islamaumaroc

أبو سالم العياشي

  دعوة الحق

153 العدد

سبق للدكتور محمد الأخضر ان ناقش في اوائل سنة 1972 بكلية الاداب بباريس أطروحته عن الحياة الادبية بالمغرب ايام الدولة العلوية فنال دكتورة الدولة في الادب بدرجة مشرفة ..
و يسرنا ان ننشر على صفحات مجلتنا فصولا معربة من أطروحة الدكتور محمد الأخضر :
ابو سالم عبد الله بن ابي بكر بن يوسف بن موسى بن محمد بن يوسف العياشي المالكي ، عفيف الدين ، الشاعر الثائر الفقيه الصوفي ، الرحالة المشهور ، صاحب الرحلة المعنونة بماء الموائد . و بهذه الصفة الأخيرة وجد مكانه في كتاب مؤرخو الشرفاء من بين اصحاب التراجم في القرن الحادي عشر الهجري ( 17 م ) ـ صفحة 262 -264 ، لان رحلته ذات الصبغة الموسوعية تحتوي على تراجم  عدد كبير من علماء المغرب ، و المشرق خاصة ، لذلك سنترك ناحية التراجم في انتاج العياشي ، و يحاته المعروفة ، لنتفرغ الى التعرف على مؤلفاته الادبية و الفقهية و الصوفية :

1 ـ في النحو :
 ـ رسالة في معنى لو الشرطية .

2 ـ في الفقه :
 ـ شرح المحلى لم يكمل .
  - معونة المكتسب و بغية التاجر المحتسب ، وهو رجز نظم فيه يبوع ابن جماعة التونسي ( من رجال القرن 7 هـ 13 م ).
- ارشاد المنتسب الى فهم معونة المكتسب ، وهو شرح للرجز السابق .
- اجوبة الخليل عما استشكل من كلام خليل .
- القول المحك في عقود الاصم و الابكم .
- العلاوة فيمن ركع في محل سجود التلاوة .
- المغريات في اصلاح الوتريات .
- تحرير الكلام في امر النبي (ص) في المنام

3 – في علم الباطن :
- الكشف و البيان في مسالة الكسب و الايقان
- الحكم بالعدل و الانصاف الدافع للخلاف فيما وقع بين فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من اقر بوحدانيه الله و جهل بعض ما له من الصفات .

4 – في الحديث :
- المسلسلات العشر المنتخبة .

5 – التصوف :
- نظم اصول الطريقة لاحمد زروق .
- اظهار المنة على المبشرين بالجنة .
- تنبيه ذوي الهمم العالية على الزهد في الدنيا الفاتية . ( او : رغبة ... في الاعراض ...)
- سوق العروس و انس النفوس .

6 – فهرست في كتابين :
- اقتفاء الاثر بعد ذهاب اهل الاثر . و يسمى ايضا مسالك الهداية الى معالم الرواية ، او العجالة المرقية باسانيد الفقهاء و المرشدين و الصوفية .
- تحفة الاخلاء باسانيد الاجلاء ، و تسمى ايضا : اتحاف الاخلاء باجازة العلماء الاجلاء .

