islamaumaroc

المسلم في وجه التيارات الوافدة

  دعوة الحق

العددان 151 و152

ان من اعظم المشاكل والبلايا التي تعانيها امتنا في هذا العصر، هي مشكلة الثقافة والفكر هما عماد الحضارات الانسانية، واس بنائها، وبمقدار ما يكون هذا الاساس صالحا قويا، تكون الحضارات صالحة وقوية "افمن اسس بنيانه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم" ؟ !!
لقد سبق الاسلام حضارات كثيرة، قامت على اصول فكرية وثقافية معينة، وجاء الاسلام بدورة ليبني الحضارة الخالدة، ليقيم صرحها الشامخ، الذي تنعم فيه الانسانية، وتتقيا ظلاله البشرية، متعاونة متحابة متآخية، فجاء باصول فكرية وثقافية تختلف عن الاصول الفكرية السابقة، كما وتختلف عن اللاحقة.
واقول السابقة بما فيها رسالات الانبياء، لان رسالة الاسلام، تتفق معها من ناحية العقيدة، وتختلف عنها من ناحية التشريع، وكانت رسالات الانبياء السابقين – مرحلية اقليمية – اما رسالة الاسلام (فخالدة عامة).
وتختلف عن الحضارات اللاحقة، فباعتبار ان اساس الحضارة الاسلامية – قرآني رباني – من صنع الحكيم الخبير، وهي خاتمة الرسلات، والحضارات التي ستاتي من صنع العقل القاصر المتاثر بالنزوات والشهوات والعواطف وغيرها.
فما هو موقف المسلم من تيارات الثقافة والحضارة غير الاسلامية؟
ان الاسلام – رسالة رب العالمين – اراد منا ان نقيم حضارة على اساس الافكار والمباديء الاسلامية وحدها دون غيرها، تقوم على اساس قرآني، لا تشويه الروافد الاخرى فتظهر خطوطا سوداء في كيان المجتمع الاسلامي والحضارة الاسلامية.
الانسان اهم عامل في بناء الحضارة، لذلك عمل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من اول نطق فيه بتبليغ القرآن الكريم، على ان تكون اصول الثقافة والفكر صافية نقية، لان هذه الاصول الفكرية هي التي ستكون الجيل القرآني الذي يبني الحضارة، فبمقدار صفائها يكون صفاء الجيل ونقاؤه وبصفائه تصفو الحضارة.
وهذه قضية هامة يجب ان نوليها اهتمامنا في مناهج التربية ونظم التعليم، فالجيل الذي يلقن في ايامه الاولى مباديء من نوع معين، ويدفع في اتجاهات معينة فلابد ان هذا الجيل سينطبع بطابع هذه الاصول، وتظهر آثارها في سلوكه وشخصيته وتتركز في شعوره ولا شعوره، ويصعب عليه التخلص منها.

وموقف المسلم واضح محدد من التيارات الفكرية الوافدة – واكثرها يحمل البلاء – على اختلاف انواعها ومصادرها.
راى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب مرة، وبيده صحائف من التوراة – وهو على أي حال ثقافة – فغضب وقال له : امتهوكون انتم يا عمر؟ ! فوالذي بعثني بالحق لو كان موسى حيا ما وسعه الا اتباعي.
ولقد جاء الاسلام وثقافات كثيرة مختلفة تسود الشرق والغرب، ولكنه منهج يختلف كل الاختلاف عن غيره من الانظمة والمناهج، وان كان يبدو للناظر ان يلتقي مع بعضها في بعض النقاط فهو كالتقاء الخط المستقيم هو غير هذه الخطوط جميعا، وهذا الالتقاء لا يدعونا ان نسلك تلك الخطوط المنحرفة العوجاء، ثم نقول : هذا هو الخظ المستقيم نشير الى نقطة الالتقاء فقط !!
"وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" وعندما تصبح الامة متميزة بثقافتها بكم عن سبيله" وعندما تصبح الامة متميزة كذلك بكيانها وذاتيتها، وارادتها وشخصيتها، وكان هذا مقصودا في توجيهات الاسلام ونظامه، انه اراد ان يكون المسلم ذا شخصية مستقلة، وذاتية متميزة عن غير المسلم، وذلك نتيجة للتميز في استقاء الفكر والثقافة.
فمثلا : يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تصدقوا اهل الكتاب – أي اليهود والنصارى – ولا تكدبوهم) وكان يقصد بذلك ما ورد في التوراة وغيره من القصص والاخبار، انه يعني بهذا ان في مصادركم ما يكفيكم، وان ما بايديهم قد عبثت به الايدي ولعبت به الاقلام، فدعوهم وشانهم حتى لاتعكروا مناهلكم الصافية.
ان الاسلام اراد من كل مسلم ان يقف على ارضية صلبة قوية، يزن الامور بميزان صحيح، ويرى الامور والقضايا جميعها من زاوية دينه وعقيدته، وقرآنه الذي احاط بالكون تنظيما وشمولا، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب...
وهذا ما اكده النبي صلى الله عليه وسلم باقواله وافعاله، فعندما هاجر الى المدينة كان من عادة العرب ان يقيموا اعيادا لهم، فاراد المسلمون مجاراتهم في عاداتهم الجاهلية ومسايرتهم فيها، فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم : (ان الله عز وجل قد ابدلكم بهذين اليومين خير مهما، يوم الفطر ويوم النحر)
كذلك اراد من المسلم ان يكون متميزا في شؤونه كلها، عباداته، معاملاته، عاداته. وهذا ما يشير اليه قوله تعالى "وكذلك جعلناكم امة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس" امة تحلت بالفضائل الرفيعة، والخلال الحميدة، والخصال المجيدة.
وعندما اراد المسلمون اختيار كيفية يدعون بها للصلاة – عنوان الاسلام وشعاره، قال بعضهم : نتخذ بوقا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ذاك لليهود ولا احبه، وقال بعضهم : نتخذ ناقوسا؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ذاك للنصارى، وقال بعضهم : نوقد نارا؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك للمجوس ولا احبه، حتى هداهم الله عز وجل الى ذلك النداء المتميز الحبيب، الذي يعبر عن سمو الاسلام ورفعته وعظمته وخلوده، الله اكبر الله اكبر.
ما رضي منهم عليه الصلاة والسلام والتقليد في شيء هو عنوان لغيرنا، وطلب من الله عز وجل ان تكون هذه الامة جامعة لشتات الفضائل متحلية بكل المكارم، نحمد الله عز وجل عندما اخبره عبد الله بن زيد انه راى الملك وعلمه هذا النداء.
كما كان عليه الصلاة والسلام حريصا اشد الحرص على صرف القبلة من بيت المقدس- قبلة الآخرين – الى البيت العتيق اول بيت وضع في هذه الارض لعبادة الله "قد نرى تقلب وجهك في السماء، فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام... الآية، وفي هذا اعلان للمسلم وللناس جميعا ان وجهة المسلم غير وجهة الآخرين، ونظامه غير نظام الآخرين، وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى تعليقا على حادثة تحويل القبلة :
... واخيرا ان الذي يهدي من يشاء الى صراط مستقيم هداهم الى هذه القبلة وانها هي القبلة التي تليق بهم، وهم اهلها لانها اوسط القبل وافضلها، وهم اوسط الامم وخيارهم، فاختاروا افضل القبل لافضل الامم، كما اختارهم افضل الرسل وافضل الكتب...

وقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه باليهود والنصارى، بان نكون مردا- بلا لحية ولا شارب وعن التشبه بالمجوس، نطيل الشارب بل اختار لنا هيئة الكمال والجمال، التي تحقق الفوائد والمعنوية وغيرها (جزوا الشارب واعفو اللحى).
وكما هو معلوم ان العادات ومظاهر السلوك، ان هي الا انعكاسات للفكر، ولهذا فقد اراد الاسلام من المسلم ان تكون عاداته وسلوكه منبثقة من اسلامه متلائمة مع عقيدته، ولا يكون منفصم الشخصية، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام : (جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف امري – ومن تشبه بقوم فهو منهم -) وان هذه اللمات النبوية لتحمل مدلولها العميق، ومعناها الواسع، ولاسيما كلمة فهو منهم.
والادلة كثيرة وكثيرة جدا في هذا، فالمسلم لديه الاصول الثقافية والفكرية التي تصنع انسانا متميزا في قلبه وقالبه.
وليس هذا معناه الجمود والتحجر كما يروق للبعض ان يتبجح به – دون دليل – لا !
ان المسلم يقف من الثقافات الاخرى موقف الناقد البصير الواعي، لا يقلد التقليد الاعمى، ولا يتخلى عن كيانه، وذاتيته، بل يزن ما يرد عليه بميزان القرآن والسنة النبوية، فيتقبل ما يتفق معهما، ويرفض ما يخالفهما بدون وجل ولا خجل، ولا قلق ولا استحياء، لانه يتحلى بالثقة المطلقة ان قرآنه وعقيدته ما تركت من خير الا وامرت به وبنيت اصوله وما تركت من شر الا ونهت عنه وهتكت استاره.
فمعالجة انسان لقضية من قضايا الانسان، واصول هذا المعالج الفكرية والثقافية تعتقد ان الانسان حيوان اعجم وكفى او آلة صماء فحسب، نظرته لقضية لا تتفق مع نظرة وحكم انسان يعققد بسيادة هذا الانسان، وانه سيد الوجود.
والمسلم دائما تواق الى المعرفة، ساع في تحصيلها، جاد في اضافتها الى ما عنده، عامل في ابراز حضارته على اكمال وجه ورفع شان، وشعوره في هذا "وقل ربي زدني علما" ونصب عينيه قوبل النبي صلى الله عليه وسلم (الحكمة ضالة المؤمن، اخذها من أي وعاء خرجت) لكنه فطن حذر لا تخدعه بالاسماء وضخامتها، ولا تبهره شدة الاضواء، ولا يؤخذ بالجبلة والاصوات والضجيج والعجيج، وما اكثره في ايامنا !!
انه ياخذ الحكمة صافية، ولا يحملها على ما علق بها من اكدار واوضار، ولا يضيره قول الآخرين فيه، او عملهم بخلافة فشانه غير شانهم، وفي هذا يقول المربي الحكيم صلوات الله وسلامه عليه (لا تكونوا امة تقولوا : ان احسن الناس احسنا، وان اساؤوا ظلمنا، ولكن وطنوا انفسكم، احسنوا ان تحسنوا وان اساءوا فلا تظلموا)
وفي المناهج الجاهلية يختلط الحق بالباطل، لذلك لابد وان مر افكارها في مرحلة التصفية ودور المرير – على اختلاف انواعها – ثم تقدم لشبابنا تقية صافية نطمئن الى سلامتها وصحتها والا حملت في ثنايها عوامل التخريب والتدمير.
وان امتنا – وحالتها غير خافية على احد – احوج ما نحتاجه الى شباب، يستطيعون التخلص من الفكر الدخيل الوافد، ويعودون الى مصادرهم الفكرية واصولهم الثقافية، ويقدمون لنا الماء السلسبيل الذي يروي العطش ويطفيء غلة الاكباد، لتحمل الراية من جديد وتشرق شمس الاسلام على الكون بعد طول غياب، وما ذلك على الله بعزيز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here