات تقص علينا في ايجاز امر هذا العالم ، فاذا السماوات و الارض كتلة واحدة متصلة ببعضها متحدة فيما بينها ، فلا سماء حينئذ و لا ارض ، و انما هي المادة التي نفذت فيها كلمة الله العليا فكانت بامره صالحة للبناء ، انها مجموعة من العناصر متراصة ملتحمة، و قع قول الله فيها فما كان منها الا ان تجرات و انفصلت مع تدبير من الله لا يدانيه تدبير ، فاذا هذه الكواكب تسبح ، وهذه الارض في الفضاء تعوم دون سند او عمد ، و اذا الشمس (( تجري لمستقر لها )) و اذا جميع الموجودات قد اخذت طريقها الذي رسمه لها الخالق الاعظم سبحانه . فهل ان لهذا المخلوق ان يهتدي و هو يشاهد ملء بصره معالم القدرة الالهية ، و قد احاطت بكل شيء فحفظته من التناثر و الانهدام و الفناء ، ام ان هذا المخلوق لا يريد ان بكون الا مسيئا على عادته في معاملاته مع الخلق ؟؟!!
         ما اعظم شانك يا الله ، وما احاط هذه النفوس التي لا تريد ان تسمو بمعرفتك الى الاعالي فاستكانت لذلها ووضاعتها ورضيت بالمهانة حين اختارت طريقها منهجا و سبيلا ، بدل ان تقف وقفة المتعلم المتفكر فتتلمس من اياتك و براهين وجودك ما يرفعها من وهداتها التي ترزح تحتها . فلقد توهم من قبل جهلة قريش ان كتابك الحكيم ليس منك ، وزعموا حين  عجزوا على الاتيان بسورة منه انه سحر ، و لكنه الكمال المطلق الذي تقف العقول امامه مشدوهة حائرة ، و لكنه الاعجاز حين تتعثر الافكار عن ادراك مغزاه وفهم مراده، اما اولئك الذين فتحوا قلوبهم له فقد امنوا ، وما كان لهم ان يزيغوا او يضلوا ولن توجد في الدنبا قوة تستطيع ان تزعزع ايمانهم و ثقتهم في ربهم ، لقد تمكنت حقيقة الله الكبرى من نفوسهم واستحوذت على افئدتهم فاطمانوا بها و لها ، بعد حيرة طويلة و ضلال بعيد عاشوه من قبل .
       ان صوت (( بلال )) رضي الله عنه ما يزال يجلجل و يهدر قائلا و قد اخذ منه العذاب ماخذه . احد . احد . احد. احد. و في هذا الوقت الذي كان فيه صوت الحق ينادي كان كثير من الناس يهربون من صوت  ضمير الحق ايضا ملتجئين الى خيال يخلقونه باوهامهم المريضة باحثين عن مقعد ليستريحوا عليه مبتعدين من صيحات الواقع ، فلطالما تنكر الناس لربهم فما افادهم تنكرهم وما هداهم سبيل الرشاد ، بل ظل صوت الحق ينادي العقول جيلا بعد جيل وامة بعد امة مخاطبا ضمائر الناس قائلا : من خلق الكون و اوجده من اعماق المجهول و العدم ؟ و من حفظه من الزوال منذ القدم ؟ ووضع له هذه القوانين المحكمة التي ابقت عليه و صانت اجزاءه خشية التبدد و الفوضى ؟؟!!
افلست جاحدا ايها الانسان ، ان لم تقل ملء قلبك وروحك ملء نفسك وجارحك انه الله الله الله .