7 – مجموع اشعار :
يحتوي على 42 قصيدة في مدح الرسول عليه السلام ، و قصيدة في صناعة الجدول ( ).
و قبل ان ننتقل الى دراسة اهم مؤلفات العياشي التي هي الرحلة نود ان نبرز جانبين يمتاز بهما المترجم .
تصوفه الذي كان له اكبر الاثر على الزاوية الحمزاوية ، و هوايته للكتب النفيسة التي ساهمت في اغناء مكتبة هذه الزاوية التي اسسها والده عام  1044 هـ - 1634 م ، و عرفت فيما بعد باسم ولده حمزة  ( مجلة تطوان ، 1963 ، ص 87 .)
ان العياشي العالم المدقق ، و الداعية المتحمس للطريقة الشاذلية كان مولعا اشد الولع بسلسلة السند في الحديث علما بانها كلما علت كانت اصح واتبث  . و تلك هي النقطة الاساسية التي عليها مدار النقاد ، ومن بينهم ابن المبارك ( المتوفى عام 1156 هـ -1743 م) الذي كثيرا ما كان العياشي يستشهد بقوله : (( لولا الاسناد لقال من شاء ما شاء )) (  ). و يقول معن : (( الاستاذ العالي قربة الى الله ورسوله ))( ). ان رجلا بهذه الدرجة من التدقيق و الولوع بالدرس و البحث لم بجد في المغرب ما يحقق رغبته لا من حيث العلماء و لا من حيث الكتب ، كما صرح نفسه بذلك في اقتفاء الاثر ، فكان ذلك من الاسباب التي دعته الى الرحلة الى المشرق ، و قد دون رحلته الكبرى بتدقيق كل المسائل التي تناقش فيها مع  كبار العلماء و الصوفية في مختلف البلدان مما يطول ذكره .
         وقد سلك العياشي طريق القوم على يد اكبر شيوخ التصوف في عصره ، كابي بكر يوسف السجستاني المراكشي الذي اذن له في لبس الخرقة و الجلوس على السجادة لموعظة المريدين(  )، و ابي  طف الوقائي المصري الذي كناه ابا سالم و قال له : (( ان شاء الله في الدنيا و الاخرة ))، و الشيخ العلمي المقدسي الذي اعطاه الفرطة ليحتزم بها ( ).
        لقد اصطبغت كل اقوال ابي سالم العياشي و افعاله و مؤلفاته بالصبغة الصوفية المبنية على الردع (( الذي تساوي اعلى درجاته احط درجات الزهد )) و دفعه الاستخفاف بمتاع الدنيا الى الاعراض عن منصب القضاء في مراكش حين عرضه عليه شلطان الوقت . و قد سبب له هذا الرفض ان حمل مع اهله الى فاس ليجبر على الاقامة فيها طوال العام 1083 هـ -72 – 1673 .    ومن الاكيد ان سنة الغربة هذه بدت لمترجمنا كقرن من الزمن ، لانه كان قد عبر عن المه قبل ذلك بعشرين سنة في ابيات منها :
ايا ساريا في الدجى المكفهر
اسار الى الحي ام مبتكر ؟
       ... غريب بفاس له انة
يكاد الفؤاد لها ينفطر
اذا ذكر الرقمتين ومن
يحل بواد الاراك احتضر
و قال في التنفير من الدنيا :
وهذه الدنيا فلا تثق بها
من سمها احذر فهي خضراء الدمن
ولا تعارضها اذا ولت فكم
من قبل ان تخلق اعيت من ومن
 و لم يكتف بهذه النصائح التي قدمها للناس فزاد قائلا :
فان ذا اللب لا يرضى بصحبتها
و لا يثق بسراب قد بدا فيها
فلا جراها اله الخلق صالحة
عنا و لا بلغت فينا امانيها
تلاطف العبد احيانا تخادعه
حتى تراه تدانيه فيدنيها
اتت عليه جران الذل ناسية
للود و استسلبت منه أياديها  ( )
       و في الوصايا التي وجهها الى المريدين من اتباع الطريقة ، كان عن الاكثار من الصلاة و الاشتغال بشؤون الغير ، علما بان ذلك لا ينتج عنه الا الانصراف عن العمل ، و قد نصح احد أحبائه بقولة (( ... ولا تكلف نفسك كثرة الاوراد ولا الصيام ولا قيام الليل و الرياضيات التي تجد في الكتب ، فليس ذلك من وظيفك ، بل اجتهد ان لا يغفل قلبك عن الله ، و لا تزد عن الصلوات الخمس و تعلم العلم و تحسن النية )).( )
تذكر هذه البساطة بمذهب الموحدين المنبني على التزمت و الرجوع الى قواعد الاسلام الاولى . و يظهر هذا الاتجاه الانتقائي في الاعتقاد و الشعائر ايضا حتى في ابى سالم العياشي للكتب المتعلقة بالعلوم الاسلامية و عنايته بها ، و في المكتبة الحمزوية لائحة الكتب التي اشتراها ابو سالم عام 1065 – 1654 م ( )، الامر الذي يمكن من الحكم على معلوماته في هذا الموضوع، من ذلك مثلا المجلد رقم 540 الذي هم تقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني ، و المجلد رقم 398 الذي هو صحيح  البخاري باجزائه الخمسة ، و الجدير بالملاحظة ان جميع الكتب من هذا النوع موقوفة على الزاوية لحفظها و الاستفاذة منها . و قد عني مترجمنا و افراد اسرته العلماء بتكوين هذه المكتبة و تنظيمها ، و لم يقتصر علمهم على احصاء ما يقتنون من مخطوطات ، و تصحيحها او تتميمها ، بل كانوا ينتسخون بايديهم الكتب التي لا يستطيعون الحصول عليها ( ). وكانت هذه المكتبة محط اعجاب اكابر الادباء و العلماء في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر للهجرة ( 18 -19 م) من امثال محمد بن عبد العزيز الهلالي ( المتوفى عام 1175 هـ 1761 م )، ومحمد بن الطيب القادري ( المتوفى عام 1145 هـ - 1733م ) ، و ابي مدين الفاسي ( المتوفى عام 1181 هـ - 171768 م) ، و عبد الكبير الفاسي ( المتوفى عام 1296هـ 1879 م ) . ورغم ما عانته المكتبة من محن قاسية بسبب اهمال اصحابها و نهب الزائرين لها ، فانها ما زالت تضم عددا كبيرا من الكتب في جميع فروع المعرفة ، كما تدل على ذلك قائمة الاحصاء الاخيرة للمكتبة )).
