islamaumaroc

من أهم أولياء الله ؟

  دعوة الحق

العددان 151 و152

سئل رسول الله صلى الله علي وسلم من هم اولياء الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " الذين اذا رؤوا ذكر الله(1) وهذا تركيز جامع لكل ما تحتويه الولاية، وما يتميز به الولي من سمات وخصائص تجعل منه عنوانا حيا لدين الله في جلاله وجماله.. بحيث اذا رآه الرائي – ايا كان ذلك الرائي – وراى ما تقمص فيه ذلك الانسان المومن من وقار المظهر، وسمت الصالحين، وما يبدر منه من محاسن الاخلاق، وكريم السجايا، وما يتمتع به من زهد في الحرام الى اقبال معتدل نحو الحلال ونحو الاستزادة من زاد التقوى والورع.. والداب على الطاعة في غير مال، وامساك عن الشبهات والمنكرات في غير ضجر... ومعاونة اخوانه على طريق الهداية، وفعل الخيرات في صور الهاديء، المبتسم الطيب النية. السليم الطوية.. اقول : اذ رآه الرائي في ذوب هذه الخلاصة الدينية سابحا، وفي اضوائها المتواكبة سائحا.. ذكر الله تعالى جمل عباده بهذا الجمال، وافاء عليهم ذلك الكمال بما ارشدهم اليه من تعاليم وفضائل تضمنها كتابة المنزل، وشرعه المحكم، وسنة نبيه الهادية الى الحق والى طريق مستقيم.. وحين يذكر الله برؤية ذلك الولي الحميم وما هو تلقائيا الى المحاكاة والتشبه، ويميل بفطرته الى التقليد والتمثل اذ الانسان دائما وابدا مفطور على متابعة من يحب، وممالاة من يهوي، ومحاكاة اقرب الصور الى قلبه ووجدانه انسا واعجابا.
وقد اخرج ابو داود تصويرا اخر لجانب اولياء الله الذين تتعدد فيهم صفات الخير، وتتنوع في شخصياتهم الوان البر والمعروف فقال فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا : " ان الله عبادا يغذيهم من رحمته، ويحييهم من عافيته، واذا توفاهم الى جنته وهم الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل وهم منها في عافية".
فاذا كانت صفة الولي الاولى تحكيها شخصيته المرئية، واعماله الايجابية.. فان صفته الثانية التي رواها ابو داود تبرز ان الولي له سلبية من مواقف الشر والفتنة، وانزواء عن مواطن الشبهة والريب، واحتماء بمنزله ودينه وعزوفه عن المتاع الزائل والحطام الحائل عن كل ما يزيد المسلمين شرا الى شرهم، واضطربا الى جانب اضطرابهم.
وقد بين علماء التوحيد طبيعة الولي في صورة اجمالية جامعة ليس لها ذلك التفصيل المقنع الذي تكلفت به السنة الشريفة.. فيقول صاحب الجوهرة في تعريفه للولي : "هو العارف بالله تعالى وبصفاته حسب الامكان، المواضب على الطاعات، المجتنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات، والشهوات المباحة، فهو من تولى الله امره، فلم يكله الى نفسه، ولا الى غيره لحظة... او هو الذي يتولى عبادة الله تعالى وطاعته، فعبادته تجري على التوالي من غير ان يتخللها عصيان، وكلا المعنيين واجب تحققه حتى يكون الولي عندنا وليا في نفس الامر.."
واذا ما يممنا وجوهنا قبل القرآن الكريم وما فيه من تخطيط محكم للاولياء وجدنا الآية الكريمة من سورة يونس تقول : "الا ان اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنو وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم". ومع ان الآية الكريمة وضعت ركيزتين هامتين في معنى الولاية وهما : الايمان والتقوى.. ان الصحابة رضوان الله عليهم قد تناولوها بالبيان والايضاح.. كل حسب ما توفر له من علم، وما تجمع لديه من نظر.. فسعيد بن جبير يقول : هم اصحاب السمت والهيئة الطيبة، وابن عباس رضي الله عنهما يقول : هم اصحاب الاخبات (أي التواضع) والسكينة، وقيل : هم المتحابون في الله، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ان من عباد ما هم بانبياء، ولا شهداء يغبطهم الانبياء وشهداء يغبطهم الانبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله تعالى قالوا : يارسول الله.. خبرنا من هم وما اعمالهم؟ فلعلنا نحبهم، قال : هم قوم تحابوا في الله على غير ارحام بينهم، ولا اموال يتعاطونها، فوالله ان وجوههم لنور، وانهم لعلى منابر من نور.. لا يخافون اذا خاف الناس، ولا يحزنون اذا حزن الناس ثم قرا قوله تعالى : الا ان اولياء الله... الآية".
والبشرى التي وعد الله تعالى بها الاولياء في محكم قرآنه ثلاث بشربات : اولهما : (كما قال الزمخشري في كشافه(2) وما وعد به عباده المؤمنين في غير موضع من القرآن من النصر والتاييد والتثبيت والمعيشة الحسنة والحياة الطبية والتوفيق في كل ما ياتون، وما يذرون من اشيائهم.. قيل هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل، او ترى له كما ورد تفسير ذلك عنه صلى الله عليه وسلم : "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات" ويعني بها الرؤيا الصادقة التي توميء الى ما سوف يحدث في مقتبل الايام من مسرة فتكون تعجيلا بها.. او مساءة فتكون انذارا لها، وقيل هي محبة الناس والذكر الحسن كما قال ابو ذر رضي الله عنه "قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : - الرجل يعمل العمل لله فيحبه الناس فقال : تلك عاجل بشرى المؤمن"..
اما البشرى الثانية التي يبشر بها ولياء الله فهي كما قال عطاء : ما تكون ساعة الاحتضار وحضور الموت حيث تاتيهم الملائكة بالرحمة وهم احوج ما يكونون اليها مصداقا لقوله تعالى : "تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن اولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.."
واما الثانية فهي ما تتلقاهم به الملائكة حين بعثهم من قبورهم حيث يسلمون عليهم ويبشرونهم بالفوز والكرامة، وما يرونه بعد ذلك من بياض وجوههم، واعطائهم كتبهم بايمانهم وما يقرءون فيها من حسنات تطيب لها النفس، وتقر بها العين، وما يستتبع ذلك من مواقف التكريم والامن والفوز المبين.. وايا ما كانت بشارة من البشارات الثلاث فهي تتلاقى مع لداتها في انتقاء الخوف والحزن عنهم، سواء في دنياهم.. او عند مفارقتهم لها.. او عودتها تارة اخرى بعدها.. وهو ما يشير له استفتاح الآية يستحق ان تلفت اليه الانظار وتوجه له البصائر والابصار.. لانه امر له صفة التاكيد والشمول.. ولاسيما وان آخر الآية قد زادها بيانا وايضاحا بالنص على تعجيل البشرى في الحياة الدنيا، وتاجيل بشرى اخرى الى الدار الآخرة..
.. على ان القرآن الكريم لم يترك الايمان والتقوى اللازمين لخلع الولاية على صاحبها حتى بينهما بشرائطهما ومقوماتهما بدون لبس او غموض..
ففي الايمان الحق تحدث سورة الانفال ووضحت مفهومه، ووضعت النقط فوق الحروف حيث يقول تعالى " انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم، واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا، وعلى ربهم يتوكلون، الذين يقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون، اولئك هم المؤمنون حقا، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم".

