islamaumaroc

عهد.. واستمرار

  دعوة الحق

153 العدد

           تستقبل دعوة الحق بهذا العدد سنة جديدة ، وهي بهذا تكون قد تخطت من عمرها المديد باذن الله خمسة عشر عاما كانت حقبة عمل متواصل ، زاخر بالنشاط ، حافل بالعطاء لاشعاع فكري مخصاب يتغيا اداء الرسالة الاسلامية الصحيحة التي انتدبت دعوة الحق نفسها لها حفاظا على روح الاسلام  في هذه البلاد ، ورعاية للاصالة الفكرية لهذه الامة ، واضطلاعا بالدور الكبير في اثراء الثقافة المغربية العربية الاسلامية في مناخ تسمو به النفوس ، وتنهض فيه العزائم ، وتطيب معه الحياة  بما تقدمه على صفحاتها من روائع الفكر ، وغلال المعرفة... فكانت طيلة هذه الحقبة مجلة للنتاج الفكري ، المتفتح على  الاحسن والاجمل و الاجدى ، و المدرسة الرائدة الراقية ، الحافلة بالصمود و العطاء الذي اتاح لهذا الجيل الاسلامي نبعا دافقا صافيا يقبل عليه ، ومنهلا رفرافا ينقع غلته ، ومنارا كاشفا عن مخططات الاستعمار الرامية الى تافساد عقيدة الامة ، وواد اخلاقها ، وتدمير حياتها باشاعة ما شذ من افكار ، وما انحرف من تصورات  وما تحلل من اخلاق ... فبقيت هذه المجلة عملاقا لا تزعزعه الهزات ، ولا ينال منه ناعق او موتور ، ولا تاخذه الكوارث التي عصفت بمجلات اخرى... فلم تهن لها عزيمة ، ولم يلتو بها طريق...

                ولسنا في حاجة الى التنويه و الاشادة بما كان لهذه المجلة الاسلامية  منذ صدورها من اثر حميد في النهضة الفكرية و الادبية طوال خمسة عشر عاما سواء بالنشر او بالتوجيه او بالتوعية ، او بما تقدمه من فئ وارف للطالبين ، وعناقيد  شهية ناضجة للقاطفين ، هذا الى كونها، وما زالت ، واسطة التعارف بين مفكري العالم الاسلامي و ادبائه ، حيث انطلقت منها اكثر الابداعات الفكرية في عالمنا العربي و الاسلامي ، ومنها كانت مسيرة الادب الصحيح  في طريقه الصاعدة ، ابدا ، الى حيث مواطن الخلق و الابداع ...
 
                لقد انبثقت منذ بدايتها معظم المواهب اصالة و اعنفها التصاقا بواقع الوجدان الاسلامي ، و الانساني المحض ، وجددت صلتها بالاقلام المنتجة ، و العقول الصافية النيرة ، و بالقراء المتعاطفين مع نتاج الفكر ، وثمار العقول،  وشدت بين البلاد العربية و الاسلامية بعرى الصداقة و الاخوة و الخير ، واسبغت على الادب المغربي آلاء جديدة كلما حل الحول ، او مضى الاخر بسلام...فكانت همزة الوصل بينهم . ومنبرا لارائهم ، وصوتا جهيرا ينافح عن الشريعة السمحة و المبدا القويم / وملاذ كل الشعراء و الكتاب ، وميدانا رحب الحدود لاقلامهم، ترقب ما بين افكارهم وآرائهم بفضل جهودهم الموصولة ، واخلاصهم الصادق ، وحبهم المكين ، ودابهم الدائم الفريد ، على اقرار حياة فكرية على قواعد ثابتة ، واصول منتجة ...فالفت منهم اسرة واحدة ، وشدتهم رابطة الفكر و الادب بحبل من مسد...
   
