islamaumaroc

الإسلام والتأميم -8-: التأميم يسقط الزكاة (رد على تعقيب الرحالي الفاروق)

  دعوة الحق

153 العدد

حين قرأت مقال الاستاذ العميد الرحالي الفاروق (( تعقيب على التصويب او تعقيب على التعقيب))(1)وجدت نفسي في وضع حرج ، لان الاستاذ العميد اعتبر مناقشتي لرايه في احداث الضرائب ، تهجما واثما ، و لانه من جهة اخرى لم يكتف بالدفاع عن وجهة نظره ، و انما تعدى نطاق الدفاع الى شن هجوم مضاد ، رغم اني في الواقع ، لم أهاجمه ، و لم انسب اليه ما لم يقله، او ما لا ينادي به .
و نفيا لهذا الحرج و حتى يطمان استاذنا العميد الى ان ما تضمنه مقالي (( التاميم يسقط الزكاة ))(2)، ليس فيه ما يدينه بما لا يعجبه  ، سأبين براءة ما كتبت من جهة ، و ساوضح بالتفصيل وجهة نظري من جهة ثانية .
                                             -     *     -
نفي للاثم و العدوان
لقد ورد في مقال الاستاذ الكبير ، اني اخطاته خطا لا مغفرة فيه ، و تسرعت باتهامه بما ليس فيه ، فهو يقول :
اولا : (( الامر الثالث مبني على المر الثاني وهو اننا نسلم و نرضى بمبدا تطبيق القانون المالي الوضعي ، هذا ما زعمه الاستاذ و صوبه تصويبا لا محيد عنه ، و الصواب ضد الخطا ))(3).
ثانيا : (( واما ما ظنه الاستاذ من اننا نسلم بجواز تطبيق القانون المالي الوضعي ، فاننا نذكره بقوله تعالى : (( يا ايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ، ان بعض الظن اثم ))(4)
ثالثا : (( ... فكيف يتهمنا الاستاذ اننا نقول بجواز تطبيق القانون المالي الغربي، و يخطئنا  خطا لا مغفرة فيه ، وكيف يتساهل في بيان نتيجته و يقول: (( او يحدثوا ما شاءوا من الضرائــــب...)(5)
هذه الفقرات تبين دون شك ، ان الاستاذ العميد ينفي عن نفسه تهمة التسليم بمبدا تطبيق القانون المالي الوضعي ، ونفى التهمة بطبيعة الحال يقتضي وجود الاتهام ، فهل اتهمت حقا الاستاذ العميد  يما يقول؟
لقد بدات تعقيبي في المقال المذكور ، بان الاستاذ الفاروق (( كتب بصدق وحق ان نظام الاسلام    شيء لا يتبعض و كل لا يتجزا ، فاما ان يؤخذ كله ، و اما ان يترك كله .. لا يقبل تجزئة و لا   ازدواجية و هو نظام شامل كامل...)، و انهيته بهذه الفقرة : (( و نعود الى الفكرة التي لا نشك في اخلاص الاستاذ الفاروق لها ، وهي انه لايمكن ان نقضي بالشرع في الاحوال الشخصية و المدنية و الجنائية ، و نطبق القوانين الوضعية في ميدان المالية العامة و الاقتصاد او في غيره من الميادين )) فالشرع نظام كامل شامل ، وكل لا بتجزا ، و لا يتبعض و لا يتجاوز ))(6).
هذه البداية و النهاية ، نفي قاطع لاي اتهام موجه من طرفي الى استاذنا العميد ، فهو كما قلت ، قد كتب (( بصدق )) و ((حق)) عن شمولية الاسلام و كماله ، و انه اذا نظر اليه بترو و تمعن ، فيبقى لذلك الهجوم المضاد بدون اساس !
فما هو وجه الاختلاف الذي يبقى ؟ لا شك في اننا متفقون على ان نظام الاسلام نظام كامل و شامل لا يقبل الازدواجية ... على ان هذا الموقف ، في رابي ، يتناقض مع فكرة احداث الضرائب ، فهي فكرة دخيلة على المجتمع الاسلامي ، و لم يكن شيوعها الا نتيجة لشيوع الفكر الغربي ورواسبه في المنطقة الاسلامية .
و على عكس ذبك ، يرى الاستاذ الفاروق ان الشريعة الاسلامية تقبل احداث ما هو ضروري من الضرائب لقيام دولة فتية ، لها اتجاه مقبول و هدف معقول ، ليضيف الى مقاله الاخير ان الضرائب ضرورة لازمة للدولة العصرية ، و انه (( يستحيل  ان تعتمد معركة الدفاع ، ومعركة الحياة الاجتماعية و الاقتصادية على الموارد الشرعية المتعارفة ))(7).
هذه هي نقطة الخلاف ، و هذه هي النقطة التي ركزت علها نقدي ، حين قلت ان نتيجة الاخذ برأي الاستاذ الفاروق ، وهي ان الاسلام لم يقدم نظاما كاملا شاملا ، يمكن أي دولة من النهوض و الازدهار و الاستمرار ، و حين قلت ان الضرائب ، كما يشهد الواقع ، لا تمت للاسلام بصلة سواء من حيث اصلها و امتداداتها ، او من حيث غاياتها و اهدافها ...
و هذا هو السبب الذي جعلني اعنون تعقيبي (( تصويب لا بد منه )) ، و ليس في هذه العنونة أي انقاص من قيمة الاستاذ العميد ، فالخاص و العام يعرف مكانته ، و علمه و فضله ، و سماحته ... و ان كان لا بد من الاعتذار ، فلا اجد ما اعتذر عنه سوى عنوان تعقيبي ، الذي وصفه احد الاصدقاء بانه زلة لسان .