فالايمان المذكور في صفة اولياء الله تعالى ليس مطلق ايمان والا لكان لكل مؤمن ايمان ما منه نصيب، ولكنه ايمان من نوع معين له خمس مميزات تؤكد فيه معنى الحقبة والخلوص، والصدق والثبوت :
اولها : الفزع حين سمع ذكر الله استعظاما لشانه، وتخوفا من بطشه، واشفاقا من مواقعة عدابه ومقته.. وهذا نوع من الذكر يستدل به على رقة القلب، وحياة الضمير.. وهناك نوع من الذكر يعقبه لين في الجلود، واطمئنان في القلوب لانه خاص باستحضار رحمته ولطفه، ومنه وعفوه وكرمه.. فالوجل المشروط في توفر صفة الولاية هو الخوف الشديد والرهبة الحادة وقد فسرته ام الدرداء لمن سالها عنه بقولها : "الوجل في القلب كاحتراق السعفة، اما تجد له قشعريرة..؟ قال : بلى.. قالت : فادع الله يذهبه، ويظهر اثر ذلك في التطبيق العلمي لمتطلبات الايمان.. فالرجل الذي يهم بمعصية او تسنيد به رغبة في الظلم والتعدي فيقال له : اتق الله.. ينزع في الحال، وتخور قواه حين يتذكر قصاص الله وعقابه.
والثاني من مميزات ايمان الولي : انه حين يسمع آيات الله تتلى عليه يعمل فيها فكره، ويجيل فيها قداح رايه ويتلقها بتامل وتدبر في العواقب.. يفيض عليه قوة في يقينه، ورسوخا في ايمانه لان تضافر الادلة اقوى للمداول عليه، واثبت لقدمه.. او انه حين يستمع الى الذكر الحكيم يزداد في الاعمال الصالحة، والميزات المتجددة والايمان له فروع كثيرة، وجوانب متعددة كما قال ابو هريرة فيما رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم : " الايمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الايمان"(3).
وهذا التوجيه القرآني الكريم يهدينا الى امثل الطرق في استماع القرآن والتادب في مجلسه، والا نقابله بالضجيج والعجيج، والصياح والاستحسان لصوت القارئين، واستملاح الالحان.. حتى تفوت الآيات على الاسماع بدون اثر يذكر، او وعظ يبقى، او تادب ينتفع به، وقد استنكر انس بن مالك هذا اللون وقال : "ما هكذا كانوا يفعلون" وعن مالك واحمد انه كان لا يعحبهما القراءة بالالحان ولئن كان بعض العلماء والفقهاء لا يرى باسا في التطريب وتحسيت الصوت حين التلاوة لكن بشرط التادب والخشوع والانتفاع بما يتلى.
الميزة الثانية للاولياء : التوكل على الله أي يفوضون امرهم اليه وحده بعد مزاولة الاسباب المعقولة، ومسايرة الحياة في تطورها وانفتاحها بصورة مرنة قاصدة.. فان تحقق بعد ذلك الهدف كان ذلك من فضل الله الذي يستوجب الشكر والثناء عليه بما هو اهله، وان تخلف الهدف بعد ممارسة سببه كان ذلك من قدر الله الذي يعلو على الافهام ادراك حكمته، فليسلم المسلم وليصبر وليؤمن بالقضاء والقدر حلوه ومره. خيره وشره.
الميزة الثالثة : اقامة الصلاة واكمال آدابها وخشوعها وخضوعها، اسباغ وضوئها واستحضار معاينها ومغازليها حين التلبس بها والمحافظة عليها.
الميزة الرابعة : الانفاق من المال الذي استخلفه الله فيه، "وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه"، "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم".
