islamaumaroc

المعاني الإنسية والروحية في الشعر العربي -5-

  دعوة الحق

العددان 151 و152

انتهينا في المقال السابق الى نتيجة البحث في مدى نسبة الشعر الجاهلي الى ذوية من خلال ما يتضمنه من معان روحية صحت نسبتها الى الجاهليين من خلال ما يرسمه القرآن الكريم لمعتقداتهم بالله.
وبصحة نسبة تلك المعاني اليهم صح بالتتالي نسبة الشعر الذي يحتويها الى انتاجهم.
وقد استعرضنا – من قبل – ونحن بصدد الكشف عن المعاني الروحية لديهم امثلة متعددة من شعرهم. ثم اشرنا الى ان من ذلك ايضا ما نظم من القول للقسم به، وان من القسم ما حفظ لنا عنهم في نثر مسجوع.
وان الكلام في ان الشعر الجاهلي منتحل كله او اكثره يظل قولا مهولا لما سبق ان فرغ منه رواة ثقاة كابن عبيدة والاصمعي، ومشوها لما انتهى اليه منهم نهاية صحيحة ابن سلام وابن هشام والاصفهاني وابن المعتز والجاحظ وغيرهم.
1 – ثم ان معانيه الروحية يزكيها القرآن الذي لم يشك احد في حقظ تدوينه.
2 – كما ان الشعور الديني الذي يتخلل شعرهم بعيد عن مشاعر عصر التدوين.
3 – كذلك تبدو معاني هذا الشعر الروحية بعيدة عن روح الاصطناع.
وقد سبق التدليل على ان هذه المعاني الروحية لا تختص بها قصيدة معدة، مفردة، ولكنها معان متناثرة بين ابياث الاشعار في بيت او ابيات يربطها بالقصيدة جوها العام.
وربما يكون عدم اتفاق قصائد رمتها – معدة للمعاني الروحية – وسيلة اخرى لتاكيد امانة نسبة الشعر بسائر موضوعاته الى ذوية، على اساس ان هذه المعاني الروحية التي تخللت القصيدة الواحدة لا يعقل ان تكون وحدها ما يصح نسبته، بينما يظل الشك فيما تقدمها او تاخر عنها قائما. وذلك لان الغالب في ابيات المعاني الروحية ان تكون ذات صلة وثقى بما سبق من ابيات القصيدة او لحق بها في المعنى والمبنى.
وان تلك الصلة الوثقى لتبدو بوضوح في الابيات التي تتضمن قسما غايته تزكية قول او دعم زعم. والقسم في العادة، تلك، هي، وظيفته الاجتماعية. فلا يعقل في مثل هذه الحال التسليم بصحة نسبة الايمان الى الجاهليين ثم مع ذلك يحتفظ بالشك في صحة نسبة ما من اجله اعطيت الايمان عليه.
وان من جملة ايمانهم شعرا قول النابغة الذبياني :
حلفت فلم اترك لنفسك ريبة
                     وليس وراء الله للمرء مذهب

