islamaumaroc

عبقرية الإسلام وتطوره في ميدان التربية والتعليم

  دعوة الحق

العددان 151 و152

تقدم السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة عند افتتاح موسم المولد النبوي الكريم إلى جمهور المستمعين والنظارة الكرام بكلمة توجيهية أعتقد أنها نفذت إلى قلوب المؤمنين والمؤمنات منهم، إذ كانت الغاية منها هي إشعار الجمهور المغربي بأهمية هذه الذكرى العظيمة التي نحتفل بها، ذكرى مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وضرورة الاقتداء بالسيرة في كل وقت وفي كل مكان، كما أن كلمته كانت موجهة إلى كافة الوعاظ والمرشدين في سائر أقاليم المملكة يحثهم فيها على مضاعفة الجهود ومواصلة العمل قياما بهذه الحملة الشامة العارمة التي لن ينقطع مفعولها بمرور حفلات المولد النبوي الكريم، بل ستبقى إن شاء الله مستمرة متواصلة في هذه السنة والسنوات التي تليها، وهكذا ستتمكن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والثقافة من أداء رسالتها التي تهدف من ورائها إلى تحقيق إشعاع ثقافي صحيح وبعث إسلامي بعيد الأثر بين كافة طبقات الأمة المغربية، على غرار ما يدعو إليه جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، في كل مناسبة.

