islamaumaroc

زال الإكراه وأصبحنا مسؤلين

  عبد الوهاب بن منصور

3 العدد

منذ خمسة أعوام - على ما أقدر- نشرت مقالا بمجلة (لسان الدين) التطوانية، عبرت فيه عن رأي ارتأيته، فأطلقت العنان للقلم يفصح عنه بعد أن ضاق به الصدر، وخلاصة المقال أن المستعبدين المستعمرين (بالفتح) ليسوا مسؤولين شرعيا عما يأتون من أعمال ويذرون، لأنهم في حكم المكرهين الذين لا يخاطبون بشيء من التكاليف الدينية، وقد كنت أسكن يومئذ مدينة جبلية منعزلة حللت من قلوب أهلها محلا كريما، وكان أهلها - ذكورا وإناثا- يمطرونني كلما أصبح الصباح وأمسى المساء بوابل من الأسئلة السخيفة من باب قص الشوارب وإعفاء اللحي وأكل الثوم والزيتون في ليالي رمضان، ويرغبون أن يعرفوا فيها حكم الله، والحق أن بعض تلك الأسئلة كان له جواب في كتب الفقه معروف، ولكن كان يغيظني منها أنها كانت تافهة جدا، وأن الذين يسألون عنها كانوا كمن يسأل عن القذى ويغفل عن العمود، وقد كنا يومئذ في كفاح مرير مع الفرنسيين، وكانت الأزمة في المغرب العربي كله بالغة أشدها وتنذر بشر مستطير، ولم يتقدم إلي واحد من الناس يسأل عن حكم الله في الجهاد والشهادة وإنفاق المال في سبيل الحرية، ومعاداة الأجنبي ومقاطعة أعوانه واتخاذ البطانة من غير المسلمين، ومن كثرة ما سئلت وغاظني السؤال أخذت أمسك عن الإجابة بالمرة رابئا بنفسي أن أرعى مع الهمل، ثم لم ألبث إلا قليلا حتى كونت الرأي الذي طلعت به على الناس في مقال صريح.

ومع ما كان بيني وبين الأستاذ عبد الله كنون رئيس تحرير المجلة من الود والتجاوب الروحي - ولا يزال- فإنه استعظم هذا الرأي أو استعظم على الأصح نشره في مجلة تصدر تحت مسؤوليته، ولم يشأ أن يلقي بالمقال في سلة المهملات حبا لي وكرامة، ولكنه نشره مع تعليق احترز فيه لنفسه مما فيه، وألقى تبعة الرأي علي مرتئيه، ومن الإقرار بالحق أن المقال كان فيه شيء من الجرأة، فإنه عندما نشر أثار ثائرة علماء المشرق الذين كانت المجلة تصل إليهم ولا تصل إلى علماء المغرب، لأن الاستعمار الفرنسي كان يحول بينها وبين الدخول إلى الجنوب، وكتبت حوله نقود وردود، منها واحد لأحد رجالات الأزهر نشر في المجلة نفسها بعد حين.

والحق أنني لم أقتنع بشيء من الرد ولا ثنى عناني أمر من النقد، بل بقيت مصرا على رأيي بعد الرد والنقد كما كنت مصرا عليه قبلهما، فقد كنت أرى من السخف الذي ما بعده سخف أن يهتم الناس بجزئيات بسيطة من أمر دينهم، ويهملوا القواعد الكبرى والكليات العظمى، وكنت أرى من النصح للدين وعامة المسلمين أن نوجه تفكيرهم كله ونعبئ جهودهم كلها لمحاربة الاستعمار، الذي عطل أحكام الشريعة وحال بينهم وبين ممارستها حتى في الأحوال التي يبدون الرغبة الأكيدة في ممارستها، والتقيد بها، فإذا خلصت البلاد منه أمكننا بعد ذلك أن ننظر في أحوالنا بحرية فنثبت الخير وننفي الشر، وما الجدوى من معرفة أحكام لا يستطيع الناس التحاكم بها؟ أن المعرفة ستزيد القلب هما، وخير منها الجهالة، وكأني بالسائلين يشملهم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: 101].

وقد رفعت القبائل البربرية العقيرة، مطالبة بإسقاط العرف وتأكيد الشرع، فكانت تقابل من المستعمرين بالاستهزاء والقمع، وبحت أصوات المغاربة مطالبة بإلغاء مفاسد المجتمع كالبغاء والخمر والقمر بدون طائل، وطالب كل الغيورين بتشديد الرقابة على الأماكن التي يختلط فيها الجنسان كالمسابح والمواسم والحدائق العامة حماية للآداب، فكانوا كمن يصيح في واد أو ينفخ في رماد. وإذن فلنوجه عنايتنا لمحاربة الاستعمار وتقويض صرح الإكراه، ولنضرب صفحا عن كل سؤال حتى نحقق الحريات العامة ومنها حرية المعتقد والدين، فمع الاستعمار لا دين ولا اعتقاد، ولأمر ما لم يكتب الله لموسى في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء إلا بعد خروجه ببني إسرائيل من أرض مصر وتخليصهم من ظلم الفراعنة، ولحكمة ما لم يفرض الله على محمد من الأحكام قبل الهجرة إلا قليلا لعجزها على ممارستها في أرض يعظم فيها النكال بالمومنين المتعبدين، وقد فرض الله عليهم صلاة الجمعة بمكة فأداها الأقوياء الأحرار من سكان يثرب، وعجز المستضعفون من مسلمي مكة وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم - عن أدائها، ولم يؤديها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعدما هاجر إلى المدينة وأدركته في بني سالم بن عوف.