         لكاني بك وانت تردد هذه الكلمات العظيمة قد بدات تكتشف نفسك و تميط لثام الغموض عن سر وجودك و تدرك الغاية من وراء خلقك و اخذت تهتدي الى حقيقتك وموضعك من هذه المخلوقات  الكثيرة التي تحف بك ، و اذا الاشياء العظيمة باعتقادك في ربك اخذت تصغر في عينيك ، و اذا العلل الواهبة التي كنت تعلل بها خلق هذا العالم قد اخذت تزول و تنقشع كما تنقشع لمة الظلام عن وجه الشمس المضيء و اذا المظهر الالاهي يتوهج نوره بين ضلوعك فينير جوانب قلبك ، و اذا معالم هذا الكون قد غارت كلها و اختفت صورها من عينيك لتضل معالم الحقيقة الالاهية وحدها تمد قلبك نورا و تختمه ايمانا ، و لكاني بك و انت في هذه اللحظة التي حولت مجرى حياتك قد افتقدت الاحساس بنفسك ووجود ذاتك ، لقد اصبحت في هذه  البرهة العبرة من الزمن، روحا خالصة من كل مادة و امسى قلبك بعد سواد خيم عليه طويلا ، صافيا صفاء قلوب الانبياء ، فلما تجلت الحقيقة الالاهية عليه ابصرت  ما لم تبصره من قبل ، و بلغت بمناجات ربك شاوا سامقا في السمو ورايت في ذلك الملكوت الاقدس الاسمى روح السعادة ينبض بالحياة كقلبك و لمسته هنالك بيديك بعد ان كان فيما قبل معنى و حلما عزيزا ، ورايت بشعورك الذي صاحب فكرك الجمال كله متجسما في ايمانك بربك ، وكان هذا الايمان الذي لامس حواشي جنانك مطية و براقا حملت عليه الى دنيا اخرى غير دنياك وعالم مثالي لا يلحق الا بهذا الايمان و لا يصل الانسان اليه الا اذا اكتسى بحلته و هنالك تصبح هذه العوالم الذي تحيط بك ، مصابيح تدلك اياتها الى وجود ربك معك في كل مكان تحط فيه رحالك . فهل ايقنت ايها الانسان ان لك مكانة عظيمة عند بارئك  لو انت حافظت عليها و صنتها من الانحدار ؟  ام انت لا تدري ان هذه الارض لم تخلق الا لك لتكون خليفة الله فيها تنشر بين ربوعها صوت الحق و العدل الالاهي .
    الا ما اتفه هذا الانسان حين يتهرب من الامانة التي طوق نفسه بها ، وما اعظم هذا الكائن المفكر حين يكون جديرا بتحملها .
      معذرة ايها القارئ لقد جنحت بنا اعتقاداتنا فكتبنا ما املاه الخاطر حروفا جاءت كما ارادت لا كما اردنا ان تكون  فلنعد الان الى ارضنا الصغيرة و لنحاول ان نتعرف على حجمها و كبرها ونحن نتتبع اقدار هذه النجوم التي تتلالا في السماء . ان حجمها يتضاءل و يصغر حتى لكانها ذرة تافهة تسبح في الفضاء تعجز ابصارنا ان تهتدي الى مكانها او حجمها ، فان عظمة الله  المتجلية في عظم المخلوقات لم تعرف منها بعد الا نزرا يسيرا و لم تنل من معرفتها الا حظا قليلا .

ارضنا ذرة هذا الكون :
       كلما ارتفعنا في الفضاء و حلقنا في الاجواء مبتعدين عن الارض الا وتضاءلت في اعيننا كثير  من الاشياء العظيمة القدر ، و يمكننا ان نلاحظ هذه الحقيقة في كثير من الاشياء ، فمن صومعة عالية يمكننا ملاحظة كثير من هذه الصور ، فهؤلاء الاشخاص الذين يملاون  الطرقات غدوا ورواحا ، تضاءلت اجسامهم في اعيننا وهم لا شك سيلاحظون نفس الملاحظة اذا ما صوبوا نظرهم في اتجاهنا ، و نستطيع ان نتجاوز هذا المدى الصغير و الذي هو في متناول الجميع اذا ما امتطينا الطائرة ، ان صورا في هذا الوقت بالذات تتناهى في الصغر في لحظات قليلة لتتلوها  صور الطبيعة ، فهذه اشجار باسقة طواها البعد ، و هذه جبال شاهقة حالت بيننا و بين ملاحظتها بعد المسافة فحسبناها سهولا منبسطة ، وهذه مظاهر مختلفة و متنوعة لم نعد نتبين منها شيئا ، او نتذكر منها معلوما .
