islamaumaroc

الحقوق والواجبات في الحياة الزوجية

  دعوة الحق

العددان 151 و152

لم يذر الاسلام العلاقة بين الزوجين مفوضة الى حسن النية وطهارة الطوية، رغم وصاياه الجليلة في هذا الشان، التي توقسظ الضمائر، وترقق القلوب. بل حدد حدودا، ووضع اسسا، تنظم الحق والواجب، وتشرع السلوك الطبيعي للزوجين، فاذا ما تمت المقدمات، واطمانت النفوس الى الاقتران، وجرى العقد بين الزوجين، فان الشريعة، تقرر بينهما من الحقوق والواجبات المتبادلة ما به تحسن المعاشرة، وتنمو الرابطة، وتطيب الحياة، فلابد اذن من مراعاة هذه الحقوق والواجبات، وادائها كما ينبغي، وذلك لدوام الحياة الزوجية وليتم التوافق على احسن ما يرام.

واجبات الزوج نحو زوجته :
اهم هذه الواجبات :
اولا : النفقة الزوجية من طعام وملبس ومسكن وتمريض، وانزال زوجته واولاده في الحياة المنزلية المناسبة لكسب الزوج وموارده رزقه. والاعتدال في ذلك مشروع، قال تعالى : " ولا تجعل يدك مغلولة في ذلك مشروع، قال تعالى : "ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك، ولا تبسطها كل البسط، فتقعد ملوما محسورا". ويضع التشريع الفرنسي نفقات الاسرة على عاتق الزوجين معا، فيساهم كل منهما في تلك النفقات حسب مقدرته. اما في التشريع الاسلامي، فان نفقات الاسرة لا تقع الا على عاتق الزوج وحده، ولا تتحمل المراة شيئا منها مهما كانت ثروتها. كما ان الزوج لا يستطيع ان يكلفها بشيء من النفقات. وبمعنى آخر، فان الزواج يفرض على الزوج حق قيامه بتكاليف معيشة زوجته، وهذا الحق معروف بحق النفقة، مستمد من الآية الكريمة : " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف". ومن قوله صلى الله عليه وسلم : "تقول المراة اما ان تطعمني واما ان تطلقني". وبذلك نرى ان الاسلام اكرم المراة، بجعل نفقتها على زوجها غاية الاكرام، واراحها من الارهاق، فهو بذلك جعلها ملكة البيت وسيدته، اما المجتمعات الاخرى، التي كلفت المراة بالعمل كالرجل، او تركت لها الحرية لكسب رزقها كما تشاء، فقد كانت نتيجة ذلك، ان تفككت الاسرة فيها، وضعفت او انعدمت تلك الروح العائلية، وزالت العصمة والعفة والاخلاق، واصبحت المراة لا تؤمن بغير المادة والترف، ولا تقيم وزنا لقيم او عفة. وقد ادرك عقلاء الناس هذا المصير السيء للمراة والمجتمع، كما ادركت المراة ذلك ايضا، بعد ان دخلت معترك الحياة، وكم راينا منهن من يتمنين ان يجدن بيتا هادئا ينفق عليهن، ويسترحن فيه مما يعانين في الحياة الصاخبة. ولا ينبغي ان يظن الزوج ان النفقة التي ينفقها على اهله، لا ثواب له من ورائها، فهو سينال من ذالك ثوابا من الله سبحانه، كما ينال  الثواب على الصدقة. قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من انفق على اهله وهو يحتسبها كانت له صدقة".
ثانيا : المعاشرة بالمعروف وان كان يكرهها، لقوله تعالى : "وعاشروهن بالمعروف، فان كرهتموهن فعسى ان تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا".
