islamaumaroc

[كتاب] تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس (لحسين بن محمد ابن الحسن الديار بكري)

  دعوة الحق

العددان 151 و152

لست ادري لاي معنى سمى المؤلف كتابه هذا "تاريخ الخميس" ولعل لهذا اليوم عنده سرا خاصا لم يكشف لنا عنه، اما السجعية اللاحقة به "في تاريخ انفس نفيس" فترمز الى السيرة النبوية المطهرة رمزا عاد عليه بالشرح في مطلع الكتاب فقال : "هذه مجموعة في سيرة المرسلين وشمائل خاتم النبيين..." وقد بداه بخلق السموات والارض، وقص من سيرة آدم ونوح وانبياء بني اسرائيل ما زاد في الحجم على ربع الكتاب والحقه بتاريخ الخلفاء الراشدين ثم الامويين فالعباسيين مد عليها خطا عريضا موجزا فدفعنا الى الاعتقاد بانه لم يتحدث بحديث السيرة مؤخرا احداثها مقدما لها بما قدم من تاريخ الانبياء ومعلقا عليها من بعد بتاريخ المسلمين الاوائل، الا ليشرح فكرة عظيمة قامت بها هذه الاحداث كما يقوم العرض بالجوهر. وليست احداثها هي الهدف المقصود بل المعنى النبيل الذي يعبق بها والنور الساطع الذي يتوهج في اثنائها هو الغرض الذي يرمي اليه من كتابه.. ولعل الفكرة الرئيسية التي قام عليها الكتاب هي بيان عظمة الاسلام وانه خلاصة مركزة لتجارب الفكر الانساني بمشيئة الله، تطورت بارادته تطورا بطيئا مع الزمن المديد وتسلسلت في الانبياء منذ خلق آدم، وتوطدت اسسها بالرسول صلى الله عليه وسلم وارتفع بنياتها بخلفائه، وازينت ابهاؤها بفتوحات الامويين وازدهرت مقاصيرها بعلوم العباسيين وفنونهم.. وتوقف عند هذا الحد كانه يشير الى ما اصاب المسلمين بما جنته ايديهم ويذكرهم بان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم. على ان المؤلف لم يتحدث بهذا كله حديثا واضحا جليا وانما نحن استخلصناه وتحسسنا شعوره المبهم به تحسسا وتلمسنا عجزه عن شرحه تلمسا. ولم نستغرب عجزه عن بيانه بالرغم من فضله وعلمه، فهو من رجال القرن العاشر الهجري عصر الظلمات والانحطاط الفكري، العصر الذي مهد سيطرة الاتراك نهائيا على العرب وختم على حضارتهم بخاتم سليمان فلم يقوموا بعده، وهم ما زالوا ينتظرون الصياد الذي سيلقي شبكته ويغض الختم عن القمقم...
وكل ما نعرفه عن المؤلف انه : حسين بن محمد ابن الحسن بكري نسبة الى مدينة بكر ونجهل تاريخ مولده جهلا تاما ولم تتبين لنا حتى الخطوط العريضة في حياته لندرك مدار ثقافته ومدى عمقها على السنين ومتى الف كتابه هذا. وان كنا نعرف تاريخ وفاته عام 966 او 968هـ والحديث عنه في كشف الظنون وآداب اللغة ونظم الدرر... لا يشفي غلة ولا ينقع لواما. ولعله وضع كتابه هذا في الحجاز عام 931هـ فقد ولي القضاء بمكة زمنا، وتحدث عنها حديث المطلع فقاس الكعبة طولا وعرضا وارتفاعا بالاذرع والاشبار، كما حدد مقام ابراهيم والملتزم تحديدا دقيقا، وتتبع صوت الطبول الوهمية في بدر، ووصف المنطقة وصف خبير(1) وانا لا ندري اولد وعاش في الحجاز او لم يخرج منه ام انتقل اليه مهاجرا مجاورا طلبا للامن والسلامة في زمن كثرت فيه الفتن والاضطربات واعتقد الناس ان خيرا مكان آمن في هذا الجو القلق هو بيت الله او في جوار قبر رسول الله؟(2) ولقد تاثر المؤلف باسلوب عصروه وانطبع بطابعه في امور شتى لعل ابرزها :
ا – تعلق اسلوبه بالسجع ورده الاقوال الى اصحابها في المتن فاطلق على كتابه اسما بسجعتين طويلتبين على طريقة المؤلفين من معاصريه كما سمى غيره كتبهم كذلك امثال :
