islamaumaroc

هل "اختلاف أمتي رحمة" حديث؟

  دعوة الحق

153 العدد

كثيرا ما يجري على السنة الناس انه حديث ، وبعض الناس يذكره و لا ينسبه لا على انه حديث و لا على انه ليس بحديث.
    و الشعبيون الذين يجالسون العلماء  و يلازمون مجالس العلم يذكرونه كذلك بلغتهم العامية (اختلا5 العلماء رحم ) (1) مقتصرين عليه من غير ان ينسبوه حديثا سيما اذا سالوا عالما من العلماء عن حكم نازلة نزلت باحدهم فاجابهم عنها بجواب ثم سالوا عالما آخر عن نفس النازلة فاجابهم عنها بجواب آخر مخالف لما اجابهم به الاول ، وكان في اختلاف الجوابين فسحة لهم فيذكرون ذلك.

    و الحقيقة انه لا ذكر لذلك من اللفظ في الصحيحين ولا في غيرهما من باقي الكتب الست ولا في غيرها من الكتب التي اعتمدها المحدثون في الدرجة الاولى و اعتمدوها في الدرجة الثانية.

     وقد ذكر في كتب آخر لا تصل الى تلك الدرجة و بعدة الفاظ نذكر منها ما يلي : ففي سنن الدرامي توفي سنة 255 هـ /868 م الباب 51 من المقدمة ما لفظه ( لا باس من الخلاف بين الفقهاء).
وذكره البيهقي في الرسالة الاشعرية  ـ بدون سند ، بصيغة ـ روى ـ بلفظ ((اختلاف امتي رحمة))( 2).
واورده نصر المقدسي في كتاب الحجة من غير سند.
واورده الحليمي ـ من كبار علماء الشافعية بما وراء النهر ـ في كتاب الشهادات من تعليقه.
    واورده امام الحرمين و السبكي وولده التاج (3).
واسنده البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ ( اختلاف اصحابي رحمة )
واسنده الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس باللفظ الاخير ايضا ولا اغادر هذا الموضع فبل ان اشير الى بعض من ذكره من علماء المغرب في كتبهم.

فقد ذكره شيخ  الجماعة بفاس ابو محمد جعفر ابن ادريس لكتاني توفي سنة 1323 هـ /1904 م وذكره شيخ الجماعة بفاس ايضا ابو العباس احمد بن محمد ابن الخياط الحسني الزكاري توفي  سنة 1343 هـ/1925 م ذكره الاول في كتابه المسمى (مواهب الأرب (4) في السماع و آلات الطرب) وذكره الثاني في اختصاره لهذا الاخير وسماه (اختصار مواهب الارب ) قالا في اخر صفحة من الكتاب ما لفظه ( وفي الحديث ـ اختلاف امتي رحمة ـ ) هـ كلاهما من غير سند و لا تخريج.

بيان درجته :
و الان وبعد ما عرفت من حرجه المحدثين او نص عليه من العلماء انتقل بك ايها القارئ  الكريم الى بيان درجته حسب نصوص الحفاظ و المحدثين فيه .
قال الحافظ العراقي فيه :  انه حديث ضعيف .
وقال ابو زرعة ولد الحافظ العراقي :رواه آدم بن اياس في كتاب العلم و الحلم بلفظ ( اختلاف اصحابي لامتي رحمة ) وهو مرسل(5) ضعيف.
وقال بن سعد في الطبقات نقلا عن القاسم بن محمد : انه ضعيف
قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمان السيوطي توفي سنة 911 هـ/1504 م : لعله خرج في كتب  الحفاظ التي لم تصل الينا .
فقد تبين لك من خلال عرض كلام الحفاظ و المحدثين فيه انه :
1) حديث
2) روي بعدة الفاظ.
3) انه ضعيف.
الا الحافظ السيوطي الذي لم يجزم بالضعف و ترجى وجوده في كتب الحفاظ المتقدمين.
فنقول للحافظ السيوطي الا يكفيك الدرامي من المتقدمين الحفاظ وقد نص عليه في كتابه السنن وبذلك يتحقق لك ما رجوته من وجود في كتب الحفاظ المتقدمين.
    و بعد هذا الفت نظرك ايها القارئ لمن طعن فيه ثم ارد عليه طعنه .

    طعن السبكي فيه و إبطال كلامه :
قال السبكي فيه : ((انه  ليس بمعروف عند المحدثين ، ولم اقف له عند سند صحيح و لا ضعيف و لا موضوع)) أي وبناء عليه فهو حديث باطل.
         نقول للسبكي كيف تزعم انه غير معروف عند المحدثين وقد عرف عند اولئك السابقين في العرض في صدر المقال ام كيف تزعم انك لم تقف له على سند وقد تقدم في العرض ان الحافظ ابا زرعة ذكر ان سنده مرسل.
    وبعد هذا نقول للسبكي انك لست بالمحدثين الذين لهم المرجع  في اثبات الاحاديث و نفيها فانت لك  اختصاصك تسال فيه و الحديث له اهله يسالون عنه ، وعليه فكلام السبكي باطل فيه.
          فالذي يتلخص من هذا كله انه حديث ضعيف و كلام السبكي فيه لا اعتبار به لانه منتقد كما علمت وباطل.