وقد اعظم الله حقهن في حسن عشرتهن بقوله : "واخذن منكم ميثاقا غليظا". وقول الرسول : "الله الله في النساء، فانهن عوان في ايديكم، اخذتموهن بامانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله". وحسن المعاشرة يتمثل في لين القول، وبسطة الوجه، والمشورة، والرعاية اليسيرة التي لا تفقده وقاره ومنزلته كزوج. والاعتدال في الغيرة عليها، فلا تكون منه في غير موضعها. قال صلى الله عليه وسلم : "ان من الغيرة غيرة يبغضها الله عز وجل، وهي غيرة الرجل على اهل بيته من غير ريبة". وقال : "لا تكثر الغيرة على اهلك، فترمى بالسوء من اجلك". بالاضافة الى هذا، فقد نهى الرسول عن شتم المراة، وعن هجرها امام الناس فقال عندما سئل : " ما حق الزوجة على الزوج؟" قال : "تطعمها اذا طعمت، وتكسوها اذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، (أي لا تشتم) ولا تهجر الا في البيت". وقد اوضح صلى الله عليه وسلم فبح سوء المعاملة، وشنع على الضارب لزوجته في صورة بديعة حين قال : " لايجلدن احدكم امراته جلد العبد، ثم يجامعها من آخر اليوم". وحسن المعاشرة يتجاوز حدود اللطف والاحسان، الى حدود الاحترام، فلا يرتكب الزوج ما من شانه ان يمس بكرامتها، ولا يتعاطى من الاعمال ما يضر به وبها، كالخمر والمخدرات. ومن اسباب العمل لخير الاسرة ان يتحلى بما يرضيها، وعدم معاكسة افرادها في الرغبات المشروعة، والتعاون على التغلب على الصعاب.
ثالثا : العدل والتسوية بينها وبين غيرها من الزوجات، اذا كان الرجل متزوجا باكثر من واحدة، وذلك حتى لايخرج عن حدود الله، لقوله تعالى : "تلك حدود الله فلا تعتدوها". فعليه الا يفضل واحدة عن الاخرى في المطعم والملبس والمسكن، فاذا تمت التسوية فانه لا يواخذ على ما يجده في قلبه من ميل نفسي، ولذلك قال تعالى : " ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء لو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة". وكان عليه الصلاة والسلام يقول : "اللهم هذا لك فيما املك" يعني عليه السلام ان العاطفة القلبية لا يستطيع التحكم فيها.
رابعا : اعطاء حقها في الفراش وعدم خيانتها. ان هضم حقها في فراشها، ظلم من الزوج، كما امر باعطاء حق الزوجة كما امر باعطاء حق نفسه وحق الله في العبادة. فقد جاء في صحيح البخاري في باب لزوجك عليك حق : ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص : " يا عبد الله، الم اخبر انك تصوم النهار وتقوم الليل. قلت نعم، قال فلا تفعل، صم وافطر وقم ونم، فان لجسدك عليك حقا وان لعينك عليك حقا، وان لزوجك عليك حقا".
خامسا : عدم كشف سرها لاحد لان ذلك ينذر بالقطيعة، ويخلق الحقد والضغينة، ولانه يعتبر من سوء الخلق، ولهذا كله فقد منع الاسلام كشف سرها، ففي صحيح مسلم في باب تحريم افشاء سر المراة، ان الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " ان من شر الناس عند منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي الى امراته وتفضي اليه ثم ينتشر سرها".
سادسا : الاحتفاظ للمراة بجميع حقوقها المدنية، وان لا يكون للرجل عليها سلطان في مالها، فلها حريتها الكاملة في التصرف في مالها دون رقابة الزوج، اذ لا ولاية للزوج على مال زوجته، ولها الاهلية الشرعية في سائر العقود والالتزامات. وهذا الحق الذي حفظه الاسلام لها، امتازت به المراة المسلمة على غيرها من نساء الارض اللائي لم يتمتعن ببعض منه الا مؤخران ومنهن من لم يظفرن به لحد الآن في ارقى البلاد.
سابعا : السماح لها بزيارة اهلها واستزاراتهم اذا ارادت ذلك. لان سنن الاسلام اقامة روابط عائلية واجتماعية، ووصل الارحام وعدم قطعها وهجرها. ولذا وجب على الزوج الا يمنع زوجته من زيارة اهلها وزيارتهم لها في بيت الزوجية، وذلك في النطاق المتعارف عليه من غير اضرار او اخلال بمصالح الزوج، او يخرج على المعتاد الى حد يقلق امر الزوجية وطمانينة المنزل، فليس للزوجة ان تخرج بغير اذن زوجها، او تبيت في غير منزلها بدون موافقته، فاذا ارادت شيئا من ذلك فعليها ان  تستادنه. وقد جعلت الشريعة الاسلامية المسالة من حق الرجل والمراة، ليتفقا فيما بينهما علة ماهو اصلح لاقامة سلوك حسن، في بيت هاديء، لبناء اسرة مستقرة.

