islamaumaroc

العلم الإسلامي وحاجة الإنسان إليه

  دعوة الحق

153 العدد

 عصرنا الذي نحياه لا يمكن ان نجذ له وصف ادق من الوصف الذي صور لنا به الكاتب الانجليزي الكبير (( تشاريز ديكنز )) الذي تدور فيه احداث قصته الخالدة (( قصة مدينتين )) : (( كان احسن الازمان ، وكان اسوء الازمان ، كان عصر الحكمة ، وكان عصر الحماقة ، كان عهد الايمان و كان عهد الجحود . وكان زمن النور ، وكان زمن الظلمة . كان ربيع الامل ، وكان شتاء القنوط . كان امامنا كل شيء و لم يكن امامنا شيء ، كنا جميعا ماضين الى الجنة مباشرة ، وكنا جميعا ماضينا الى جهنم مباشرة )) (1).
    و الاستاذ العقاد رحمه الله في اول كتابه (( ابن الرومي ، حياته من شعره )) قد استعار هذا الوصف الحي المعبر ليطلقه على العصر المضطرب الذي كان يحيا فيه الشاعر المنكود . وها نحن في عصر لم يكن هذا الوصف الا لينطبق عليه ، فكما كتب اصلا له .
     نبحث الايمان ، وهو اقرب ما يكون الينا ، نغوص الى اذقاننا في الوحل ، و الينبوع الطاهر على مقربة منا يجري ماؤه زلالا ، يلهينا الحر ، و يلقحنا الصهد ، و تشقق شفاهنا من الظما و تتلوى أحشاؤنا من الجوع ، وامامنا و غير بعيد منا يسيل المعين  رقراقا ، و الارض الطيبة حولنا تنبث من كل زوج بهيج ، عن وعي و اصرار اتم منا نسعى الى الضلال و التيه و السراب، وحادينا لا يياس من الصباح بنا ان طريق الهدي و الرشاد لاحب عن طواعية حتى كل منا عنقه المنير يلفه ، عن رضا مد كل منا يديه للاصفاد ، فلما الفناه ، و اصبحنا لا نرى غيرنا الا بها ، نسينا اننا كنا منة قبل كما قال عنا ربنا سبحانه : ( لقد خلقنا الانسان في احسن تقويم ، ثم رددناه اسفل سافلين ، الا الذين امنوا وعملوا الصالحات ، فلهم اجر غير ممنون ))(2) . لما وعينا كلام ربنا هذا ، اخذنا نحاول الالتفات  يمينا و شمالا و خلفا ، لا لتحطيم هذا النير الذي يعوق اعناقنا  حتى عن هذه الحركة البسيطة ، بل لنبحث عن هؤلاء ( الذين امنوا وعملوا الصالحات ) لنحطمهم بدلا من تحطيم قيودنا حسدا منا ، وخوفا من الحرية المجهولة التي قد لا تعرف كيف نتصرف بها ، فان افلحنا في القضاء عليهم بتلك الضراوة التي لا تكون الا للعبيد عادت الينا تلك الطمانينة الذليلة ، و عدنا نرسف في قيودنا ((امنين )) لا يعكر علينا صفو ذلنا احد . وان نحن فشلنا في القضاء عليهم ، اتخذنا منهم قديسين فعبدناهم ، و صنعنا لهم تماثيل و اصناما نعنوا اليها في ذلة و خضوع ، ونحن في كلتا الحالتين  (( الرابحون )) ، ربحنا عبوديتنا التي اطمانت اليها نفوسنا منذ احقاب وعصور وجدنا عليها اباءنا، وخسرنا التي ما كانت على مر الدهور الا ومضات تضيء لحظات لتعود فتخبو دهورا . الى ان جاء الاسلام الى البشر كلهم ، يخاطب الناس عموما ، ليقضوا مجتمعات الذل التي اقاموها على شفا جرف هار من عقائد و ايديولوجيات ما انزل الله بها من سلطان، ويخاطب كل نفس انسلنية على حدة لترتفع و تسمو عن النزوات و الاهواء و الشهوات الدنة التي تتدلى بروح الانسان الى الحضيض و (( اسفل سافلين )) بدل ان تتسامى بها الى الذرى و (( اعلى عليين)).
                                             -     *     -
ان الاسلام منهج كامل للحياة بالنسبة للافراد و الجماعات ، انه تربية شاملة للانسان في كل احواله ، في اجتماعاته و انعزاله ، في احساسه و سلوكه ، في سره و علنه ، في يقظته و نومه...

واول ما بدا به الاسلام منهجه في تربية الانسان :
(( اقرا باسم ربك الذي خلق ، خلق الانسان من علق ، اقرا وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم )) (3). دعوة صريحة الى العلم و البحث الحر ، و التجربة النزيهة السليمة القويمة .. دعوة كريمة من رب كريم للانسان الذي كرمه و فضله على كثير من مخلوقاته ، و استخلفه في ارضه ، ومنحه السمع و الابصار و الافئدة ، للبحث في نواميس الكون.. في سر خلقه .. انه من علق ! كيف!؟ ان يبحث يعرف . وادوات البحث اين هي !؟ كثيرة متنوعة ، رمزها القلم ، ان احسن الانسان استخدامها  و توجه بها الوجهة الصحيحة ، علم الله ما لم يعلم ، فيسعد في دنياه ، اذ تتيسر له سبل العيش الكريم الحر الرغيد ، و ينعم في اخراه بالتقرب الى ربه ، الى خالقه ، الى ولي نعمته سبحانه .
