islamaumaroc

نظرات على المكتبات العامة في الماضي والحاضر

  دعوة الحق

العددان 151 و152

للكتاب دوره الخطيرة – ولا جدال – في تنوير الفكر ونشر الوعي وتطوير المدارك. وليس يرقى الى مكانة الكتاب ما يقتحم علينا حياتنا اليوم من صور متحركة وافلام وثائقية وشرائط تلفيزيونية وغيرها من وسائل التثقيف والتوعية التي تتجه الى العامة ومتوسطي الثقافة. فالكتاب والمكتبة متلازمان في وعي الزمن، واضطلعا برسالة العلم والمعرفة على مر الاحقاب والعصور وما زالت لهما في تنفسنا تلك المكانة المرموقة التي عرفت لهما، اذا الامة التي لا تجل الكتاب ولا تحفل به تنتهي حتما الى التهافت والانحلال والهوان. وانا لنحي ببالغ الاعجاب مبادرة منظمة اليونسكو التي تمثلت في جعل السنة المنصرة سنة للكتاب.
واذا كانت المكتبات العامة في كل الامكنة والازمان امثل الوسائل لنشر الثقافة وتحقيق اشتراكيتها فان للعرب والقرون الوسطى فضلا كبيرا جدا عليها، اذا اسسوا عددا منها في البصرة والكوفة وبغداد ودمشق والقاهرة، وقد احتوت مكتبة القاهرة على نحو 100000 كتاب، ونحن نذكر ان قسما لا يستهان به من هذه المؤلفات في معظم المكتبات كان يدور حول الفلسفة والعلوم اليونانية، واكثرها في الفقه والتفسير والتاريخ والشعر. وقد بدا هارون الرشيد في جمع الكتب، اختار حاشية من العلماء والمثقفين والشعراء لتنادمه في قصره. وتبعه المامون فاكثر من جمع الكتب الى حد الجنون(1) وعين مترجمين لينقلوا الفلسفة والعلوم الى اللغة العربة، وقفى على آثارهما كثير من الخلفاء والوزراء، وقلدهم ذو الوجاهة واليسار حتى قيل ان جيوش هولاكو عندما غزت مدينة بغداد، القت بما عثرت عليه من الكتب في نهر دجلة واتخذت منها جسرا عبرت فوقه الى الجانب الثاني من المدينة وان مياه دجلة استمرت سوداء اللون عدة ايام او اسابيع، بسبب انحلال حبر تلك الكتب فيها(2).
وتستوقفنا ايام المامون الذي اعتز شان العلم والعلماء في عهده فقد اشترط هذا الخليفة على ميخائيل الثالث قيصر الروم في معاهده الصلح بينهما ان يتنازل له عن مكتبة القسطنطينية الشهيرة، فرضخ الرومي للعربي الذي تسلم للمكتبة الغنية غانما، وامر بترجمة الكثير من كتبها وخاصة احد ذخائرها الثمينة كتاب بطليموس في علم الفلك وعنوانه "مجيالي سنتاكسيس"، فترجم منحولا بعنوانه الى "المجسطي" ولم يقف اهتمام المامون عند هذا الحد  بالعلم والعلماء والكتب والمكتبات، بل ضاعف اهتمامه بذلك حتى كان بيت الحكمة حيث نشطت المطالعة ونشط المطالعون في التعريب، فترجمت كتب افلاطون وارسطو وابقراط وجالينوس واقليدس وبطليموس وسواهم..(3)
واسس الحكم في قرطبة مكتبة هائلة ايضا واستدعى علماء لترجمة الكتب اليونانية الى اللغة العربية وزاد حكام الاندلس الدين خفلوه في تلك الثروة، كما تاسست من بعد مكتبات مهمة في عواصم دول الطوائف العربية في الاندلس. والاستفادة من هذه الكتب لم تكن مقصورة على الخليفة ووزرائه والعلماء الذين يجتبيهم، ولفيف من المثقفين والادباء، بل كانت عامة يغشاها كل انسان. وكان الى جانب هذه المكتبات العامة نساخون ووراقون ينسخون المؤلفات ويبيعونها لمن استطاع دفع الثمن. والحقيقة ان العرب اسسوا مكتبات عامة في اسبانيا ابان القرن التاسع الميلادي ووجدت هذه المكتبات بالصين في القرن الرابع عشر، فالعرب سبقوا غيرهم في هذا المضمار بقرون طويلة.
