islamaumaroc

نظرات عابرة في حقبة عميقة من التاريخ الإسلامي

  دعوة الحق

153 العدد

من الواضح الجلي ان النصف الاخير من القرن الثالث و القرن الرابع الهجري عرف في تاريخ الاسلام و المسلمين من الحركات و التقلبات في جميع الميادين السياسية و الاجتماعية و الفكرية اخصيها و اعمقها و اشدها و اقواها .
     فبعد ان كانت المملكة الاسلامية تكون دولة واحدة تخضع خضوعا عاما شاملا للخليفة في بغداد يعين باستقلال تام ولاتها و يجبي خراجها و يدير ادارتها و ينظم قضاءها و يجند اجنادها  يهيمن على جميع مرافقها ـ اذا بهذه المملكة بعد هذا العصر ـ و لاسباب متعددة متنوعة ـ تتعرض لتقلبات و انقسامات جعلت الولاة و الامراء يحذر بعضهم بعضا ،  بل و يضرب بعضهم بعضا مما غدت معه هذه المملكة عبارة عن دويلات تتنوع و تتعدد ، و تختلف فيما بينها و تتحارب و تتكفل كل واحدة منها بميزانيتها و تنظيم جندها و تسيير ادارتها ووضع قضائها وسك نقودها وما الى ذلك مما يقتضيه تكوين الدولة من مرافق ، و حتى اذا اعترفت دويلة من هذه بدويلة اخرى ، فانما هذا الاعتراف ياتي صوريا ةمن اجل بعض الاعتبارات النفعية .
     و سجلت صفحات التاريخ وقائع بين هذه الدويلات ، اريقت فيها الدماء و اطمعت الاعداء في المسلمين و جعلتهم يرنون بعين الشره الى خيراتهم ، بل و يتجرءون بصفة عملية على الغزو لاشفاء غليلهم في السلب و النهب ، الشيء الذي فوت على المسلمين ما كان لهم انذاك من هيبة كانت قمينة بالاعجاب ، وجعل قادتهم مقهورين خائفين و قد يقنعون من الخلافة باسمها و من الرئاسة برسمها .
       على ان هذا التقسيم لم يكن شرا كله خصوصا بالنسبة لبعض الجهات الثانية ، نذكر منها على سبيل المثال (( الاندلس )) فان استقلال الامر بها قد مكنها من ان تزدهر و تتمدن و تحقق المدهش و العجيب في كل ميدان حضاري ، و نفس الشيء حدث بمصر و قد استقل بها الطولونيون و الاخشيديون و الفاطميون ، فلقد ازدهرت فيها الحياة ازدهارا ذكره التاريخ و حققه ربما لم يكن بالامكان ان يحدث لولا هذا  التقسيم ـ و هذا ما حدث ايضا في فارس و بلاد ما وراء النهر و قد استلم مقاليد الامور بها الساميون .
      و هذا التلميح للمزايا التي تمخض عنها هذا التقسيم ما كان ليصرف انتباهنا عن الويلات التي ادى اليها و العواقب الوخيمة التي اسفر عنها ، فانه اضعف المسلمين و قد كانوا قوة تهاب، و كتلة لا تغلب امام عدوهم الذي يتربص بهم الدوائر ، يتجلى لنا هذا اذا ايقنا بان هذه الدويلات لم تستطع ان تتفاهم و لا ان تتعاون لاجل وضع نظام مشترك على الاقل يجعلها بمقتضاه تواجه الغارة و تقاوم الهجمات ، فعلى العكس وجدت بينها علاقات ، و لكن للعداء و للحرب و للتصادم.

و اذا كانت هذه بعض نتائج التقسيم في الميدان السياسي ، فالامانة التاريخية تحتم علينا الاعتراف ببعض ما اسداه من نفع في الميدان العلمي و الادبي و الفكري بصفة عامة .
     فانه بموجبه لم يعد للمسلمين مركز علمي واحد هو ( بغداد ) ، و لا ينبوع واحد يستقون منه جميعا هو الفكر العربي وحده ، كذلك حقق هذا التقسيم نشاطا ملحوظا في ميدان الترجمة جعلت المسلمين تقع عيونهم على ذخائر امم اخرى مختلفة في هذا الميدان ، و خاصة امة اليونان و استوجب كذلك نوعا من التنافس ، فان التفاخر بين امراء  هذه الاقطار  اضاف الى التفاخر بعظمة الجند و زخرفة المباني و بهاء العمران : التفاخر بالعلماء و الادباء و الدعوة الى المناظرات العلمية و المساجلات الادبية و دراسة النظريات و المباحثات .