        فماذا يمكننا ان نتخيل من معالم الارض لو ركبنا صاروخا من هذه الصواريخ التي تزور القمر ، اننا  ونحن في سفرنا نحو القمر ، تاخذ صورة الارض في التقلص و الانكماش ، فلا نكاد نطا باقدامنا سطح القمر حتى تصبح هذه الارض في حجم الشمس حين رناها من الارض سابحة في الفضاء ، فاذا كانت الشمس ، وحجمها يفوق حجم الارض بنحو المليون و ثلاثمائة الف مرة لا تبدو لنا من الارض  الا كما يبدو القمر ليلة النصف مع الفرق الهائل بين حجميهما و بعد المسافة بينهما بالنسبة للارض ، و عندئذ يجوز لنا ان نقول بان ارضنا لن تكون اكير من حجم بيضة حمامة حين نشرف  عليها من سطح الشمس ، وكلما توغلنا في اعماق الفضاء ، الا و انعدمت في اعيننا دلائل الصور الصغيرة بالتدريج حتى تنمحي بالمرة . فلو كان رواد الفضاء يملكون الة اقوى من صاروخهم و اسرع  و اكثر امنا و لطفا لرأوا صورة الشمس على كبر حجمها قد غابت عن البصر و احتجبت عن الرؤية ، فالشمس التي تلعب دورا هاما و خطيرا في حياتنا ، و في نمو اجسامنا و نباتات ارضنا ليست الا نجمة صغيرة غير مرقموقة من بين ملايين النجوم التي تعج بها مجرتنا المعروفة بدرب اللبانة او سكة التبانة (3) كما سماها بذلك العرب من قبل  . و لندع الان الفرصة للعالم الطبيعي الاستاذ فيكتور فايسكون ليتحدث لنا في ص 20 من كتابه (( المعرفة التساؤل )) عن المجرة ، يقول هذا العالم : (( ...ومستعمرة النجوم التي تكون مجموعتنا المجرية هي الوحدة التالية في الكبر من المحيط الكوني الذي  نعيش فيه فلقد بدانا باعتبار الارض دارنا ، ثم كانت المجموعة الشمسية هي الدار ، و الان يتحقق لنا ان الشمس بكواكبها ما هي الا جزء صغير من مجموعة كبيرة تبلغ الملايين من النجوم داخل مجرتنا)).
      الى قوله : (( لنلق بانظارنا مرة اخرى نحو السماء المرصعة بالنجوم من خلال منظارنا المكبر ، اننا نرى بلايين النجوم التي تحتويها مجرتنا )).
         و يعبر عالم اخر هو الدكتور (( فرنر بولدر)) في كتابه (( الى عالم آخر )) عن العدد الذي تم اكتشافه من النجوم حتى الان بقوله : (( ان المجرة تحتوي ارضنا التي تتركب من 100الف مليون نجم من النجوم الثابتة ، و الكون يحنوي على 100 الف مليون مجرة من هذه المجرات ، أي ان مجموع شموس الكون يصل ما يقرب من 10.000 تريليون و بالارقام (واحد و امامه 22 صفرا )).