     قد يسال السائل .(( وهل يكفي ان تتيسر لهذا الانسان ـ الذي لا يعجبه العجب ـ سبل العيش الرغيد في دنياه ليسعد ؟ الم يتحقق له بفضل العلم ))
للجواب عن هذا السؤال المفترض اود ان انبه الى ان هناك فرقا شايعا بين العلم الاسلامي و العلم الجاهلي ، بين العلم الذي يعبد الانسان لله وحده جل شانه . وبين العلم الذي يعبد الانسان للطواغيت ، سواء كانوا بشرا ام عقائد دخيلة على الفطرة البشرية السوية التي لا ترضى ان تدين بالعبودية لغير الله الواحد الاحد .
     العلم الجاهلي قد نستطيع بواسطته السيطرة  على المادة ، فنحقق المعجزات ، و لكن النتيجة الحتمية لانطلاقته الخاطئة و المخطئة منذ البداية ، ان تعود المادة فتسيطر علينا ، وقد تدمرنا في النهاية الا ان يتداركنا الله برحمته .
اما العلم الاسلامي ، فان انطلاقته الاولى تبدا بالسعي لمعرفة الله تعالى ومحبته و الاستزادة من الايمان به عن طريق البحث الحر النزيه في عجائب مخلوقاته وروائعها ، و لا تكون السيطرة على المادة  و التيان بالمعجزات العلمية الا بعد هذا ، و لمصلحة البشر عموما ، لا لاكتساب القوة و النفوذ لمصلحة فرد معين ، او شعب معين ، او امة معينة على حساب باقي ابناء ادم.
     اذن اقتران السعي للاستزادة من العلم . بالسعي للاستزادة من الايمان هو الحل الاسلم و الامثل و الاقوم لكل مشاكل البشر في الحل و المال ، فخشية الله الحقيقية تنحصر في عباد الله العلماء، بنص القران الكريم الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه  : (( انما يخشى الله من عباده العلماء))((4).
ان التكوين العقلي الانساني ـ وهذا من فضل الله على البشر ـ مصمم بطريقة معجزة كي يتمكن من التجاوب مع ظواهر الكون الواسع الفسيح ، يحللها ثم يعيد تركيبها ، وهذه اية من ايات الله الكبرى جل شانه  في هذا المخلوق العجيب ( الانسان ).
وما عمه الله تعالى بهذا الفضل الا ليؤهله التاهيل الكريم في كتبه و على السنة  انبيائه و ثبته في فطرة الانسان السوية.
    ومن واجب هذا الانسان ـ كمظهر حي للتعبير عن شكره لله على هذه النعمة الجليلة التي حباه بها ـ ان يعتبر العلم فريضة عليه سواء كان ذكرا او انثى ، بل انه فريضة سواء اعتبره الانسان كذلك ام لم يعتبره ، انه عبادة حقة تنير البصائر و تفتح نوافذ واسعة في العقول ينفذ اليها النور ، و تفتح كوات عميقة في القلوب تشع هي بالنور ،فيعود البشر بفضل ربهم الى الحياة التي ارتضاها لهم سبحانه منذ خلقهم ، و يرتفعون من وهدة سحسقة مظلمة مهولة تردوا فيها بارادتهم ، بعد ان غطوا لكي ترى النور ، وحجبوا عقولهم فلا ينفذ اليها النور : (( او من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها !؟ كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون )) (5).
                                             -     *     -
العلم الاسلامي رفعة و عزة وسؤدد في الدنيا ، و نعيم مقيم في الاخرة لا يدري كنهه و لا يعرف مداه الا الرحمان ، فالفرد العالم المؤمن ، و الجماعة العالمة المؤمنة يؤتيهما الله الملك و يعلمهما من تاويل الاحاديث ، فهذا طالوت اختاره الله ليكون ملكا على بني اسرائيل ، وقيم هؤلاء القوم منذ كانوا مادية صرفة ، لا تعترف بالسيادة الا للمال ، فاستنكروا ان يكون الملك الفقير ، فاذا بنبيهم الذي جاءهم بالخبر ، يصحح لهم القيم كما يريد الله : (( قال : ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ة الجسم ، و الله يؤتي ملكه من يشاء ، و الله واسع عليم )) (6). الملك لله يؤتيه من يشاء ، وقد اختص به عباده الذين يمتازون بالعلم وصحة الجسم ، حتى لا يكون اعتلال الجسم عائقا كبيرا عن القيام باعباء الملك كاملة ...
    وهذان نبيا الله داود و سليمان يلهج قلباهما و لسانهما بالحمد لمن يستحقه دون غيره : (( و لقد اتينا داود و سليمان علما ، وقالا : الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين )) (7) . لقد اتاهما الله الملك كما اتاهما العلم ، و لم يكن لاحد من قبلهما و لن يكون لاحد من بعدهما ملك كالذي كان لهما ، ومع ذلك اعتبرا ان الله فضلهما على كثير من عباده المومنين بما اتاهما من العلم ولا من الملك .