     و نتج عن هذا ان اصبح لكل اقليم شخصية متميزة في العلم و الادب ، ومما اثبت للمتامل ان الحياة العلمية في هذه الحقبة لم تتبع الحالة السياسية ، اذ كما راينا ساءت هذه و ازدهرت الاخرى و كان العلم اذا لم ينجح في الميدان السياسي و خاف على مصيره ، فانه يفر منه الى الميدان العلمي فيلقي فيه جو الهدوء و الاستقرار ، و يجد فيه الحمى الذي يساعده على ان  يرقي علمه و بحثه ، تعصف العواصف في الميدان السياسي و يسود الجو الاضطراب و الفوضى و هذا العلم لا يهمه في حياته الا علمه و بحثه و الشواهد على هذا من تاريخ العلماء كثيرة ـ و قد اكتوى بالسياسة علماء بارزون كالصولي و الصابي و ابن العميد ورغم ذلك ضربوا بسهم وافر في قضايا الفكر فافادوا الاجيال المتعاقبة بروائعهم الخالدة و مبتكراتهم النفيسة في هذا المضمار : مضمار التثقيف و العلم و شؤون الفكر.
      و اذا حولنا نظرنا عن هذا الجانب الى الجانب الاقتصادي في هذه الحقبة لنلقي عليه بعض الاضواء  الكشافة ، فسيفلت نظرنا في البداية ان الثروة طيلة هذه الفترة من التاريخ لم تكن موزعة بالمقياس العادل و بالكيفية المتوازية ، بل ياخذنا الدهش و نحن نرى الحدود العظيمة و الفواصل العريضة فيها طبقات الناس ، فحال الواحد منهم اما في بؤس مفرط و اما في ترف يبلغ المنتهى ، و هذه الحالة الاخيرة كانت من حظ الخلفاء و الامراء و من يدور في فلكهم من علماء و ادباء و تجار و ندماء و مضحكين ، بينما الحالة الاولى كانت هي حالة السواد الاعظم من الناس ـ على ان من كان غنيا من سواد الناس لم يكن يتوفر على المناعة ضد التقلبات الاقتصادية غير الطبيعية . فغضبة من ذوي سلطة كافية لان تنزل به الى الحضيض الاسفل من الفقر ، تنزله اليه مصادرات غير مشروعة ومتابعات عدوانية و سلب و نهب مقيتان .
       و بالرغم عما في هذه الحالة من عيوب ، فلن تصرفنا نت اعطاء بعض الوصف لمظاهر ذلك الترف المدهش العجيب ، فانها مثال رائع حي ناطق بما وصلت اليه عبقريتنا في ميدان الهندسة و العمران .
      اذ ان الترف تمثل بالدرجة الاولى في تلك القصور التي تعدد اشكالها و تنوعت اسماؤها ونطقت تنوه نمهرة الفعلة و الصناع ، و ان طلقت قرائح الشعراء و الوصاف الذين استهوتهم محاسنها و بهرتهم محتوياتها فنظموا في وصفها الروائع مما زخر به الادب العربي و تباهى .
    فحول قصر للمعتضد اسمه (( الثريا )) قال الشاعر ابن المعتز :
حللت (الثريا) خير دار ومنزل
                    فلا زال معمورا وبورك من قصر
فليس له فيما بين الناس مشبه
  و لا ما بناه الجن في سالف الدهر

وفي وصف قصر اخر للمتوكل اسمه (( العروس)) قال ياقوت : (( و لم يبن احد من الخلفاء يسر من راى من الابنية الجليلة مثل ما بناه المتوكل فمن ذلك القصر المعروف بالعروس انفق عليه ثلاثين الف الف درهم الخ...,
و المستكفي استعمل في بناء قصره (التاج) الاجر من قصر كسرى ، وكانت وجهة التاج مبنية على خمسة عقود كل عقد على عشرة اساطين وكانت غاية في السعة و الضخامة .