                                             -     *     -
تناقض لا يمكن انكاره
بقد لاحظنا في مقالنا (( التاميم يسقط الزكاة ))، على بعض الكتاب و الباحثين ممن عرفوا باخلاصهم الشديد للاسلام ، انهم انساقوا مع تيار غير مقبول ، ووقعوا في تناقض خطير يتجلى في اعلانهم كمال الاسلام من جهة ، و افتائهم بمشروعية الضرائب ، من حيث المبدا او الغايات من جهة ثانية (8).
وقد رد علينا الاستاذ الفروق بقوله : (( ان دعوى التناقض بعيدة كل البعد ، و لا دلالة عليها اصلا ، اذ ليس في كلامنا اثبات شيء ورفعه كما هو بارز للعيان ، وكما هو التناقض عند اهل الميزان ، و هناك فرق كبير بين القول بجواز تطبيق القانون المالي الوضعي و بين القول بجواز احداث دولة اسلامية تعتز بنظامها الاسلامي : ماهو ضروري من الضرائب لحياتها و نهوضها مما تقبله نصوص الشريعة و قواعدها ...))(9) ليقدم بعد ذلك ادلته على جواز احداث الضرائب . و يمكن رد هذه الادلة الى اصلين :
 الاول : اصل شرعي واقعي و تاريخي ، وهو : (( ان الحياة العصرية بصواريخها الطيقية و تعليمها و قضائها و استعمارها و متطلباتها و معاركها ... تفرض احداث ما هو ضروري من الضرائب )), ليؤيد هذا الراي بفتاوى للشابطي و الشيخ المالقي و العز بن عبد السلام و الغزالي.
لكن هذين الادلة مردودة لسببين  :
الاول : ان الضرائب لم تعرف في بلاد المسلمين الا مع بداية الانحطاط و التدهور.
و الثاني ، ان الضرائب بمفهومها الحديث لا تمت  للاسلام بصلة و هي بديل للزكاة .
فبيس هناك اولا ،أي  دليل على شرعية الضرائب، اذ لا نجد في الاسلام ، ولا في التاريخ الاسلامي ، أي وجود لنظام ضرائبي ، باستثناء وجود (( مساكينن)) ، كانت اغليبة العلماء ، وعامة الناس ، تؤاخذ عليهم ظلمهم و اجحافهم و مروقهم ...ووجود هذه الظاهرة لا يكفي باي حال للاقرار بوجود (( ضريبة)) . لا سيما و ان (( المكوس)) انذاك لم تكن تخضع لقواعد اسلامية ، او على الاقل لقواعد منظمة ، حتى يمكن تشبيهها بالضرائب . و الملاحظ انها كانت في اصلها معاملة بالمثل للتجار الاجانب ، ثم انقلب الامر ، فصار التجار المسلمون يخضعون لها بدورهم .
و تاسيسا على هذه الحقائق ، فان الاخذ بفكرة احداث الضرائب ، يعني ان الدولة ستلجا حتما الى تجارب المالية العامة غير الاسلامية ، لانعدام وجود اساس اسلامي او نظامي للضرائب ، و يعني ايضا ان السلطة ستحصل على حرية غير مقيدة في هذا الميدان ، و هذا ما يشهد به واقع البلاد المسلمة ، حيث تسخر ايرادات الضرائب لخدمة اهداف و اغراض لا يقبلها الشرع.
فهل يصح الاحتجاج بان الدولة الاسلامية تحتاج لاحداث الضرائب حتى تستطيع الحياة والنهوض ، وحتى تتفادى السقوط او الانهيار و الاستعمار ؟
ان الاستاذ الفاروق يجيب على هذا السؤال بالايجاب ، و الواقع اني استغربت من صدور هذا الراي عن عالم كبير كالاستاذ الرحالي الفاروق ، لان اموال المسلم و نفسه ، كما نعلم جميعا ، هما فداء للعقيدة التي يحملها ، و للكيان الذي ينتمي اليه ... و حياة المجتمع الاسلامي الاول تشهد بان المسلمين كانوا يتسارعون الى تقديم كل تضحية ، سواء كانت  مادية او معنوية ، و سواء كانت لتقوية الجبهة الاسلامية على الصعيد الداخلي او لتقويتها على الصعيد الخارجي .
ومن الواجب علينا ، كما لا يخفى على الاستاذ الفاروق ، ان نتخلق باخلاق هذا الجيل  الذي صنعه الاسلام ، و ان نسير على دربه ، فهو الجيل الذي نشا نشاة اسلامية سليمة ، وهو الجيل الذي تخرج من مدرسة الرسول عليه الصلاة و السلام . ومن الواجب على علمائنا الافاضل ، ومن بينهم الاستاذ الفاروق ، ان  يدعوا الناس الى هذا المجتمع في صورته الاصلية ، و الا ينخدعوا ببريق التقدم المادي ، فهذا التقدم ليس وقفا على الضرائب كما سنرى بالتفصيل!
    لقد قال الاستاذ الفاروق ان (( عدم وجود شيء منصوص عليه في الكتاب و السنة ، لا يدفعنا الى القول بان نظام الاسلام قاصر وعاجز ))(10), وهذا الدفع مردود اطلاقا ، لان نظام شامل كامل ، و لان الضرائب باعترافه غير منصوص عليها في الكتاب و السنة ، و لان جوازها هو من استنباط الخاص.
فلو نظرنا الى الضرائب على ضوء النصوص الاسلامية ، و على ضوء التاريخ الاسلامي ، نجذ ان الاسلام لم يحدث على ضريبة بالمفهوم المتعارف عليه ، و باستثناء الزكاة و بعض التكاليف الشرعية ، لا نجد جباية اخرى تلتقي من حيث خصائصها الجبائية مع الضرائب.