أما الحديث الذي أتقدم به في هذه المناسبة فهو موجه قبل كل شيء إلى زملائي من الأساتذة والمعلمين، وكذا القائمين على دور الأحداث وأوراش الشباب، حيثما وجدت المؤسسات التربوية التي ينتمون اليها، في المدن والقرى، وفي السهول والجبال على حد سواء، وأبادر إلى القول بأنني لا أدعي، والحالة هذه، أنني سأفيدهم بأكثر مما عندهم من العلم والمعرفة، لأنهم يتوفرون في هذا الباب - والحمد لله - على ما يكفيهم لمتابعة السير بقافلة الأطفال والأحداث الموضوعين تحت كفالتهم إلى شاطئ النجاة، شريطة أن لا ينقطعوا بالطبع عن طلب العلم ومواصلة التحصيل، كما جاء في الحديث النبوي الشريف.. ولكن الذي أدعوهم إليه هو العمل على تجديد الأساليب التي يعتمدها الأساتذة في تبليغ الحقائق والمعلومات التي يودون إيصالها إلى تلامذتهم، بمعنى ألا يقتصروا على ما يجدونه في كتب الغرب للدلالة على عبقرية الرجال، بل يتعين عليهم انطلاقا مما يكون تحت أيديهم من مفاهيم ومقررات عقلية تتصل برجال الفكر الحديث، يلتمسون فيه ما كان لأمتنا من فضل في كثير من الميادين على الغرب والغربيين، لاستخلاص وتدوين هذه الحقائق والمقررات التي بلغ إليها علماؤنا وفلاسفتنا في العصور الماضية، لكنها ظلت مغمورة مجهولة مكتومة لم يتفطن إليها كثير ممن يشتغلون بأمور التربية والتثقيف. ولنأخذ أمثلة بسيطة على ما نقول حتى تكتسي الفكرة التي نحن بصدد تبسيطها شيئا أكثر من الوضوح والجلاء. يذكر الأساتذة الذين يشتغلون خاصة بتدريس الفلسفة أن هناك ما يسمى ببرهان "باسكال"، أحد فلاسفة القرن السابع عشر بفرنسا الذي أحدث موقفه ضجة كبرى حينما حاول أن يحمل طائفة من الزنادقة المارقين على الإيمان بالله، والتصديق برسالة عيسى عليه السلام، ذلك أن "باسكال" أراد أن يعطي الدليل لخصومه على أن الله موجود، وأن الناس لابد يبعثون فقال لهم: "قلنتراهن على أن الله حي باق. وأننا سنتحقق بوجوده تعالى بعد الموت، وبناء عليه فلنعمل في الحياة بمقتضى ما يمليه علينا وجوده تعالى تبعا لتعاليم نبيه عيسى عليه السلام"، ثم يقول: "فإن وجدتم - بعد الممات - ما أدعوكم إليه حقا نلتم ما وعد الله به عباده المتقين، وإن لم تجدوا شيئا من ذلك - كما تزعمون - لم يلحقكم ضير مما أدعو إليه من التزام بطريق الخير والصلاح".
والذي يجب التنبيه إليه في هذا المقام هو أن فكرة البرهان التي بهرت منذ ثلاثة قرون جمهور المثقفين بثقافة غربية محضة، موجودة بنصها وفصها في عدة سور من القرآن الكريم، أخص بالذكر منها سورة "هود" وسورة "غافر" التي يقول فيها سبحانه وتعالى بالحرف الواحد، في الآية الثامنة والعشرين: ?وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ?. فأنتم ترون أن الضجة التي قامت جول برهان "باسكال" هذا، وما أثارته من ردود فعل في عقول الدارسين ما كانت لأن تكون لو تفطن الأساتذة، وهم يشرحون فحوى هذا البرهان، إلى مقارنته بما سبقت إليه الإشارة في القرآن الكريم، بخصوص هذا الموضوع، فالمطلوب إذا - والحال ما ذكر - هو أن لا يبقى تعليمنا محصورا مغلقا، لا يرتشف إلا من معين واحد، أقول عندما نقدم للأحداث مثل هذه البراهين العقلية التي أشرنا إليها حول قضايا معينة - كبرهان "باسكال" - قد يدور في خلدهم أن فلاسفة الغرب هم وحدهم الذين سبقوا بقية المفكرين إلى شرحها وتوضيحها، إذ ذاك سنتمكن بصورة منطقية من زعزعتهم عن المواقف المتصلبة التي يتشبثون بها تحت تأثير ثقافة غريبة محضة لها قيمتها ولكن ليس كل الفضل في تنوير العقل والقدرة على البحث النزيه، نعم متى ما تنبه الشباب، بمساعدة الساهرين عليهم، إلى ذلك تمكنوا من العودة إلى طريق الصواب وسلوك مسلك الهداية والاعتدال.
وهناك رأي آخر يمكن الاعتماد عليه زيادة في توضيح الحقائق السابقة، هو الاعتماد على مضمون بعض الأحاديث النبوية التي تهدف إلى تنظيم المجتمع الإنساني. يعتقد الكثيرون ممن يعملون في منظمة اليونسكو، وهم علماء يشهد لهم العالم بالباع الطويل في ميدان التربية والمعرفة، إنهم أتوا بفكرة عبقرية نادرة حينما نادوا منذ سنتين بضرورة مواصلة الدرس والتحصيل، معتقدين من غير حق أن الفكرة فريدة من نوعها، لم يسبقهم أحد إليها، مضيفين إلى ذلك أن عملية مواصلة البحث مفيدة جدا لأنها تؤدي إلى تزكية المعرفة وتعزيز المواهب الفكرية عند الدارسين، كما تهدف إلى توسيع تجاربهم الخاصة، وسميت العملية الآنفة الذكر بالتربية المتواصلة. وغني عن البيان أن الفكرة التي دعت اليها منظمة اليونسكو فكرة وجيهة كما يعتقد الناس، وما في ذلك من شك، ولا بد أن تأتي بثمرتها المرجوة، عاجلا أو آجلا، ذلك أن الاستمرار في البحث والتحصيل يورث صاحبه قوة في الرأي، وغزارة في المعلومات وزيادة في التجارب. ومع ذلك يكون قطعا من الإنصاف والنزاهة الفكرية أن ننبه الأحداث - ونحن نتحدث عما تدعوننا اليه المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلم - إلى أن فكرة مواصلة الجهود في البحث والتحصيل سبقنا إليه منذ أربعة عشر قرنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد".