         وكل هذه التقديرات في عد النجوم و حسابها لا تحمل الصدق بالمعنى الصحيح فهي لا تتعدى ان تكون مجرد تقديرات نسبية تقريبية . فلقد كان الانسان الى عهد قريب  ـ أي قبل اكتشاف المنظار ـ لا يدرك هذه الحقيقة التي يعيش اخبارها اليوم ، فهو بالامس كان يظن ان عدد نجوم السماء لا يتعدى العشرة الاف او اكثر من ذلك او اقل بقليل ، فلما تقدم العلم ، وظهر علم الفلك المجهري على يد العالم الشهير جاليليو جاليلي اخذت حقائق الكون تبدو جلية اكثر فاكثر ، و بدت معالمه اوضح مما كانت عليه في الماضي ، واستطاع علم الفلك ان يخطو في مدة وجيزة و قصيرة ما لم يستطع من قبل ان يحققها ، فهذه نجوم ما كنا نراها من قبل اصبحت ترى الان واضحة و لا معة ، وهذه سدائم حلزونية الشكل كبيرة الحجم ضاربة في اغوار المكان البعيد ، ما عرفناها الا حين اخذ العلم يخطو خطواته الجبارة ، فكانت المناظير التي تم اختراعها وسيلة فعالة ساعدت على التعرف على جوانب اخرى من العظمة الالاهية المتجلية في هذا الكون ، وكلما دفعتنا الحاجة التي تعتبر بالنسبة لما ام الاختراع و كلما قوي هذا الدافع في انفسنا الا وضاعفنا من تقوية الوسائل التي نشرف بواسطتها على احوال عالمنا  الكبير ، كليس منظار (( مونت بالومار (4))) هو اخر حلقة في مجال اختراع المناظير الضخمة ، فلقد سبق هذا الاختراع الكبير مناظير اخرى ، كمنظار جبل و لسن مثلا ، و غيره من المناظير الكثيرة التي تتفاوت قدرتها و قواتها بمقدار الخطوات التي خطاها العلم وكذا التقدم الذي احرز عليه العلماء في علم الفلك .
       وما يزال الانسان رغم خطواته العملاقة ـ في حاجة ماسة الى معرفة اكثر وادق عن هذا الكون ، فهو لم يتعد بعد عتبة الطريق الطويل المليء بالمشاق و الصعاب ، وهو لاجل ذلك سوف يضاعف جهوده و يواصل المسيرة ، و يعمل حثيثا لتقوية الوسائل التي يستخدمها في مبدان الاكتشافات العلمية .
       فصناعة الطائرات مثلا ، كغيرها من الصناعات الاخرى التي عرفت تطورا كبيرا ما تزال تعرف مزيدا من الجهود ، و لا ادل على ذلك من التحسنات التي تدخل في صناعتها بدون انقطاع . فلنحاول الان مع انفسنا ان نتخيل صورة او طيار وهو يحاول ان يطير بجناحيه الاصطناعيتين محاكيا الطيور وقد القى بنفسه من اعلى الجبل ظانا انه سيلتحق باول فوج من يلقاه من النسور ، و بين هذا التطور العظيم الذي وصله هذا الكائن اليوم بمواهبه الفكرية و بما يملكه من قدرات عقلية اتت اكلها و ثمارها في مختلف المبادين التي جرب حظه فيها ، افلا يعتبر هذا نصرا و ظفرا نال شرفه هذا الكائن العاقل . وهل يمكننا ان ننكر فصل هذه الطيور التي افادنا الكثير و علمتنا كيف نحاكيها و نعمل على تقليدها ، لقد نجح هذا الانسان رفاق بعقله هذه الميزة  التي كانت الطيور تتميز بها عليه ، فاقها حين اراد ذلك و استطاع ان يلحق في اجواء عليا ليست في متناول الطيور نفسها ، و اشبع في نهاية المطاف رغبته المكبوتة و طموحه المتزايد الذي لا ينتهي عند حد و لا يقف عند غاية معينة.