    العلم المقترن بالايمان يملا  قلوب المؤمنين بمعرفة الله وحبه عن طريق ما يتدبرونه من مظاهر علمه و حكمته و تدبيره و عظمته ، فيصبحون اخشع الناس لرب الناس ، واحرصهم على كل ما فيه طاعته ورضاه ، فهو ولي النعم و مصدر العلم .
     اما العلم الملحد المقترن بشهوة التسنط و اكتساب القوة ، فانه قد يوصل صاحبه الى ما كان يرجوه ، حتى اذا ما جاوز حده ، كان اول ما يدمره علمه : (( و اتل عليهم نبا الذي اتيناه اياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ولو شئنا لرفعناه بها ، و لكنه اخلد الى الارض و اتبع هواه ، فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ، ذلك مثل القوم الذين كذبوا باياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ))(8)  . ان امثال هؤلاء العلماء هم افة البشرية اليوم ، ولن تتخلص من مصائبها الا اذا ظهر فيها علماء مؤمنون يسرون بنور الله ، يفضحون مخازي حلفاء ابليس ،  يكشفون  عن سوءاتهم و يضعون اصابعهم على مكامن القيح و الصديد و الدود في نظرياتهم و تطبيقاتهم ، فينسفونها من اسسها نسفا ، وهم لا بد منصورون ، اذ شتان ما بينت الحق و الباطل ، و النور و الظلام ، وصولة الباطل ساعة ، وصولة الحق الى قيام الساعة : (( وما يستوي الاعمى و البصير ، و لا الظلمات و لا النور ، ولا الظل و لا الحرور ، وما يستوي الاحياء و لا الاموات ، ان الله يسمع من يشاء ، وما انت بمسمع من في القبور ))(9) . من خرس فيهم صوت الضمير الحر ، من قتلت فيهم عصور العبودية  الطويلة روح الوعي وغريزة حب الحرية ، من استناموا الى الذل ،و اتمروا و حياة العفن ، من طاب لهم العيش كالهوام في الحماة ، هؤلاء اشبه بمن في القبور ، يبح صوتك و يضيع صدى ندائك ، و لا حياة لمن تنادي ... اما من استجابوا لدعوة الله الكريمة ، فتعلموا العلم و علموه ،وكان سدى علمهم الايمان ، و لحمته صدق الرغبة في معرفة خلائق الله تقربا منه جل جلاله ، و سعيا في منفعة عباده ، اولئك هم الذين قال فيهم ربهم : (( اولئك كتب في قلوبهم الايمان ، و ايدهم بروح منه ، و يدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ، اولئك حزب الله ، الا ان حزب الله هم المفلحون )) (10).
                                             -     *     -
بعض الذين في قلوبهم مرض ، قد يقراون كلامي هذا ، فتلوح على وجوههم بسمات ثغرة في سياق كلامي المتماسك ، وقد يرى بعض من زادهم الله مرضا ان هذه الثغرة هي الخدعة الكبرى التي يتوكا عليها كل من يؤمنون بالغيب منذ بدء ظهور الحضارات على سطح الارض ، هذه الخدعة هي محاولة اسناد ((الدين ))الى ((العلم)) مع قدح زناد الفكر في محاولة يائسة لايجاد وسائل للتوفيق بينهما منيت كلها بالفشل الذريع .
ولو كان احد اولئك المرضى بجانبي الان لبادر الى القاء سؤال من هذا المعنى محاولا احراجي وربما افحامي : (( اذا كان العلم الحديث قد اثبت لنا بصورة قاطعة لا تقبل الشك و الجدل ، ان العلم و الدين يسيران في خطين متوازيين متباعدين ، احدهما لا يزال يمتد الى ما لا نهاية ، و الاخر قد تقلص ، و لم يعد الا و هما يتعلل به المرضى والعاجزون و الاغبياء ، وما محاولة التوفيق بين العلم و الدين الا رجعة الى الوراء خطرة ، ينبغي ان يوقف اصحابها عند حدهم سواء بالاقناع  او العنف ، فلماذا لا زلت  تحاول العودة الى الوراء ، تلهث خلف  حلم وردي يستحيل امن يتحقق اليوم و غدا ؟)) .
      لهؤلاء ساورد اقوالا لبعض كبار رجال العلم في هذا العصر ، ممن تبين له وجه الحق ففاء اليه،  او ممن لا زال يبحث عن الحقيقة حران صاديا ، و قبل ان استعرض اقوال هؤلاء السادة ، اود ان انبه الى  ان العلم المؤسس على قواعد البحث الحر النزيه ، و التجربة السليمة و القويمة لم يتعارض قط مع تعصب ذميم ، قال صلى الله عليه و سلم : (( ليس الايمان المبني على الفكر الحرلا المفتوح الذي لا يطمسه منا من دعا الى عصبية ، و ليس منا من قاتل على عصبية ، و ليس منا من مات على عصبية )) (11)
  بعد هذا التنبيه الذي كان لابد من ان اورده ، انتقل الان الى (( شهادات )) بعض رجال العلم المعاصرين :
1)  يقول (( اينشتين )) : (( ان ديني يشتمل على الاعجاب المتواضع بتلك الروح العليا غير المحددة ، و التي تكشف في سرها عن بعض التفضيلات التي تستطيع عقولنا المتواضعة ادراكها، وهذا الايمان القلبي العميق و الاعتقاد بوجود قوة حكيمة عليا نستطيع ادراكها خلال ذلك الكون الغامض يلهمني فكرتي عن الإله ))(12).
