islamaumaroc

نقد تحليلي لنظرية البدو والحضر في فلسفة ابن خلدون

  دعوة الحق

العددان 151 و152

قد يكون ابن خلدون من المفكرين البارزين في تحليل التاريخ، ومحاولة وضع اسس علمية ثابتة تفسر حركة التاريخ، ونشوء المجتمعات والقوى المعنوية الى تحرك الاحداث، وتكمن وراء التقلبات، ولاشك ان تجربته الفكرية والسياسية ومعاناته للحكم وقضاياه، وتقلبه بين الخوف والرجاء والانتصار والهزيمة، والنجاح والاخفاق، كما اسفاره العديدة، ومغامرته العنيفة، كل ذلك مكن من رايه، واغنى من تجربته، وجعله ذا قدرة على تحليل (الحديث) وتركيبه من جديد، وكانه العالم في مخبره يتقفى المواد المختلفة محللا ومركبا ليعرف شانها واثرها..
ومعرفة الفكر الخلدوني تحتاج الى نفس هذه العمليات حتى يعرف الناقد اغراضه ومقاصده واهدافه ويستطيع ان يدرك حقيقة الاصطلاح اللغوي الخلدوني دون ارتياب او تشكك...
وقد يكون عصر ابن خلدون (وهو القرن السابع الهجري) مما ساعده على استيعاب موضوعه، لان هذا القرن يعتبر عصر الانهيار العام للعالم الاسلامي، وذلك ما اعطى لابن خلدون نظرة متكاملة، وافقا واسعا لاحكامه، فقد كان كالطبيب الذي لا يمكن ان يدرك قوة الجسم الانساني، الا بعد ان يجتاز مرحلة تقصي الطفولة والشبيبة والكهولة، الى الشيخوخة حتى يكون نظرة كاملة على نشوء الخلايا ونموها وتلاشيها، وهذا ما جعل ابن خلدون ذا احكام وآراء تستند الى الحجة التاريخية بخلاف كثبر من المؤرخين من قبله، الذين كانوا اقل استيعابا لكل جوانب الموضوع، لانهم لم يشاهدوا الشمس لدى افولها حتى يعرفوا كل التطورات والتغيرات في البنية الاجتماعية.
ولعل آراء ابن خلدون كانت في عصره تمس مختلف البنيات الاجتماعية التي عاصرها سواء في الشرق او الغرب، كما ان اطروحة ابن خلدون كانت تعني في الواقع اسباب انهيار العالم الاسلامي كله، الذي كان يعيش في مجموعة من الدول والامم، لا تختلف نشاتها عن بعضها اختلافا جوهريا، غير ان النظريات الخلدونية اعتمدت التحليل الفلسفي فقط، وبذلك اعطت كل تفسير للمعاصرة، وبقيت مقيدة بقيود الفكر المنطقي الضيق، فلم تتجاوز الحدود الفكرية الى الافترضات التي لا بد من التسليم بها لاحتمال التطورات غير المنتظرة عبر التاريخ.
كانت انطلاقة ابن خلدون في تفسيراته التاريخية من تحليله الواقعي المادي في (الباب الثاني) حول العمران البدوي، والامم الوحشية والقبائل وما يعرض لذلك من الاحوال، وفيه عدة فصول يتحدث في الفصل الاول عن اجيال البدو والحاضرة، ويركز ابن خلدون اسبقية (البادية) على (الحاضرة) في الفصل الثالث لان البدو يقتصرون على الضروري بخلاف الحضر، ويستعمل ابن خلدون كلمة العرب بمفهوم (البدو) فيقول في  الفصل الثاني (ان جيل العرب لا بد منه في العمران)، وبهذا يظهر مقصد ابن خلدون من استعماله لهذه الكلمة التي اثارت عدة تاويلات، بالاخص عند اعداء العرب الذين حرفوا الاصطلاح الخلدوني الى مفاهيم عرقية..
وبعد ان يحلل ابن خلدون حقيقة البداوة وما يعرض لها من تطور باختلاف بيئتها وموقعها الجغرافي في بادية صحراوية تعنى بتربية الابل الى بادية تعنى بالشاء الشاوية، الى غير ذلك، ويحلل انعكاس الحياة المادية الاقتصادية على الاخلاق البشرية، فيرى في الفصل الرابع ان اهل البدو اقرب الى الخير من اهل الحضر، واقرب الى الشجاعة ايضا لتوحشهم وبعدهم عن الحامية، لان معاناة اهل الحضر لاحكام معيدة للباس فيهم ذاهبة للمنعة منهم.
وياتي ابن الازرق في كتابه بدائع السلك ليخلص في (السوابق الاولى) من (المقدمة الاولى) كل اراء ابن خلدون، ملاحظا على ابن خلدون في (السابقة الخامسة) ان لاهل الحضر مزايا اخرى، ذاكرا ان للحضري من الفضل على البدوي ما لا يخفي (وانما راي ابن خلدون) باعتبار ما يعرض من الشر بالقصد الثاني..
ويهدف ابن خلدون من وراء هذه المقامات عن البداوة الى تركيز فكرة العصبية التي لا تحصل الا بالتحام نسب وقوة القبيلة.