                   العياشي الشاعر
اتينا فيما سبق ببعض الابيات الشعرية التي عبر فيها العياشي عن المه ايام مقامه الاجباري بفاس، او حذر من اخطار المظاهر الخادعة للحياة الدنيا . و ان هذه الطريقة في التعبير عن الاحساسات و لم شتات الانفعالات بحسب الظروف لهي اهم سمة يمتاز بها الشاعر . ومهما بدا الامر غريبا بسبب ارتباط المترجم برحلته الهامة المكتوبة تثرا ، فان العياشي قبل كل شيء شاعر و شاعر طبعي ، بدا يقرض الشعر و عمره لم يجاوز عشرين سنة ، فنظم اول قصيدة له مطلعها :
امن رسم دار قد عفا و تطوحا
سكبت هواطل امن جاهل يلحا
امن شغف بحب خود فريدة
اذا ما بدت اسبت عقول الورى الرجحا ؟ ( )
و قد اعتذر شاعرنا عن تقصيره لحداثة سنه ، و ربما كان ذلك راجعا الى شدة تواضعه او الى اعتراف حقيقي منه بالعجز :
صفحا بني الادب لا تعجلوا
فان لي معذرة باديه
عذر بني العشرين في قرية
اشبه ارض الله بالبادية
ما عود الشعر سليقته
كرها اتت له به باديه
لا لغة يدري ، و قد غلبت
قدما عليه العجمة البادية ( )
ان العاتقين اللذين تتحدث عنهما هذه الابيات ، وهما العيش في البادية ، وهما العيش في البادية ، و غلبة العجمة ، قد تطرق اليهما كتاب اخرون ، فاذا اظهروا الامتيازات التي يتمتع بها سكان الحاضرة في ميدان المعرفة بالنسبة لسكان البادية ، فانهم لا يجعلون حظ هؤلاء اقل من حظ الحضريين ، و لا ادل على ذلك مما وصلت اليه بعض زوايا البادية  ، و بخاصة زاوية الدلاء ، من درجة عالية في الثقافة.
ان هذه الابيات التي نظمها العياشي ليست سوى عمل شاعر مبتدئ ، لا اقل و لا اكثر ، و ليس له ان يخجل من محاولاته الاولى مادام قد ترك لنا ديوان ضخما مليئا بنفائس الاشعار ( ) ( ).
      و اكثر قصائد العياشي في التصوف ، كما قلنا ، وتنتهي كلها تقريبا بوصايا تدعوا الى الزهد في الدنيا 
و الحذر من مظاهرها الخادعة . فهذا مطلع قصيدة غزلية لا تدع أي شك في عبث الرجل :
ومن عجب الدنيا مهاة كايها
اذا برزت في الليل بدر تمام
شغفت بها خمس عشرة حجة
ألاحظها شررا بغير كلام
و الأبيات التالية اكثر مجونا:
... فقبلت بدرا انتم منها و اسلبت
على روضة غناء سجف لئام
فمر بنا واش و لم يدر انني
هناك و قد مازجتها كمدام
لكن ذلك لم يكن سوى حلم :
... فصلت على جند الغرام بوصلها
ففر و ذا في النوم غير حرام
فان كان حلا يقظة حبذا به
و صالا به ارجوا بلوغ مرام
و ان جمع الرحمان بيني و بينها
اذا كان رجسا فالعفاف زمام
فلا يشتري حر بلدة ساعة
عقوبة دهر ليس ذا بكلام ( )
 لقد نجح العياشي في التعبير عن المفاجاة في هذه الابيات ، و في تلطفه باخراجنا من عالم الاحلام الى عالم اليقظة ، كما احسن في وصف الاغراء الذي يتعرض له الانسان بسبب الشهوات الدنيوية ، لكنه عرف اكثر كيف يحطم ذلك الاغواء باستخراج عواقبه الوخيمة .
و قد نظم العياشي الى جانب القصائد الصوفية قطعا شعرية ذات نغمة مؤثرة تتحدث عن الاكتئاب والم الفراق ، كالتي انشدها في توديع زوجنه و اولاده :
تقول و قد حل الرحيل اهكذا
تحملني ثقل الفراق على ضعف ؟
اتترك افراخا كزغب القطا وما
رحمت بنيك اذ سولت عن الالف ؟
فقلت لها كفي الملام ، و اعرضت
كخسف النقا تستعرض الدمع بالكف
فودعنها و القلب منطبق على
اساه ، ودمعي لا يمل من الوكف
عليك سلام لا زيارة بيننا
مع البعد الا ان ازور مع الطيف ( )
تذكر هذه الابيات بقصيدة الشاعر الاندلسي ابن دراج القسطلي ( المتوفى عام 421 هـ 1030 م ) في وداع زوجته و التي منها :
الم تعلمي ان الثواء هو الثوى
 و ان بيوت العاجزين قبور( )
وهي بدورها تنظر الى قصيدة الشاعر العراقي ابي نواس ( المتوفى عام 198 هـ - 814 م ) في مدح الخصيب عامل هارون الرشيد على مصر ،و مطلعها :
تقول التي من بيتها خف مركبي
عزيز علينا ان نراك تسير ( )
هذه القصائد لا تختلف في الواقع الا باختلاف اسماء الشعراء و البلدان لشدة الشبه بينها و مطابقة التقليد فيها مطابقة تامة ، و كلها تتحدث عن الصحراء و حياة البادية . فالعياشي يظهر نفس التعلق باحبابه لابسط مناسبة و في كل مرحلة من مراحل سفره.
ولما وصل الى فكيك عام 1059 هـ - 1649 قال :
تذكرت اصحابي الذين تركتهم
باسفل من اعلام ملوية الخضر
ففاضت دموع العين تهمي كابة
و لولاهم ما جادت العين بالقصر ( )
و سيبعث الى اصحابه من الاسكندرية التي و صل اليها عام 1060 هـ - 1650 م بهذه الرسالة التي تعبر عن مدى اخلاصه لهم :
الا ليت شعري هل لنا من معرف
من اخبار من قد حل سفح انغرف ؟
ادام على العهد الذي كان بيننا
ام العهد مذ فارقتم صار ضعف ؟
... وما انسى من اشياء لم انس قولهم
وقد جد جد البين هل من مخلف ؟ (19)
وهذا البيت الاخير تقليد لقول الشاعر العباسي ابي العتاهية ( المتوفى عام 211 هـ - 826م)
فما انس من اشياء لا انس قولها
وموقعها يوما بقارعة التمر( )
تبين لنا هذه الامثلة ان الشعراء المغاربة ، و لو انهم قبل كل شيء فقهاء متمكنون ، و صوفية ورعون ، كانت لهم المعرفة متينة بالادب العربي شرقية و غربية . و المنتخبات التالية من شعر ابي سالم لا تكتسي أي طابع ديني :