2) و يقول الدكتور ((ماريت شانلي كونجدن )) عضو الجمعية الامريكية الطبيعية : (( ان جميع ما في الكون يشهد على وجود الله سبحانه ، و يدل على قدرته  و عظمته ، و عندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون و دراستها حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية فاننا لا نفعل اكثر من ملاحظة اثار ايادي الله و عظمته )) (13).
3)  و يقول ((الدكتور البرت ماكومب ونشتر )) : (( ... ويقف العلماء اليوم على عتبة كشف جديد بالغ الاهمية ، الا وهو خلق الحياة داخل المعمل و في انابيب الاختبار ، و قد امكن فعلا الوصول الى خلق صورة من صور الحياة داخل المعمل ، و لكنها صورة بدائية على درجة كبيرة من البساطة و النقص ... و لا يزال مستقبل الجهود التي تبذل في هذا الميدان في كف القدر ، فبعض العلماء يتشككون في امكان الوصول الى خلق الحياة ، و البعض الاخر يعدونه من المور المستحيلة ، ولكن اذا نجحت هذه الجهود ، فهل يزعزع ذلك ايماننا بالله ؟ انه لا يزعزع الا ايمان أولئك الذين لهم ايمان سطحي ، اما من  يقوم ايمانهم على اساس التفكير العميق، فان ذلك لا يعد اكثر من خطوة جديدة في ادراك ما ابعده الخالق الاعظم الذي خلق وحده تلك الروائع التي يعمل الناس جاهدين متكاتفين في الكشف عنها))(14)
4)  و يقول الدكتور (( راسل تشارنز ارنست )) : (( انني اعتقد ان كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقيد درجة يصعب علينا فهمها ، و ان الملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الارض  تشهد بقدرة الله شهادة تقوم على الفكر و المنطق ، و لذلك فانني اومن بوجود الله ايمانا واسخا )) (15).
5)  و قد كتب الاستاذ (( مومنيه )) : (( اذا افترضنا بطريقة تعلة عن متناول العقل ان الكون خلق اتفاقا بلا فاعل مريد مختار ، و ان الاتفاقات المتكررة توصلت الى تكوين رجل ، فهل يعقل ان الاتفاقات و المصادفات تكون كائنا اخر مماثلا له تماما في الشكل الظاهري ومبيانا له في التركيب الداخلي ،  وهو المراة بقصد عمارة الارض بالناس و ادامة النسل فيها ؟ اليس يدل هذا وحده على ان في الوجود خالقا مريدا مختارا ابدع الكائنات و نوع بينها و غرز في كل نوع غرائز ومتعه بمواهب يقوم بها امره  و يرتقي عليها نوعه ؟ ))(16).
6)   و يقول العلامة ( أ. كريسي موريسون) : (( ان الحياة ترغم التناسل لكي يبقى النوع ن وهو الدافع بلغ من القوة ان كل مخلوق يبذل اقصى  تضحية في سبيل هذا الغرض ، وهذه القوة الإلزامية لا توجد حيث لا توجد الحياة . فمن اين تنشا هذه الدوافع القاهرة ؟ و لماذا بعد ان نشا تستمر ملايين السنين ؟ انه قانون الطبيعة الحية .ز الذي ياتي من ارادة الخالق )) (17).
7)  وقد نشر الدكتور ( ديتر ) الألماني بحثا حلل فيه الآراء الفلسفية لأكابر العلماء الذين أناروا العقول في القرون الأربعة الأخيرة ، و توخي ان يدقق في تعرف عقائدهم فتبين له من دراسة      290  منهم  (( 28 منهم لم  يصلوا الى عقيدة ما .
 242 اعلنوا على رؤوس الاشهاد الايمان بالله
20 فقط تبين انهم غير مبالين بالوجهة الدينية او ملاحدة.
