islamaumaroc

بين الدكتور طه حسين وابن خلدون وشيوخ المغرب العربي

  دعوة الحق

العددان 151 و152

الشباب تواق لمعرفة الحقائق سواء كانت علمية او تاريخية او اجتماعية وخصوصا ما يتعلق منها بالوطن الخاص وما يرفع من شانه ويكشف عن مواهب سكانه ويبين عن امجاده واصالة حضارته، واحق الناس بالكتابة حول الوطن الخاص اهله لمعرفتهم بدخائل احواله ولهذا يقال في المثل : اهل مكة ادرى بشعابها.
وسواء كان الباحث من اهل القطر وسكانه او كان بعيدا عنه مهما كانت الروابط التي تربطه به دينية او لغوية او غير دينية ولغوية ينبغي التثبت وتمحيص الاشياء تمحيصا دقيقا حتى لا يقدم الى الشباب التواق لمعرفة والاطلاع الا ماهو ثابت وحق تشهد التواريخ او العلوم على اختلافها بصدقه وفاء للحقيقة واداء لواجب الامانة العلمية.
اما اذا قدم للجمهور وللشباب بصفة خاصة معلومات فيها اغلاط تاريخية او علمية فان هذا التقديم يشوه الحقائق ويبخس الحقيقة حظها من الواقع الصحيح ولهذا يعاب على الباحث التعصب للقطر الذي ينتمي اليه او للقبيلة التي تتبناه.
والغرض من هذه لمقدمة لفت الشبان الذين يطالعون الكتب الحديثة لرواد الادب والعلوم الاجتماعية الجديدة في المغرب حتى يجتهدوا في الدراسة والبحث عن تاريخ بلاد المغرب العربي العلمي وعن اصالة حضارته كي لا يجرفهم تيار الشهرة عن البحث بانفسهم فيما يذكره اولائك المشاهير عن مستوى حضرة اقطارهم وعن رسوخ قدم علمائهم في العلوم التي يزاولونها قديما او حديثا، ومن اغرب ما وقفت عليه في مراجعة بعض الكتب في اوقات الفراغ ان الدكتور طه حسين ينكر على ابن خلدون مؤسس قواعد علم الاجتماع قراءته لكتاب مختصر بن الحاجب الفقهي بانكار وجود هذا الكتاب في عبارة هي اقرب الى الاستهزاء منهما الى الاعتذار عما ذكره مؤرخ كبير مثل ابن خلدون، وذلك في او كتابه "فلسفة ابن خلدون الاجتماعية" الذي وصفه مترجم الكتاب الاستاذ عبد الله عنان بانه اول بحث علمي عن ابن خلدون، مع ان ابن خلدون ذكر في مقدمة تاريخيه مختصر ابن الحاجب الفقهي وذكر بعض شراحه فدل ذلك على ان الدكتور طه حسين لم يكلف نفسه البحث عن الشروح التي ذكرها ابن خلدون لهذا الكتاب كما لم يكلف نفسه سؤال بعض طلبة مذهب مالك عن وجود مختصر فقهي لابن الحاجب مع شهرة هذا الكتاب بين الطلبة في المشرق والمغرب مثل شهرة الاجرومية بالنسبة للمبتدئين في دراسة علم النحو.
وفد تذرع الدكتور طه حسين بانكار هذا الكتاب الفقهي المحسوس الى شيوخ ابن خلدون الذين يريد فيلسوف الاجتماع ابن خلدون ان لا يظهروا اقل من شيوخ الازهر حتى يكون تلميذهم انب خلدون في المستوى العلمي الرفيع.

قال الدكتور طه حسين في كتابه "فلسفة ابن خلدون الاجتماعية" ترجمة الاستاذ محمد عبد الله عنان طبعة الاعتماذ : ولم يقتصر ابن خلدون على ذكر اساتذته منذ استطاع الذهاب الى المدرسة الذهاب الى المدرسة بل قدم لنا لمحة مختصرة عن حياتهم واعمالهم ومبلغ تبحرهم في المواد التي درسوها وفي ذلك شيء من الزهو اذ يريد ابن خلدون ان نفهم ان في وسعنا ان نثق بكفاية اولئك الذين كونوه سيما وانه يصر دائما على ان يتخذ لنفسه صفة استاذ قائق الرسوخ في العلم والعرفان.