وللدولة الفاطمية يرجع الفضل في انشاء مكتبات للمخطوطات في الحواضر والمدائن سميت بالخزائن، وقد احدتث لها انظمة تنسق بموجبها المؤلفات واجهزة ادارية عين لها امناء مسؤولون كما انتدب لها من يتولى النسخ والترجمة والتجليد والتذهيب وما الى ذلك من اعمال مكتبية فكرية وفنية(4).
ونافست القاهرة بغداد في انشاء المكتبات، وبات خلوا من كل قيمة كل صرح من قصور الخلفاء والملوك والامراء والاثرياء لا يتباهى بمكتبه قيمة فيه، فضلا عما تحتويه المساجد من مكتبات لا بد منها اذ المسجد مدرسة ومعبد في آن واحد... وما تزال اسماء البيت الحرام في مكة والجامع الاموي في دمشق والمسجد الاقصى في القدس والجامع الاعظم في القيروان وجامع الزيتونة في تونس وجامعة القرويين في فاس والجامع العلوي في النجف، تعلن عما كان لها من شان مدرسي مكتبي وعلمي حضاري على اسم الله في الخافقين.
وحرى بالذكر والتنويه الاديب المشارك علي بن يحي المنجم الذي لم ينصفه التاريخ والذي كان اول من اسس مكتبة عامة على نقفته وان كنت لا تجد اسمه الا في بعض المراجع القليلة مثل تاريخ بغداد ونشوار المحاضرة ومعجم الادباء. مع ان الواجب يقتضي خلود اسمه وشيوعه بين الطبقات المتعلمة في كل اقطار العالم العربي. واضافة الى انه اول من اسس مكتبة عامة وفتح ابوابها للراغبين في تلقي العلم، فانه عين فيها موظفين كانوا يتقاضون رواتبهم من ماله الخاص لمساعدة الوافدين عليها كما تفعل البلاد المتحضرة اليوم. ولم يكتف بذلك، بل بنى اجنحة في قصر له بضواحي بغداد لاقامة الراغبين في التعلم ومطالعة الكتب، فكانوا ياكلون على نفقته ايضا، فكانما اراد ان يجعل من مكتبته جامعة علمية.
قال ابو علي التنوخي في كتابه "نشوار المحاضرة" : كانت لعلي بن يحي بن المنجم ضيعة نفسية وقصر جليل فيه خزانة عظيمة يسميها خزانة الحكمة ويقصدها الناس من كل بلد، فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم. والكتب في ذلك مبذولة لهم والصيانة مشتملة عليهم والنفقة من مال علي بن يحيى.
كان اول من اشتهر من اولاد المنجم ابوه يحيى الذي خدم المامون ونادمه واتصل علي ايام شبابه بمحمد بن اسحاق المصعبي من زعماء ذلك العصر، ثم اتصل بالفتح ابن خاقان وزير المتوكل وصديقه واسس له مكتبة كبيرة حوت ما لم تشتمل عليه مكتبة قط، فكان يستنسخ لها الكتب القيمة بنفسه او يستاجر من يفعل ذلك تحت اشرافه حتى بلغت مبلغا كبيرا. واتصل بعد ذلك بالمتوكل وحظي عنده حظوة عظيمة فكانا لا يفترقان تقريبا. وقد ادركه المنون عام 275هـ في اواخر ايام المعتمد على الله ودفن في سامرا. وقد اوضح المؤرخون انه خدم خمسة من الخلفاء في عصر شديد الاضطراب، كثير القلائل، وهذا من المعجزات النادرة في ذلك التاريخ.