واجبات الزوجة نحو زوجها :
واهم هذه الواجبات :
اولا : طاعتها لزوجها بالمعروف، فاول واجب على المراة ان تكون مطيعة لزوجها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لو كنت آمر ان يسجد لاحد، لامرت المراة ان تسجد لزوجها". فطاعة الزوجة لزوجها ضرورية لقيام الاسرة الاسلامية، على اساس الرقابة الابوية، فمن سنن الاسلام ان لا يجتمع اثنان الا وجعل احدهما رئيسا والآخر مرؤوسا، حفظا للنظام، وصيانة للعلاقة من الانحلال. وبما ان الاسرة احوج الى الاستقرار، فقد وزع الشارع مهمة الزوجين، واختار ان يجعل الزوج رئيسا، وفرض عليه بمقتضى ذلك واجبات الرعاية والانفاق، والمراة مرؤوسة له، ولكنها متحملة مسؤلية التدبير للمنزل والتربية للابناء والصيانة للاسرة. ودستور السلوك للزوجين والطاعة اللازمة هو قوله تعالى : "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فان اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا". على ان هذه الطاعى مقيدة بالا يكون في ذلك معصية ومخالفة لامر ديني، فلا يصح ان يامر الرجل زوجته مثلا بالمنكرات او ترك العبادات، فذا امر بذلك لا يحق لها ان تطيعه، واذا اطاعته تكون مسئولة امام الله.
ثانيا : صيانة نفسها واحصانها، فقد حرم التشريع الاسلامي الزنا على الرجل والمراة، اذ نصت الآية الكريمة على هذا التحريم في قوله تعالى : " ولا تقربوا الزنا ان كان فاحشة ومقتا، وساء سبيلا".
وذلك ان صيانة العرض واحصان الفرج من آكد الواجبات الدينية على الجميع. ويترتب على خيانة احد الزوجين للآخر اذا ثبت ذلك باربعة شهود، عقوبة الزنا، كما في قوله تعالى : " الزانية والزاني، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تاخذكم بهما رافة في دين الله ان كنتم تومنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المومنين". والحق ان الاسلام اسمى عدالة من التشريع الفرنسي، والذي لا يعاقب الرجل على الزنا الا اذا ارتكبه في منزل الزوجية، كما ورد في المادة 339 من قانون العقوبات الفرنسي. والزوجية لا تقوم الا على العفاف وتبادل الثقة، فاذا ذخل الفساد، او حصل لاحد الزوجين سوء ظن في الآخر، فانها توشك ان تنهار. فعدم المحافظة على شرف الزوجية بالخيانة وغيرها من اشد الامور تاثيرا على النفس. وان اكثر الخصومات تاتي نتيجة الخيانة، بل ان الخيانة اكبر سبب لهدم الاسرة من اساسها، وتشريد ابنائها، فليست هناك جريمة في الزوجية، اكبر من جريمة الخيانة، خصوصا اذا كانت من طرف المراة فكل جريمة يمكن ان يعفو عنها الزوج، وتعود العلاقات، وتتناسى الاخطاء، الا جريمة الخيانة، حتى ولو عفا عنها، لا يمكن ان تصفو العلاقة وتعود المحبة. فمن واجب المراة ان تبتعد عن كل الامور التي تثير الشك، فبقدر ما تحافظ على شرفها، وتبتعد عن اثارة الشبهات، وعن مواضع الشك، وبقد ما تصفو العلاقة وتزيد المحبة، ولهذا فان الله عندما ذكر صفات الزوجات الصالحات، ذكر من ضمنها صفة الحفاظ على شرف الزوج في غيابه فقال تعالى : "فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله".
ثالثا : اشراف على البيت وتنظيم شؤونه : فمما لا شك فيه، ان المراة هي روح البيت السارية، ومبعث بهجته والنشاط فيه، وهو مملكتها لا ينازعها فيه منازع، فعليها ان تخلص في عملها الذي هو في واقع الامر شاق، وفي درجة كبيرة من الخطورة، لانها خلفت لتكون عضوا نافعا في مجتمعها الذي تعيش فيه، زوجة صالحة، واما رؤوما، وربة بيت رشيدة حكيمة تدبر اموره على خير وجه، وتصرف شؤونه على اتم نظام.