ويذكر لنا في مقدمته ان الكتب التي درسها في حداثته وصباه كانت نادرة في تونس، وهذا هو السبب في عددها بالتفصيل لاسيما وانه كتب ترجمة حياته في القاهرة حيث كان من المحتوم عليه ان لا يبدو اقل شانا من منافسيه اساتذة الازهر...
ثم قال الدكتور طه حسين معقبا على ابن خلدون بيد انه يجب ان نرتاب قليلا في تلك التفصيلات، وقد امدنا ابن خلدون نفسه بداعي ذلك الريب فهو يقرر لنا مختصر ابن الحاجب (1175 – 1249) كان من بين الكتب التي يقول انه درسها في تونس، وبعده صمن كتب الفقه المالكي في ترجمته وفي مقدمته، قال : مع ان مختصر ابن الحاجب ليس كتاب فقه بل هو كتاب في "اصول الفقه" وهو مؤلف جم الانتشار لا يزال يدرس في الازهر حتى يومنا هذا ومؤلفه مالكي المذهب ولكنه لم يقتصر على الكلام على فقه المالكية بل شرح مباديء التشريع في المذاهب كلها وهو علم خاص انتهى نص كلامه.
وهكذا ينكر الدكتور طه حسين وجود كتاب محسوس ومقروء ومشروح امتلات به المكاتب وعقدت فيه المجالس العلمية في المشرق والمغرب واني اريد ان اثبت وجود مختصر ابن الحاجب الفقهي بكلام علماء مصر انفسهم قبل غيرهم.
جاء في كتاب الديباج لابن فرحون عند كلامه على ابن المنير ان الشيخ عز الدين بن عبد السلام قال : الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيهما ابن دقيق العبد بقوص وابن المنير بالاسكندرية، كما ذكر ان لابن المنير تفسير القرآن، ثم قال : وذكر في ديباجة تفسيره انه لم يجتمع بابي عمر ابن الحاجب حتى حفظ مختصره في الفقه ومختصره في الاصول واجازه ابن الحاجب بالافتاء. وذكر ابن فرحون ايضا في ترجمة محمد بن راشد القفصي ما ياتي : وكان – أي ابن رشد – يحضر عند الشيخ تقي الدين ابن دقيق العبد في اقرائه مختصر ابن الحاجب الفقهي.. كما ذكر لابن راشد تاليفه كتاب الشهاب الثاقب في شرح مختصر ابن الحاجب الفقهي. انتهى.
ولما ذكر ابن فرحون في كتابه الديباج في ترجمة ابن الحاجب ضمن تآليفه كتابه الجامع بين الامهات في الفقه قال وقد بالغ الشيخ تقي الدين ابن دقيق العبد رحمه الله تعالى وهو احد ائمة الشافعية في مدح هذا الكتاب في اول شرحه له وكان قد شرع في شرح على طريقة حسنة من البسط والايضاح والتنقيح وخلاف المذهب واللغة والعربية والاصول فلو تم هذا الشرح بلغ به المالكية غاية المامول ومما ذكره في مدح الكتاب ان قال هذا كتاب اتى بعجب العجائب ودعا قصي الاجادة فاجاب، وراضى عصي المراد فازال شماسته وانجاب وابدى ما حفه ان يبالغ في استحسانه، وتشكر نفحات خاطره ونفثات لسانه فانه رحمه الله تيرت له البلاغة فتقيا ظلها الظليل، وقام بوظيفة الاجاز فناداه لسان الانصاف ما على المحسنين من سبيل. انتهى.
ونقل ابن فرحن في ترجمة ابن الحاجب ايضا عن كمال الدين الزملكاني الشافعي المشهور قوله : ليس للشافعية مثل مختصر ابن الحاجب للمالكية. ثم قال ابن فرحون : وقد اعتنى العلماء شرقا وغربا بشرح هذا الكتاب. وقال بعد ذلك : وقد صنف – أي ابن الحاجب – مختصرا في اصول الفقه ثم اختصره، والمختصر الثاني هو كتاب الناس شرقا وغربا.