 فاذا اعتبرنا غير مبالين كلهم من الملاحدة وجدنا ان 92 في المائة من كبار العلماء يعتقدون بوجود الله تعالى ))(18)
8)  وقد حكا العلم الهندي المرحوم عناية الله المشرقي ، وهو من اعظم علماء الهند في الطبيعة و الرياضيات . و قد طلبت منه (( لجنة جائزة نوبل )) ان يترجم احدى كتبه العلمية عن الاردية الى الانجليزية لاعطائه جائزة العلم ، ولكن العلامة رفض الفكرة بشدة قائلا : (( لست بحاجة الى جائزة لا تعترف لجنتها باللغة الاردية العظيمة )) يقول هذا العلامة : (( كان ذلك يوم واحد . من ايام سنة 1909 م ، وكانت السماء تمطر بغزارة ، وخرجت من بيتي لقضاء حاجة ما ، فاذا بي ارى الفلكي المشهور (( السير جميس جينز )) الاستاذ بجامعة كمبريدج ، ذاهبا الى الكنيسة، و الانجيل و الشمسية تحت ابطه ، فدنوت منه ، وسلمت عليه ، فلم يرد علي ، فسلمت عليه مرة اخرى ، فسالني : (( ماذا تريد مني ؟ فقلت له : امرين ، يا سيدي ! الاول هو : ان شمسيتك  تحت ابطك رغم شدة المطر ! )) فابتسم (السير جيمس ) ، و فتح شمسيته على الفور .فقلت له (( واما الاخر فهو : ما الذي يدفع رجلا مثلك ذائع الصيت في العالم ، و ان يتوجه الى الكنيسة؟ )) و امام هذا السؤال توقف (( السير جيمس )) لحظة ، ثم قال : عليك اليوم ان تاخذ شاي المساء عندي )) . وعندما و صلت الى داره في المساء ، خرجت ( ليدي جيمس ) في تمام الساعة الرابعة بالضبط ، و اخبرتني ان ( السير جيمس) ينتظرني . وعندما دخلت عليه غيفته ، وجدته وكان البروفسور منهمكا في افكاره ، وعندما شعر بوجودي سالني : (( ماذا كان ســــــؤالك ؟)) ودون أن  ينتظر ردي ، بدا يلقي محاضرة عن تكوين الاجرام السماوية ، و تظامها المدهش، و ابعادها و فواصلها اللامتناهية و طرقها و مداراتها و جاذبيتها ، وطوفان انوارها المذهلة ، حنى انني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله ، واما ( السير جيمس ) فوجدت شعر راسه قائما، و الدموع تنهمر من عينيه ، و يداه ترتعشان من خشية الله . وتوقف فجاة ، ثم بدا يقول : ( يا عناية الله ، عندما القي نظرة على روائع خلق الله يبدا وجودي يرتعش من الجلال الالهي ، و عندما اركع اما الله ، و اقول ( انك عظيم ) اجذ كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء و اشعر بسكون وسعادة عظيمين ، و احس بسعادة تفوق سعادة الاخرين الف مرة . افهمت يا عناية الله خان ، لماذا اذهب الى الكنيسة ؟) و يظيف العلامة عناية الله قائلا . ( لقد احدثت هذه المحاضرة طوفانا في عقلي ، و قلت له : يا سيدي ! لقد تاثرت جدا بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي ، و تذكرت بهذه المناسبة اية من ايات كتابي المقدس ، فلو سمحتم لي لقراتها عليكم، فهز راسه قائلا: بكل سرور . فقرات عليه الاية التالية : (( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها و غرابيب سود ، ومن الناس و الدواب  و الانعام مختلف الوانه كذلك . انما يخشى الله من عباده العلماء)) فصرخ ( السير جيمس) قائلا : ماذا قلت؟ انما يخشى الله من عباده العلماء!؟ مدهش ! و غريب و عجيب جدا !! ان الامر الذي كشفت عنه منذ دراسة ومشاهدة استمرت خمسين ستة ، من انبا محمد به ؟ هذه الاية موجودة في القران حقيقة ، لو كان الامر كذلك ، فاكتل شهادة مني ان القران كتاب موحى من عند الله )) ويستطرد (( السير جيمس )) قائلا : (( لقد كان محمد اميا ، و لا يمكنه ان يكشف هذا السر بنفسه، و لكن الله هو الذي اخبره بهذا السر ... مدهش ! و غريب و عجيب جدا!!))( 19) .
 
بعد هذه الشهادات الواضحة التي لا تحتمل جدلا و لا مماراة ، اود ان اوجه الى نفسي سؤالا : (( ما هو نوع الايمان الذي تطمئن اليه و انت تعلمين ان هناك نوعين من الايمان : ايمان العجائز، و ايمان العلماء ؟)).
بعد لاي استطعت ان اتوصل في نفسي الى الايمان الذي ترضاه و لا تريد به بديلا : (( انه الايمان الذي لا يكون الفهم بعد البحث المضني السبيل الوحيد اليه )) .
عدت اسال نفسي : (( ان العقل الانساني اقاصر مقصوص القوادم ، لا يستطيع التحليق البعيد في اجواء الفضاء الايمان ؟)).
  وفي هذه المرة كان الجواب حاضرا : (( ان العقل الديناميكي المدعم بقلب مطمئن بالايمان ، بهما يستطيع الفرد و الجماعة ان يتحديا كل ما من شانه ان  يعوقهما عن السمو و نيل رب العالمين )).
