islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته-15-

  دعوة الحق

العددان 151 و152

معركة المسلمين في خيبر :
قبل ان نجابه بالحجة القاطعة افتراء المستشرقين في قضية غزوة خيبر نود ان نلقي نظرة تاريخية نعرض فيها الظروف الحرجة التي عمل اليهود على خلقها لعرقلة المد الاسلامي، وخنقه في مهده.
لما حل الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة، واعلن انشاء الدولة الاسلامية ذات الشخصية المتميزة تخوف اليهود من هذا الحدث التاريخي الهام – وخاصة وان احبارهم يعلمون العلم اليقين من كتبهم ان نبيا سيبعث في الجزيرة العربية – فراو فيه خطرا داهما على كيانهم اليهودي الذي طالما حافظوا عليه في المدينة بكل ما اوتوا من قوة على الغدر ومهارة في الخداع وبراعة في السياسة الثعلبية، لذلك فكروا مليا في الامر انقاذا لسلطانهم الاقتصادي ومركزهم الديني فلم يهتدوا الى حل سوى العمل على مشاكة الدعوة الاسلامية يشتى الوسائل المعروفة عنهم كتبييت المؤمرات واختلاف الاكاذيب مؤيدة بنصوص من كتبهم المحرفة، واثارة زوبعات من الشكوك والتفرقة(1) في صفوف المومنين، غير ان رسول الله صلى الله عليهم وسلم عاملهم طبقا لشريعة الاسلام بالرفق والحسنى فامر باحترام شعائرهم ومقدساتهم والتعاون معهم في شتى الميادين كمواطنين، الا ان الجنس العريق في المكايد، الاصيل في الحقد لم يطمئن الى هذا الكرم الاسلامي البهي فاستنكفوا عن ان يرضخوا الى الوضع الجديد الذي جاء يصحح مفاهيمهم الخاطئة حول الانسان والحياة والكون، ويصوب نظراتهم الباهتة نحو الاخلاق والنظم التشريعية المختلفة، ومتى كان اولئك يرضون بذلك وتاريخهم يشهد بصراعهم العنيف مع الانبياء، ودسائسهم ضد الهدي الالهي.
اذن بدافع من هذا الحقد الدفين تعاونوا مع المشركين ضد المسلمين، وقد تالفت قوتهم من بني قيقناع وبني النظير وبني قريظة والخيبريين فيما بعد واذكر هنا بعضا من مكرهم على سبيل المثال لا الحصر.
هذا يهودي يسمى كعب بن الاشرف داب على بث التفرقة بين المسلمين وتصنع البكاء على قتلى قريش من اهل القليب، وحبر قصائد في هجاء المسلمين، ولكن المسلمين انتقموا منه فقتلوه بعد مكيدة، وقبيلة بني قيناع جنت على نفسها بما اصرت عليه من عناد وخبث، وذلك ان امراة مسلمة قصدن سوق اليهود في بني قينقاع ولما جلست عند صائغ يهودي اراد بعض اليهود ان يجبروها على كشف وجهها فابت وفي عفة منها عقد الصائغ اليهودي ثوبها الى ظهرها وعندما نهضت من مكانها انكشفت عورتها فانخرط اليهودي في عاصفة من الضحك فوثب مسلم  على الصائغ فقتله ثم قتل المسلم(2) وبلغ الامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانذرهم مغبة اعمالهم وخرقهم العهود، بيد انهم استخفوا بانذاره ولهذا قرر ان يهاجروا من المدينة اخيرا بعد ان عفا عنهم.
وقبيلة بني النظير حاولت اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذهب اليهم بطلب منهم دية القتيلين العامرين اللذين قتلهما عمر بن امية فجرت له معهم مفاوضة فوعدوه بعدها بالدية وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار حائط ينتظر تنفيذ الاتفاقية فسولت لهم انفسهم الخبيثة قتله وقالوا فيما بينهم لن تجدوا محمدا اقرب منه اليوم، فمن رجل يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه، فقال عمرو بن جحاش بن كعب(3) : انا وفي الحال اوحى الله لرسوله بما يدبره له اليهود فقام مسرعا الى المدينة وحينذاك غزاهم المسلمون واجلوهم.
وقبيلة بني قريظة تعاونت مع المشركين يوم الاحزاب مع بقية اليهود الموتورين مناقضين عهودهم التي قطعوها على انفسهم.
تلك قصة اليهود المخجلة – بكل اختصار – ضد القوة المؤمنة، فعلام يقف المستشرق مرجليوث موقف العداء حيال الغزوات التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاقتلاع الوجود اليهودي ووصفها بانها حروب انتقامية ولصوصية والتاريخ والمنطق يثبت نقيض رايه؟
والله ان اليهود لو نجحوا في محاولاتهم العدوانية ومؤمراتهم الدنيئة ضد الدعوة االجديدة ما تورعوا لحظة عن ارتكاب ابشع الجرائم، وما عاش المسلمون حياة تسودها الحرية والعدالة والمساواة كما عاشوها في ظل شريعة الاسلام.