         ومن حسن حظ هذا الكائن المتطلع دائما الى حب الكمال ان تشوفه الى المعاني او تحليقه في  الاعالي جاء مقترنا ومتوجا بغايات اكثر عمقا و ابعد مدى ، فها هي السماء بأقمارها و شموسها و كواكبها و نجومها تجذب فكره اليها منذ القديم لتوحي اليه من جديد نفس الايحاء الذي اوحت اليه هذه الطيور ، وها هو اليوم و بعد كفاح مستميت وجهود متلاحقة لا تعرف التاني قد حقق اول رغباته بزياراته الى القمر بعد رسم الطريق اليه ، و هي ليست الا خطوة اولى لا شك انها ستتلوها خطوات و خطوات ، فمجال الفضاء واسع ومتنوع ، و ما على الانسان الا يجرب و يحاول ، فالدرب طويل و الميدان متع .
       لقد كانت هذه الاضواء المختلفة المنبعثة من هذه الكواكب بمثابة الاغراء لهذا الكائن ليعمل على توثيق صلته بها ، وهو في كل يوم يكشف الجديد ، و يزداد بهذا الجديد اعزازا واكبارا و دهشة مما يرى من الايات البينات .
         لقد علم ان ارضه اصغر بكثير من هذه الشمس فلما نمت معلوماته اكثر ادرك ان المجموعة الشمسية بما فيها هذه الشمس الدائمة النور لن يكبر حجمها مجتمعة يبعضها حجم ذرة غير مرئية ، وهاهو اليوم و بعد تقدمه في مجال صناعة المناظر التي كشفت له عن حقائق مذهلة و مروعة بدا يصدق بان مجرتنا المتكونة من ملايين النجوم لا تعد ذا شان كبيرا اذا ما قدرناها بباقي المجرات الاخرى التي تفوق الحصر لكثرتها ، و عظم اقدار نجومها .
        فاذا كانت شمسنا التي نصلي بها تبدو للناظر كبيرة الحجم اذا ما قورنت باحجام هذه النجوم الخافتة الضوء . و التي لا نراها الا عبارة عن نقط مضيئة فما ذلك الا لقرب ارضنا من الشمس و بعد النجوم الاخرى  عن ارضنا بمسافات خيالية بحيث نجد ان الارقام  عرفناها لا تفي بالبيان عن كشف ابعادها .
          و للتذكير ببعض المعلومات في هذا الشان يجدر بنا ان نفتح من جديد كتاب السير جيمس جينز و نقرا (( النجوم في مسالكها )) ، فلعلنا بذلك نستنتج من مفهومها ما رشدنا الى فهم بعض اسرار هذا الكون الكبير . و يقول هذا العالم وهو يصف لنا سعة بعض النجوم :
        (( ... هناك نجوم اخرى كمنكب الجوزاء هي من العظم بحيث يمكن ان يزج فيها بملايين كثيرة من نجوم  كالشمس في الكبر وزيادة ، فهي من العظم بحيث لو وضعت احداها موضع الشمس لوجدنا انفسنا في داخلها ، لان نصف قطراها اكبر من قطر فلك الارض ، فلنتصور مرة اخرى ان الشمس تمثالها حمصة ، عندئذ يكون اصغر نجم مثل نجم (( ثان مائن )) (5).
        فاذا كانت هذه حالة الشمس التي تكبر ارضنا بنحو المليون و ثلاثمائة الف مرة كما بينا ، فكيف تكون حالة ارضنا بالنسبة لنجم واحد من بين ملايين النجوم ، و هل بامكاننا يا ترى ان نتشخص  مقدار حجم الارض بالنسبة لنجم واحد من هذه النجوم العظيمة اذا ما استطعنا ان نقسم  الحمصة الى مليون و ثلاثمائة الف مرة . افلا تصبح ارضنا في مثل هذه الحالة رغم جبالها الشاهقة ، و سهولها النبسطة ورغم بحارها الزاخرة و قفارها المترامية ورغم انف الحضارة الانسانية كلها غير ذرة تافهة لا تستطيع قوة بصرنا ان نلتقط صورتها و كيف تكون حالة الشمس بسياراتها وما يدور في فلكها من اقمار اذا ما وضعنا في الاعتبار اقدار هذه النجوم العملاقة .