 و اذا نضرنا الى الضرائب على ضوء الواقع الذي نعيشه ، نجد ان هذه الضرائب نشات في مناخ غير اسلامي ، و لا تمت للاسلام بصلة ، سواء في مبادئها واساليبها ، و سواء في تقنيناتها و غاياتها.
ولهذا اذا قلنا ان الدولة الاسلامية يمكنها ان تحدث الضرائب ، او ما تواه ضروريا منها ، فان هذا يعني انعكاس الواقع الذي نعيشه ، او الذي عاشه علماء متاخرون ، على تفكيرنا ، ونحكمه في مبادئنا و سلوكنا . ثم ان اقتباسنا للضرائب ، وهي غير منصوص عليها في الكتاب و السنة ، و لم يسبق لها وجود في التاريخ الاسلامي ، لا يعني في واع الامر ، الا قصور التنظيم المالي الاسلامي ، وعدم وجود نظام اسلامي اصيل كامل بمكن الدولة المسلمة من النهوض و الازدهار و الاستمرار ، لاسيما و ان الموارد الشرعية المتعارفة، حسب الاستاذ الفاروق ، يستحيل ان تعتمد عليها معركة الدفاع و معركة الحياة الاقتصادية و الاجتماعية !
و نذكر الاستاذ الفاروق ، لان الذكرى تنفع المومنين ، ان الحياة الاسلامية كانت خالية من الضرائب ، و بان المجتمع الاسلامي ظل طيلة قرون طويلة ينمو و يتطور دون ضرائب ... و بم يكن ذلك لان المسلمين كانوا يجهلون الضرائب ، و لكن لان اموال المسلم  و نفسه تحت تصرف السلطة الاسلامية لمواجهة كافة الطوارئ ، و لان المسلم ملتزم بالبر و الاحسان و الانفاق في سبيل الله ، لا يعرف الانانية و الأثرة و جشع المال ، و لان المجتمع الاسلامي مجتمع متعاون متكافل يعيش في اخاء و ازدهار و تعاطف ووئام ، و في غنى عن الضرائب .
                                             -     *     -
الزكاة ليست ضريبة تجميد :
وقبل ان نستمر في مناقشة اراء الاستاذ الفاروق يكون من المفيد ان نقف قليلا عند تدخل احد الكتاب في النقاش الذي بدور بيننا على صفحات هذه المجلة . و يبدو من هذا التدخل ان صاحيه قد اخطا في الشخص الذي ينبغي ان يوجه اليه الرد ، او انه تغاضى عن ذكره صراحة لسبب لم بفصح عنه ، و لا نرى في الامرين معا ما يسوغ اية مؤاخذة !
لقد قال الاستاذ المحترم : (( وان تكن الزكاة  دعامة كل عدالة و ضمانة اجتماعية في الشريعة الاسلامية ، فان للدولة  الاسلامية التي تتولى مصالح المسلمين الحق وكامل الحرية في ان تفرض ضرائب او زكوات مقبلة ترى فرضها قمينا بقيام التوازن الاقتصادي الذي لا بد منه صيانة المجتمع من كل رجة او افة و كل تذمر و انتفاض . فمما ثبت عن الرسول قوله ان في الاموال حقا سوى الزكاة ، استنتاجا من الاية القرانية الكريمة (( و في اموالهم حق للسائل و المحروم )) ، و اختها الاية الاخرى التي تقول في نفس اللهجة و الاسلوب و التاكيد مع اضافة وصف محدد (( و الذين في اموالهم حق معلوم للسائل و المحروم ))(11)... (( ونحن نعلم ما اوعد الله به  مجمدي المال و الحائلين دون تحركه نحركا حرا منتجا . ومن هذا الوعيد الزام فريضة الزكاة على ماله ، مادام يتوفر على النصاب ، وهذا ما لسمى بضريبة التجميد التي كان الاسلام هو اول من سنها ))(12).
و بلاحظ القارئ ان موقف الاستاذ الفاروق لا يختلف كثيرا عن موقف الاستاذ المحترم ، فكلاهما برى فرض الضرائب الى جانب الزكاة . وهذا يعني ان التعليق (( المتفذلك ))  كان موجها الى ما كتبته في مقالي (( التاميم يسقط الزكاة )) من عدم جواز فرض الضرائب ... و الملاحظ ايضا في هذه (( الفذلكة)) ، ان الكاتب المحترم اشار الى النبي صلى الله عليه و سلم عشر مرات بكلمة ((رسول)) مجردة عن كل ما يرفق بها عادة من صلاة و سلام !
ومن ناحية الجوهر ، نسجل قول الاستاذ الكبير ، ان الدولة لها كامل الحق و الحرية في فرض ضرائب و زكوات مقبلة ...فالضرائب و الزكوات المقبلة لا بمكن ان تقوم الا في مجتمع تزدهر فيه الحيازة الشخصية .
وما من شك في ان الاستاذ الكبير يتناقض مع  نفسه حين يعلن هذا (( الحل الجديد )) ... فلا شك انه تراجع شامل عن التاميم  ، او على الاقل تراجع عن نظرية التاميم الشامل الى نظرية التاميم الجزئي.
و في هذا التراجع دليل على ان الاستاذ الجليل ليس له موقف محدد ، فهو لا يزال يتردد بين اسلوب التاميم و اسلوب الضرائب ، ومن كان موقفه من قضية واحدة متناقضا ، ليس له الحق في ان يلاحظ ما لاحظه على باحث اخر ، مواقفه محددة و ثابتة ، و لا يتراجع عنها من مقال الى اخر !