1 – وصف ليلة انس في شفشاون:
يا ليلة جمع السرور لنا يها
جادت بها الايام في شفشاون
بلد شمائل اهله من طيبها
طاب المبيت لنا بذاك الموطن
انهاره تصبو لها اشجاره
فلذات توارت عن لحاظ الاعين( )
يشتمل البيت الاخير على صورة رائعة و يوحي بحسن الذرق في نفس الوقت .
 ب – و اخيرا هذا مقتطف من موشح ( من مجزو الرجز ) يدخله مترجمو العياشي في باب الهظل :


اقسمت بالخلائق
الملك الرزاق
انك في الافاق
كغرة الاصباح
بل انت شمس حسنها
انسان عين عينها
محل صفو منها
من غير ما مزاح
لما بها وجودكم
وعلني موجدكم
نادى الفؤاد جودكم
حي على الفلاح
جميعه لباه
كانه رباه
عجبت من نباه
انك ذو سماح
من هذه اوصافه
فما لنا خلافه
بلى لنا ايضافه
لكثرة الامداح( )
يصعب بطبيعة الحال ان يحمل مثل هذا الانتاج محمل الجد مع ما اشتهر به ابو سالم من تمسك بالدين ، و يسر على هدي التصوف ، غير ان شاعرنا اراد ، كغيره من الشعراء ، ان يبرهن عن
كفايته بالخوض في جميع ضروب الشعر ، و لا ادل على ذلك من ديوانه الضخم الذي جمعه ابن عمه و حفيذه ، مشتملا على قصائد مرتبة حسب بحور العروض ، في جميع الاغراض الشعرية تقريبا ، لا سيما المديح ( ) و الشكوى ، ووصف الاسفار ، و التحسر و الم البعاد .