.. وقد ظلت الفكرة الخلدونية صالحة لتحليل الاحداث التاريخية الى ما بعد عصره بكثير... بل ظل المستعمرون يستوحون من آراء ابن خلدون ما يساعدهم على فهم القبائل المغربية سواء في المغرب او في الجزائر او في تونس، مما جعل جورج ماسي يقول في كتابه (عن العرب والبربر) بان تاريخ المغرب هو تاريخ بواديه نفسه، كما يظهر في كتاب مارتي (عن العرب والمخزن) وكتاب فرنسي وغير هؤلاء اثر تحليل التاريخ واحداثه المعاصرة على اساس دراسة للمجتمع البدوي والقبائل وتاثيرها في الحواضر المغربية..
ولست في هذا البحث المقتضب بصدد البحث عن آراء ابن خلدون في البدو والحضر ولا عن اثرها في التاريخ، ولا عن الذين تابعوا هذا البحث بالتحليل كما لست بصدد البحث عن مفهوم الحاضرة عند ابن خلدون.. وانما اريد ان اذكر ما كان يفترضه ابن خلدون كعملية حتمية من استمرار الحوار الدائم بين البادية والحاضرة في حلقة دائرية، حيث تنشا القبائل وتنمو، وتعصوصب، ثم تلقح بايديولوجية او مذهب لتغزو المدينة فيستولي على الحضر، وتقيم الدول، واخيرا تاخذ في الانهيار لتنمو في البادية قبائل اخرى تمثل نفس هذا الدور، لا على اساس دخول البادية الى الحاضرة، وهجرة الحاضرة الى البادية في عملية تسرب تدريجية... ترى هل للتحولات الاقتصادية المعاصرة من ابعاد على فلسقة ابن خلدون؟... ان التطورات المختلفة التي عاصرت التقنية) والتطور العلمي جعلا كثير ما اريق من مداد في هذه الموضوعات لا يثبت امام الاحداث المعاصرة ولا يستطيع تفسيرها او تحليلها، نظرا لما لهذا الطور من تاثير عميق في تغيير مجرى التاريخ واحداثه وتطوراته...
واذا كان التاريخ هو الحوار الدائم بين الانسان وعقله ووجدانه وما يحيط به من مؤثرات مادية، فان هذا التاريخ في تحول دائم كلما اختلفت نسب عطاء البيئة حتى يعطي الانسان من ذكائه ما يعوض له الخصاص فيعادل دائما بين الحاجات والامكانات ولهذا فان الانسان في الصحراء ليتجاوب مع البيئة القاحلة يستغل (الجمل) لينقله بين الواحات كما تنتقل السفن بين الجزائر في اعماق البحار، وتتعلق عينه مشدودة الى السماء ليستطلع الانواء ويتتبع آثار الغيث والكلأ... فاذا اشتد الجذب  ففى وجدانه من الحساسية ما يربطه بالغيب داعيا متبتلا وهذا التحدي الصارخ لقلة الماء اكسبه تلك الميزات الخلقية من شهامة وصرامة وصدق ورهافة احساس وشاعرية.. وهذا يفسر لنا ما نجد في تاريخ العرب من حروب تنشب لاسباب نعتبرها واهية في عصرنا، كحرب البسوس، والحرب بين قبيلة الشاعر عمرو بن كلثوم، فما اشبه (بترول) اليوم (بماء) امس !
ان التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في عصرنا جعلت احكام ابن خلدون (الحتمية) مجرد آراء تاريخية، اذ ان المواصلات الحديثة التي ربطت بين اطراف المعمور، وانتشار التعليم، ومقاومة الامية، وربط المدينة بالقرية بمختلف وسائل المواصلات مكنت كل مدينة وقرية في العالم المعاصر بالوفر الغذائي بجميع اشكاله والوانه كالمربيات والمعلبات، والميبسات، فما ابعد شبح الجفاف والمجاعة.. كما ان الاتصال المستمر بين المدينة والقرية بالقطار والسيارة وغير ذلك... فتحطمت الاسوار، واقيمت وحدة بين المدينة والقرية، بالاضافة الى تطور فن العمران وتوسع مجالات البناء، وتهجير المصانع الى البادية لمقاومة (الثلوث الهوائي) وانتشار المدارس الاولية والثانوية، واستيعاب الجامعات للمتفوقين، والاذكياء من مختلف السكان..
كل ذلك غير البينة الاجتماعية لتصبح الوحدة كاملة بين البادية والحاضرة وبالتالي تتغير الاسس التي بنى عليها ابن خلدون فلسفته في البدو والحضر، والعصبية والدعوة.
وينتج عن ذلك تحطيم فكرة (البادية) اساسا، وما يتبعها من فكرة العصبية والدعوة نظرا لتغير الاساليب السياسية عما مضى الى مجالس قروية وحضرية، وبرلمانات تستوعب مختلف السكان... وهكذا فكت القيود (الحتمية) في التفكير الخلدوني، وانتهت العصبية الخلدونية لتحل محلها عصبيات جديدة ذات طبيعة خاصة واهداف مغايرة، وقد اصبح اليوم من الغلط ان نعمد الى الاستدلال بآراء ابن خلدون في تحليل الاحداث المعاصرة وتفسيرها رغم ان ذلك يبدول لاول وهلة ممكنا ومقنعا. غير ان التقصي والتحليل لا يلبث ان يظهر ضعفه امام الاحداث..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here