"بغية الجليس المسافر، ونزهة الارواح والخواطر في الاشعار والنوادر" و "نزهة الملوك والسادات في الطيور الجوارح والخيول الصنافات"(3) و" الروض النصر في ترجمة ادباء العصر" و "الدر النظوم لذوي الفهوم"... الخ.
ب – تنسيقه الكتاب تنسيقا دقيقا والتخطيط له قبل وضعه، وذلك اثر من اثار ثقافة القرن الخامس وقد وضح طريقته وشرحها بنفسه وهو يعرض الكتاب فصولا وابوابا فقال : بانه وضعه على مقدمة وثلاثة اركان، وجعل المقدمة في ثلاث طلائع، والركن الاول في ثلاث ابواب والثاني في باب واحد والثالث في احد عشر موطنا.. وختم الكتاب بفصلين وسرد جريدة مفصلة بالابحاث التي ستملا كل طليعة وركن وباب وفصل بحيث يكتفي القارئ بلمحة عابرة ليدرك مضمون الكتاب على عمومه. فاذا استطرد الى موضوع شذ فيه عن سياق الحديث واراد الرجوع اليه قال : (وهذا الكلام وقع في البين وقطع اتصال الكلام، فلنرجع اليه) او قال : (وهذا الكلام كان في البين، وقطع اتصال الكلامين).
واذا احس ابتعاده عن الموضوع الرئيسي قال : (وسيجيء هذا في مكانه من الفضل كذا). فحين تحدث عن جعفر بن ابي طالب ولم يكن الحديث في مكانه قال : (واما ذكر جواره في ارض الحبشة وما جرى له مع النجاشي فسيجيء في قال : (وعتيبة قتله الاسد الرزقاء كافرا، الركن الثاني في حوادث السنة الخامسة من النبوة، وسيجيء ذكر وفاته وبعض احواله في الموطن الثامن في سرية مؤتة ان شاء الله).
وحين تحدث عن عتبة ومعتب ولدي ابي لهب وسيجيء ذكره في مناقب ام كلثوم ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الباب الثالث في السنة الخامسة والعشرين من مولده (صلى الله عليه وسلم.
وهذا يدل دلالة واضحة على فكر منظم وبحث مخطط له مدقق فيه قبل الاقدام عليه.
ج – استخدامه بعض ما كان شائعا من الالفاظ التركية مع وجود ما يماثلها بالعربية وهي مشهورة معروفة مستعملة كقوله : (وشهد رسول الله صلى عليه وسلم بدرا بسيفه الذي يدعى العضب وضرب طبلخانة النصر ببدر، فهي تضرب الى يوم القيامة) ولفظ طبلخانة تركي مستعار من لفظ "طبل" العربي بلا شك.
د – ضعف اسلوبه – على العموم – وكان ذلك مرض عصره. والاستطراد بالانتقال من قصة الى قصة لاقل مناسبة بينهما حتى لقد يقطع الحديث احيانا ليشرح لفظا عابرا على طريقة الجاحظ.
 والكتاب ضخم كبير بعيد ما بين الدفتين غير انه سلس لين لا يشعر المطالع فيه بالملل ولا ينتابه الضيق كما يحس بالكتب المماثلة. لا غرو فهو عصارة ثقافة طويلة جدا وخلاصة مئات من الكتب ذكر منها في مطلع حديثه اكثر من مئة كتاب رايته يرجع في كثير من المواضع فيشير الى الموطن الذي اخذ منه ويقرنه الى ما يشابهه او يناقشه مناقشة الخبير المثقف القدير، فاذا شك في حادث بعد هذا قال : (اخشى ان يكون وهما، والله اعلم)
ومع هذا كله فقد وقع فيما وقع فيه مؤرخو العرب جميعا، حشيت مؤلفاتهم بالاساطير والترهات والاسرائليات حشوا، وهو يظنونها من التاريخ "ونحن نعرف كيف وضعت التوراة هذه التي تسمى الان "العهد القديم" ولكن هل كان القدماء يعرفون ذلك؟ ! اغلب الظن انهم خدعوا بكثير ممن دخل الاسلام من اليهود واكثرهم ضالعون مع دينهم القديم او انهم لم يستطيعوا التخلض مما كان راسبا في اعماقهم منه. وتحدثوا بخرافاتهم وترهاتهم على انها من التوراة وقبلها مؤرخنا الاوائل على انها حقائق تاريخية، حتى بلغ الامر ببعضهم كابن اسحق صاحب السير ة المشهورة ان سماهم : "اصحاب العلم الاول" ونقل عنه وعن سواه من المخدوعين اكبر مؤرخينا المعروفين كالطبري وابن الاثير وابن خلدون ومن ماثلهم من غير تدقيق، وهم معذورون في ذلك ولا يحق لنا ان نطالبهم باكثر منه فقد وجدوا في عصور لم يمحص فيها التاريخ تمحيصا دقيقا ولم يغربل العلم اقاصيصه بالوثائق والتنقير والحفر والعاديات والمكتشفات والآثار. وكاني الحظ بعض من تنبه الى ذلك كالسخاوي مثلا فكتب" الاصل الاصيل النقل من التوراة والانجيل" غير انه كان يعود في ابداء رايه هذا الى قاعدة دينية فينطلق منها ناقدا مهاجما لا الى قاعدة علمية مبنية على اساس من البحث دقيق..
اتريد امثلة مما في اكبر مؤلفاتنا التاريخية من خلط؟ اذن اليك بعضها :
- اراد تبع ملك اليمن ان يخرب يثرب ليمحو منها اليهودية فقال له اليهود : لا تفعل فسيظهر فيها نبي اسمه احمد ياتي مهاجرا من مكة... (غلو صح هذا لماذا انكروه حين ظهر؟ ! )
- نظم آدم شعرا عربيا عدنانيا صريحا وكذلك فعلت حواء وقصائدهما معروفة مشهورة تستطيع ان تطالعها في أي كتاب.
- فرعون لحيته خضراء طولها ثمانية اشبار وطوله هو سبعة اشبار وعمره اربع مئة سنة وله فرس اذا صعد الجبل قصرت يداه وطالت رجلاه واذا نزل يكون ضد ذلك، وكان النيل يجري  بامره.
- اسماء الرسول في كتب الانبياء : الضحوك، حمياطا، حمطايا، احبد، بارقليط، فارقلبط، فارق، ليطا، ماذ ماذ، مشقح، منحمنا...
- صحف ابراهيم نزلت في 1 رمضان والتوراة في 6 رمضان والزبور في 12 رمضان والانجيل في 13 او 18 رمضان.
- لما دعا ابراهيم الى الحج وقف على سطح الكعبة فاستطالت به صعدا حتى بلغت به السحاب فاذن بالحج الى الجهات الاربع فسمع صوته في ارجاء المعمورة فهوى اليه الناس من كل فج عميق.
- كان آدم طويلا جدا يمس راسه السحاب فمسحه فصلع فاورث الصلعة ابناءه.
 - كان داود يغني وينوح تعبدا فيموت بسبب غنائه من خشية الله آلاف مؤلف ممن يسمعونه من الانس والجن والوحش والطير... وتكثر الجنائز في بني اسرائيل بسبب ذلك كثرة فاحشة.
- الله تعالى خطب في يوم نكاح آدم خطبة قال فيها : الحمد ثنائي والعظمة ازاري والكبرياء ردائي والخلق كلهم عبيدي وامائي اشهدوا يا ملائكتي وحملة عرشي وسكان سمواتي اني زوجت حواء امتي عبدي آدم بديع فطرتي وصنع يدي على صداق تقديسي وتسبيحي وتهليلي يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة وكلا منها...
ايكفيك هذا؟ ام تريد زيادة؟ ان الترهات والاسرائليات محشوة حشوا في مؤلفاتنا التاريخية وهي في امس الحاجة الى كنس وتنظيف.
اما ما فيها من وضع وتحريف وتلفيق فحدث عنه ولا حرج، فالمؤرخون الضالعون مع بني امية يشوهون تاريخ الشيعة، والشيعة يطمسون ما للامويين من امجاد، والعباسيون يتلاعبون بالحزبين معا، الشعوبيون يتهجمون على العرب، والعرب يتهمون الاعاجم والمعتزلة يتقولون على المحدثين و... وبين هؤلاء تبتكر القصص والاحاديث والاشعار وتتراكم في كتب التاريخ ويجمعها الجماعون منهم فاذا هي ركام عجيب من حقائق وتشويه وتزوير وتلفيق... يحار معه المؤرخ المنصف ايها ياخذ وايها يهمل فقد ضاعت الحقيقة واختلط الصدق بالكذب والواقع بالتلفيق واصبحنا في حاجة ملحة الى اعادة النظر في كتب التاريخ كلها على ضوء علمي وموضوعي جديد لا اثر فيه للتعصب، ولكن من يقوم بهذا العمل؟ !