ما معنى الحديث ؟ :
        قال امام الحرمين و الحليمي ان الحديث يحمل على ا ختلاف الامة في المناصب و الدرجات و المراتب ذلك ان من الامة آمرا ومنها مأمورا بينما فيها العالم والمتعلم و الرئيس و المرؤوس وكل في منصبه الذي يخالف منصب الآخرين ، وبهذا الاختلاف وقعت الرحمة للامة، فلو لم تختلف مناصب الامة لما أمكن تعايشها.

       وقال جمهور المحدثين : ان الحديث يحمل على اختلاف المجتهدين في احكام الفروع التي يجوز الاجتهاد فيها.
          مثلا الامام ابو حنيفة ذهب الى ثبوت الشفعة بالجوار بينما الامامان مالك و الشافعي ذهبا الى عدم ثبوتها بالجوار وكل له حجة من السنة على ما ذهب اليه.
         ومن تزوج امراة ثم اراد ان يجعل ضرتها خالتها او عمتها فذهب الامام مالك وغيره المنع. ومذهب الخوارج الجولز وكل له حجة على ما ذهب اليه ، فحجة من يمنع الجمع بين المراة وعمتها او خالتها في عصمة واحدة حديث الترميذي ( لا يجمع بين المراة و عمتها او خالتها ) وحجة المجيز ان القران اقتصر في منع الجمع على الاختيين ( وان تجمعوا بين الاختيين الا ما قد سلف )) (6) فيفهم منه انه ما عدا الاختيين جائز جمعه في عصمة واحدة بما فيه المراة وعمتها او خالتها.
          وهذا النوع من الاختلاف كان في زمن النبي (ص) واطلع عليه واخره ، ففي سنن ابي داوود عن قزعة قال : خرجنا مع النبي (ص) في رمضان عام الفتح فكان رسول الله (ص) يصوم ونصوم حتى بلغ منزلا من المنازل فقال : (( انكم قد دنوتم من عدوكم و الفطر اقوى لكم ، فاصبحنا منا الصائم ومنا المفطر، فهذا الحدلث قد اختلف الصحابة في فهمه فمن الصحابة من فهم منه الفطر وتمسك به بناء على ان فطره  يويده قوة وان صومه يؤدي به الى الضعف ، وفهم صحابة اخرون منه الصوم وتمسكوا به بناء على ان صومهم لا يضعفهم و فطرهم لا يزيدهم قوة، ولم ينكر النبي ( ص) على أي من الفريقين فهمه فدل على ان مثل هذا الاختلاف مشروع .
          بل ونجد في حديث اخر ما هو اخص من هذا و اصرح وهو التنصيص على وجود الخلاف و ان له حكمه الخاص به.
          ففي الحديث الذي اخرجه  الدارقطني في سننه (7) عن عمرو بن العاص (( اذا حكم الحاكم فاجتهد فاخطأ فله اجر واحد ، واذا حكم فاجتهد فاصاب فله اجران )) ففي هذا الحديث التنصيص على ان المجتهد يصيب و يخطيء وهذا عين الاختلاف فاذا اصاب كان له حكم ومعاملة واذا اخطأ كان له حكم ومعاملة وفي كلتا الناحيتين مقدس معترف بعمله بشرط ان يعمل مستطاعه للتوصل الى الصواب و ليوافق الواقع.
          ومن الباطل ان نقول ان المجتهد اذا ظهر له فهم في آية قرآنية او في حديث نبوي يلزم باقي المجتهدين ان يفكروا بمثل تفكيره وان يقولوا مثل قوله حتى تتحد المذاهب وتجتمع الافكار الاسلامية على فكر واحد وعلى راي واحد.
         ومما بدل لاختلاف المذاهب زيادة على ما سبق مارواه البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا ((اصحابي بمنزلة النجوم في السماء فبايهم اقتديتم اهتديتم )).
          واخرج البيهقي في المدخل ان عمر بن عبد اعزيز قال : ((لا يسرني ان اصحاب محمد لم يختلفوا لانهم لو لم يختلفوا لم تكن رحمة )).
          وقد قال ابن قدامة ـ حنبلي ـ (( ان اختلاف الائمة رحمة و اتفاقهم حجة )).
        وقد قال مالك للرشيد لما اراد ان يحمل الناس على الموطا : (( لا تفعل يا امير المؤمنين لان الصحابة افترقوا في الافاق وحدثوا فعد عند اهل كل مصر علم وقد قال النبي (ص) ((اختلاف امتي رحمة )).
         واعلم ان ائمة الاجتهاد يجب الاعتقاد فيهم بانهم على هدى من الله وعلى محجة بيضاء منهم الائمة الاربعة و السفيانان وداود و الظاهري و اسحاق بن راهوية و الاوزاعي وغيرهم وغيرهم..
           وقد تلقى الائمة مذاهبهم بالقبول وانخرطوا فيها متبعين نظامها و اصولها وفروعها واعتمدوا عليها  في  دينهم وفيهم من انتقل عن المذهب الذي انخرط فيه اولا و استبدله بغبره لانه ظهر له افضلية المنتقل اليه.
واليك بعض العلماء (8) الذين انتقلوا من مذهب الى مذهب مع بيان المذهبين :
اسم العالم               المذهب الاول               المذهب الثاني 
1. الخطيب البغدادي            حنبلي                   شافعي
2. الامدي                      ((                         ((
3.  ابن دقيق العيد              مالكي                   ((
4. ابو حيان                     ظاهري                 ((
5. السمعاني                    الحنفي                  ((
6. الطحاوي                     شافعي                 حنفي 
7. ابن عبد الحكيم               ((                      مالكي
8. ابو نور                       حنفي                  شافعي
9. عبد العزيز بن عمران       مالكي                  شافعي
10. ابن فارس صاحب المجمل    شافعي             مالكي
11.  ابن الدهان                     حنبلي              حنفي
12. ابن برهان                       ((                  شافعي
13. ابو جعفر بن نصر              ((                  ((
          هذه شخصيات لامعة من التاريخ ثلاثة عشر قد انخرطت في مذهب رضيته لدينها و لعبادة الله على نظره ثم استبدلته بمذهب آخر اختارته لنفس الغاية اقتصر عليها ، و الذين فعلوا ذلك سوى من ذكر كثيرون ، فاذا اردت ان تطلع على اكثر مما ذكر هنا فارجع في ذلك الى كتب الطبقات خصزصا طبقات الشافعية.
         و قد فسر بعض المحدثين الحديث بتفسير ثالث هو اختلاف الامة في الاتجاه فهذا يتجه الى الثقافة و العلم و الاخر يتجه الى القضاء و فصل الخصام بين الناس بينما غيرهما ينتهج نهج التجارة و ربح الاموال واخرون يفضلون الصناعات و الصناعات انواع كذلك كل طاقة ترشح نوعا من الصناعة و باختلاف هؤلاء رحم الله الامة اذ لو اتحد اتجاه الامة الى ناحية مختارة لها وعطلت غيرها لتعطل الكثير من مصالح المسلمين وانك لترى في العصر الحاضر ان الناحية التي اهملها المسلمون و لم يشتغلوا بها ضاع عليهم منها مصالح كثيرة و لكن العالم الاسلامي قد اصبح اليوم يراجع بعض النواحي التي كان الاهمال فيها سابقا وبهذا التراجع و بمثله في جميع النواحي  الاهمال نعم المسؤولين رحمة الله سيما في النواحي  الحربية و التدريب عليها بنظامها الحديث وفق الله المسؤولين.