       ان هذا العالم العظيم ما يزال يبهرنا بأعاجيبه و تهزنا اياته المحكمة ، فلا نحس بعدئذ بهذا الغرور الذي اوحت به الينا افكارنا او بمظاهر هذه الحضارة التي نعمل على تشييد بنائها اننا نحس و نحن نتتبع عظمة هذا الكون اننا نزداد صغارا واضمحلالا خصوصا و نحن نعتبر ان الشوط الذي قطعناه في مجال صناعة المناظير لا يزال قصيرا ، هذه المناظير التي كشفت  لنا عن غرائب الكون وعجائبه و اماطت لثام الحقيقة عن مظاهر العظمة فيه . اننا لم نرتو بعد ، فافكارنا ما تزال تتطلع الى الجديد بشوق ونهم . فلنعد الان مرة اخرى الى كتاب السير جيمس انه ينادينا بهذه العبارات (( ... لقد اصبحت النجوم التي نبحث فيها الان ، ذات قدر عظيم ، ومن امثلة ذلك نجم منكب الجوزاء او الف الجبار ، وهو من الكبر قدر الشمس 25 مليون مرة ، و ان كان من المرجح انه في المادة قدر الشمس اربعين مرة ، و مثل اكبر من هذا هو (( الميرا )) او قيطس ، فانه من الكبر بحيث لو قذفت فيه  30  مليون شمس  لوسعها ، و معظم هذه النجوم هو من الكبر بحيث يسع احداها في داخله مليون شمس(6) على الاقل )).  
    و يذكر الدكتور احمد زكي في كتابه (( مع الله في السماء ))ص 169 ما نصه :
        (( ... فالنجم العملاق احمر ، فالتماع يخرج من الميل المربع من سطحه اصغر و لكن جملة التماعه كبيرة تدل على سح هائل ، ومن امثلة هذا (( منكب الجوزاء )) ذلك الذي ذكرناه سالفا ، و ذكرنا انه عند كتف الجبار في كوكبته . ان فطره يبلغ 460 مثلا من قطر الشمس . فحجمه قارب ان بكون مائة مليون من حجم الشمس فانظر كم من شموس تعبئ فيه ! و في العمالقة ماهو اكبر )).
   لقد عد العلماء نجوم السماء فما عرفوا حقيقة الرقم بعد ، وحسبوا اجرامها  فما وقفوا على جلية الامر بعد ، وهم في كل مرة يطالعوننا  بارقام يقولون بانها ليست نهائية و انما هي عندهم صورة  تقريبية ، و يقوي العلماء من طاقات الاتهم فتطالعهم السماء ، و يصوبون مناظيرهم نحو سديم فيحرصون باه يجوي في الفضاء بمقدار 50 الف ميل في الثانية الواحدة ، و يؤكدون بان منظار المائتي بوصة سوف لا يستطيع متابعته بعض مضي ساعات قليلة من الوقت ، ان منظارهم عاجز عن ملاحقته و معرفة اتجاهه ، لقد غار السديم في اعماق الفضاء النائي البعيد الى حيث لا نعلم له مسكنا او مكانا ، ودهش العلماء مما راوا فاخذوا يرددون قائلين ان عدد نجوم السماء يمكن ان يساوي ما على شواطئ البحار من حبات الرمال ، او عدد قطرات الامطار ، ان كل نجم يحتوي على طاقة  كبيرة يمكن ان تنشا عنها ملايين النجوم ، و لا تعجب بعد هذا فالفضاء يتسع لاكثر مما تسمع ، و امام هذه المظاهر التي تستوجب الذهول لعظمتها ،فان العلماء لا يستطيعون ان يكتموا دهشتهم و اعجابهم الشديد مما يرونه باعبنهم وهم لا يملكون بعد ذلك الا ان يطاطئوا هاماتهم . لقد اصبحت الحاجة تدعوا الان الى اختواع منظار اخر يكون ابعد مدى من المنظار المشيد حاليا على جبل بولمار (7)، ان هذا الجهاز الضخم لم يعد يقوى على