ومن ناحية الجوهر ايضا ، عرف الاستاذ المحترم  الزكاة بانها (( ضريبة تجميد )) ، رغم ان هذا التعريف لا ينطبق على الزكاة سواء من الناحية الشرعية او من الناحية الجبائية .
فالزكاة ليست بضريبة ، و ان اتفقت معها في بعض الخصائص الجبائية ، فانها تختلف عنها في الاصل و المصدر ، ومن حيث الاهداف ، ومن حيث النسب و المصارف ، ومن حيث العدالة ...  
ثم ان الزكاة ليست مجمدة للاموال ، كما يزعم الاستاذ المحترم ، و ذلك للسببين :
الاول : ان نسبها ضئيلة ، وحتى تصاعديتها بالنسبة للمواشي ، و ليست بالنسب التي تجمد الاموال عن النماء ، او التي تحد من الدخل و الملكية !!
و الثاني : ان الزكاة ترادف (( النماء )) ، و النماء مناقض للتجميد كما لا يخفى على الاستاذ الكبير !
ومن ناحية الجوهر ايضا ، فان الزعم بان قول الرسول صلى الله عليه و سلم (( في المال حق سوى الزكاة )) ، مستنتج من الايتين الكريمتين اللتين ذكرهما الاستاذ المحترم ، ليس الا تعسفا في التفسير ، و شططا في التاويل ، لان الحديث يتعلق (( بحق محدد )) اما الايتين فهما باعتباره تتحدثان عن ((حق محدد)) لا يمكن ان يكون الا (( الزكاة )).
ومع تحفظنا الكبير من استعمال الكاتب المحترم لكلمة (( استنتاج )) في هذا الميدان ، فان كلامه لا يخلو من الخلط ، و لذا ننصحه بان بعيد النظر في مواقفه التي ر يسندها كتاب و لا سنة ، او على الاقل ان يستند الى النصوص الاسلامية فيما وردت فيه و ليس كما يريد و يشتهي ، لان ذلك سيكون من ياي تحريف الكلم عن مواضعه....
و ليس في اسداء النصح ما يدعو للثورة و الغضب ، فذلك فريضة على كل مسلم ومسلمة . و لهذا ايضا نبهت الاستاذ الفاروق الى ان قوله باحداث الضرائب يتناقض مع قوله ان النظام الاسلامي شامل و كامل ، وقد بينت بشيء من التفصيل اسباب هذا التناقض و اثاره ، و عنونت كل ذلك (( بتصويب لابد منه )) ، لاني اعتقد ان كمالية الاسلام و شموليته ليست موضع جدال ، و لاني اعتقدت ان الافتاء بمشروعية احداث الضرائب ، و لو كانت مقيدة بما هو ضروري ليس الا تاثرا بالحياة المعاصرة ، و برواسب الثقافة الراهبة التي ركزت في اذهان الناس استحالة قيام الدولة بدون ضرائب

في المال حق سوى الزكاة :
وحتى لا يتيه الاستاذ الاشتراكي المحترم ، الذي نكن له كل تقدير و احترام ، في البحث عن اساس  قراني للحديث النبوي (( في المال حق الزكاة)) ، نذكره و نذكر الاستاذ الفاروق في نفس الوقت، بل ان الترميذي رضي الله عنه الذي روى هذا الحديث في سننه ، اضاف بان : (( رسول الله صلى الله عليه وسلم  بعد ان قال هذا الحديث تلا قول الله عز وجل : (( ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من امن بالله و اليوم الاخر و الملائكة و الكتاب و النبيئين و اتى المال على حبه ذوي القربى و البتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقال و اقام الصلاة و اتى الزكاة ...))
وواضح من الاية الكريمة ،
اولا : ان الله عز وجل لقول : (( و اتى المال على حبه )) ، وواضح من صراحة اللفظ و المعنى ، ان المسلم تتوجب عليه حقوق (( غير الزكاة )) موكولة الى ارادته و تطوعه ...
تانيا : ان ايتاء المال ورد في الاية المذكورة على انه عنصر من عناصر (( البر )) ، وواضح ان البر ينبع من الارادة الشخصية و ليس من الاجبار ...
و يستخلص من هاتين الملاحظتين ، ومن ارتباط الحديث الشريف  (( في المال حق سوى الزكاة ))، بالاية الكريمة : (( ليس البر ان ...)) ، انه لا مجال  لتاويل الحديث بما يخالف الاية المذكورة .
و تاسيست على هذه الحقيقة ، يتضح لنا ان التفسير الذي اخذ به بعض الباحثين المعاصرين، و من بينهم الاستاذ الفاروق ، وهو تاويل خاطيء للاية الكريمة و للحديث النبوي في ان واحد !
و تاكيدا لهذا التفسير الملتزم كليا برواية الحديث المذكور كما نقلها الترمدي ، فهناك حديث اخر رواه ابن ماجة وهو (( ليس في المال حق سوى الزكاة )). فلو سلمنا براي الاستاذ العميد ، لوجدنا الحديثين متناقضين ،لان الحديث الاول ، حسب الاستاذ الفاروق ، يفيد وجود جبابة اخرى منظمة الى جانب الزكاة ، اما الحديث الثاني فينفي وجود مثل  هذه الجباية .
ولسنا اول من تنبه لهذا التعارض ، كما اننا لسنا اول من يقول بانعدام التناقض بين الحديثين ، فقد سبق لذلك البعض منذ القديم . وما نضيفه هو ان الزكاة الاصل تبعا لرواية ابن ماجة ، و ان الحق المشار اليه من دون الزكاة حسب رواية الترمذي ، هو (( البر )) في معناه كما سبق تفصيل ذلك.