العياشي الناثر
تاخد رحلة ( ) العياشي الطابع الموسوعي لهذا النوع من الادب المغربي في هذا العصر ، فبدلا من ان تهتم بوصف ما يمر به الرحالة من بلدان و سكان ، من الناحيتين الجغرافية و العراقية ( الايطنوغرافية )، نجدها تحتوي على اشعار مناسبات ، ومراسلات و مناظرات فقهية و جدلية، و بخاصة تراجم الصالحين و العلماء . ومع ذلك سنورد احد المقاطع القليلة التي تتحدث عن السفر في الرحلة :
* الاقامة بالمدينة ، كانت مدة اقامتنا بالمدينة سبعة اشهر و نصف ، لان دخلناها ، كما تقدم ، في اليلة الثانية من محرم ، وكان حروفها منها الى مكة في السابع عشر من شعبان ، وكنا نسكن اولا في محل نزولنا بجوار مشهد السيد اسماعيل ، كما تقدم ، وكان افسح الامكنة واوسعها و ابعدها عن زحام الناس ، به الخلية للوضوء و بئران كما تقدم . وكان قيم المشهد احد اصحابنا المغاربة المجاورين ، وهو الذي انزلنا به . وكان يتولى اصحابه و كنه و اغلاق ابوابه ، و يقبض ما يوتى به من الصدقة اليه ، و لاه ذلك مفتي المالكية بالمدينة صاحبنا الخطيب احمد و اخوه الخطيب عبد الرحمان ، لان ولاية المشهد لهما ، فاذا اجتمع من الصدقات ما له بال دفع لهما حصة منه و انتفع بالباقي كما هو شان المشاهد بالمدينة بل و بغيرها )) ( )
في مثل هذه الرواية يسهل الاسلوب و يتبسط كثيرا ، فيصف المؤلف ادق التفصيلات  التي يلاحظها دون ان يهتم بالترتيب او الاختيار ، و انما يقدمها كما هي دون ان يلجا الى النسق الاسلوبي المعتاد . و لما كان الامر يتعلق بمؤلف اشرب قلبه حب التصوف و الاهتمام بالدين ، فيمكن ان نستنتج انه اذا كان مدفوعا الى ذلك للمحافظة على الدقة و الحقيقة ، لا سيما و ان رحلته تتحدث عن الاراضي المقدسة و شعائر الله ، و هكذا نجذه يجافي كلمة المال في حديثه عن اجرة سادن المشهد لياتي بدلها بالصدقة . ومن جهة ثانية يفيدنا النص السابق بمعلومات لا يستهان بها عن حالة مساكن المدينة ، و بخاصة وسائل الراحة التي يبحث عنها الناس فيها .
و لكب نعطي فكرة عن النثر الفني للعياشي نقدم في الاخير مقطعا من الرحلة لا علاقة له بموضوعها اطلاقا ، لانه يتحدث عن :
(( الجوازات الشعرية . عندما يلحن الانسان في الشعر للضرورة .
          ان اللحن لا يسوغ في شيء من الكلام نظمه و نثره ، الا ان النظم لما كان اضبق من النثر اغتفرت فيه اشياء كثيرة لا يغتفر مثلها في النثر و لا يسوغ ، و تلك الاشياء متفاوتة بعضها اخف من بعض ، كقصر الممدود و عكسه ، و صرف الممنوع من الصرف و عكسه ، بالنسبة للتقديم و التاخير و القلب في حروف الكلمة و الحذف .. فاذا علم ذلك فارتكاب الشاعر شيئا مما ذكره او نحوه ضرورة لا يسما لحنا لان اللحن انما هو لا وجه له في العربية ، اذ لم تستعمله العرب و لا قيس على ما استعملته))( )
        تدل المعلومات الواردة في هذا النص على ان التعليم الملقن انذاك كان على  جانب من العمق و الاحاطة بجميع المواد الدراسية .
     و بالجملة ، فان ابا سالم العياشي من ابرز الشخصيات الادبية بالمغرب ، جدير بالشهرة الذائعة التي له داخل البلاد و خارجها ، ومستحق لان يكون موضوع ترجمة خاصة ، باعتباره شاعرا ناثرا ، و فقيها متصوفا ، و رحالة جماعا لنفائس الكتب .