اما الدين درسوا على ايدي الاوربيين فكثير منهم متاثر بمن درس على يديه وقد راينا ذلك واضحا جدا في المؤلفات الحديثة فهي عربية الحرف. الفرنسية الفكرة او انكليزية او روسية او امريكية..
واما اصحاب الثقافة القديمة فمتاثرون – حتما – بما قراوا من هذه الآثار التي نقدناها فيما سلف فمن يعيد النظر في مؤلفاتنا التاريخية اذن؟ !
 نحن في حاجة الى الجسر الذي يربط بين الثقافتين في حاجة الى الجسر الذي يربط بين الثقافتين في حاجة الى علماء مسلمين اكملوا علومهم في الغرب واتموا ثقافتهم في الشرق، فبامتزاج الثقافتين معا وتزاوج الدراستين يستوي البحث على اسس جديدة وثائقية يطمئن الى صدقها ويصح ان تدرس للاجيال الآتية. اما هذه الكتب فليست الا آثار مجموعة ومواد مركومة ركاما فوضويا لا يسوغه تسميتها كتبا تاريخية بالمعنى العلمي المعاصر.
وكتابنا هذا لا يشذ عليها ولا يند عن طريقتها فهو مجموع حسنة لمن يريد ان يؤرخ السيرة تاريخيا علميا ويبحث في هذه الحلقة النبيلة من سلسلة تاريخينا العربي المجيد بحثا مجديا مفيدا.
اما ان نسميه كتاب تاريخ، فلا.


(1) قال العبد الضعيف حسين بن محمد الديار بكري، غفر الله لهما : انا لما ذرعت بيت اركان الكعبة الشريفة وغيرها في شوال سنة احدى وثلاثين وتسعمائة وجدت مخالفا لما في التشويق والايضاح... الخ.
(2) "قال مؤلف الكتاب" حسين بن محمد الديار بكري : فالطمع في احراز هذه الفضائل، جر ذيلي الى المجاورة بها.
(3) وهو الكتاب الذي عثر الدكتور حقي بمخطوط له نادر فحققه وشرحه وعلق عليه ثم قدمه باسم "الصيد والطرد عند العرب"

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here