و نستخلص مما سبق نتيجتين :
الاولى : ان الحديثين متكاملان ، يتعلق احدهما بالواجب الاجباري وهو الزكاة ، و يتعلق الاخر بالواجب التطوعي وهو البر .
و الثانية : ان الحديثين ينطبقان في الحالة العادية لسير المجتمع الاسلامي .
وهنا نلاحظ على الاستاذ الفاروق انه يخلط بين الحالة العادية لسير الحياة في الدولة الاسلامية ، و بين الحالات الاستثنائية ، فهو يقول : (( و اذا كانت الموارد  الشرعية المتعارفة لا تقوم بحاجيات الدولة و ضرورياتها الملحة ان تاخذ من المسلمين ما بحفظ عليهم مصالحهم ، و الا تعرضوا لاستعمار اراضيهم ، و استغلال مواردهم ، و هتك اعراضهم ، و تشريد ابنائهم ، كما هو الواقع في فلسطين وفي غيرها من بلاد المسلمين ...)(13)
فلا شك ان حاجيات الدولة ، وضرورياتها الملحة تندرج في الاطار العام العادي لحياة الدولة الاسلامية ، ولا شك ايضا في ان تعرض هذه الدولة للغزو ، و لهتك الاعراض و تشريد الابناء، هو وضع طاريء ، يتطلب من المسلم ، كما اشرنا سابقا ، ان يجابهه بامواله و بنفسه ، فداء للعقيدة الاسلامية ، وحماية للنظام الاسلامي من السقوط و الانهيار...
ففي حالة الطوارئ التي قد تؤثر على سير المجتمع الاسلامي ، او تهدد بخطر ما ، نجذ عند الاستقصاء في حياة المجتمع الاسلامي الاول ، ان هذا المجتمع مر بحالات عسيرة لا تقل خطورة عما يستدل به الاستاذ الفاروق ، وسنكتفي على سبيل المثال و ليس الحصر ، على نجراءين اتخذهما الرسول صلى الله عليه و سلم اخذ زكاة عمه العباس مسبقا . وهذا هو اساس ما ذهب اليه بعض العلماء من ان للامام ان يستلف من الاغنياء زكاة سنة او سنتين للتغلب على الازمة العارضة .
و الثاني . ماروى في شان فقراء الصفة ، و توزيع الرسول عليه الصلاة و السلام لهم على الاغنياء. وهذا  هو اساس ما ذهب اليه بعض العلماء من انه يحق للامام في حالة المجاعة و الاضطرار ، تكليف الاغنياء بالفقراء بحسب طاقتهم ....
وقد اخترنا هذين المثالين لنميز بين نوعين من الاخطار التي قد تحيق بالمجتمع الاسلامي ، وهما اخطار الازمات و اخطار دار الحرب (14) فهذه الطوارئ تخضع لقواعد خاصة تختلف عن قواعد النظام العادي . و علينا بطبيعة الحال ان نقتدي بالرسول صلى الله عليه و سلم ، سواء في الحالات العادية او في حالات الطوارئ!
                                             -     *     -
التوظيف و الضريبة :
وقد عاد الاستاذ العميد بفتاو لعلماء كبار ظن انها حجة تؤيد رايه في احداث الضرائب ، بينما هي في حقيقة الامر حجة عليه !
فهو ينقل عن الشاطبي انه يرى ضرب الخراج اذا خلا بيت المال ... ونسي ان هذا العالم الكبير اشترط في مقابل ذلك (( عدالة الامام ))، ومن هذه العدالة عدالة الانفاق (15)
و نقل عن العز بن عبد السلام ان تقديم المصلحة العامة ملزم على المصلحة الخاصة ... ونسي ان هذا العالم الكبير الى جانب عدد من العلماء و الفقهاء ، اجازوا لقطر صاحب مصر حين اراد التجهيز لقتال التتار ، ان ياخذ من العامة ، ما يستعين به على الجهاد بشرط ان لا يبقى في بيت المال شيئا ، و ان يبيعوا ما عندهم من الحوائص المذهبة و الآلات النفيسة ، و يقتصر كل الجند على مركوبه و سلاحه ، و يتساووا هم و العامة !
ونقل ايضا عن الشيخ المالقي قوله بجواز ضرب الخراج ان خلا بيت المال ... و نسي ان الباجي و القضاة في الاندلس و المغرب أفتوا يوسف بن تاشفين بان يأخذ من المسلمين ما يف بحاجات الجهاد ، ولم يكن عنده في بيت المال ما يكفي ، و لكن قاضي المرية في  الاندلس ابا عبد الله بن الفراء الزمه دخول المسجد الجامع بحضرة اهل العلم ، و يحلف ان ليس عنده درهم واحد ولا في بيت  مال المسلمين !
و نضيف الى كل ذلك ان النووي لما وافق علماء الشام في فتواهم للسلطان بيبرس ، لما اراد محاربة التتار ، و ليس في بيت  المال ما يكفي لتجهيز الجند و الانفاق على المقاتلين ، اشترط ان يرد السلطان كل ما عند جواريه واعوانه من حلي و اموال بيت المال (16).
و الملاحظ في هذه الفتاوى انها  كانت استثنائية  لمواجهة نفقات الجهاد . و لهذا نرى ان ما نسبه الاستاذ الفاروق لبعض هؤلاء العلماء ، يبدو متصفا بتعميم لا سند له ، فافتاؤهم بجواز التوظيف كان للقيام باعباء الجهاد ، وفي ظل شروط صارمة ، وليس من سلامة البحث العلمي ان نقول انهم افتوا (( باحداث الضرائب)) ، كما انهم لم لضيفوا أي شيء جديد ، لان اموال المسلم و نفسه كلها في سبيل الاسلام .
