islamaumaroc

مع خليل مردم بك في بغدادياته

  دعوة الحق

153 العدد

وصلت الى بغداد بعد عشر سنوات من مغادرته لها الى منصب  وزير لبلاده الشام بعد ان كان بارض الرافدين رئيسا للبعثة الدبلوماسية السورية ، عشر سنوات مرت و لكن ذكره الجميل في المجتمع العراقي لم يترك البلاد ، فقد عرفه الى جانب السفراء و الوزراء عدد كبير من رجالات الفكر و الادب  و الشعر ظلوا يعطرون المجالس بالحديث عن فوائده و موائده ، وعن خلقه الكريم النبيل .
    و الحقيقة ان شخص الاستاذ  خليل لم يكن غريبا عني فقد كان شرف التعرف عليه عندما اديت زيارة خاصة اليه في دمشق اثناء عودتي من مؤتمر الادباء المنعقد بالكويت سنة 1958 تناولنا فيها حديثا شيقا ما زلت اجتره كلما شعرت بشوق الى تلك الديار ، لقد كان الرجل مثلا صادقا لما ينبغي ان يكون عليه العلماء الافذاذ من اطلاع غرير و انقطاع للبحث و نظر لحقائق الامور .
     و بالرغم من ان الرجل تقلد مناصب سياسية سامية في حياته فكان سفيرا مفوضا لبلاده بالخارج ، وكان وزيرا مرتين : تارة للتربة و اخرى للشؤون الخارجية الا ان كل ذلك لم يملا قلبه بقدر ما ملاه  حب الكتاب و حب الاخوان و لذلك فهو صادق مع نفسه اذ يقول :
        انا لست اعني بالسياسة ، لنما
                                  هي نفثة من ذي جوى منهوك
عمل امينا للمجمع العلمي بدمشق قبل ان يتقلد رئاسته ، وكان في الوقت ذاته عضوا للمجمع العلمي العراقي .
   اعتكف على دراسة المصادر القديمة فحقق ديوان ابن عنين الدمشقي و ديوان علي بن الجهم ،
وديوان ابن حيوس ( بالياء)  و ديوان ابن الخياط الى اثار فريدة اخرى تتناول الجاحظ و ابن المقفع و ابن العميد و الصاحب و الفرزدق...
       و قد اتحفنا المجمع العلمي العربي بدمشق ، اليوم ، بديوان العلامة الراحل الذي اشرف على طبعه و التعليق عليه الاديب الكبير عدنان مردم بك نجل المرحوم خليل ، و قدم للديوان صديقنا الدكتور صليبا عضو المجمع العلمي العربي  فكان وفيا في التقديم ، مبرزا في التعريف بزميله الذي كانت تربطه به صلات و صلات ، ومن غير جميل يعرف عن خليل ؟ لقد كانت مقدمته دراسة مستوعبة مركزة لشاعرية الفقيد و نفسيته ومنهاجه في الحياة  ... واسهم اخونا الدكتور سامي الدهان رحمه الله بدوره في تقديم الديوان فحاول ان يقدم الشيخ  مردم في ترجمة مفصلة ، ابتداء من دراساته الدينية الاولى ، الى ان انطلق يحقق و يعلق و ينشر ، الى نضاله و متابعته من طرف الاستعمار الاجنبي ، الى انكبابه على وضع اسس البحث للاجيال  القادمة ، الى تنقله عبر الاقطار بعد ان توجهت اليه الانظار ، الى ان عاد الى بلاده لخدمها بكل ما يملكه من نفس نفيس.
لقد خرج الديوان اخراجا بديعا ورائعا حقا ـ و كنت اتمنى ـ وما ازال ـ ان يصل الديوان الى كل بيت من بيوتنا نحن الذين تربطهم بالشرق اصرة الوجود و الخلود ، فان المواضيع التي تناولها ليست و قفا على دمشق ولا بعلبك  و لا ببغداد و لا القاهرة ...و لكنها مواضيعنا نحن كذلك ، فكلنا عاش فترات النضال و الكفاح ، وكانا يعيش على مقدسات الاخر ، و بالتالي فان كل واحد من ابناء هذا المغرب  يحس جيدا ، وبنفس الحرارة ، ونفس الحماس ما كان يحسه شاعرا او كاتب من ابناء ذلك المشرق..
    و ابادر الى القول ان شاعرية احمد مردم كانت محل اجماع من لدن كثير من الرواد الذين قراوا له و سمعوا عن ادبه واجتمعوا به ، وقد كان في صدر الذين  تحدثوا عنه الامير شكيب ارسلان الذي يحليه  في تواضع بهذا الغرر :
    ...كو هام قلبي بالخليل ابن مردم
                      هناك الهوى العذري قد صحب العذرا
اجل ســراة الشـام بيتـا ، وانـه
                       لاحدثهم سنا و اكبرهم قدرا
و ارجحهم ذرعا و اطولهم يدا
                       و اكرمهم نجرا واصدقهم فجرا
اتاني قصيد منه يبغي اجازتي
                       وهل لضئيل النجم ان يقبس البدرا
و كيف يجيز المرء من بان شاؤه
                        عليه ؟ وهل للفتر ان يعدل الشبرا؟
و جاء بشعر كدت عند نشيده
                        اشكك هل بالشعر جاء ام بالشعرى