            وسعيا لاكتساب المواهب العربية و الاسلامية الدفينة وابرازها لكي تاخذ مكانها الصحيح في مسيرة الحركة الفكرية في بلادنا ، فقد فتحت هذه المجلة صدرها امام  الشباب المسلم الطاع الذي يخدم الكلمة بتجرد واخلاص ، وشجعته فيما يقدمه من  انتاج ناضج بقدر ما يؤهله استعداده الادبي و العلمي وفطرته وقدرته للاسهام في عالم الفكر ، دون ان تمايز بينهم بسبب من اسم براق ، او جاه عريض ، وثراء مستفيض ، او قرابة واشجة بطبقة معينة في الاوساط ، او انتماءاتهم لهيئة من الهيئات .. بل كان مقياسها الوحيد الذي تزن به الادباء هو انتاجهم وتواجدهم مع الفكرة الاسلامية الصحيحة ، واسهامهم في الحقل الادبي الذي يتسم بوضوح الطابع ، وسيادة المنهج النقدي الفني الاصيل .. فكانت منصة زاهرة للحرف الملتزم بالقصد ، البعيد عن مزالق البهرجة الفارغة التي تبيح لاصحابها كل الغث الكثير ، و السمن النذر..وكانت ، ايضا ، النبراس المضيء ، و الامل المرجى ، و الكوكب المتالق في سماء العروبة و الاسلام ، ودروب الحضارة المزدهرة التي نامن فيها الشرور و الانحراف ، ونتقي الزلل و الاعتساف.
                                             -     *     -
              وليس جهاد الابطال في ساحات القتال باعظم شانا من جهاد العلماء المخلصين الاوفياء الذين يجزلون  بالعطاء ، ويجودون باقلامهم دون كلالة او ملالة في دنيا العلم و الفكر ، اذ رسالتهم ابعد مدى ، وابقى اثرا ، واصدق قيلا ، لانها تبرز الصور الاسلامية الجميلة ، و المواقف الحاسمة لرجالات الاسلام ، وتشرق بانوار المعرفة التي لولاها لظلت المعارف المغمورة مطمورة ، فبالايمان الصبور ، و العزيمة القوية ، و النفس الطويل ، و التضحية المسؤولة بقيت هذه المجلة المجاهدة تجتاز خمسة عشر عاما وهي اقوى ما تكون شبابا وحيوية ، ولما تزل قوية الوهج ، سخية العطاء ، مستقيمة النهج و الغرض ، سالكة سبيل الصدق في القول، و الامانة للجمال ، و الغيرة على الادب الصحيح و البحوث النافعة التي تذبجها اقلام  عذبة المورد الى قرائها المنتشرين في كل مكان من انحاء العالم الاسلامي ، وستبقى دائما وابدا، باذن الله وعونه وتوفيقه ، للدارسين نبراسا ، وللباحثين منارا خهاديا للثقافة الرفيعة ، و الادب الحي ، لانها تستمد ضيائها وقوتها من الينبوع الثر الذي  يوزع الخير حيث يجري ، و المنبع الاصيل الذي  لا يضل من اتبعه ، و لا يزيغ عنه الا هالك ...
  ان الفكر الاصيل ، ودعوة الحق ، و الراي الرشيد ، و التجاوب الحلو ، و الادب الحقيقي الصريح البعيد عن كل تزمت بغيض ، ونقد جارح ، احوج ما يكون  في هذه الايام التي تزخر بالدعوات الهدامة ، و الافكار الدخيلة ، و التيارات  المسمومة ، الى سدنة حقيقيين من حملة الرسالات الخالدة ، ومنافحين عن الفكرة و العقيدة كاصدق ما تكون عليه المنافحة الشريفة المؤمنة اذا اريد لهذا التراث الخالد ، و الادب الاسلامي ان يعمر طويلا وسط الانواء  و الاعاصير ، و التيارات و الافكار المنحرفة التي طغت في عصر مادي يتعبد الناس فيه امام محاريب الوثنية و الالحاد ، و الطواغيت و الاصنام ...

                ولئن قدر لهذه المجلة من نجاح وتوفيق ، وذيوع وانتشار ، فمرد ذلك يعود اولا و قبل كل شيء الى المصلح النصوح ، و المجدد الرائد، صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني نصره الله الذي حقق في ايامه المعجزات ، وصنع في تاريخ امته و بلاده منجزات و آيات ، فالتفت له الدهر ما استحق به اعجاب العالم ، وثقة الانسانية باسرها ، واجرى الله على يديه ، لفائدة الاسلام و المسلمبن ، خيرا كثيرا لا ينقطع ، ومعينا فائضا لا ينضب ...
     
                واننا لنحمد الله على امن بلغت هذه المجلة في عهده الزاهر الشاو البعيد ، و الصيت الحميد ، و المقام المرموق ، و المركز الموموق ، فقد دفعها ، حفظه الله ، بكفاحه المشرف لنصرة الاسلام ، وتثبيت مكارم الاخلاق ، وتركيز الفضيلة في جميع مملكته ، وحفزها بعطفه وتشجيعه ، وحدبه ورعايته لتاخذ مكانتها ، وبفضل جلده النبيل في مسيرته الطويلة عبر الصعاب و العقاب ببطولة المجاهد العنيد في جهاده ، و الفدائي المومن برسالته الذي يسير على درب الحق و القوة و الجمال ...فاليه يعزى ما حققته هذه المجلة من نجاح ، وينسب الفضل ، ويجزى كل شكر...
 
               فانه حفظه الله ما تقاعس و لا توانى ، و الايمان هطال يزرع النصر في خطى اقدامه ، في تشجيع رجال العلم ، واكرام الفكر ، واكبار للمعرفة وتركيز الحضارة الاسلامية على دعائم ثابتة موطدة الاركان ، واعزاز الروح المغربية الاصيلة الباقية على الزمان...