والاشراف والتنظيم الى ذلك يعنيان العناية بمصلحة زوجها الداخلية وبصحته، حتى يكون قادرا على العمل له ولها، ذلك ان وظيفة الاب تنحصر في العمل خارج المنزل، والسعي الى كسب المال للانفاق على من هم تحت كفالته، بخلاف وظيفته الام التي هي ربة البيت المسئولة على اعداد حاجيات افراده، والسهر على راحة كل واحد منهم، فعليها اذن ان تسوس الزوج فتحوطه بالعناية والرعاية، وتحافظ على الصلة الروحية بينهما على الدوام، فتبقى سليمة متجددة من حين الى آخر، كما عليها  ان تعمل على توفير اسباب الراحة والهناءة في البيت، وان تكون رسول سلام ومراح، وعنوان سعادة وامل، حتى تجعل من بيتها جنة يتمناها الزوج، ويحرص كل الحرص على قضاء وقته فيه. ولا شك ان تعليمها الذي اصبح ضرورة لها وللمجتمع باسره، يفيدها كثيرا، لان تزويدها بالثقافة العامة يمكنها من مسايرة الحركات العامة، اقتصادية واجتماعية ودينية، ومن التفاهم مع زوجها المثقف، ومشاركته آراءه وافكاره، حتى تضمن الانسجام والتناسب في التفكير، ومن معرفة كل ما يتصل بطبائع الاطفال في مراحلهم الاولى، وبخاصة في الوقت الذي تتكون فيه الغرائز والطبائع والعادات، لتتجنب الاخطاء التي تقع فيها الامهات الجاهلات، وليمكنها كذلك من معرفة ما يتصل بالتدبير المنزلي، وما يجد في هذا الامر من نظريات وآراء وبحوث حتى تستطيع ان تحل المشكلات المنزلية، التي تخضع في الغالب لظروف الحياة، وتتجدد من حين الى حين، والتي تتطلب تعاونا مع الزوجين وحكمة ورشادا في الراي وسدادا.
وبذلك تكون زوجة باوسع ما تحمل الكلمة من معاني واشرف ما تضم من حقائق، تشعر زوجها بالعون والمساعدة في كل شؤونه ما وسعها ذلك ودخل في طاقتها. وتوفر عليه متعاب البيت، ويتفرغ للحياة الجادة الناصبة التي لا يقف الصراع بينها وبينه عند حد، ما دام يسعى فيها ويجد دائما في سبيل العيش.
رابعا ان تكون امينة على ماله وداره، لان الامانة مهمة جدا في البيت، وليست الامانة فقط، بل الثقة بالامانة ايضا، فاذا لم يثق الزوج بامانة زوجته، لا يمكن ان يستريح لها، ولا يمكن ان يستريح قلبه الى ما في البيت، بل لا يمكن ان يطمئن قلبه وهو داخل البيت او خارجه، ولهذا امر الاسلام الزوجة بالامانة على كل ما في البيت، واشعرها بانها مسئولة عن عملها، وعن تربية اولادها في بيت الزوجية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الامير راع، والرجل راع على اهل بيته، والمراة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته".
خامسا : اكرام والدي الزوج واقاربه بالمعروف، وذلك عندما يتزوج الرجل، فانه يتخذ لنفسه في الغالب مسكنا مستقلا عن والديه، وفي هذه الحالة يجب على الزوجة ان تفتح صدرها لزيارة والدي الزوج واقاربه لها، وان تعاملهم بلطف، وان تقوم باكرامهم، والترحيب بهم بالقدر المتعارف عليه في الوسط الذي يعيشون فيه، وذلك لان الزواج مبني على المودة والرحمة، فيجب على المراة، ابتغاء مرضاة زوجها بجميع الوسائل، ومنها العناية باقاربه، ومقابلتهم بالبشر، لان ذلك عنوان على محبتها لزوجها اذ تحب من يحب. على هذا واجب اجتماعي كذلك على الزوج نحو زوجته، فان احترامه لاقاربها ولوالديها على الخصوص، مما يزيد في تطيب خاطرها وشعورها بانها حلت من زوجها محل الاعتبار والمحبة.