    و عندما زار الشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي الاستاذ مردم في الشام صحبة الشيخ عبد القادر المغربي قال هذا الاخير للرصافي : دعه يسمعك شيئا من شعره ، واشار الى خليل ان يتلو بعض  شعره على العادة المتبعة في مجالس العلماء و كبار الرجال فاستجاب خليل للطلب ، واندفع الرصافي ـ وهو المشهور بتحفظه في تقدير نتاج الادباء ـ اندفع يستزيد خليل من شعره مستحسنا ما يردده جميل النظم (1)
 واني في هذه العجالة اليوم لا اريد اكثر من اثارة الانتباه الى هذا الاثر الفذ الذي قدمه الينا مشكورا المجمع العلمي بدمشق في جملة ما قدمه من تحف وروائع و لكني مع ذلك سالتقي مع استاذنا خليل مرة اخرى عندما اقوم باستعراض نماذج من شعره روجنها مجالس بغداد قيل ان تظهر على الديوان ، ورددتها محافل الادب و العلم هناك قبل ان تصلنا منتظمة مرتبة منسقة مجموعة مشروحة .
   لقد احتفى العراق بالاستاذ جميل  قبل ان يلتحق بمهمته في بغداد ، وكان من المع المبادرات و الالتفاتات التي اثره بها احتضانه من قبل المجمع  العلمي العراقي عضوا مراسلا في العالم العربي من امثال عبد القادر المغربي ، ومحمد كرد علي و محمد بهجة البيطار و عبد ربه ...

تربطهما معا منذ نهاية الحرب العالمية الاولى ، كما كان على علاقة متوالية بالشيخ العلامة احمد بهجة الاثري عافاه الله...

      واذا كان من الملاحظ لدى السفراء العرب وجود تقارب تلقائي بين الدبلوماسيين السوريين و اللبنانيين في كل بقعة فان صلة الاستاذ خليل مردم بمعالي السيد كاظم الصلح الذي اصبح سفيرا لبلاده في بغداد منذ 3 نونبر 1953 كانت من  المتانة بمكان نظرا لما يجمعهما ، اظافة الى علاقة الجوار ، من هواية ادبية طاغية .. كان مردم طرزا فريدا من نوعه في الرقة و الخلق و النبل بفيض الدفء على  المجالس التي يحضرها و يضفي عليها من سحر حسه ومعناه..
    و لنتناول من بغداد يانع هذه المقطعات الجميلة التي قراها له اخوة هنا فتاثروا بنصها ومضمونها وعدوها من التراث الذي تغنوا به على مجلاتهم و صحفهم..
       لقد حفظ الناس هناك قصيدة بعنوان (الطفل )  التي كانت جريدة ( الحارس) نشرتها له في عددها الصادر يوم 15 فبراير 1952 . وهي من القصائد التي ظهرت بالديوان المتحدث عنه و التي قيل فيه انها نظمت بالاسكندرية منذ سنة 1926 ؟ و يلاحظ ان المنشور منها جريدة ( الحارس) كان مختارا من قبل الشاعر نفسه كما يشهد ذلك خطه بانامله على ما نرى في الصورة المصحوبة.
الطفل
امل تدركه العيـن و أيـن         بعد ادراك المنى قرة عين
صورة من صور الله التي       خلصت من كل تحريف ومين
و لدي شطر فؤادي انمـا         بك انشا اللـه خلقي مرتيـن
كان لي قبلك نفس فـاذا           انا مذ اذهللت احيا باشتــين
                      *  *  *  *  *
هـش لمـا طفلتـه امــه             ورنا من وجهها بالراحتين
من راى عيني يناجي مرعيا      او راى الزهرا يناغيها الحسين
و اذا ما عبت فـي وجهـه         عبتا او دفعته باليدين
جمع الانف و ضم الشفتين        وزوى اللحظ و بين الحاجبين
وبدا الغيظ واو دافعــه             و الحيا في وجهه ممتزجين
                     *  *  *  * *
سنة الندر ارى في وجهه          و بعينيه ائتلاف الفرقدين
اشقر الشعر على جبهته             طرة من مذهب فود لجين
ما على الناظر لو عوذه            بالمثالي السبع او بالسورتين