ولا يختلف اثنان في ان هذا العالم العربي قد فاق سواه في اتحاف التاريخ بالمخطوطات الفاخرة تجويدا وزخرفة، بالخطوط الكوفية والبغدادية والافريقية والقيروانية والاندلسية والريحانية واليمانية، بشكل واضح لا تشويه فيه ولا نقصان، مدبج بحواش وهوامش، مبوب، مرتب بخط بديع وحبر على ورق بردي او حرير او كتان او قرطاس ثمين، مزين بالرسوم، موشى بالذهب والفضة منمق بالالوان   الزاهية، متقن التجليد، محفوظ في قطر بديع حتى قيل في احد المخطوطات :

هذا كتاب لو يباع بوزنه
                  ذهبا لكان البائع المغبونا
واذا كان للمخطوطات هذا المقام السني في نفوس المثقفين والمتعلمين والهواة، فان للطباعة اثرها الحاسم في تيسير تداول الكتاب واغناء المكتبات بشوارده واوابده وقد صدر اول كتاب عربي مطبوع عن مطبعة "فانو" العربية. وهو كتاب "صلاة السواعي" وظهر بعده في جنوة عام 1516 كتاب "مزامير داود"
وقد كان الغرب سباقا الى طبع الكتب العربية، فاهتمت كثير من عواصم الغرب بانشاء مطابع عربية كباريس وروما وليون واكسفورد والبندقية وبادوا وليبسيك وهود رفيغ وفرانكفورت وغوتا وصقلية ورستك.. ثم كان لبنان اول من طبع الكتب العربية على اول مطبعة عربية في الشرق "مطبعة دير قزحيا" التي نشرت سنة 1610 كتاب "المزامير" بحروف كرشونية. اما اول مطبعة عربية بالحروف العربية عام 1706، فهي مطبعة استحضرها من بخارست الى حلب بطريك من آل دباس، وطبع عليها الانجيل، وفي سنة 1800 ظهرت مطبعة الاسكندرية التي طبعت آنداك اول صحيفة عربية في العالم دعيت بجريدة "التنبيه".
وجدير بالذكر ان مكتبة المتحف البريطاني تاسست عام 1753 مبتدئة بمجموعات السيد هانس سلون وارل اكسفورد والسيد روبرت كوتون. واضاف جورج الثاني المكتبة الملكية اليها بعد اربع سنوات، وتعتبراهم مكتبة واكثرها شمولا لمختلف الموضوعات، وتلحق بها المكتبة العلمية في المتحف العلمي وكتبة ادارة الحقوق والامتيازات.
ومن اشهر المكتبات ايضا المجموعة البودلية في اكسفورد التي تحتوي على  700 ألف كتاب و32 الف مخطوطة، علاوة على مجموعات الحروف والقطع النقدية والاختام. ومكتبة كمبريدج تضم من الكتب اكثر من زميلاتها، كما تحتضن 9000 مخطوطة و80 الف خريطة. وتستقطب مكتبة لندن كبار رجال العلم والثقافة والادب. وتجمع المصادر على ان اكبر مكتبات العالم في الوقت الحاضر هي مكتبة الكونجرس الامريكي في واشنطن فهي تحتوي على اكثر من 33 مليون كتابا بينها 10 ملايين مجلد ونشرة و14 مليون مخطوطة.
وللمكتبة العامة عدة اوجه من النشاط، اوسعها قسم الاعارة الذي يشمل عددا ضخما من الكتب، ثلثها من القصص والباقي يدور حول موضوعات عديدة تصلح للقارئ العادي. والى جانبها توجد مكتبات موسيقية تشتمل على اسطونات وقطع افلام ولوحات لمناظر الفانوس السحري. والمشتركون المستعيرون يطالعون ما احبو في هدوء بمنازلهم، اما الطلبة او القراء المتقدمون في العلم او الاخصائيون والباحثون، فانهم بجدوى لدى القسم الدراسي مجموعة من الكتب العالمية تجب مطالعتها في المكتبة.