     وحول قصر اخر للمتوكل اسمه (الجعفري ) قال علي بن الجهم :
ومازلت اسمع ان الملوك تبني على قدر اقدارها
و اعلم ان عقول الرجال تقضى عليها باثارها
فلما راينا بناء الامام
     راينا الخلافة في دارها
بدائع لم ترها فارس
     ولا الروم في طول اعمارها
 
        كذلك لا يعزب عن بالنا ما قاله البحتري من قصائد ثبتت على مر الزمان روعتها في وصف بركة المتوكل في قصره ـ و كذلك يسترعي انتباهنا ما قاله (( الخطيب البغدادي في قصر المقتدر بالله وما حواه من مظاهر الافتتان من الاف الخصيان و الغلمان ومن الخزائن و الالات المرتبة و الستور و صنوف الحرير و الديباج ـ ومن دار الشجر المكونة من الفضة و التي عليها الاطيار المصنوعة من الفضة و التي تصفر صفيرا معجبا ، بالاضافة الى صور الفيلة و الخيل و الجمال و السباع الى غير ذلك مما اعتبر خير وصف لقصور الخلفاء في ذلك العهد .
     ودفعت ( المهتدي ) نزعة من الزهد الى التنقيص من مظاهر هذا الترف و الى التقليل مما هو من محتوياته من لباس و فراش و مطعم و مشرب ، بل و الى مد اليد لكسر ما كان من الذهب و الفضة ـ كما  خفض صوائر الوائد و حمل الناس على ان يسيروا في هذا الاتجاه ، فما استساغت نفوسهم ذلك ، و لما راجعوه في الامر ، اجابهم . انه يريد ان يحمل الناس على سيرة الرسول و خلفائه من بعده ـ فما اقتنعوا بالفكرة ، اذ صعب اقتلاع العادات المستحكمة في النفوس و المتاصلة في الطباع ـ و كانت النتيجة ان ثاروا عليه ثم قتلوه و لما يقض في الخلافة امدا طويلا .
        و سار في ركب الخلفاء في هذا الترف و البذح وزراؤهم و المقربون اليهم ، فشاد الوزير ابن مقلة قصرا ربى فيه اصناف الحيوانات ، فتكاثرت به  و تنوعت و ادهشت الناس غرابتها و بهرتهم روعتها وما تلقاه من عناية بالغة من هذا الوزير اليقظ المتفتح الذهن.
          كذلك الوزير ابن الفرات ملك من الضياع و اقام في قصره من مظاهر الترف ما قدر بالاف الدنانير و بلغ من بذخه ان كان لا ياكل الا بملاعق البلور ، بل كان يجعل لكل لقمة ملعقة خاصة .
         و قس على هؤلاء حال الوزير ابن الطاهر وزير عز الدولة ، و حال ام للمقتدر  ، هاته التي كانت تنتحل نعالا مطلية بالمسك و العنبر المذاب ، تستعملها لمدة قصيرة و بعدها ترميها فتؤخذ و يستخرج منها العنبر و المسك للانتفاع منهما .
     و الوزير المهلبي حوت داره فوارات عجيبة يطرح الورد في مائها فتنفضه على المجلس ليقع على رؤوس الجالسين في شكل يبهر.
        ودفع هذا الثراء العريض اصحابه الى اقامة مجالس بتلك القصور اسموها (( مجالس الشراب )) ، رسموا لها القواعد و القوانين و الاداب ، كانو يلبسون فيها انفسهم لباسا اخر غير لباس التزمت و الوقار افاض الادباء القول في احداث هذه المجالس و نوادرها و قالوا الكثير عن لهوها و مجونها ووقائعها و احداثها و اخرج المؤرخون هذا الترف الى لغة الارقام ، فذكروا ما خلفه الاثرياء من عروض و تركات الارقام لم تعرف الا المئات و الالاف من الدنانير .
     و ما اغفلو كذلك الصناعات ، لقد اضفوا عليها هي الاخرى من ايات الزخرفة و ضروب الابداع ما جعلها في المستوى المتناهي ـ كذلك نالت منهم الاناقة في المعيشة منتهى العناية ، فسنوا لها القوانين و اعتبروا مخالفها غير ظريف و نقلوا امرها الى مستوى تاليف الكتب لبان قوانين الظرف في الزي ، و في النعطر ، و في الشراب ، و بيان ما هو ظريف في الرجال لا في النساء ، وما هو ظريف في النساء لا في الرجال و هكذا .
       و لم يقتصر امر هذا الترف على اهل بغداد  بالعراق وحدهم ، فان الشام هي الاخرى بلغت شاوا بعيدا في هذا المضمار ، و سارت على غرارها كذلك مصر ، فكان للملوك و الامراء و الاكابر هنا و هناك قصورهم و اثاتهم و زخارفهم و اوانيهم ، بزوا بذلك كله كل حضارة و نافسوا به كل تمدن ، وروي الشعر و تلاه النثر العجيب المدهش في وصف ذلك و نعته بكل ما هو قمين به من اكابر و اعظام .