ومن الغريب ان ابن خلدون عقد فصلا في مقدمته لعلم الفقه وما يتبعه من الفرائض فذكر مختصر ابن الحاجي الفقهي وان ناصر الدين الزواوي هو الذي جلبه للمغرب وذكر شراحه من اهل تونس ابن عبد السلام وابن رشد وابن هرون فلم يكلف نفسه الدكتور طه حسين صاحب البحث العلمي في فلسفة ابن خلدون السؤال عن شراح هذا الكتاب الذي ينكر وجوده وزيادة على شروح اهل تونس شرحه ايضا خليل ابن اسحاق من اهل مصر شرحا سماه التوضيح ذكر الشيخ احمد بابا السوداني في كتابه نيل الابتهاج في ترجمة خليل عن ابن مرزوق العالم المشهور قوله : ومن تصانيفه  أي تصانيف خليل- شرحه على ابن الحاجب شرح مبارك تلقاه الناس بالقبول وهو دليل على حسن طويته يجتهد في غزو الانفال ويعتمد كثيرا على ابن عبد السلام ومقاله وابحاثه، وهو دليل على علمه بمكانه ارجل وانما يعرف الفضل من الناس ذووه. انتهى.
واظن انه لا محل لانكار وجود كتاب مختصر ابن الحاجب الفقهي بعد هذا فلننتقل الى شيوخ ابن خلدون.


هل علماء شمال افريقيا دون علماء مصر في القرن الثامن
ان هذه القضية تحتاج الى دراسة عميقة لاتباتها او نفيها وتهم اهل الشمال الافريقي كله ولكن الدكتور طه حسين يريد ان ينفي عن استاذه ابن خلدون مساواتهم لعلماء الازهر باسطر جافة حيث يقول عن ابن خلدون وشيوخه : قدم لنا لمحة مختصرة عن حياتهم واعمالهم ومبلغ تبحرهم في المواد التي درسوها وفي ذلك شيء من الزهو اذ يريد ابن خلدون ان نفهم ان في وسعنا ان نثق بكفاية اولائك الشيوخ الذين كونوه وانه يصر دائما على ان يتخذ لنفسه صفة استاذ فائق الرسوخ في العلم والمعرفة والعرفان الى ان يقول حيث كان من المحتوم عليه ان لا يبدو اقل شانا من منافسيه علماء الازهر".
وهذه الدعوى من الدكتور طه حسين تحتاج الى ادلة مقنعة لان علماء شمال افريقا يطاولون علماء مصر وغيرها بمعلوماتهم مؤلفاتهم في القرن الثامن والذين ذهبوا الى الشرق وناظروا علماءه كثيرا ما يبرزون عليهم ابن خلدون نفسه له تلاميذ في المغرب فهذا محمد بن احمد الوانوغي التونسي قال جلال الدين السيوطي حسب نقل كتاب نيل الابتهاج للشيخ احمد بابا السوداني كان عالما بالتفسير والاصلين والعربية والفرائض والحساب الجبر والمقابلة والمنطق ومعرفته بالفقه دون ذلك ولد سنة 759هـ بتونس ونشا بها وسمع من مسندها ابي الحسن ابن ابي العباس البطروني خاتمة لاصحاب ابن الزبير بالاجازة وسمع ايضا من ابن عرفة واخذ عنه الفقه والتفسير والاصلين والمنطق وعن ابي زيد ابن خلدون الحساب والهندسة والاصلين والمنطق والنحو عن ابي العباس القصار وكان شديد الذكاء سريع الفهم حسن الايراد للتدرس والفتوى واذا راى شيئا وعاه وقرره وان لم يعتن به له تاليف على قواعد ابن عبد السلام وعشرون سؤالا في فنون العلم شهد بفضله بعث بها للقاضي جمال الدين البلقيني فاجاب عنها فرد ما قاله قال لسيوطي وقد وقفت على الاسئلة واجوبتها دون الرد. انتهى.
كما نقل السوداني قول الحافظ بن حجر في هذا الوالوغي : عنى بالعلم وبرع في الفنون مع الذكاء المفرط وقوة الفهم حسب الايراد كثير النوادر المتظرفة كثير الواقعة في اعيان المتقدمين وعلماء العصر وشيوخهم شديد الاعجاب بنفسه والازدراء بمعاصرته فلهجوا بذمه وتتبعوا اغلاطه وله انتقاد على قواعد ابن عبد السلام ثم اقام بمكة فجاور مقبلا على الاشتغال والتدريس ولافادة اجتمعت به بالمدينة وله اسئلة كتب بها للجلال القاضي البلقيني فاجابه عنها وكان بعيب الاجوبة.