وهكذا يربط الاسلام الزوج بالزوجة، والزوجة بالزوج، ثم يربطهما بالاسرة وبالدين والدنيا. وما اعد له وهو يقرر حق المراة على زوجها، حين يفرر حقه عليها في آية واحدة فيقول تعالى : "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف". فهي قاعدة كلية ناطقة بان المراة مساوية للرجل في جميع حقوقها. وهي آية تعطي للرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجته في جميع الشؤون والاحوال، فاذا هم بمطالبتها بامر من الامور، يتذكر انه يجب عليه مثله بازائها. وليس من العدل ان يتحكم احد الصنفين بالآخرن ويتخذه عبدا يستذله، ويستخدمه في مصالحه، لاسيما بعد الدخول في الحياة المشتركة، التي لا تكون الا باحترام كل من الزوجين للآخر، والقيام بحقوقه.
درجة الرجال على النساء :
في القاعدة التي قرر القرآن الكريم بها المماثلة بين الزوجين في الحقوق والواجبات، قرر على الرجل مسئولية الهيمنة والقوامة، وجعله المكلف بحق المراة فيما يصل بها الى الخير، ويدفع بها عن الشر فقال : " وللرجال عليهن درجة ". وذلك ان من مباديء الاسلام في التنظيم الاجتماعي، ان يكون لكل جماعة مدير او امير، مهما كانت كبيرة او صغيرة ولو كانت تتالف من اثنين، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " اذا خرج ثلاثة في السفر، امروا احدهم حتى الاثنان اذا خرجا في امر، امرا احدهما". واذا كان يامر باختيار امير او رئيس في مثل هذه الجماعة المسافرة، فكيف لا يامر باختيار مدير لادارة شؤون مجتمع دائم كمجتمع الاسرة. ونحن لا نسند القيادة عادة في أي من الامور، الا لمن نرى فيه قوة الشخصية، والحكمة  والتدبير، والدفاع عن الافراد، والذوذ عنهم، واذا نظرنا الى مجتمع الاسرة، نرى الشحصين البارزين فيهما هما : الاب والام، باعتبارهما اساس هذا المجتمع. ولايمكن ان يكون في مجتمع رئيسان في مستوى واحد من السلطة والمركز، لذلك اختار الاسلام واحدا منهما لهذا المنصب وهو الاب فقال تعالى : "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم".
ويجب ان ننظر هنا نظة موضوعية، الى هذه المسالة الاجتماعية الخطيرة، مسالة الرجل والمراة هاته، اذ هي تتعلق بالتنظيم الاجتماعي في عصرنا، كما كانت مشكلة اجتماعية في العصور القديمة، وان كانت هذه المشكلة تختلف من حيث الدرجة من مجتمع الى آخر في الماضي والحاضر. ولننظر اولا الى وجهة الشريعة الاسلامية في تفضيل الرجل على المراة في بعض نواحي الحياة الاجتماعية، ولم تجعل الرجل في درجة واحدة مع المراة في بعض الاحكام، ولنعرف الحكمة في ذلك، ثم بعد ذلك ننظر الى راي العلم في هذا الموضوع، وهل هو مطابق لنظرية الاسلام.
فاذا بحثا عن سبب تفضيل الاسلام الرجل في هذا لموضوع بالذات، لوجدنا انه يقوم على سببين رئيسيين :
الاول : ما ناله من الفضل والقدرة على تحمل المشاق التي لا تتحملها المراة، واساس ذلك هو ما اودع الله فيه من قوة البدن، والعزم والعمل، وكونه متوازي الحال في معظم الاوقات، فلا يوقفه على العمل حيض ولا حمل ولا نفاس ولا ارضاع، فحق القوامة مستمد من التفوق الطبيعي في استعداد الرجل، ومستمد كذلك من نهوضه باعباء تكاليف الاسرة، فهو اقدر من المراة على كفاح الحياة، ولو كانت مثله في القدرة العقلبة والجدية، لانها تنصرف عن هذا الكفاح قسرا في فترات. والمراة مهما تطورت وبلغت من المعرفة ومن القدرة، فانها لابد ان تبقى مسخرة لما هياته لها العناية الالاهية من حيض وولادة. وهذا الفضل الذي للرجل يمكنه كذلك من صيانة الاسرة، وحمايتها من عاديات الخوف والجوع. فالرجل افضل للقوامة على البيت دون المراة، فاستحق بذلك درجة الرئاسة. والمراة افضل في تدبير البيت، فاستحقت ان يوكل اليها امر هو اعز شيء عند الابوين، وهم الابناء.