          و كان المصدر الاكبر لجلب هذه الاموال هو الجزية و الخراج اللذان نقع عليهما ايادي الخلفاء يمولون بها المصالح العامة و يخصصون النصيب الاكبر منها للانفاق على المقربين من شعراء و مداح و مضحكين و لشراء معروضات الاسواق من الحرائر و الجواهر و الجواري و التحف و النفائس و سواها .
        وكريمهم ينص موائده للفقراء يطعمهم  كما يمنحهم الهبات و الاعطيات لتسد عوزهم و نحسن من حالهم الشيء الذي لفت الانظار الى التزلف على اعتاب هؤلاء المحسنين و التردد على بيوتهم لاخذ نصيبهم من هذا العطاء الشامل ، و تقرب اليهم ايضا العلماء و مدحهم الشعراء و تزلف اليهم التجار ، كل ينشد الفائدة و التسابق الى المنفعة.

كل ذلك و سواد الشعب فقير بائس يعاني الحرمان و يتخبط في مهاوي الفاقة و الشقاء ، ووقتما نفذ المال اولئك المترفين صادروا اموال الاغنياء و لجاوا الى نهبها . وحالة كهذه تدفع ذوي المال لان يحتاطوا لانفسهم حفاظا على اموالهم / فيخفونها ولو بالدفن ، و يتظاهرون بالاملاق و العوز ، تحت تاثير هذه الحالة الظالمة .
        وواكب هذا الترف فقر مدفع اكتوى بناره عامة الناس و اكابر العلماء الذين ظلوا بعيدين عن عالم  الخلفاء و الامراء ومن لف لفهم ، نذكر منهم البعض على سبيل المثال تعميما للفائدة :
       فعبد الوهاب البغدادي المالكي يبلغ به سوء الحال الى حالة لا يجد معها حتى قوت يومه .
       و ابو حيان التوحيدي هو الاخر يدفعه فقره الى التكفف الفاضح عند الخاصة و العامة .
      و ابو سليمان المنطقي كذلك يصفونه بان حاجته كانت ماسة الى رغيف و محتاجة الى اجرة مسكن  و الى وجبتي غذاء و عشاء .
       و ابو علي القالي البغدادي تضيق به الحال فيبيع كتبه العزيزة لسد مصائب عوزه .
       و ابو العباس المعروف بابن الخباز الموصلي يقول عن نفسه ( من علم حالي عذرني اذا قصرت فان عندي من الهموم ما يزغ الجنان عن حفظه ) .
        و الزمخرشي يقول عن نفسه شارحا حالته :
غني من الاداب لكنني اذا
   نظرت فما في الكف غير الانامل
و الابيوردي الشاعر الفقيه حكى الخطيب البغدادي عنه ، انه مكث سنين لا يقدر على جبة يلبسها في الشتاء و يقول لاصحاله : (بي علة تمنعني من لبس المحشو ،(( يقصد بالعلة علة الفقر)).
     و اكتوت بسيئات هذه الحالة حتى الفنون ، فكان الشعراء يسطع نجمهم كلما تقربوا بالمديح فغدا شعرهم كانه سلعة تباع لكل من يدفع الثمن غاليا ، فتاون الشعر بلون الاستجداء و صغى هذا النوع من الشعر على الشعر العادي الذي ينظم تحت تاثير الباعث النفساني ، و حتى العلماء المقربوت حظوا بالغنى و تنعموا باطايب العيش ، و على عكسهم البعداء فانهم ارتدوا جلباب الفقر و الاملاق و سوء الحال و نكد العيش .
    وهذه هي النتيجة الحتمية لحالة تدهورن فيها الحالة الاقتصادية و قد نتجت عنها ويلات اخرى مثلها الترف في الاسراف في اللذائذ و الاستهتار و فساد النفس ـ و مثلها الفقر في الحقد و الحسد و الكذب و الخبث و الخديعة و سواها من المخازي .
و اذا كان الفشل في الحياة قد يسلم صاحبه الى الزهد و اقناع اللنفس بان المال ظل زائل وعارية مستردة و ان الذهب يذهب و الفضة تنفض و ان من حرمه فليطلب نعيم الاخرة ، فقد انبثقت من هذه : النزعة الى نوع من التصوف و اذا كان ايضا العجز عن تحصيل المال بالوسائل العادية قد يسلم صاحبه الى تعاطي الدجل و التخريف  فظهر التنجيم و الاعتقاد في الطوالع و الايمان بانها تسعد و تشقي و ظهر ايضا الميل الى الاولياء  لاستعمار دعواتهم وابتهالاتهم عساها توصل الى استطلاع الكنوز الدفينة المخبوءة  لتخفيف و طاة هذا البلاء : بلاء الفقر المدقع ، كما لعب السحر و الشعودة  دورهما في هذا المجال .