وهناك غرفة خاصة لقراءة الصحف اليومية والمجلات ومكتبة الاطفال زاخرة بالكتب الخاصة بطلاب المدارس والكتب المصورة للصغار منهم، ولهؤلاء غرفة منفردة.
والعلماء عاكفون اليوم على التصميم لمكتبة الغد(5). وقد اعدوا لها آلات الكترونية ومناهج آلية ثورية قابلة للتطبيق في ميدان التوثيق والفهرسة وتوفير المعارف المطلوبة وستزود مكتبة الغد باجهزة قادرة على الادلاء عند الطلب بمعلومات حول مختلف الاقطار وتبيان الفصول المختارة من الاعمال الجليلة سواء كانت تنتسب للآداب العالمية او الى المنجزات العلمية او الفلسفية. كما انه بوسعها ان تمد القارئ ببطاقات بيبلوغرافية تختلف باختلاف السن والتكوين الفردي وتراعي اشباع فضوله في الميدان الذي ينزع اليه كميدان الفنون الجميلة او غزو الفضاء..
ان مكتبة المستقبل ستكون مركزا هاما للوثائق يجمع على شكل معطيات تخطيطية مختلفة، مجموعة من المعارف من شانها ان تستغل بصورة منهجية دقيقة، ويشرف على مباشرة هذا العلم والنزعة الانسانية بعد تكوينهم في المواد الكلاسكية ( التي تلقن عادة بالجامعة)وفي علم التوثيق الجديد التي لا تخفى جدواه على احد.
ان الاهتمام بالكتاب والمكتبات في ماضي الاعصر وحاضرها والدور الايجابي الطلائعي الذي لعبتاه في اغناء الفكر الانساني والنهوض بمستوى  الفرد والجماعة ليحفزنا الى التفكير في مكتبتنا العامة وما ينتظره منها المواطن عامة والقارئ بنوع خاص من توفير للمراجع التي لا يستغني عنها احد والظروف الملائمة التي تشحد قريحة القارئ وتساعده على حسن الدرس والتحصيل. ونحن لا يخامرنا ادنى شك في ان المسؤولين في بلادنا سيضاعفون من اهتمامهم بشؤون المكتبة العامة بتوسيع قاعة المطالعة فيها ونهج سياسة ادارية اكثر مرونة لتوفير المراجع الاساسية لكافة القراء تعميما لفائدتها وتحقيقا للرغبة التي ابان عنها رواد المكتبة وقراؤها. وقد اتيح لكاتب هذه السطور ان يطلع في مناسبات عدة على الامكانيات الضخمة التي تزخر بها الخزانة العامة في بلادنا مما يؤهلها – دون ريب – لاداء الرسالة الملقاة على كاهلها في تعميم الثقافة وتحقيق ازدهارها، سيما وانها المركز الثقافي الوطني الوحيد في عاصمة البلاد. فالامل معقود على الجهود التي ستبذل في هذا السبيل والعناية التي ستحظى بها المكتبة في هذا المضمار لتنشيط الحركة الثقافية في بلادنا بتمكين المكتبة من اداء رسالتها كاملة في نشر الثقافة وتعميم الوعي، والمسؤولون فاعلون بحول الله.

(1)  Les bibliotheques arabes publiques et semi-publiques en mésopotamie, en syrie et en egypte au moyen -age, par youssef Eche, page 46, 1967 . 
(2) مجلة "العالم" شتنبر 1958 ص 8.
(3) مجلة "الوعي" دجنبر 1969 ص 23.
(4) مجلة "العالم" يونيه 1959 ص 15.
(5) - 1963    le courrier ", de L’U.N.E.S.C.O -  Janvier
".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here