ولنستمع الى الحافظ ابن حجر ايضا وهو من اكبر علماء مصر او اكبرهم عللا الاطلاق صاحب "فتح الباري على صحيح البخاري" كيف تلمذ على عصري ابن خلدون محمد بن عرفة وطلب منه الاجازة وشهد له بالمهارة في فنون العلم قال فيه : شيخ الاسلام بالمغرب سمع من ابن عبد السلام وابن سلامة وابن بلار واشتغل ومهر في الفنون واتقن المعقول حتى صار المرجع في الفتوى اليه ببلاد المغرب معظما عند السلطان فمن دونه مع دين متين وصلاح له تصانيف منها المبسوط في سبعة اسفار الا انه شديد الغموض ونظم قراءة يعقوب وكتب لي حطه لما حج بعد التسعين وعلق عنه بعض اصحابنا كلاما في التفسير في مجلدين كثير من الفوائد كان يلتقطه في حال قراءتهم عليه وبدونه اولا فاولا وكلامه دال على توسع في الفنون واتقان وتحقيق.. انتهى كسلام الحافظ ابن حجر وهو اعظم شهادة لشيخ علماء المغرب في وقت ابن خلدون وقال ابن ظهيرة في شيخه ابن عرفة لم يكن بالمغرب من يجري مجراه فرد عليه الشيخ السوداني قوله بوجود امثاله بالمغرب الاوسط والاقصى والاندلس مثل الامام الشريف التلمساني والمقري والعفباني وابن لب والشاطبي والقباب فلينظره من اراد ذلك في ترجمة ان عرفة في نيل الابتهاج وكتاب الحدود لابن عرفة مشهور شرحه تلميذه الرصاع وهو شاهد بتضلعه في المعقول..
وللامام ابن عرفة كثير من التلاميذ لهم مؤلفات، فهذا لابي شارح الامام مسلم والبرزلي صاحب  الفتاوي وهما من انجب تلامذته، قال السوداني في ترجمة الابي : ويذكر ان الامام ابن عرفة ليم على كثرة الاجتهاد وتعبه نفسه في النظر فقال : كيف انا؟ وانا بين اسدين : الابي يفهمه وعقله، والبرزلي بحفظه ونقله.. ومن المناسب ان تذكر هنا عالمين كان شيخين للمالكية بمصر والشام وهما من شمال افريقيا من المغرب وتونس، قال ابن فرحون في الديباج ص 372 مطبعة السعادة سنة 1392 محمد بن عمران ثم قال : ويعرف بالشريف الكركي ويلقب شرف الدين الامام العلامة المتفنن ذو العلوم شيخ المالكية والشافعية بالديار المصرية والشامية في وقته يقال انه اتقن ثلاثين فنا من العلوم واكثر من ذلك بل قال الامام العلامة شهاب الدين القرافي انه تفرد بمعرفة ثلاثين علما وحده وشارك الناس في علومهم. قدم من المغرب فقيها بمذهب مالك وصحب الشيخ عز الدين ابن عبد السلام وتفقه عليه مذهب الشافعي وتفقه على الشيخ الامام ابي امحمد صالح فقيه المغرب في وقته واشتغل عليه الشهاب القراقي ومولده بمدينة فاس وتوفي بمصر سنة ثمان اوتسع وثمانين وستمائة.
وكذلك الشيخ محمد بن عبد الرحمان الشهير بابن القويع قبل ابن فرحون ص 329 طبعة السعادة ايضا شيخ المالكية بالديار المصرية والشامية العلامة الفريد في الفنون العلم زكي الدين ابو الفضل نزيل القاهرة لم يخلف بعده مثله في فنونه مولده سنة اربع وستين بتونس توفي بالقاهرة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة انتهى.
ولنكتف بهذه النظرة الخاطفة على بعض شيوخ المغرب وان كتاب الديباج لابن فرحون وكتاب نيل الابتهاج للشيخ احمد بابا السوداني فيهما كثير من علماء المغرب العربي الدين كانت لهم مكانة كبيرة بين علماء الشرق الذي راحوا اليه وهم علماء فليرجع اليهما من يريد التوسع في معرفة علماء المغربي العربي عموما حتى يزداد يقينا بان مال يرمي اليه الدكتور طه حسين جزاف من القول لا يناسب البحث العلمي سواء في رسوخ ابن خلدون في معلوماته او في مقدرة شيوخه والله يهدي الى الحق من يريده.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here