      و يعسر مع حالة متدهورة كهذه ، الطمانينة على المال من لدن مالكيه من حيث احترام الملكيات،  لذلك ظلت هذه تحت رحمة الحكام تصادر كلما رنت اليها شهوة ذي سلطة ، كذلك اموال الغني المتوفى يبعث بها بدعوى انه ليس له وارث معروف او بضع عراقيل للوارث اذا عرف تجعله يتنازل و ينصرف .
     و طبيعي ان هذا الاضطراب في الحالة المالية يستتبعه خلل في الدخل و الخرج ، فتسوء الحالة العامة و تسن الضرائب الفادحة و تصادر اموال الناس  لتلبية الحاجيات و خاصة منها حاجيات الجيش ورجال السلطة ، فياتي هذا العلاج بمضاعفة المرض و استفحال الداء و يؤول الامر الى خرائب و الرجوع الى الوراء.
      و انفتح امام  صنف اخر من الناس مجال لاخذ النصيب الاوفى من المال عن طريق الاعتزاز بالشرف و النسب ، فجرت عليهم ـ تبعا لذلك ـ ارزاق خاصة  و اعطيت لهم مناصب رفيعة تناسبهم كنقابة الاشراف .
     و اخرون اعتزوا بانهم من ابناء البيوتات القديمة فاعطيت لهم دور بالبصرة و غيرها و شغاوا بمقتضى ذلك بعض المناصب السامية في الدولة وصنف ثالث تباهى بنسبه الفارسي فانتسب لبيت من بيوت الملك او لبيوتات اخرى عظيمة مشهورة في بلاد الفرس .
وصنف رابع اعتز بمناصب الدولة ك الوزراء ورؤساء الدواوين ، فعاشوا كلهم في عز ومجد.
 و بالاضافة الى هؤلاء اعتز اخرون بالدين او العلم فافادهم ذلك و حسن من احوالهم المالية و الوظيفة ، و عاش بين هؤلاء و اولئك عامة الناس الذين لم يعتزوا بشيء فعدوا زبدا يذهب جفاء و كان هم الواحد منهم طعاما و نومه.
    و بعد :
فهذه النظات العابرة للمظاهر الاجتماعية و الفكرية و السياسية و الاقتصادية في حقبة امتدت من عهد المتوكل الى اخر القرن الرابع الهجري قد جعلت عيوننا و اسماعنا و ذاكراتنا تقع على العجيب المدهش خلال هذه الفترة من تاريخ المسلمين في اهم  عواصمهم و في عهد اشهر و اعظم دولهم و حكوماتهم ..
لقد برزت مواهب و اقبرت اخرى , استفيد من خبرات و غض الطرف عن اخرى ، رفل علماء و مفكرون و شعراء و ادباء و فنانون و تجار و صناع و مقربون في اذيال النعيم و حرم منها نظراء وواكبتها رذائل ، و راينا الحياة العربية و غير العربية في غناها و ترفها من جانب  وفي فقرها و بؤسها و نكدها من جانب اخر ، ورايناها في حالة اللهو وحالة الجد ، وفي سمو الاخلاق و نبلها و تمسك الناس  بها و في انحلالها و انغماسها اخرين في  رذائلها ، الامر الذي اظهر بجلاء ووضوح اننا ـ معشر المسلمين ـ اننا منذ كنا و قافلتنا ـ و الحمد لله ـ سائرة و حركننا في الاخذ  و الرد لم تعرف التوقف ، نساير الركب فنخطيء و نصيب ، و نهتدي و نضل ، و ننجح و نفشل ، فلنا اذن شخصيتنا و لنا في التاريخ حركتنا و نهضتنا و مدنيتنا و حضارتنا و علمنا و فننا و ادبنا  ، فلنحافظ على هذا الرصيد و لننشد المثالية في كل شيء و لنتطلع بكل شغف الى كل ما يمكن ان يظهرنا في المنزلة التي  شغف الى كل ما  يمكن  ان يظهرنا في المنزلة التي تبواناها منذ كنا خير امة اخرجت للناس نامر بالمعروف و ننهى عن المنكر عن المنكر و نؤمن بالله ، وما ذلك على همتنا بصعب المنال ، هدانا الله الى اتباع صراطه السوي و طريقه المستقيم ، انه ولي التوفيق و السلام .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here