                                             -     *     -
           فلنعد لرصيدنا الزاخر بالقوة و العزة و المنعة و المجد .... ولنرجع الى ذلك الايمان الراسخ المتين الذي صنع الابطال ، وزلزل الجبال ، وواجه الاعداء فاذابهم ، وزجر المستكبرين فاصمهم واعمى ابصارهم ... ولنغش ساح الاسلام الضامن الوعيم الكافل بالانتصار في كل معركة ، و الذي لا يخون عند الشدائد ، ولا يهون عند الامتحان ، ففيه العلاج الناجع لكل قضية، والحل الحاسم لكل معضلة ، و البلسم الواقي لكل داء وبلاء حتى نعود الى غابر الايام التي كنا فيها سادة الدنيا ، وقادة الامم حيث كان صوتنا فوق كل صوت في العالم ، تهابنا الدول الكبرى ، وترهبنا الامم و الشعوب ، ويرتعد منا الجبابرة الاقوياء ، ولا  يتحيف اطراف ارضنا العربية ظالم او جائر ..!!

             ان العالم الاسلامي على ضعفه وتخاذله وانحلاله وعدم تضامنه و الذي يعيش في خضم من الشذوذ و الانحراف ران على القلوب ، واستولى على الحس ، وختم على الافئدة و السمع لمستعد كل الاستعداد لو توفر له القادة المخلصون الصادقون المجاهدون المضحون المؤمنون ليكون ذلك العالم الاسلامي السليم القوي الدافق بالحياة الذي يصح الاعتماد عليه في حل معضلات اليوم ، ومشكلة الانسانية كلها...
   
             واننا لنذكر بكل فخر واعتزاز تلك الكلمات الداعية الواعية التي شقت طريقها الى القلوب المؤمنة و التي توجه بها عاهلنا المسلم في احدى توجيهاته السامية الى الشباب المغربي الذي يريد حفظه الله ان يكون منه جيلا مسلما ملتزما قوي الايمان و العقيدة ، اصيل التفكير ، واسع الاطلاع ، يجرفه تيار المادة ، ولا تسحره طلاوة الغرب  ، و لا تسبيه طراوة المخنتين:

             اننا جربنا كثيرا من الشعارات و الفلسفات ، و الشارات و النظريات ، واطلعنا على مذاهب من شتى الجهات ، وعرفنا الاشتراكية الغربية و الشرقية وخبرنا ما عند الدول الكبرى  والدول الصغرى، و الدول الاشتراكية و الدول الراسمالية وصادفنا زعماء العالم ، وزعماء العزة ، ورجال القلم و العلم ، واصحاب السلطة و الحكم،  وتنازلنا من منصبنا عن مركز القيادة و الزيادة ، علنا نجد انفسنا الضائعة! فلم يفن كل ذلك عنا فتيلا حينما جد الجد ، وواجهتنا الخطوب ، واحمرت الحدق ، وحمي الوطيس ، واشتد الباس... فخسرنا ساحة الامتحان...ولات ساعة مندم!..

   فلم ار غير حكم الله حكما       ولم ار دون باب الله بابا
فلنجرب الاسلام ، ونطبق اصوله ومبادئه ومنهاجه في انفسنا ومعاملاتنا وعاداتنا ...ولنقبل على تعاليمه السامية ، واصوله العامة ...ولنول وجوهنا الى الحق سبحانه ليمدنا بالعون ، ويوثرنا بالمؤازرة ويربط على قلوبنا ويثبت اقدامنا ...
   فمن يسلم وجهه الى الله ، وهو محسن ، فقد استمسك بالعروة الوثقى....
                                             -     *     -
            وعودا على بدء ، فاننا ، ومجلتنا سنة وتستقبل اخرى ، نعبر مرة اخرى عن شعور الاعتزاز بالله الذي الهمنا الرشد ، ومهد لنا الطريق ، وامدنا بالعون و السداد ، واوزع كتابنا وعلماءنا في الشرق و الغرب يجودون بزبدة قرائحهم ، ولا يضنون علينا بما عندهم من علم ...فاهم منا اجزل الشكر ، واعطر الثناء ، واخلص التحيات و الزكيات...

            وعلينا ان نبذل ما استطعنا في نصرة دعوة الحق ، ما  عز وجل، في سبيل تحرير النفوس و العقول من عقد النقص ، وما علق بها من تقصير وتخلف ، وتفتح ابواب المعرفة حرة طليقة على مصراعيها ، ونضاعف الجهد و الونى في سبيل اعزاز الثقافة المغربية و الحضارة الاسلامية ...

          ولنا مع كتابنا الاوفياء وقرائنا الكرام عهد التزمناه على ان نسير فيه الدرب القويم و الخط السليم الذي رسمه لنا الاسلام الصحيح وديننا الحنيف وان لا نخيس به...
       و لله علينا ان لا يحله الا خروج النفس ، او تكول العافية...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here