والحق ان مرجليوث حاقد يضمر في نفسه للاسلام وبنيه بغضا تجذر في اعماقه فلم يقدر على الفكاك منه وهو يكتب عن التاريخ الاسلامي، فضرب عرض الحائط بالحقاق نابذا المنهجية العادلة التي يتعين على المؤرخ التزامها، وبذلك برهن على خيانته للامانة العلمية التي بدونها تبهت مكانة المفكر في اعين المثقفين.
قال مرجليوث مفتريا فقد كان هناك على أي حال سبب ما – حقيقيا كان او مصطنعا – يدعو الى انتقامه منهم، الا ان خيبر تبعد عن المدينة كل البعد عن المدينة كل البعد لم يرتكب اهلها في حقه ولا في حق اتباعه خطا يعتبر تعديا منهم جميعا، لان قتل احدهم رسول الله لا يصح ان يكون سببا يتذرع به للانتقام) ثم يقول ( وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي سيطرت على نفس محمد (عليه السلام) والتي دفعته الى شن غارات متتابعة الخ)(4).
والاجابة عن هذا الافتراء نستقطبها فيما يلي :
بعد صلح الحديبية الذي كان انتصارا خالدا للحركة الاسلامية الناشئة والذي خفيت ابعاده على كثير من الناس اصبح من الضروري ان يهاجم المسلمون خيبر ويجتثون القوة الكافرة منها ما دامت تشكل مركزا مهما لبني النضير المطرودين من المدينة بعد فعلتهم الشنعاء ونكتهم العهد.
وليت بني النظير التزموا الحياد وانزووا في خيبر بعيدين عن المشاغبات مستفدين مما لحق بهم من عار لتبدل موقف المسلمين حينذاك ازاءهم وعاشوا عيشة طيبة لا تنغصها النكسات طبقا للشريعة الاسلامية الخيرة، ولكن الخبث اليهودي هو هو، وآية ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلى بني النضير من المدينة وسمح لهم – وتلك غاية الطيبة – بحمل كل ما يملكون من الاموال والذهب الى منفاهم (خيبر) وقد صحب معه سلام بن ابي الحقيق وحده كمية ضخمة من الذهب والفضة وقال كلمته المشهورة المعبرة عن دخيلة اليهود الخسيسة وروحهم الاقطاعية وولعهم بجمع المال للسيطرة على النفوس المريضة (هذا الذي اعددناه لرفع الارض وخفضها وان كنا تركنا نخلا، ففي خيبر النخل)(5).
وباتت خيبر – وهي تقع في الشمال الشرقي للمدينة وعلى بعد حوالي سبعين ميلا – معقلا خطيرا للقوة اليهودية بعد ان نزل بها بنو النظير يتزعمهم حبى  ابن الخطب وكنانة بن الربيع وسلام بن مشكم وفرضوا عليها سيادتهم بسلاحهم المادي وكانت خيبر من قبل محايدة اربع سنوات من الهجرة.
وفي خيبر تجمعت حشود الماكرين يدبرون المؤمرات لسحق القوة المسلمة في يثرب. من بينها – وهي مهمة – قيام زعماء خيبر بمساع لدى القبائل العربية لتاليبها واغرائها بالرشوة، وذلك ان يمنح اليهود لقبائل غطفان غلة تمر خيبر لمدة سنة، ولقد كان الوفد اليهودي يتالف من حيى بن اخطب وسلام بن مشكم وكنانة بن ابي الحقيق، ونجح اخيرا اتفاقهم مع قريش وغطفان وقرروا الهجوم على المدينة في شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة.
ثم لم يكتف الخيبريون بهذا فقط، بل انهم حرضوا بني قريضة المقمين بالمدينة كمواطنين على نقض العهد والانضمام الى القوات المتحالفة، وكان عدد جيش الاتحاد العربي الوثني اليهودي يفوق بكثير عدة وعددا جيش المسلمين، وبعد هذا وقعت غزوة الاحزاب او الخندق التي وصف الله تعالى هولها بقوله (اذ جاؤكم من فوقكم ومن اسفل منكم، واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون.
هنالك ابتلى المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا)(6).