واما التقوى.. فقد بينها القرآن الكريم في قوله تعالى "يا ايها الذين امنوا اتقوا الله حق تقاته" وحق التقاة كما في تفسير الكشاف : "القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات.. وهو مثل قوله تعالى في آية اخرى : "فاتقوا الله ما استطعتم" أي بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع شيئا، وقد فسر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ذلك بقوله : "هو ان يطاع الله فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى"، وروي مرفوعا الى الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان التقوى الحقة : "الا تاخذه في الله لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على نفسه او ابنه او ابيه" وقيل : لا يتقي الانسان ربه حق تقاته حتى يخزن لسانه، وعلى العموم فالتقوى المثالية من الكلمات الجامعة التي لم يرد في الشرع تفسير حاصر لمعانيها في كلمات محددة، او مفاهيم ذات ابعاد واضحة.. ولعل الحكمة في تركها هكذا هي فتح المجال امام كل مجتهد لكي يجول ويصول في البحث عما من شانه ان يتناسب مع جلال قدرها وبعد شاوها وفسيح مداها، وبذلك يتصون المؤمن التقي من كل شبهة، ويبتعد عن ربية، فلا يعلق بثياب تقواه ذرة من دنس، ولا درنة من اتهام وشك فيسلم له عرضه وشرفه، ويكمل له دينه ودنياه.
وهكذا نرى اولياء الله الذين قال فيهم في حديثه القدسي : (من عادي لي وليا فقد آدنته بالحرب" يتمتعون بخصائص ومميزات من الميسور معالجتها، والسير على دربها، والنسج على منوالها.. فهي ليست وراثة تنتقل بين الاصلاب والتراب، وهي ليست احتكار على عنصر او لون او طائفة.. وانما هي ملك مشاع وحق مباح بين كل الاجناس والالوان، وفي سائر البقاع والاصقاع، وهي لا تقتضي صاحبها اكثر من ان يكون صادق الايمان، حي الضمير، يحافظ جد المحافظة على اهم اعمال الجوارح وهي الصلاة والزكاة، ويحرص كل الحرص على دعم جانب الصلة بالله تعالى بملء فلبه خشية ورهبة من الغد المنتظر وما ينطوي فيه من مفاجئات مخبوءة، واهوال مستورة.. وان يشغل بذلك قلبه الشغل كله ولا يقتر عنه في صبحه وامسائه.. في فراغه وشغله، في شبابه وهرمه.. فاذا ما تشبع قلبه بالخشية والخوف تحول شعوره الى وجل وذعر كلما طرق سمعه ذكر الله، او مر بخاطره امر الله، ومن شان هذه الحال ان تولد بطبيعتها حالا اخرى هي الانتفاع والاستزادة الذاتية من كل ما يتلى من كتاب الله عليه بحيث يحسن بعد السماع انه خير منه قبله، وانه اكثر حصيلة من العلم والفهم للدين والمثل العليا.. فيخضع لله في كل شان من شؤونه ويعمل عملا صالحا جادا تاركا ثمرته ونتيجته الى الله تعالى يصرفها بحكمته، ويوليها رعايته مؤمنا بان ما اصابه لم يكن ليخطئه وما اخطاه لم يكن ليصيبه.. واذا وصل الولي الى هذه الدرجة من التسامي في الدين والتعمق في التقوى فانه لابد وان يحافظ على قوام صلاته ويبث فيها من وعيه وحضور قلبه، واهتمام جوارحه ما يجعلها حربة بالقبول ان رفعت الى الله وانفتحت ابواب السماء امامها حين تنتهي الى ساحة الفضل والكرم.. ولا بد ايضا ان يحفظ للفقير والمسكين حقه في ماله ويبرا من حقوق الناس براءته من الكفر، ويعلم ان المال مال الله، والملك ملك لله.. وانه لا يعطي الناس في الحقيقة من ماله الخاص، وانما من مال الله الذي بيده ملكوت السموات كل شيء وهو على كل شيء قدير.. ولن تكون هذه الصفات الاسلامية الاصلية مجتمعة الا متوحدة في كلمة لا ثاني لها هي "التقوى".

1) رواه سعيد بن جبير كما في الكشاف ج 1 : 425.
(2) ج 1 : 425.
(3) أخرجه البخاري.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here