   و يلاحظ من استقراء هذه الفتاوي :
اولا : ان هذه الفتاوي كانت مشروطة بان يكون بيت المال خاليا , و هذا يعني انه اذا كان في امكان الدولة الحصول على ما تريد من الموارد الشرعية او من  مشاريعها الخاصة , فانه لا يجوز لها ان تفرض ايرادات اضافية .
ثانيا : ان هذه الفتاوي كانت في فترة متاخرة من التاريخ الاسلامي ، وكانت اساسا اثناء ظروف خطيرة كان يمر بها العالم الاسلامي ، فهي تتعلق فقط يالجهاد .
ثالثا : ان هذه الفتاوي ، ودون استثناء ، كانت مقيدة و مشروطة بان تكون احكام الله نافذة كما يجب ، و ان تكون المصارف بقدر الحاجة لا تزيد عليها . ولو طبقت احكام الشرع كما يجب ، لوقعت الكفاية باقل مما نرى الان.
 ويستخلص من هذه الملاحظات وجود شرطين  اساسيتين في التوظيف لا يمكن توفرهما في الضرائب وهما :
الاول : ان يكون بيت المال فارغا ، و بتعبير مالي ، ان تكون موارد بيت المال لا تسمح بسد نفقات الجهاد .
و الثاني : ان يكون  الامام عدلا ، و عدل الامام يتجلى بالدرجة الاولى في تطبيق الشرع ، و في تفادي المصروفات غير المشروعة ، و في رد ما اخذ من بيت المال بغير حق.
فواضح من هذه الفتاوي انه اذا كانت ايرادات الدولة تفي بحاجات الامة ،  وكانت اموال بيت المال تبذر ، و تنفق في طرف غير مشروعة ، فانه  لا يجوز للامام ان يوظف على الاغنياء أي شيء.
اما اذا كانت ايرادات بيت المال لا تفي بالحاجيات الضرورية للامة ، فانه لا بد من التمييز بين حالتين :
الاولى : حالة التطبيق الكلي للشرع ، و في هذه الحالة سيقوم المسلمون عن طواعية باعباء النفقات العامة دون حاجة لضغط او اكراه او اجبار.
و الثانية : حالة التطبيق الجزئي ، و في هذه الحالة لا يجوز للامام ان يجمع الاموال لخزينته عن طريق استغلال احكام الشرع ، و لكن يجب عليه تقويم الانحراف ، لينتقل بمجتمعه الى الحالة الاولى .
و على هذا الاساس يمكننا القول بان العلماء الذين افتوا بالتوظيف كانوا يعيشون في ظل الحالة الثانية ، او في طريقهم اليها ، لوجود انحراف في السلطة ، و انحراف في الوعي العام لدى الناس . ومما يؤكد هذان التفسيران اولئك العلماء اشترطوا تقويم الانحراف ، ومنه الانفاق في الطرق المشروعة ، و ترك مظاهر الترف و التبذير ، و اعادة ما اخذ من بيت المال من حلي و اموال و غيرها ...
ولسنا في حاجة ان ننبه الاستاذ العميد الى ان الحالة الثانية التي عاشها علماء متاخرون نسبيا كالشاطبي و الشيخ المالقي و العز بن عبد السلام ، ليست هي النموذج الصميمي للحياة التي يتعين على المسلم نشدانها ...ز فالحياة الاسلامية كما انشاها  القران ، وكما قادتها السنة ، كانت انذاك في تراجع مستمر ! 
  وليس من شك ، رغم تشكك الاستاذ العميد في انه لو قامت دولة على الكتاب و السنة ، لوجدت الكفاية في الموارد الشرعية ، و اكثر من الكفاية ، اذا سلمنا بحقيقة غنى بلاد المسلمين و تكاملها، و تكوينها لوحدة اقتصادية  ضخمة مؤهلة لقيادة العلم نحو الاسلام من جديد ...
                                             -     *     -
الزمنكية ليست بمسوغ :
و على ضوء هذه الحقائق ، التي لا نظن احدا ينكرها ، نرى ان الاحتجاج بالتطور ، و بالعصرية ، او ما وضعه اخيرا احد الكتاب ( بالزمنكية ) ليس الا انهزاما فكريا ، يضفي المشروعية على اقتباسات  ليس لما مكان في المناخ الاسلامي.
ان الاحتجاج بالزمنكية يكون في محله اذا تعلق يالنواحي التنظيمية او التقنية ( مثلا البريد ، و الدواوين ...) التي لا تخالف مبادئ الشرع و قواعده و اهدافه . اما الاحتجاج بها لاضفاء الشرعية على اقتباس مذاهب دخيلة نشات في مناخ غير اسلامي ، و تتطلب اطارا اخلاقيا و تشريعيا معينا ، فانه احتجاج مردود ، و يتعين على اصحابه ان يعيدوا النظر فيه .
التطور العصرية ، هو حجة على اصحابه ، و ليس حجة لهم . ذلك ان الدولة الحديثة تميل الان نحو اللامركزية فيما يخص تحقيق الاهداف الاقتصادية و الاجتماعية و التعليمية . فالادارات المحلية الان  في اكثر الدول تقنية و تقدما اقتصاديا ، هي التي تتولى تحقيق هذه الاهداف ، و لم تعد الادارات المركزية تهتم الا بالدفاع و السياسة الخارجية و توجيه السياسة الداخلية ...