 وقصيدة الطفل هذه الاسكندرانية البغدادية تعبر عن العاطفة المرهفة التي كان يتمتع بها خليل كاب ، كما انها تصور بدقة و سلالة كذلك ملامح الطفل عندما يشعر بتغير في الاجواء التي من حوله ، زو القصد  بالطفل الى ابنه هيثم الذي توفى شابا ، يقول خليل :
امل تدركه امين و اين
                 بعد ادراك المنى قرة عين
صورة من صور الله التي
               خلصت من كل تحريف و بين
ولدي! شطر فؤادي ، انما
                  بك انشا الله خلقي مرتين
كان لي قبلك نفس فاذا
                   امنا مذ اهللت احيا باثنتين 
                    -     *    -
هش لما طفلته امــه
                     ودنا من وجهها بالراحتين
من راى( عيسى)  يناجي( مريما )
                       او راى ( الزهرا) يناغيها ( الحسين )؟
  و اذا ما عبست في وجهــه
                        عبتــا او دفعــته باليدـــين
جمع الانف وضم الشفتين
                        وروى اللحظ وبين الحاجبين
و بدا الغيظ و لو دافعه
                        و الحيا في وجهه ممتزجين
                    -     *    -
سنة البدر ارى في وجهه
                       وبعينيه ائتلاف الفرقدين
اشقر اللون على جبهته
                       طرة من ذهب فوق لجين
ما على الناظر لو عوذه
                     بالمثاني السبع او بالسورتين
وفي بغداد ايضا حيث يحن  المرء ـ مهما كان مركزه ومهما كثرت وسائله ، الى اهله و الى متعلقاته ، نجذ له قصيدة اخرى و لكنها ليست في الطفل أي طفل بل في حفيده من بنته الست اميمة حرم السيد وائل احمد قدري ، و القصد الى احمد الذي يدرس الطب بالشام اليوم (2) :

 يشغلنـــي بحبـــه
                         احمد عن كل احــد
 اذا تناغينـا معــــا
                         لم تدر منا الولــد
اعــيد ما بقولــــه
                        وان اقل شيئا يعـتتد
مصغــرا مزحـتما
                        و يكتفـي ويقتصـد
وان رآني مقبـــلا 
                        رفرف زنديه ومد
ولم يزل مزقزقا
                        كانه طير غرد
ضممته وضمني
                        حتى التقى فم وخد!
 فباسني واحدة فبسته بلا عدد
                        يريد ما راى وما
طالت يداه بداه او وجد

حتى اذا ما ناله اسـتـ
                       ـولى عليه واستبد
نظارتــي او ساعتــي
                      ياخذهـا و لا  يــرد
وربما اغتـــــاظ ـ اذا
                      منعته شيئـا وصــد
بينما تراه وادعـــــــا 
                      اذا به ظبي شرد
عوذته بالسمرتيــــــ
                      ـن وقل هو الله تحد
احسب اولادك مـن
                      انت له اب وجــد
اسبابه اكثر في الـــ
                      ـقربى  واعلى و اشد
اعرقهــم بنــــــــــوه  
                      اعلقهم بالقلب يــد
ليس احب من ولــد
                    للاب الا اين الولــد