الثاني : الانفاق فيما يحتاج اليه البيت من مطعم وملبس، وما تنشرح به صدور الابناء والاسرة، اذ هو الكفيل بتدبير معاشها، وتوفير الوقت للزوجة في المنزل، لتربية الابناء، وتيسير اسباب الراحة والطمانينة البيتية. فتكليف الرجل بالكسب، وشؤون النفقة على الاسرة فيه عبء لم تكلف به المراة، فكان في هذا المبدا ارهاق للرجل وراحة للمراة، ولا بد من ان يكون لهذا التعب ميزة وحق مقابل، والا كان الرجل مظلوما. وبذلك استحق ما تخول له الشريعة الاسلامية من ان يجد مقابل ذلك امراة تقوم بتدبير البيت الداخلي. وبذلك كان افضل منها ايضا. وقد اشارت الآية السابقة وهي قوله تعالى : "الرجال قوامون بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما انفقوا من اموالهم". الى هذين السببين الرئيسيين في تفضيل الرجل على المراة والى الحكمة في ذلك.
وقد يكون في قوله تعالى : "بما فضل الله بعضهم على بعض"، دون ان يقول بما فضلهم عليهن، اشارة واضحة الى ان هذا التفضيل ليس الا كتفضيل بعض اعضاء الجسم الواحد على البعض الآخر، وانه لا فضاضة في ان تكون اليد اليمنى افضل من اليد اليسرى، ولا في ان يكون افضل من البصر، ما دام الخلق الالاهي اقتضى ذلك، فهذا التفضيل لا يغض من قدر المراة، وانما يقرر ضرورة المسؤولية التي تفرضها الحياة في كل شركة تقوم بين افراد، انهم يجعلون فيها المتحدث الرسمي، ويحددون من له حق امضاء العقود، والرجل بفطرته التي فطر عليها، اقدر على مواجهة الظروف المختلفة التي تواجهها الاسرة.
هذا من ناحية وجهة الشريعة الاسلامية في تفضيل الرجل على المراة في هذا الموضوع  واما من الوجهة العلمية في ذلك فقد كشفت لنا بحوث عن وجود الفرق بين الجنسين ايضا وذلك من الناحية البيولوجية والسيكولوجية.
فمن الناحية البيولوجية فان الخلية التي يتكون منها الرجل، تختلف عن طبيعة الخلية التي تتكون منها المراة، وذلك بسبب اختلاف في بعض المواد الخاصة بالذكورة، في الخلية الذكرية، والمواد الخاصة   بالانوثة، في الخلية الانثوية، وهذا الاختلاف في الخلية التي يتركب منها الجسم، ينشا عنه اختلاف في المظاهر الجسمية والشخصية، واختلاف في وظائف الاعضاء من حيث النوع او الدرجة.
ومن الناحية السيكولوجية، فان الاختلاف يشمل الجانب النفسي وجانب القدرات العقلية وغيرها. فقد دلت التجارب ان الاناث يتفوقن على الذكور في النمو العقلي فيما قبل المراهقة، ويزداد النمو العقلي عند الذكور اكثر من الاناث خلال فترة المراهقة، ثم يتقارب الجنسان في المستوى العقلي العام، وتبدو الفروق في المدى ودرجة النمو، فيزداد عند الذكور ويقل عند الاناث، كما لاحظ العلماء تفوق الرجال في بعض القدرات المهنية، وتفوق الاناث في بعض القدرات الاخرى. فالرجال يتفوقون على الاناث في النواحي الجسمية واليدوية والميكانيكية، وفي تحصيل العلوم الطبيعية والرياضية، وفي نواحي الاختراع والابتكار وتتفوق الاناث على الذكور في الادب والموسيقى، والفن والاعمال الكتابية، كمدارس الحضانة ورياض الاطفال، والمدارس الابتدائية، ولا زلن يتفوقن في تربية الطفل، ورقة العاطفة وشدة الانفعال، والاهتمام بالنشاط المنزلي، والحياة الاسرية، والاعتناء بنواحي الجمال والزينة والالوان. ببدل الرحمة والعطف.