والذي نريد تأكيده في هذا المقام - ونحن نحتفل بمولد الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام - هو أن لا نتناسى أو نتغاضى عما ورثناه عن سلفنا الصالح من تراث أصيل ينبغي العودة اليه كلما دعت الضرورة إلى ذلك، حتى لا يضل الشباب عن سبيلهم في طلب الحقيقة، أو يكونوا موجهين طبقا لمنهاج واحد يكون ناقصا بالضرورة من حيث النتيجة التي نصبو إلى تحقيقها.
وبهذه المناسبة يجب ألا يغيب عن الأذهان، أذهان الأساتذة الذين يتحملون مسؤولية كبرى في تكوين رجال ونساء المستقبل، أنهم بقدر ما يسهرون على تربية هؤلاء الأحداث الذين وضعوا تحت كفالتهم، ويجهدون أنفسهم في تنوير عقولهم بصورة موضوعية سليمة، بقدر ما سيعترف لهم التاريخ بسمو المهمة ومقدار الجهود التي يقومون بها إزاء المواطنين والمواطنات.
المثال الثالث والأخير الذي أحببت أن أسوقه إلى إخواني المعلمين والأساتذة هو أن يتفطنوا، على سبيل المثال، عند انصرافهم للحديث عن فائدة العلوم العصرية وضرورة الإقبال على تعلم اللغات الأجنبية إلى أن الإسلام دعا بصراحة إلى ذلك كله كما جاء في الأثر: "اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة كل مسلم". فهذا الأثر يقرر أن في تحمل المشاق وركوب المصاعب في سبيل طلب العلم حتى ولو أدى ذلك إلى الارتحال عن الوطن إلى بلد بعيد كالصين، إشارة إلى شرف العلم وعلو مكانة العلماء وائمة المسلمين عند النبي صلى الله عليه وسلم، كما يؤخذ من خطابه صلى الله عليه وسلم أن اكتساب هذا العلم الذي نسعى من أجله، قد يكون بلغة غير اللغة العربية، وهذا معناه أيضا أن الإسلام يشجع على تعلم اللغات الحية، ويحث المسلمين على الأخذ بالحضارة العصرية عن طريق تلك اللغات.
وغني عن البيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث للأمة العربية وحدها، بل أرسل هاديا وبشيرا إلى كافة شعوب الأرض. ولذلك كانت رسالته عامة شاملة، وهذه الشمولية وهذه الفلسفة الإسلامية التي تصلح لكل زمان ومكان، هي التي أدت بالنبي الأكرم إلى أن يسبق مقررات اليونسكو ويتخطى مفكري العالم الغربي بمسيرة قدرها أربعة عشر قرنا من الزمن. فالمطلوب إذا من هذا كله هو أن نشعر الطلبة والتلاميذ بأن كثيرا من المفاهيم التي يقفون عليها في الكتب التي يستعملونها قد توجد لها تفاسير وتعاليل في كتب ألفها أجدادهم في وقت كانت الحضارة الإسلامية ضاربة بسهم واسع، منتشرة في كثير من الدول المتقدمة التي يعتقدون - عن غير حق - أن الحكمة إنما انبثقت بادئ ذي بدء من رجالاتها وفلاسفتها، وذلك دون أي اعتبار للجهود التي جادت بها قرائح غيرهم، وبذلك سيتضح للتلاميذ والطلبة أن الدين الإسلامي خلافا لما يعتقد البعض، هنا وهناك، دين سمح، متفتح متحرر، يعشق العلم للعلم ويتفانى في اكتشاف المعرفة أينما كانت والحكمة أينما وجدت.
وعلى هذا الأساس يكون تعليمنا بمثابة جهاد في سبيل نصرة الحق عن طريق تكوين أجيال صالحة مصلحة.
وأرجو في الختام ألا أرمى بالتزمت وضيق الفكر، وأنا أحثكم على العودة من حين لحين إلى ما لنا من حضارة عريقة، بل الذي أريد تقريره في هذا المقام هو ضرورة السمو بتلامذتنا وطلبتنا إلى أعلى مستوى في التفكير الفعال، والنقد البناء، والبحث المركز النزيه، طبقا للنصائح الثمينة التي ما فتيء جلالة الملك نصره الله يزودنا بها في كل حين، وبذلك نكون إن شاء الله قد أخلصنا للمهمة السامية التي أقبلنا عليها عن رضى وطيب خاطر، وأسهمنا كذلك في المجهود الجبار الذي تقوم به الإنسانية وهي تبحث عن توفير وسائل العيش الرغيد والطمأنينة الدائمة لكافة شعوب الأرض.
                                                             

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here