و قد استغرب مؤلف الثغر الباسم من هذه الوصية فاولها بقوله : (( و ان كان ( ابو سالم ) يفعل بعض ذلك في خاصة نفسه و يامر به بعض اصحابه ، و انما خص صاحب الوصية بعدم الزيادة على الفرائض لضعفه جدا )).
واحد شروح الحكم لابن عطاء الله .

 

 

 


1 اكثر مؤلفات العياشي المذكورة هنا ورد ذكرها فقط عند م . العياشي في الثغر الباسم ، او ع . كنون في النبوغ المغربي ، او ع . الكتاني في فهرست الفهارس ، و نشير الى ان للعياشي ايضا اجازة منظومة في 254 بيتا من بحر الرجز ، و قصيدة اخرى في 300 بيت في شيوخه الصوفية و المشارقة و المغاربة ـ انظر ، الكتاني فهرست الفهارس .
2 م . العياشي ، الثغر الباسم ، ص 5 .
3   المصدر السابق ، ص 8 .
4 ع . المصدر السابق ، ص 91 .  
5 المصدر السابق ص 91.
6 انظر المصدر السابق ، ص 102. 
7 انظر مجلة تطوان ، عدد 8 سنة 1963 ، ص 98-99 ( مقال .م . المنوني).
8 نسخ ابو سالم العياشي بيده الجزاين الثاني و الثالث من احياء علوم الدين للغزالي ، ( رقم 488)،    9واحد شروح الحكم لابن عطاء الله .
انظر المصدر السابق ، ص 102. 
10 المصدر السابق ، ص 109-177.
11 م. العياشي . الثغر الباسم . ص 76.
نظم العياشي هذه الابيات عام 1057 هـ - 1648 م .
12 المصدر السابق . ص 78 .
13جمع ديوان ابي سالم العياشي كل من ابن عمه عبد الله مؤلف الاحياء و الانتعاش ، وحفيده محمد مؤلف الثغر الباسم . انظر البيبليوغرافيا .
14 ع. العياشي ، الاحياء و الانتعاش ص 108.
15ا. العياشي الرحلة ،1 :14.
16انظر القصيدة و اخبار الشاعر في ديوان القسطلي ، تحقيق م .ع. مكي ، دمشق 1961 .
17 انظر القصيدة في ديوان ابي نواس ، وعند طه حسين ومن معه ، المنتخب من ادب العرب ، 1:108.
18 ع. العياشي ، الاحياء و الانتعاش ، ص 106.
19  انظر القصيدة و اخبار الشاعر في ديوان ابي العتاهية .
20 ع . العياشي ، الاحياء و الانتعاش ، ص 158.
21 المصدر السابق .ص .161
22 و ذلك مثل ما مدح به شيوخنا عبد القادر الفاسي ، ومحمد بن سودة ، و الابار و ميارة ، و الشرقي و عبد الرحمان بن القاضي.
23  (( هناك رحلة اخرى مكتوبة بشكل رسائل كانت موضوع ترجمة للفرنسية من قبل م . خضر ( في المؤتمر 4 لاتحاد جمعية العلماء ، الجزائر 1939 ، 2 – 671 – 88)
د : م . ا . مادة ابن شنب ( بيلا )
24 ا. العياشي ، الرحلة :184  25 المصدر السابق 1 :19
.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here