 واذا ما ودع خليل بيته مرة من المرات الى سمر ممتع فانه يسمي ذلك الفنان المبدع الذي يندمج مع الحسن و الجمال و يتحسس مباهج الحياة و اشراقات البسمة، واعتقد ان قصيدته بعنوان ( ليالي بغداد ) من اجمل واروع ما انشد في بغداد الجديرة فعلا بكل لحن ونغم، وفي كل زمان ومكان ، ونذا كان القاريء ، أي قارئ ، يمكنه ان يدرك من خلال الكلمات قوة التعبير وجماله معا ، وصدق الاداء و بلاغته معا ، فان الذين عاشوا ليالي بغداد سواء في صيفها او شتاتها ربيعها او خريفها ليشعر بانه انتقل فعلا من حيث هو الى مجلس من منجالسها الدافئة الندية الفنية الشادية العطرة .
   لنستمع الى الاديب السفير يقول و كانه يتحدث بلسان الابقين و اللاحقين:
 لياليك يا بغداد  في الحسن كالفجر
                           معطـرة الانفـاس طيـبة النشـر
و للنور و السحــر المبيـن سوادهـا
                           كذلك سواد العين للنور و السحــر
وما روعة الاشراق او رونق الضحى
                           باحسـن من لالاء انجمهـا الزهـر
ففي كل شطر من صفــاء سمائــها
                           يلاقيك وجه بالطلاقــة و البشــر
وما القبه الزهراء لولا نجومهـــا
وبعد هذا برسم الاستاذ خليل مردم صورتين ناطفتين لشهر دجلة : احداهما نهارية و الاخرى ليلية ليتخلص من ذلك للفت النظر الى ان بغداد مال تزال هي هي انشودة الغزلان و السلوان ورحلة ممتعة دائمة في الف ليلة و ليلة من النشوة و المفاجاة و الحلم اللذيذ ..
اذا الريح مرت فوق( دجلة) ورفرفت
                     باجنحة فيها الزوارق اذ تجري
وبات شعاع النور في الماء شعلة
                   تشب باحشاء المياه و تستشري
ورب فتى امسى على الشط منشدا
                ((عيون المها بين الرصافة و الجسر(3)))         

فاوردني ما قد تحاميت ورده
                  زمانا ، وهاج الوجد و الشعر في صدري
فيا ليلة من دونها (الف ليلة)
                 ساذكرها بالخير ما مد في عمري
شهدت بها ما يملا النفس بهجة
                و يقضي على العينين و القلب بالاسر

و اذا تصدى الاستاذ خليل يرحمه الله  لوصف جمال الحسان فانه كذلك يحلق و يتوقف و يتوفق، وهو الذي يعرف عن تلك الوجوه النضرة التي تظهر من خلال الغبايا السود و كانما هي باقة من ورود فواحة يعلوها خفر الاعراب ان هي كانت عربية و لغة الاعجام ان هي انتسبت الى جهات اخرى :

كان الحسان الغيد يخطرن بيننا
                        ملائكة الرحمان في ليلة القدر
فكم غادة تصبي الحليم بسحرها
                        تضيء ظلام الليل كالكوكب الذري
تفتح اعلى الثوب عن غض جسمها
                        كما انشق كم الزهر عن ناضر الزهر
تقلص عن صدر و ظهر سواده
                         كما انشق ليل عن عمود من الفجر
تشبث لما زل اعلاه عنهما
                         يناهد ثدييها ودار على الخصر
تموج دون الكشج و انداح ذيله
                         فكانت كمن يطفوا على لجج خضر
يزيد بريقا عقدها فوق نحرها
                          فنور على نور حلاها من النحر!
اذا ارطنت كانت لكسرى و قيصر
                          و ان اعربت فهي الصريحة من قهر
ارى سهري فيها الذ من الكرى
                          بعيني طليح من سهاد ومن كسر
 