ويرتبط بما سبق، الفروق بين الجنسين في النواحي العاطفية والانفعالية، فقد اثبتت الابحاث التي اجريت لمعرفة الفروق في هاته الناحية، ان الاناث اكثر تعرضا للخوف، واكثر اظهارا للعطف من الرجال، في حين ان الرجال يبدون اكثر قسوة من النساء في الحالات العنيفة، واقل تعرضا للخوف منهن في المواقف الخطيرة، فالرجل عزمه اصم، وقوته اتم، وهو على ضبط عواطفه اقدر، فهي سريعة الانفعال والانقياد للعاطفة حين تناديها، والغريزة حين تدعوها. ولا جرم انها تضحي بالمصلحة اذا تعارضت مع عاطفتها في بعض الاحيان. ولن ننسى القاضيات الفرنسيات اللواتي بكين عند استماعهن الى دفاع احد المحامين العاطفي عن احد المتهمين من المجرمين، ولامثلة على ذلك كثيرة، تتكرر صورها كل يوم.
بناء على هذه الحقائق، كان تنظيم الاسلام لادارة الاسرة، على اساس ان يقوم الرجل بالادارة والرئاسة، والقيام بالاعمال الخارجية الصعبة، مثل اعباء النفقة التي تتطلب العمل في الخارج، والعمليات العقلية المجهدة، والاعمال البدنية وان تقوم المراة بتربية الداخلية، والخدمات الاجتماعية الازمة للاسرة حينا، وللمجتمع حينا آخر. على ان الاسلام وقد جعل الرجل قواما على المراة، ورئيسا لادارة البيت فانه قيد ذلك بامرين :
الاول : ان تقديم الرجل على المراة في اداراة البيت، لا يدل على افضليته من الناحية الانسانية، فمن الناحية الانسانية، تساوى الرجل بالمراة، كل له حقوق وعليه واجبات، فالافضلية في نظر الاسلام، لا تقاس بالجنس ولا بالنوع، وانما تقاس بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى : "للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن". وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : "لا فضل لعربي على عجمي،ولا لابيض على اسود الا بالتقوى والعمل الصالح". فقد فسر بعض الرجال وبعض المجتمعات، القوامة بالافضلية في الانسانية، وبناء على هذه الفكرة الخاطئة استذلوا المراة واستعبدوها، وضربوا الذلة والمسكنة عليها، الامر الذي يجعلها تفقد الكرامة والعزة. كما ان المراة فهمت المبدا الاسلامي خطا، اذ اعتبرت ان تخفيف الاعباء عنها، يعتبر تنقيصا من شانها، وبالتالي بدات تعتبر اعمال البيت اعمالا حقيرة، مع ان هذا يعتبر عدلا وتكريما لها، ذلك ان العدالة هي تكليف كل فرد بما يطيق وما هو انسب له، وهو ما فعله الاسلام.
ثانيا ليس معنى القوامة والرئاسة في البيت السطو والسيطرة والاستبداد، ونشر الرعب في ارجاء البيت كما يفهم بعض الرجال، بل هو تحمل الواجب الانساني الذي يقره الدين وتحتمه الشريعة الاسلامية، وتميله الانسانية الخالصة الصافية، ذلك الواجب الذي يحتم على الزوج ان يجنب زوجته واولاده كل خطر، ويباعد بينهم وبين الشر ما استطاع الى ذلك سبيلا، ويحمي ضعف زوجته ويقويه، ويغدي عقلها وينميه، ويهييء لها الحياة الآمنة الهادئة، ويعاونها في كل ما فيه صلاح البيت وسلامته، وبالتالي المحافظة على كيان الاسرة من التفكك في مهب النزوات العارضة، والمحافظة على العش الذي تتعلق به حقوق الاطفال وحقوق المجتمع البشري، الذي يعتمد على مؤسسات الاسرة في نموه الاجتماعي ورقيه. فليست هذه القوامة اذا تحكما ولا تعاليا، ولا اثرة ولا انانية، ونما هي قوامة الحكمة والمصلحة بين الزوجين، والشورى الامينة في امور الزوجية، وشؤون الاسرة، ورعاية الاولاد. وهذا هو ما ارادته الشريعة الاسلامية للاسرة، وهو ما تنطق به الآيات القرآنية : "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة". "فن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا". "اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن". "وائتمروا بينكم بمعروف". "وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفسا الا وسعها، لا تضار والدة بولدها، ولا مولودة له بولده". " فان اراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما".
                                                                                   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here