والآن، ارتفع الإكراه واجتثت شجرة الاستعباد، ورشد المغاربة بعد حجر، وانطلقوا بعد أسر، وأصبحوا أحرارا مستقلين، بيدهم التنفيذ، وليس للأجانب على حكومتهم من سبيل، فلم يبق لأمير ولا مأمور مفر من تحمل تبعاته، ولا مناص لكبير أو صغير من المؤاخذة بمسؤولياته، وصار لزاما على كل واحد أن يعلم من أحكام المروءة والدين، وأن يسأل عما لا يعلم من هذه الأحكام حتى يعلمها ويعمل بها، وصار حتما على أولي الأمر من حكام ونواب وعلماء أن يأخذوا أهبتهم لإنهاض الإسلام من كبوته وأقالته من عثرته، وإعادته مشرق الوجه، نقي البشرة، كما كان في أيامه الأولى.

ويجب أن نبادر فورا إلى إصلاح الإسلام، فنحن الآن في مفترق الطرق، ودواعي الإلحاد متوفرة، ووسائل الإغراء به كثيرة، وقد يحميها القانون في كثير من الأحيان، والإسلام تبعا لذلك في مفترق طرق أيضا، فأما أن نأخذ له بالاحوط من الآن فنعيده سيرته الأولى، وأما أن نفرط في شأنه، ونستهين بالأخطار المحدقة به، فتحل به قاصمة الظهر لا قدر الله.

وليس أمر هذا الإصلاح الديني بالهين ولا باليسير، بل هو من العسير والتشعب بحيث يقتضي تكاثف الجهود وتوحيد القوى، وهو يشمل ميدانين: ميدان الهدم، وميدان البناء، أما الإصلاح بالهدم فيكون بالقضاء على ما علق بالعقائد والعبادات من مظاهر الوثنية، وآثار الجمود والرجعية، وبوائق الإسرائليات، حتى يعود الإسلام صافيا كالمرآة، نقيا كالندى، سلسا كشؤبوب المطر وينبوع العين، ويدخل في هذا الميدان العدول نهائيا عن التدريس بالكتب العتيقة والحواشي والتعاليق والاستعانة عنها بكتب دينية مبسطة يحذف منها بعض ما ذهب بذهاب وقته كأبواب الرق والجهاد وأحكام الذمي والبيوع الفاسدة، ويضاف إليها ما يقتضي من الزمان إضافته كالعقود والتوثيق والمعاملات التجارية والشركات والمصاريف والضمان.

وأما الإصلاح بالبناء فيهدف إلى بناء مجتمع مغربي على أسس مستمدة من روح الإسلام والقواعد العامة التي جاء بها ولن يبنى هذا المجتمع بوعظ ولا بخطبة خطيب، بل لابد من خط الخطط المحكمة، ونهج المناهج القوية، التي تجعل البناء يأتي كالنتيجة المنطقية التي تسبقها المقدمات، وأرى أن نبدأ أولا بالتعليم فنجعله مشبعا بروح الإسلام ومكارم أخلاقه، ولست أعني بهذا أن تصبح مدارسنا مدارس لاهوتية يقتل فيها التلاميذ أوقاتهم أو أنفسهم في معرفة ما إذا كانت النملة التي خاطبت سليمان ذكرا أم أنثى، ولكن الذي أعنيه أن لا تكون مدارسنا علمانية لائكية تعمل برامجها بطريق مباشر أو غير مباشر على محو سلطان الإسلام من النفوس والاستخفاف بفضائله ومزاياه وتاريخه وعظمائه، كما هو حاصل الآن، فإذا أصلحنا مناهج التعليم وقومنا قناته بثقاف الدين أمنا من خطر الإلحاد والزندقة على الأجيال القادمة، ثم بعد التعليم نعمد إلى شؤون العدالة والأحكام، فنقيمها على الطريقة ويكون ذلك بتوحيدها وجمعها في يد قاض واحد، يحكم بقانون يحرره واضعوه على مقتضى روح الشريعة الراعية إلى جلب المنافع ودرء المفاسد، والأخذ بالمصلحة لما فيه خير الناس وسلامة المجتمع.

ثم يأتي بعد ذلك دور الدعاة الدينيين والمصلحين الاجتماعيين، فيجدون السبيل معبدا بتعليم إسلامي الروح، وعدلية إسلامية المدد، فلا تضيع جهودهم سدى ولا تذهب أعمالهم هباء.

وكما قلت في عهد الإكراه أننا غير مخاطبين بفعل ولا ترك، أقول اليوم بكل صراحة أننا من أكبر كبير إلى أصغر صغير أصبحنا مسؤولين مخاطبين مكلفين، وسنحمل أوزارنا وأوزار من يأتي من بعدنا على كل تهاون أو تفريط، وأن كل تباطؤ في إصلاح هذا المجتمع وتقويمه سيسهل على بذور الإلحاد والإباحية أن تورق وتزهر، ولا داعي للتفاؤل وتحسين الظنون بالمستقبل، فقد تهاونت بالإصلاح قبلنا أمم لم تكن تقل عنا غيرة على الإسلام وتعلقا بأستاره، فجرفتها موجة الحضارة المادية الطاغية، وأصبح الإسلام فيها غريبا والقرآن مهجورا.

فمسؤوليتنا الآن جسيمة وتبعاتنا خطيرة، ولا مجال للتملص من أداء الواجب والتغاضي عما يحف بالإسلام من مكاره ويحدق به من أخطار، فيتعين على كل مسلم أن يفكر جديا في مستقبل الإسلام وإماطة ما في طريق تمكنه من أذى وأشواك، وأنه لأمر من الله لمن أصبح في مثل حالنا أن يبادر إلى نصرته ونصرة رسوله وكتابه(فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: 63]

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here