 و يظهر ان ايام خليل ببغداد كانت بالنسبة اليه ، وفي ظروفه الخاصة بمثابة فترات استجمام  واستحمام انشغل بها عن المضاعفات التي عرفتها سوريا على ذلك العهد ، ولذلك فانه في آخر هذه القصيدة لم يتردد في الاعتراف بانه سوف يظل وفيا لذكر لياليها و قبابها الزبرجدية المتلالئة :

وما انس من شيء فلا انس ليلة
                         تبسم فيها الافق عن بارق يسري
بدا من اهاضيب السحاب كانه
                        خوافق رايات على عسكر مجر
تالق في الافق الشئامي موهنا
                        يضيء و يخبو كالمشير الى امر
فحيى قبابا في العراق منيفــة
                         و ايقظ من نوم ( با الهول ) في مصر
رجوت لبغداد رجاء المحب ان
                          تعود لياليها بايامها الغر!

و هكذا فلم تحركه اجواء لروبا بما عرفه الناس منها من مغريات و لكن جو بغداد بما عرف عنه من عرف عنه دفء وحرارة ، وما يضمنه من مفلتن خفية هو وحده الذي هز مشاعره  المسكوبة في ذلك البديع من الشعر الساحر من القول.
         و بالرغم من انه انشد قصيدته البغدادية تلك وهو ما يزال بالعراق اوائل 1953 لكنه لسبب او لاخر لم ينشرها ـ حسب علمنا ـ على اعمدة جريدة او مجلة و لو انه كان يناسم بها الخلص من اصدقائه و الاقرباء من جلاسه ، و بعكس ذلك نقرا له في صحيفة ( الحارس ) السالفة الذكر بالعدد الصادر  لوم 12 دجنبر 1953 القصيدة التالية :
قالت : شهدت القــوم ذا
                       ت عشيــة يتناشــدون
شعــرا كرنــات المثـا
                       نـي يستخــف السامعيــن
حتــى اذا رق الحــديــ
                       ث عن المنــى و عن السجون
اللــه يعلـــم ما ذكــــر
                       ت سواك حيــن عللا الحنيـن
قل لي بربــك ، سحــر شعـ
                       ـرك وحيـه انــآ يكــون ؟

                    -     *    -
فاجبتهــا بابـــي وامـــي
                        تعلمـــين وتسالـيـــــن؟

   السحـر من سحـر العيـ
                       ـون وعندك الخبر اليقيــن
و الوحـي من وحــي الجفـ
                       ـون وما اخالــك تجهليــن
فتبسمـــت خفرا وقالـــ
                      ـت  : عندك الســر المصون

و الاستاذ خليل الى جانب حديثه عن الفن و الجمال هناك نراه في مناسبة اخرى يرسم صورة كاريكاتورية هزلية لمخلوق غريب تخيله او اصطدم به فعلا ، وفي الناسـ في كل زمان ومكان ـ نجد طائفة من الصور تصبح بمنزلة ( ديكور) تتميز به بعض المحلات او المقاهي او الازقة او الاسواق ، لنستمع الى الديبلوماسي مردم وهو يمسك ريشته ليقدم لنا هذا المخلوق:
احفى شواربه ولحيته معا
                      ارايت راس التيس ساعة يسمط
ومشى العرضمة حاسرا عن راسه
                       فكانه اذ ذاك قرد اشمط
و يشير اذ يهدي بعشر اصابع
                        يدور مثل ابي الرياح و يلبط
و كلامه متقطع بسعالـــه
                        كالعير يبهر في النهيق  فيعفط
فكانه بضجيجـه و عجيجــه
                        ذو جنـة  بقيـوده  يتخبــط
                    -     *    -
لم يحكه في القبح الا كالح
                        سمج الجبلة بالنذالة مفرط
قد جف من ماء الكرامة وجهه
                        لكنه قحة و لؤمــا  ينقــط
جهم كظل الصخـر من يره يقل
                        هو وجه ميت في السخام محنط
فاذا تمعـر او تكشـر ضاحكـا
                        فكانـه من وجهـه يتغـــوط!
و اذا تنحنح في الكلام حسبتــه
                        ثورا يخــور على العليق و ينحط