                                             -     *     -
في الصفحة السابعة من كتاب (( الخمور الفكرية )) للقصاص الالماني (( ارتركومستلر )) جاء : (( لا يكتسب الايمان بالحجة و المنطق ، و المرء لا يقع في حب امراة ، او يدين بمذهب ، او يعتنق ملة ، نتيجة اقناع ن او وليد منطق ، و قد تدافع الحجة عن فعل من افعال الايمان ، ولكن الدفاع انما ياتي بعد انتهاء الفعل ، و ارتفاع الفاعل به ، و قد يكون  ببحث او الاقناع اثر في تحويل المرء من اعتقاد الى اعتقاد ، و انتقاله من مذهب الى مذهب ، و لكن دوره الحث او الاقناع لا يتعدى مجرد الوصول بعملية نفسية ظلت دهرا طويلا تختلج و تستوي و تنضج في ناحية لا ينفذ اليها الحث ، او يخترقها الاقناع ، الى ذروتها الكاملة ، و اقصى حدود الاحساس بها و اليقين  ، الايمان لا يكتسب ، و انما ينمو نمو الشجر ، و ان راسه ليذهب الى السماء ، وقمته لتمضي مصعدة في  الافق . اما جذوره فتغيب في اعماق الماضي ، و تغتذي من عصارة تربة الاجداد ، و نشاة السلالة ، و تنقل الاجيال )).
كوستلر هذا اديب رقيق الوجدان مرهف الحس ، ثاقب الفكر ، الا ان عواطفه الفياضة كثيرا ما تطغى على رجاحة فكره ، وكلامه هذا اورده في مجال تبرير ارتداده عن الشيوعية ، و قد وعى عقله اولا ، و لكن قلبه ظل مع الفكرة التي امن بها ايمانا اعمى ، وظل زمنا طويلا  يرى فيها سبيل الخلاص  الوحيد للبشرية من كل ماسيها ، فلما اصطدمت  عواطفه بصخرة الواقع ، وجد  انه كان تحت تاثير اقوى خمر فكرية ذهبت بلبه ، و استولت على حسه ، فاصبح لا يفكر الا وهو خاضع لسيطرتها غير قادر على التجرد من كابوسها الذي ذهب بقدرته على  الادراك السليم و الحس السوي ، ورغم الصدمة القاسية و الخيبة المريرة ، فان قلبه ظل متشبتا بالوهم الكبير الذي امن به تحت ضغط ظروف سيئة سادت عصره و عمت البلاد و العباد ، و تم يستطع التخلص من هذا الوهم الا بعد مدة طويلة من التارجح بين الشك و اليقين ، و الاقدام و الاحجام .. عاى ان الذي يهمنا هو ان ايمانه بها كان عامل القلب المتاثر المنفعل يطغى فيه على عامل العقل المؤثر الفاعل فتردى في هوة الاعتقاد المجرد من كل تمحيص ، ومن هنا يتبين لنا فضل الاسلام الذي يدعوا الى الايمان بعد التفكر في خلق السماوات و الارض و اختلاف الليل و النهار أي ان يواكب اليقين القلبي الاقتناع العقلي في مسيرة مباركة نحو ما يرضي الله و ينفع عباده .
كان لا بد من ان اورد مثلا واقعيا من عصرنا ـ عصر العلم و العقل ـ عن الايمان غير العاقل ، وهذا مثل اخر من عصر بزوغ الدعوة الاسلامية . نجذ ان صاحبه قد امن عقله بعد ان سطعت امامه الحقيقة باهرة ، ولكن قلبه مثقل باوهام لا تترك فيه مجالا لنفوذ الايمان  الحقيقي ، انه الوليد ين المغيرة ، عقل كبير و قلب قد من صخر : (( .... و قد خشيت قريش ان يستميل الرسول الحجاج الذين كانوا يعدون على مكة في موسم الحج ، و تشاوروا فيما بينهم للقضاء على الدعوة الاسلامية وهي لا تزال في مهدها ، و اجتمع  الى الوليد  بن المغيرة نفر من قريش، وكان الوليد ذا سن و شرف ، فقال لهم : (( با معشر قريش ! انه قد حضر الموسم ، و ان وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بامر صاحبهم  هذا ، فاجمعوا فيه رايا واحدا ، و لا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، و يرد قولكم بعضهم بعضا )) قالوا : (( فانت يا ابا عبد شمس فقل واقل لنا رايا نقل به )) قال : (( بل انتم فقولوا اسمع ..! )) قالوا : ((نقول  كاهن )) قال : (( و الله ما هو بكاهن ، لقد راينا الكهان ، فما هو بزمزمة الكاهن و لا سجعه )) قالوا : (( فنقول مجنون )) قال : ((ماهو بمجنون ،لقد راينا الجنون و عرفناه ، فما هو بخلقه ولا تخالجه ولا سوسته )) قالوا :( فنقول شاعر )) قال : (ما هو بشاعر ، و لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهجزه و قرصه و مقبوضة ومبسوطة ، فما  هو بالشعر  قالوا: (فنقول ساحر )) قال (( ماهو بساحر ، لقد راينا السحار كلهم  و سحرهم ، فما هو بنفثهم و لا عقدهم )) قالوا : (( فما نقول يا ابا عبد شمس ؟)) قال ك (( و الله ان لقوله حلاوة ، و ان اصله لعذق ، و ان فرعه لجناه ، وما انتم بقائلين من هذا شيئا الا عرف انه باطل ، و ان اقرب اقرب القول فيه لان تقولوا هو ساحر جاء بقول هو سحر ، يفرق بين المرء و ابيه ، و بين المرء و اخيه ، و بين المرء و زوجه و بين المرء و عشيرته )) فتفرقوا عنه وجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم احد الا  حذروه اياه ، وذكروا له امره))(20).