وليس من المبالغة ان نقول ان هذه الفكرة سبق اليها المسلمون ، فقد كانت كل مجموعة تهيء نفسها بنفسها على جميع المستويات ، فان لم تكفي نفسها لجات الى المجموعة المجاورة او الى السلطة المركزية ... وليس ببعبد ان تتحقق هذه الفكرة باسلوب عصري و على ضوء المعطيات المادية المعاصرة .
ومن هنا نرى ان الادلة التي ساقها الاستاذ العميد (( من متطلبات تعليمية و اجتماعية و سراء ما تحتاج اليه الدولة من اسلحة دفاعية و قوات احتياطية  ومراكز ومحطات عسكرية و بناء مدارس تعليمية ومعامل صناعية و غير ذلك من النفقات الضرورية في حياة العصر الذي نعيش تحت اثقاله و تكاليفه ))(17)، ليست متوقفة على احداث الضرائب ، سواء كانت ضرورية اوغير ضرورية .
و ليتذكر الاستاذ العميد ، وعلى سبيل المثال فقط و ليس الحصر ، ان اوقف كان مؤسسة اجتماعية هائلة ، عظيمة النفع ، ومتعددة الانواع ... فمن الاوقاف ما كانت خاصة بالتعليم ... ومن الاوقاف ما كانت خاصة بالجهاد و المجاهدين ... و منها ما كان خاصا بالمرض و المستشفيات و العجزة و اليتامى .... ومنها ما كان خاصا بتزويج الشبان و تغذية الاطفال...
اليست هذه الطريقة احسن قطعا من فرض جبايات قسرية ؟ فلماذا نهمل هذه الطريقة و غيرها من الطرق التي سبق اليها المسلمون الاولون ؟ و لماذا ندعوا الى طرق مغايرة ونستحسن طرق الغير و اساليبه ؟! و اذا كان المسلمون ، في بداية تاريخهم ، أي في فترة سابقة على الحضارة المادية الغربية ، قد جابهوا متطلبات عصرهم بطرق معبنة ، فلماذا نذهب للبحث عن طرق اخرى لم بلجا اليها المسلمون رغم معرفتهم لها ؟!
لو سايرنا الاستاذ العميد في ارائه ، لانتهينا الى نتيجة لا يقرها بالتاكيد ، وهي الاستغناء عن (( البر )) التطوعي ، وعن الوقف ، و عن الاحسان بوجه عام ، مادامت الضرائب هي التي ستقوم بالغايات المنشودة !
و لا اظن ان الاستاذ الكبير بنكر ان التقدم العلمي و الفكري و غير ذلك ، في بلاد المسلمين ، مما لا ينكره علماء الغرب ، كان بناء على الانفاق التطوعي ، و بفضل المبادرات الشخصية للمسلمين . فلماذا لا ندعو الى قيام وضع مماثل ؟ و لماذا ندعوا الى اسلوب الضريبة رغم انه اسلوب غير اسلامي ؟
                                             -     *     -
تشابه زائف :
فليست الضريبة ، كما بينت سايقا ، من المستحدثات المقبولة ، التي يصح ان يقول فيها العميد الفاروقي : (( و اما اذا فكر المسلمون في مصلحة من مصالحهم الضرورية او الحاجية و احدثوا لها ما يناسب  دينهم و يلائم شريعتهم ، فليس معنى ذلك انهم اخذوا قانون غيرهم ، على انه قد تتلاقى الانظمة في بعض الخطوط النظرية او في بعض الخطوات العلمية ...))(18)
ذلك ان الضريبة ملجا للراسمالية المنهارة ، و بديل للزكاة ، كالتاميم سواء بسواء ، فالاساليب الثلاثة تلتقي جميعا في خاصية الاجبار ، و تلتقي ايضا فيما يخص بعض الاهداف و الغايات ، على انه لكل اسلوب من هذه الاساليب  الثلاثة ( الزكاة ـ التاميم ـ الضريبة ) اطاره العقائدي ، و نظامه التشريعي الخاص .
و لو اقترضنا مع الاستاذ العميد انه يمكن للمسلمين ان يحدثوا الضرائب , لادرجنا الاسلام بدوره في النزاوج القائم بين الاشتراكية و الراسمالية ، فهناك دول اشتراكية تاخذ بالضريبة رغم انها نضريا ضد النظام الضرائبي ، وهناك دول راسمالية تاخذ بالتاميم الجزئي رغم انها نظريا ضد النظام الاشتراكي ... وكما راينا ، فليس هناك أي تلاق سواء على صعيدالخطوات العلمية ، بين الاسلام و الاشتراكية من جهة ، و بين الاسلام و الراسمالية من جهة اخرى ، فاذا كان التاميم ، على حد تعبير الاستاذ العميد : (( نظرية اجنبية و طبيعته طبيعة شيوعية )) ، فان الضريبة ايضا ((نظرية اجنبية و طبيعتها طبيعة  راسمالية )) وهذا ما سنحاول تفصيله .
فالشيوعيون يتصورون وجود دولة بدون ضرائب ، و حسب نظريتهم سينمحي النظام الضرائبي من الوجود حين تصل الدولة الاشتراكية الى مرحلة الشيوعية . وهذا يعني ان المجتمعات الاشتراكية  الموجودة الان ، لم تتخلص نهائيا من الضرائب ، فاكثرها تطرفا لا زال يعرف الضرائب ، لان ايا منها لم يستطع القضاء على القطاع الخاص و على الملكية الخاصة بصفة نهائية . و لذلك ظلت الضرائب نظريا ، سلاحا لمواجهة أي تطور او تكاثر في الدخل و الثروة ، و عمليا شر لا بد منه !