متابعة السدم الهابرة في الفضاء اللا محدود ان قدرته الهائلة لم تعد اليوم تفي بالمطلوب و تحقق المرغوب ، و لعل العلماء يبحثون او هم في طريق البحث عن وسائل اخرى اكثر جدوى ، و اجدى نفعا ، في الوقت الذي تتضح لنا فيه بعض حقائق هذا الوجود يتنبه العقل البشري من غفلته و يستيقظ من طول رقدته ليطرح هذا السؤال . من خلق هذه العوالم فابدع خلقها و احسن صنعها، و هيا لها المرافق و الوسائل و مهد لها الطرق و السبل ؟ . و يظل هذا السؤال تردده الافكار و العقول، فاذا بصوت الحق يجيب و اذا باجرام السماء تردد : انه الله ، الله ، الله ، الحقيقة الكبرى التي تنتهي عندها جميع الحقائق ، الله الحقيقة التي تكبر معانيها في فم الجاحد فتعقل لسانه ان بنطق بها، الله ، الحقيقة المشعة بالنور التي تسع ذكرها القلوب المؤمنة بها فتضيء بعد ظلمة و تهتدي بعد تيه و ضلال .
       ما اعظم ملكك يا الله ، وما لكثر علمك ، و اغزر حلمك ، و اوسع رحمتك ، وما اصدق هذه الكلمات  اتلوها بلساني و تخطها يميني و يشهد بها قلبي ، فاذا انا اقرا (( قل لو كان البحر مداد كلمات  ربي لنفذ البحر قبل ان تنفذ كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا )).
       انها كلمات الحق لمن عرف بقلبه و بصره و حكمة الله متجلية في خلقه فامن بربه ايمان المخلصين الذين ما بدلوا كلمات الله منذ وعوها ، بل حفظتها افئدتهم عندما نقشها على قلوبهم قلم التدبير.


1 لابلاس عالم رياضي و فلكي من نبلاء فرنسا ، ازداد بنوماندي سنة 1749 و توفي سنة 1827.اعتنى هذا العالم بشؤون الفضاء و الميكانيكا و له في ذلك مؤلفات.
2 قدر علماء الطبيعة عمر الارض بنحو اربعة بليسون و نصف بليون من السنين .(4.5 بليون سنة )( ومنهم من قدر عمر الكون بخمسة بليون عام ).
3   ذكر العالم الجليل الدكتور احمد زكي في العدد 141 من مجلة (( العربي)) الغراء الصادر في سنة 1970 ما نصه (( و اسموها درب اللبانة و العرب فاسموها درب التبانة ، و التبان بائع التين ، خالوا ان التبانة حملوا تبنهم فوق السماء فتساقط منه حتى ملا الطريق و بذلك كانت المجرة .
4 منظار مونت بالومار من اقمار المناظير التي تم اختراعها ، وهو يساوي 10.000مرة قدر ما  لمنظار جاليليو من قوة ، أي مليون مرة قدر ما للعين المجردة ، و قد كلف اختراعه نحو ستة ملايين من الدولارات و يوجد هذا المنظار الضخم على قمة بالومار بكاليفورنيا ، و يبلغ ارتفاعه 5900 من الاقدام . لمزيد من التفاصيل راجع اذن كتاب (( الى عالم اخر ))(( لفرنبودلر))
5 اكتشف هذا النجم مؤخرا وهو اكبر من الارض بقليل
6 الشمس تكبر الارض بمليون و ثلاثمائة الف مرة
7 لقد امكن العلماء ان يتتبعوا بمنظار جبل بولمار اماكن جد نائية ومناطق تبعد عن الارض بنحو 700 مليون سنة ضوئية مع العلم بان الضوء بقطع في الثانية الواحدة 300 الف كلم ، راجع اذا رغبت مزيد من الايضاح ( كتاب  الى عالم  اخر )) لفرنريودلر .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here