وقد ذكر القران الكريم هذا الرجل و موقفه المخجل بما يستحقه كل من وعى الحقيقة ، ثم ادبر عنها واستكبر : ( ذرني و نم خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا ، و بنين شهودا ، ومهدت له تمهيدا ، ثم يطمع ان ازيد . كلا انه كان لاياتنا عنيدا ، سارهقه صعودا . انه فكر وقدر فقتل كيف قدر . ثم قتل كيف قدر . ثم نظر . ثم عبس و بسر ، ثم ادبر و استكبر فقال ان هذا الا سحر يوثر ، ان هذا الا قول البشر )) (21) بهذا الوصف المعجز وصفه القران الكريم ، انه فكر و قدر ، فامن فكره و لم يدخل الايمان قلبه .
                                             -     *     -
امة  الاسلام ان استطاعت ـ وما اراها الا مستطيعة بفضل الله  ـ ان توفق بين العقل المستنير و الايمان المنير ، ما هو واجبها بعذ ضلك ؟ انها ستصبح خير امة اخرجت للناس ، الامة الوسط ، افرادها شهداء على الناس، قدوة صالحة لهم : ( كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله )) (22) . بالامر بالمعروف و النهب عن المنكر تبدا امة الاسلام مسيرة كلها مشقة   ومحن ونكيات و نكسات ، و لكنها قد تزودت الطوارئ : ((فان خير الزاد التقوى )) و القوى هي خشية الله ، و (( انما يخشى الله من عباده العلماء )) فامة الاسلام اذن قد تزودت بالعلم و الايمان لتشق دربها الشاق الطويل المليء بالاشواك و العقبات الكأداء.. بالدموع و الدماء ... بالمحن و الكوارث ، و الادهى و الامر انه حافل ايضا بانواع المغريات و ضروب الشهوات و الاهواء التي تتحلب لها اشداق ضعاف الايمان من افراد الامة الاسلامية ، فيتساقطون عليها تساقط الذباب على القذارة ... و لكن الصامدين من المؤمنين يعلمون ان ما وعدهم ربهم حق ، و ان العاقبة للمتقين ، فيرددون في ايمان و صمود  وعزم : ( و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين ))(23) و يعلنون الجهاد على كل قيم المكر و الانحلال و الجهل و التفسخ ، و الغدر و الخيانة و القسوة و العنف ، وعلى حمايتها و دعاتها من تلامذة ابليس و حلفائه ، ومن فردوا انفسهم اوصياء على الحضارة و الناس في عصرنا هذا الذي ابتلى بهم ونكب ، لحكمة لا يعرفها الا الرب الحكيم سبحانه ، و أي جهاد افضل من السعي الدؤوب في طلب العلم . به نوهي حجة الدجالين فندحضها ... به نقارع ادلة  المشعوذين فندمغها ، حتى اذا لم يجد الحق سبيلا الى القلوب التي طبع الله عليها ، حل السيف محل الموعظة الحسنة ، وحل المبضع محل العلاج اللين الخفيف ، و اخر الدواء الكي او البثر ، وهذا رسول الله صلى الله عليه و سلم يعلمنا ان طلب العلم نوع من الجهاد : من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ))(24).
وها هي امة الاسلام اليوم تعاني اكبر نكبة مرت بها منذ بدات مسيرتها المقدسة ، تداعت عليها الامم تداعي الاكلة على القصاع ، و تطاول عليها البغات  من الذ اعدائها الذين ضرب الله عليهم الذلة و المسكنة و باءوا بغضب من الله ، ومرت عليها  فترة ليست بالقصيرة من عمر الومن ، وهي فاقدة الوعي تتخبط من هول الصدمة القاصمة ، وقد ان لها ان تستعيد رشدها و تتغلب على ضعفها لتتبوأ مكانة الزيادة لسائر امم الارض ، وهو الدور الذي  رصدها الله له ، و اني لا اكاد أرى الان بسمة ترتسم على شفتي  احد مرضى القلوب ممن قد بقدر لهم ان يقرؤوا كلامي هذا ، وقد يتساءل مع نفسه : (( العلم مبذول لكل من يطلبه ، وهذه (( امة ضحكت من جهلها الامم )) ، مع ذلك يريد هذا الخدوع ان يوهمنا بانها مرصودة الزيادة و القيادة دون سائر الامم ؟)) .
    انه تساؤل وجيه له ما يبرره في حالة المسلمين المزرية اليوم ، و لكن ان كانت النية الحسنة متوفرة  للسائل و له الالمام بدينه و لو النزر اليسير ، فانه سيحاول البحث عن سبب انحطاط المسلمين وجهلهم على صعيد واقعهم المحزن الحالي ، و سيسعفه رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ان الله لا يقبض العلم انتزاعا من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء  ، حتى اذا لم يبق عالما ، اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسالوا فافتوا يغير علم فضلوا و اضلوا ))(25).