فيمكن القول بان التجارب الاشتراكية ، بوضعها الراهن ، لم تتخلص من الضرائب حسب ما تقتضيه النظرية الشيوعية ، ومع ذلك فقد انخفظت ايراداتها من الضرائب الى نسب ضئيلة جدا بسبب التاميمات و ادارة الدولة للاقتصاد .
و يمكن القول ايضا ، تاسيسا على ذلك ، ان هناك  تشابها بين الاسلام  و الشيوعية ، او الاشتراكية على  اصح تعبير، من حيث رفض فكرة الضرائب ، لكن الخلاف اساسي بينهما ، لان الاسلام حين تجاوز فكرة الضرائب ، ربط المسلمين جميعا برباط البر و الاحسان اثناء حياتهم العادية ، وحين جعل اموالهم و انفسهم كلها فداء له في حالة تعرضهم لاي خطر طارئ  فاثناء السير العادي للامة الاسرمية ، يحق للمسلم ان ينمي ثروته في ظل احكام الشرع ، مقابل حق ثابت لبيت المال ، هو الزكاة ، يتنوع بتنوع الاموال الخاضعة له ، و يعد من اركان الاسلام، بحيث لا يقوم اسلام المرء بدونه ... و الى جاني ذلك ، هناك حقوق غير ثابتة في امواله ، و غير جبرية ، متروكة لمبادراته الفردية ، ومن امثلها الوقف ، و الصدقات ، و الاحسان بمعناه الواسع . و قد راينا سابقا ، انه ليس هناك من سند يثبت ان هذه الحقوق غير الثابتة  ، يمكن ان ترفع الى درجة الحق الثابت ، او الزكاة...
اما الشيوعية ، فقد اختارت طريقا معاكسا لانها تصادر الثروات جميعها ، و تجعلها تحت تصرف الدولة ، او على الاصح تحت تصرف السلطة الفعلية في الدولة . فليس هناك أي تشابه بين الاسلام و الشيوعية الا من حيث رفض فكرة الضرائب ، و لكن الاختلاف جوهري من حيث ان الاسلام يترك الثروة تحت تصرف الاشخاص ، و يلزمهم بالزكاة  و بالجبايات المقررة شرعا ، و بالاحسان و البر التطوعي من جهة ، و ببذل كل التضحيات ، كل ما تعرض المجتمع الاسلامي لاي غزو او خطر او ازمة ...
على ان الراسمالية اختارت طريقا ثالثا مغايرا للطريقة الاسلامية و للطريقة الاشبراكية ، فهي تجعل الضرائب المورد الاساسي لمواجهة نفقات الدولة ، و حتى للحد من تكاثر الثروات عن طريق ضرائب تصاعدية فهي اسلوب يتوافق مع اطار اخلاقي يضفي المشروعية على جميع طرق الكسب المحرمة في الاسلام ، كالربا و الاحتكار و القمار ،،، ومع اطار تشريعي يصون الكسب على الطريقة الراسمالية من كل اعتداء .
ان الفرد في المجتمع الراسمالي ، حين يؤدي الضرائب لخزينة الدولة ، ينتهي دوره ، فالدولة هي التي تتكلف بسد كل الحاجيات ، و هذا هو سر التناقض القائم بين افراد المجتمع الراسمالي ، من حيث ان هناك فئة غنية تستفيذ اكثر من الضرائب التي يؤديها الاغنياء و متوسطو الحال و الفقراء على حد السواء ...



1  دعوة الحق – عدد ذو الحجة 1392 – يناير 1973- ص 13 وما يليها
2 دعوة الحق – عدد رمضان 1392 – اكتوبر 1972 – ص 38 وما يليها
3 تعقيب على التصويب او تعقيب التعقيب ، دعوة الحق – العدد السابع 1392 -1973 
4 المرجع السابق ص 14
5 المرجع السابق ص 15
6 دعوة الحق – العدد الخامس ، 1392 -1972 ص 41 و 42 
7 تعقيب على التصويب او تعقيب على التعقيب ، دعوة الحق – العدد السابع 392
8 دعوة الحق ، العدد الخامس ، 1392 -1972 ص 41
9  تعقيب على التصويب او تعقيب على التعقيب ، دعوة الحق – العدد السابع 392
10 تعقيب على التصويب ، او تعقيب على التعقيب ، دعوة الحق ، العدد السابع ص 15
11 التاميم في الاسلام ايضا للاستاذ عند الكريم التواتي ، دعوة الحق ، عدد صفر 1393 – مارس 1973  , ص 44
12  المرجع السابق ص 78
13 تعقيب على التصويب او تعقيب على التعقيب ، دعوة الحق ، العدد السابع 1392- 1973، ص 14
14  بالنسبة لاخطار الحرب اذكر بان الله اشترى من المومنين  اموالهم وانفسهم ... وهذه من المسلمات التي لا تحتاج الى ايضاح !
15  الاعتصام ، الجزء 2 ص 12.
16  وعلى غرار هذه المواقف المتماثلة ، قال الامام  الغزالي  (( اذا خلت ايدي الجند من الموال ، و لم يكن من مال المصالح ـ بيت المال ـ ما بفي   بنفقات المعسكر وخيف من ذلك دخول العدو بلاد الاسلام  او ثورات فتنة من قبل اهل الشر جاز للامام ان بوظف على الاغنياء مقدار كفاية الجند )) ، انظر كتابة (( المستصغى)) الجزء 1 ص 303.
17   الملاحظة ان الكاتب المشار اليه سابقا يلاحظ على الاستاذ العميد عدم تفهمه (( للزمنكية ))!
18 تعقيب على التصويب او تعقيب على التعقيب ، دعوة الحق ، العدد السابع 1392 -1973 ، ص 15.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here