هل الحديث يتعارض مع القرآن؟
            ورد في القران آيات تقتضي عدم الاختلاف قال سبحانه (( ولا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات (9) و قال : (( و اعتصموا  بحبل الله جميعا و لا تفرقــــــــــوا)) (10).
            فكل من الايتين تنهي عن الاختلاف وتذمه بينما الحديث الضعيف يشجعه ويحث عليه و يعده رحمة من رحمات الالاه سبحانه فقد تعارضا القرآن و الحديث الضعيف و تعارض        كهذا يجب القضاء عليه وازالته او يجب ابطال الضعيف منهما وهو الحديث اذ هو الذي يمكن التغلب عليه بالابطال مثلا دون القرآن فيما اذا لم يمكن الجمع بينهما .
         و يمكن الجواب عن التعارض بحمل الحديث على محمل وحمل الايتين على محمل آخر . فالحديث الضعيف السابق يحمل على احدى المحامل الثلاثة تفسير امام الحرمين تفسير الجمهور التفسير الثالث و الايتين القرآنيتان تحملان على الاختلاف على الانبياء و في الحديث (انما هلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم و اختلافهم على انبيائهم ).


1 بسكون الفاء وقصر العلماء وترخيم رحمة باسقاط التاء من آخره لغة عامية 
2 هو لفظ العنوان 
3
  ليسوا بمحدثين فالتنصيص عليهم بجمع النظائر 
4 طبع بالمطبعة الحجرية. 
5  المرسل ما سقط من نسب الصحابي
6  سورة النساء الاية 23
7  كتاب القضاء 
8  النووي في فيض الغدير
9    آل عمران الاية  103
10  نفس السورة الاية 105

   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here