قصائد لا تتعدى الخمس اثناء مقامه في بغداد و لكنها فرائد طهر فيها ابا جديرا بالابوة يرى في طفله استمرارا لكيانه فهو يحنو عليه و يتصابى معه، و يتصور في طلعته البدر و في ائتلافه الفرقدين.. كما ظهر فيها في الوقت ذاته ابا مكررا او جدا بالتعبير القديم . و هنا نلاحظ درجة اعلى من التعلق و الانشغال... فهو لم يعد سفيرا و لا وزيرا يزن الكلام و يحترم مخارج الحروف و يتجنب مكرر القول و لكنه ينزل الى حيث يستحسن بل يجب النزول : يناغي حتى لا تدري من هو الصغير اخليل الجد ام احمد الحفيد ؟ يلثم و لا يشبع من اللثم ، ويضم  وينسى انه ضم ! نظارة الشيخ الصغير ، ولساعة وهي التي تضبط اوقات التزامات الديبلوماسي اداة لعب بيد الصغير..
    ويودع جو البيت لنجده ساهرا مع ليالي  بغداد الحالمة ، يصف صفاء سمائها و تالق نجومها، دجلتها وقد انعكست عليها انوار شارع ابي نواس فجعلت منه منارة داخل مغارة يربط بين عهد مضى لبغداد وعهد حاضر لها ، كلاهما يحاول الابقاء على الصلات ، و سنترك الشاعر المبدع هنا في ليلته التي اختصرت الف ليلة ، مع ملائكة الرحمان و صبا النشوان ، مع ((التفتح)) و ((التقلص)) و ((التشبث)) و ((التموج))... مع مناغات نديم تغيب تغيب عنه قواعد الاعراب احيانا ليجد نفسه حينا آخر متحدثا بلسان الروم وفارس ! ليلة استعذب فيها سهره .. ولم يكترث فيها لشكوى جفنيه !
      و يترك هذا الميدان الى اخر ، الى الهجو ان شئت ان تقول فنجذه يبرع في اداء رسم لاذع لانسان اقرب من التيس منه الى الحيوان الناطق ، زينته تقرف ، وخطواته تقصف ، و حديثه هذيان ، وصوته نهيق، و خلقته سمح ، وروحه كالصخر ، ضحكته قذرة ، و همسته افلاس!
         ذلك خليل من خلال هذه البغداديات ، ولو انك صحبته في رحلته الطويلة في خلايا ديوانه لرايت الوانا ممعنة في الجدة و متقنة الطراز ، ومن اجل ذلك فانه ولو ان الموضوع يقيدنا لكننا مع ذلك سندعو القارئ للبقاء معنا قليلا في تصفح بعض ذلك التراث الجليل.
اقرا قصائده في الوصف و الوطنيات و النسيب و الاجتماعيات و الاخوانيات و المرائي و الاسلاميات.
     واقرا على الخصوص من قصيدته (البرلمان ) هذه الابيات :
البرلمان ، وهل اتاك حديثه
                     وحديث من فيه من النوام ؟
ماك الحياء عليهم ابصارهم
                      فعيونهم بمواطئ الأقدام
حقروا نفوسهم فلم ترفع لهم
                     اليد لرد تحية و سلام
عكفت زواياه على اصنامهم
                     من لي بابراهيم للاصنام؟
واقرا من قصيدته ( الحلف و الجار) التي نظمها في اعقاب حوادث الاسكندرية :
اجارك الله ، هذا الحلف و الجار
                   عليك ـ لا لك ـ اعوان و انصار
هم حكموا ، فاذا التحكيم عندهم
                   تحكم واذا التخيــير اجبــار
الخصم بحكم و القاضي بها همل
                   و الحق يسرع و البهتان سـوار
اذا المحامي اعان الخصم في ترة
                  فليت شعري ممن يدرك الثــار ؟
و لم تمنعه وطنيته الصادقة  و صراحته المعهودة ان يتوجه بالخطاب ، الى الرئيس آنذاك بهذا العتاب (4) :
يا لا بس الثوب مزهوا بجدته
                 انظر فقد علقت في ذيله النار
عساك تزعم ان الامر بت به
                 من دون علمك : ما في ذاك اعذار
يقضي على حقنا بغيا و ليس لنا
                 علم ، لعمرك هذا الهون و العار
ويل الضعيف واف للقوي اذا
                   لم يبق للعدل ايراد و اصدار
اذا الممالك لم ترفع قواعدها
                  على الاسنة فالبنيان منهار
واقرا في قصيدته ( واعربيتاه ) هذه الابيات:

هجروا من الكلم الصحاح سخافة
                و استبدلوا بعرابها اعلاجها
لم يتركوها بعد ذاك وشانها
                  بل اجهزوا كي يطفئوا وهاجها
هذي اللغات على حداثة سنها
                 امسى جوادي تاليا هملاجها
                    -     *    -
                 واضرب بطرفك هل ترى من امة
عقدت على هام المجرة تاجها
                  الا و للغة المقام المجتبى
جعلوا الى الهام السها معراجها
                  و الى هنا قل البكاء لسانها
و الحزن حتى ما تسيغ مجاجها
                  لله مرتجا عليها في الاسى ارتاجها
فاقصوا معي نذر الدموع على التي
                   رتجت عليها الحادثات رتاجها

واقرا من قصيدنه ( لوجه الوحدة ) هذين البيتين :

قالوا : و في الدين بون دون وحدتنا
                  الى متى باسم هذا الدين نقتسم
لئن اصروا على اهواء انفسهم
                  لا الدين يبقى ولا الدنيا ولا الشيم

و اقرا من قصيدته ( شكوى الدهر ) هذه الابيات :
الى الله اشكوا البث و الحزن
                فاني لقد ضاقت علي مذاهبي
واسلمني دهري لكل ملمة
                وانكرني صحبي وادنى اقاربي
وكل خليل كنت آمل وده
                نأى ثانيا عطفيه عني بجانب
واقرا من  رسالته الشعرية الى الامير شكيب ارسلان هذين البيتين :

اجزني امير الشعر بالشعر انني 
                اراني لم اسلك به مسلكا وعرا
رددت عليه حسنه بعد ما زوى
                قرونا فاضحى غصنه بك مخضرا

  واقرا رسائل الامير اليه مداعبا حول هوى رجال الاربعين وجواب خليل عليه.
واقرا من قصيدته نفحة نبوية يخاطب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم :
يا رسول الله شكوى
               ذي شجون وظلامه
نحن في الشام نقاسي
               فوق اهوال القيامة
ما لنا من امرنا حتى
              و لا مثـل و لا قلامه
اخذوا الامر واعطو
              نا ( المعاني) و ( الفخامة)
خهل يصير الهر ليثا
             حين تدعوه اسامة؟!
و لنذكر اخيرا النشيد الذي حفظناه في المدارس الوطنية و الذي جعلته سوريا نشيدها الرسمي لم يكن الا نفحة زكية من نظم خليل رحمه الله :

حماة الديـار             عليكم ســلام
ابت ان تـذل             النفوس الكرام
عرين العروبة           بيت حـرام
وعرش الشموس        حمى لا يضام

تلك مقنطفات جد مختصرة من شعر الاديب المجمعي الدبلوماسي السياسي ، قصدت بها فقط دعوتك الى قراءة ديوانه لتحيى مع الشعر النافذ الصادق الهادف .


1 جريدة (الحارس ) البغدادية ، السنة الاولى ، العدد 16 بتاريخ 12 مارس 1953 ، وقد كان يصدرها الصحفي المعروف الاستاذ صبيح الغافقي انذاك.
2 كل حفذة الاستاذ خليل مردم بك ، في حياته ، من ابنته اميمة شقيقة الست فاطمة حرم الاستاذ فخوي شيخ الارض سفير المملكة العربية السعودية ، و لاحمد المذكور اخ هو السيد زيد الذي يدرس الحقوق بين ظهرانينا بجامعة محمد الخامس.
3 اشارة الى بيت الشاعر علي بن الجهم صاحب القصيدة المشهورة:
4  مجلة البعث العربي ، للاستاذ الحاج نعمات العاني ، السنة الاولى، العدد الاول 15 دجنبر 1951

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here