وقول ذي الاصبع العدواني :
والله لو كرهت مصاحبتي
                 لقلت اذ كرهت قربى لها : بيني(1)
وقسم عامر للمحاربي :
فما ان شهدنا خمركم اذ شربتم
                     على دهش والله شربة اشاما(2)
وحلف راشد بن شهاب :
فلا تحسبنا كالعمور وجمعنا
                   فنحن وبيت الله ادنى الى عمرو(3)
ويمين درهم بن يزيد :
انى لعمر الذي يحج له النا
                     س ومن دون بيته سرف
يمين بر بالله مجتهد
                يحلف ان كان ينفع الحلف(4)
وقد يحلفون بالاصنام ولكنه حلف لا يبلغ عندهم اهميته القصوى بدليل حلف اوس بن حجر.
باللات والعزى من دان دينها
                      وبالله  ان الله منهن اكبر
فالحلف بالله كان راس الايمان عندهم ولا عجب في ذلك فان دينهم قبل ان ينحرفوا كان التوحيد دين ابراهيم، ولكنه شابه ما يشوب عادة العقائد اذا ابتعدت عن ينبوعها الصافي – بحسب لفظ السيد محب الدين الخطيب في تقدمة كتاب ايمان العرب للنجيرمي.
ويثبت النجيرمي هذا – من رجال القرن الرابع – ايمانا منثورة لهم منها :
ورازق الامام
ورب الشمس والقمر
وفالق الاصباح وباعث الارواح
والذي يرصد اني سلكت
والذي يسجد له النجم والشجر
والذي خلق الحبة وبرا النسمة
والذي لا يتقى بوجاج
ويقول اسحاق اللغوي، ابراهيم النجيرمي في مصنفه : بانهم اقسموا بالسماء والماء، والنجوم، والضياء، والحلك، والشروق. وواضح في انها جميعها من آيات الله. ومن ذلك ايضا ما تبعثه قبة السماء في نفس البدائي من اشعار باعظم الادلة على وجود الله. ولعل الاتجاه الى معرفة الله بواسطة معجزة مراى السماء، التي ترتفع على غير عمد دليل مادي، ولكنه الدليل ايضا على ان عقيدة العرب كانت تساير الفطرة التي كان يجريها ايضا، على سواه من الناس الآخرين في مثل هذا اليمين :
"لا، والذي كل الشعوب تدين له"
وقد كان لبعض ايمانهم ما يمكن تفسيره بوجهة نظر في اصل العالم من ذلك قولهم :
"لا، وفضنف(5) اللوح(6)، والماء المسفوح(7) والفضاء المندوح(8)، والنور الموجوح(9)".
فقد جمع في الحلف بين عناصر اربعة تذكر بما عزا اليه خلق العالم بعض الفلاسفى اليونان، وهي الهواء والماء والتراب والنار.
وجدير بالذكر هنا ان نشير الى ان اليمين عندما تعطى فانما يقصد من ورائها الاقناع ان المتحدث صادق فيما زعمه من قول. فالحالف متابع بان يحلف بما يدين هو به او بما يعتقد فيه من يتلقى منه اليمين  انه مومن به. ولذلك كان ما يقسم به في الحالين موضع تقديس لا مجال للشك في قداسته بيت الجماعة في كلا طرفيها. ومن هنا يمكن القول بان ما يقسم به بين الناس، يكون مثلا اعلى لديهم جميعا، يدينون به ويخشعون لجلاله.
واذا جاز لنا ان نشك في ايمان الشعراء بما يحلفون به حتى في حالة صحة نسبة تلك الايمان اليهم، فان الشك في قداسة ايمان المجتمعات يعيد الاحتمال، وتكون الايمان المعطاة بحكم وظيفتها بين الناس، اقرب الشواهد على ما يدينون به ويعتقدون في قدسيته.
وبهذا الاعتبار كان كتيب النجيرمي من القرن الرابع عن ايمان العرب من اهم المصادر عن معتقدات العرب قبل الاسلام. وتتاكد مصدريته تلك. يكون ما يحفظه لنا من صيغ ايمانهم غير مخالف لما يحدده لهم القرآن الكريم من معتقدات قبل الاسلام.
ولقد كان ماحدده القرآن الكريم لهم من ذلك، على راس موضوعاتنا في هذه الدراسة التي تهذف الى تقويم ما في الشعر الجاهلي من معان روحية بالقياس الى مدى صحة نسبته جملة الى ذويـــــة(+)
وفي الامكان الان تلخيص ما انتهينا اليه من جميعها، في ان الشك الذي انهجه الدكتور طه حسين منذ خمسين عاما في صحة نسبة الشعر الجاهلي الى ذويه، شك مبالغ في تهويله لان ما في القرآن مصورا لعقائد العرب قبل الاسلام يؤيد ما جاء في الشعر الجاهلي من هذه الناحية عنهم. ولان التاريخ القديم يدعم القرآن الكريم كذلك. وحيث ان القرآن لم يشك في حفظ تدوينه ناقد فان الشعر الذي يصور معتقدات العرب شعر صحيح النسبة الى ذويه. وبما ان شعر المعتقدات لا تنفرد به قصائد خاصة، وانما هي صور تعرى بين ابيات القصيدة الواحدة، فانه لا يعقل ان لا تصح النسبة الا في تلك الابيات المتناثرة، ولاسيما وهي مرتبطة غالبا بما بعدها وما قبلها ارتباطا معنويا. ولذا يمكن اعتبار الكل في قيمة واحدة من حيث صدق النسبة.
وبالرغم من ذلك فاننا لاننكر بان التنحل في الشعر لم يحدث الا انه لا يتجاوز حدودا عينها النقاد الاقدمون واشاروا الى ما استوفتهم منها. اما سحب الشك الجزئي على ما دون فامر بالغ الخطورة على القيم جميعها وعقمه اعظم من خصبه ولاسيما وهو جوهره وهم.
ونختم هذه النهاية بما قاله الدكتور احمد الحوفي بهذا الصدد" باننا لا نستطيع ان نصف انفسنا باليقظة والحذر. ونتهم العلماء والنقاد الذين سبقونا بالغفلة وضعف التمييز. ولا نستطيع ان نزعم اننا اقدر منهم على تمييز الصحيح من المنحول، لانهم اقرب منا الى الجاهلية واقرب منا الى الرواة والمدونين.
فلو ان الشعر الجاهلي كله او اكثره موضوع منحول ما درسه ابن الاسلام وابن المعتز وابو تمام والجاحظ وابو الفرج وابو العلاء وابن قتيبة وغيرهم"(10).
وبهذا نكون قد انهينا الحديث عن المعاني الروحية والانسية في الشعر الجاهلي.

(1) الفضليات 31 – 36 .
(2) الفضليات 91 – 4 .
(3) الفضليات 87 - 7 .
(4) الاغاني 2 – 162.
(5)  المفازة.
(6) العطش او الهدوء بين السماء والارض.
(7) المنصب.
(8)المتسع.
(9) المنتشر المضيء. والاربعة : الهواء + الماء + الفضاء + النور.
(+) انظر عددي دعوة الحق – يونيو – يوليوز واكتوبر سنة 1971 ثم عدد يناير وماي 1972.
(10) اغاني الطبيعة من الشعر الجاهلي ص 7. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here