ان عاد المتسائل يتساءل عن الحل الانجع و الدواء الشافي ، فان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله طريقه الى الجنة ، و ان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضا بما صنع ، و ان العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الارض حتى الحيثان في السماء ، و فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب  وان العلماء و رثة الانبياء ، و ان الانبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما ، و انما ورثوا العلم ، فمن اخذه اخذ بحظ وافر )).(26)
ومن اروع معجزات المنهج التربوي الاسلامي ان طلب العلم فيه حر تلقائي ، انه رغبة ذاتية تنمو في نقس الطالب ، و اشباعا لهذه الرغبة الملحة ، يقوم الطالب لجهود مضنية و يضحي تضحيات جسيمة ، اهونها تكبد مشقة السفر الطويل و الصبر على فراق البلد و الاهل ، ومعاناة الوان و ضروب من الحرمان ، و الاروع من هذا هو ان منهج التربية الاسلامي يحتم ان يكون كل هذا النضال ، وكل هذه التضحيات ، لاجل العلم وحده دون سواه من منصب او جاه او مال او سلطان ، فرسول الله صلى الله عليه و سلم  بسمي المتعلم في اغلب احاديثه ((طالب العلم )) و يسمي عملية التعلم (( طلب العلم )) ، ولا يطلب الانسان شيئا الا اذا لمس في نفسه الحاجة الماسة اليه ، و الطلب تصرف ذاتي حر عرف نفسه و ادرك ما ترغب فيه ، فقام من تلقاء نفسه يسعى في طلبه ، و يبذل في سبيله الغالي و النفيس ، ولنا في سير كبار العلماء المسلمين المثل الاعلى و القدوة الحسنة و الحجة الساطعة . فاذا كان طلب العلم واجبا ، وطالب العلم يسعى من تلقاء نفسه للتعلم ، فاي علم هذا الذي يجب على كل مسلم ومسلمة  ان بطلبه من المهد الى اللحد، وان بطلبه و لو في الصين ؟ : (( عن معاوية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين))(27).
(( وعن ابي موسى الاشعري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( مثل ما بعثني الله به من الهدي و العلم كمثل غيث اصاب أرضا ، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء ، فانبتت الكلا و العشب  الكثير ، وكان منها أيادي امسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها و سقوا وزرعوا ، و اصاب طائفة اخرى انما هي قيعان لا تمسك ماء و لا تنبت كلا ، فذلك مثل من فقه في دين الله  و نفعه ما بعثني الله به فعلم و علم ، و مثل من يرفع بذلك راسا و لم يقبل هدى الله الذي ارسلت به ))(28).
 من هذين الحديثين الشريفين يبدو للقارئ الكريم ان العلم المفروض على المسلم ان يطلبه محدد بالتفقه في الدين بمعناه الشامل الواسع ؟ انه التفكر في خلق السماوات و الارض و اختلاف الليل و النهار ، انه اوامر الحق سبحانه و الالتزام بتنفيذها بدقة و امانة في السر و العلن ، و انه الاحاطة الشاملة بنواهيه جل علاه و التقيد باجتنابها عن طواعية و اختيار واقتناع . انه اليقين النابع من القلب المنير و الوعي المنبعث من العقل المستنير بان الانسان  العالم المومن  هو الاحق برضوان الله الاجدر بمحبته سبحانه ، وكيف لا يكون كذلك وهو انفع للناس ؟ انه الانسان الاسمى الاكمل ، حلم البشرية و املها الذي يداعب خيال مفكريها وفلاسفتها منذ ازمان . انه الانسان الذي قال فيه رب العزة : (( افمن يمشي مكبا على وجهه اهدى ام من يمشي سويا على صراط مستقيم ؟))(29). وهكذا نجد ان كتاب الله و سنة نبيه يبينان لنا في جلاء ووضوح ان هدي العلم وهدي الايمان متلازمان ، لا يمكن التفريق بينهما لمصلحة العباد في معاشهم ومعادهم، وصدق الله القائل في محكم تنزيله (( سنريهم آياتنا في الأفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق ))(30)

1  (( قصة مدينتين)) تشارلز دينكز نرجمة منير البعلبكي صفحة 6
2  سورة التين 4-5-6
3  سورة العلق : 1-2-3-4-5
4 سورة فاطر : 28 4
5 سورة الانعام : 122
6  سورة البقرة : 247
7 سورة النمل : 15
8   سورة الاعراف 175، 176
9    سورة فاطر : من 19 الى 22
10   سورة المجادلة : 22
11 اخرجه مسلم و النسائي وأبو داود 
12    صفحة 69 ((روح الدين الاسلامي )) تاليف عفيف عبد الفتاح طبارة 
13   نفس الصفحة من المصدر السابق
14 صفحة 74 من نفس المصدر
15   نفس الصفحة من نفس المصدر 
16  صفحة 77 – نفس المصدر
17   صفحة 78 – نفس المصدر
18 صفحة 83- نفس المصدر
19  صفحة 227 (( الاسلام يتحدى)) تاليف وحيد الدين خان
20  صفحة 85 (( تاريخ الاسلام السياسي)) للدكتور حسن ابراهيم حسن 
21  سورة المثر : من : 11 الى 25
22   سورة ال عمران : 110
23   سورة المنافقون : 8
24   رواه الترمذي
25   متفق عليه
26  رواه ابو داود و الترميذي
27  متفق عليه
28  متفق عليه
29  سورة الملك  :22
30  سورة فصلت : 53

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here