ورغم هذا التكتل العدائي فشلت خطة المتحالفين لاسباب لا مجال لذكرها ها هنا(7) والمهم عندنا الان هو ان هذا الاجرام الخيبري وغيره تعامى عنه مرجليوث فقلب الحقائق ووصف الصراع مع اليهود بانه انتقامي ومادي، ولا احتاج ان اعيد ما قلته في موضوع الجهاد في الاسلام(8)، وبايجاز فان غزوة خيبر او غيرها لم يكن الهدف منها أي انتقام او مطمع مادي، وانما الهدف بين واضح لمن استعرض آيات الجهاد والاحاديث الشريفة المتحدثة عنه، وهو اعلاء كلمة الله في الارض واعطاء القيادة ليد مؤمنة مخلصة، لذلك لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يجند من تخلف عن صلح الحديبية، ذلك ان من المنتسبين الى الاسلام من تراجع لضعف ايمانه وخوفه الفشل دون احراز مغنم، ونوع هؤلاء المنتسبين له لا يعتمد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حروبه ضد الجاهلية المتسلطة؛ من اجل هذا لم يشارك في غزوة خيبر الا من حضر صلح الحديبية الذي تالقت فيه النفوس المؤمنة تالقا ابرزها في صورة ايمانية فذة قل نظيرها على المدى البعيد للتاريخ البشري الطويل.
وتقدم المسلمون الى خيبر في السنة السابعة للهجرة وهي تحتوي على عشرة آلاف جندي فاستولوا عليها بعد معارك طاحنة – رغم قلة المسلمين – واستسلمت حصونها الواحد ثلو الآخر ثم انتهت الحرب الضروس فتسامح معهم القائد الاعلى عليه السلام واعفى نساءهم واطفالهم من السبى وتركهم بخيبر كاجراء بمزارعها بطلب منهم مقابل جزء من غلاتها، وبجانب كل هذا اللطف في المعاملة فالنفس اليهودية لا يمكن بحال ان تقلع عن جبلتها الخبيثة، اذ حاولت يهودية تسمى زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم باتفاق مع اخوانها اليهود قتل النبي عليه السلام عن طريق دس السم في شاة ذبحتها وطبختها فقدمتها هدية له(9).
وظل اليهود في خيبر الى ان جاء عصر الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فطردهم بعد ان بدرت منهم مؤمرات ضد المسلمين وهم في عيش رغيد تحت لواء الاسلام.
وعلى ضوء ماسبق من عرض للاحداث التي شهدتها الدعوة الاسلامية في صراعها مع العنصر اليهودي تبين بهتان مرجليوث واضحا حليا من الناحية العقلية والتاريخية، ويؤكده اليوم صراعنا الآخر مع  القوة الصهيونية في فلسطين والقدس الشريف وباقي البقاع الاخرى، وانا متاكد ان القضاء على هذه العصابات الشريرة لا يتسنى الا بواسطة الاسلام والاسلام وحده، لا بواسطة مذهب ارضي، آخر مستورد كسيح.
ومهما يكن فكل الهرقطات التي قيلت عن خيبر او عن غيرها انها الغرض منها اولا واخيرا عند مرجليوس او من ترسم اثره من تلاميذه الاوفياء المتسمين بالاسماء الاسلامية ليس الا السخرية من منهج  الاسلام الذي يقض مضجعهم ويهدد مصالحهم، ولكن منهج الله سيظل خالدا بما يحويه من عناصر ايجابية ترعى النوع الانساني رعاية مادية وروحية برغم كل المحاولات العدائية التي يريد تطويقه بها اعداؤه :
وقال للسها للشمس : انت خفية
                   وقال الدجى : ياصبح لونك حائل
وطاولت الارض السماء سفاهة
                    وفاخرت الشهب والحصى والجنادل

(1) انظر قصة سعيهم في الوقيعة بين الانصار عند ابن هشام في السيرة – القسم الاول ص 555 تحقيق مصطفى السقا وآخرين ط 2 عام 1375هـ - 1955.
(2) انظر القصة عند محمد احمد باشميل في كتابه غزوة بني قريظة 119 ط 2 1391 هـ - 1971م دار الفكر
(3) انظر ابن هشام، السيرة القسم الاول ص 563 الطبعة السابقة.
(4) انظر حسن ابراهيم حسن. تاريخ الاسلام السياسي ص 134 ج 1 –  ط 7 – 1964م.
(5) راجع محمد احمد باشميل في كتابه غزوة الاحزاب ص 67  ط 1 – 1385 هـ - 1965م.
(6) سورة الاحزاب آية 10 – 11.
(7) انظر محدث الشام الشهير محمد ناصر الدين الالباني، وانظر كذلك محمد احمد اباشميل في كتابه غزوة الاحزاب
(8) راجع حلقة 12 و 13م هذا البحث بهذه المجلة العدد الرابع – السنة الخامسة عشرة –  جمادى الثانية 1392 ص 53 وما بعدها، والعدد الخامس والسادس  - السنة الخامسة عشرة - رمضان 1392 ص 77 وما عدها.
(9) راجع الخبر بالتفصيل عند ابن هشام. السيرة القسم الثاني ص 337 – 338.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here