islamaumaroc

أبو الفضل عياض من خلال مشيخته الأدبية -1-

  دعوة الحق

العددان 151 و152

من الجلى ان الناس تختلف درجاتهم ومقاماتهم باختلاف المواهب التي يتوفرون عليها والاستعدادات المطبوعة بطابع النشاة الاولى والتكوين الفطري للنوع البشري "اولا مواهب في بعض الانام لما تفاوت الناس في الاقدار والقيم" طموح وعمل كنقطتين اساسيتين يتكيف بهما الفرد اليقظ جاعلا نصب عينيه حياة شخصيات انصفها التاريخ في سجله الامين فكانت نبراسا للاهتداء والاقتداء حفزت وفي قوة نفوسنا كبارا سعت للالتحاق بالصفوف والعمل جاهدة لبلوغ الهدف الذي لم يكن وما كان وقفا على طائفة دون طائفة بل كان طيعا وفي خدمة كل من تهون عليه ذاته في سبيل النبل والكرامة وفي تضحية متلاحقة بكل ما يجب ويهوى من ملاذ ورغائب لا تقوم على البقاء.
نعم اذا ما جال الفكر متصفحا وفاحصا بعض فترات التاريخ وجدها ملئ برجالات ورجالات نماذج حية، وامثلة واعية لاجيال واجيال كلها اماني وآمال لتلقي وعلى احر من الجمر ما انتجو كمنهاج يضيء الطريق لجهود جديدة تعمل وفي خلق وابتكار يخطوان نحو الواقع المتجدد والمتطور عبر التاريخ وفي شتى مرافق الحياة علما وفنا – فهذا القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي نجده طافحا بالاعلام والمفكرين وعلى اختلاف هوياتهم واتجاهاتهم واستعدادتهم الثقافية، فعقب تدرجاتهم الطبيعية في التنشيء والاخذ بدا ونهاية نرى البعض وفي نهم تلقائي غير مقتنع بما افاده من شيوخ بلده فقد يكون (في نظره استنفد ما لديهم من فنون ومعارف لا تفتا تنمي طاقته العرفانية للبحث عن آخرين توفروا على علوم وروايات تسمو بعلمه الى الاوج الذي يطمح اليه كصادق في الطلب يسعى وفي جهد لتحقيق المطامح واهتبال الفرص للقاءات تفسح له مجالات اوسع نطاقا وابعد مدى للتطلع على ما قد يكون غاب عن اساتيذه الاول من علوم لها فعاليتها وتلقيح افكاره وشحذ آرائه وايضا اضافة ما لم يكن درج في مدرسته الاولى.
عوامل لها ابعاد في تاصيل المعرفة وتمتين القواعد التي تعتم تذبب كل ما يمكن ان يساورها من شكوك او بعثور معالمها من شذوذ.
هذا واكثر ما نجده يتجلى وبصورة جد واضحة في ابي الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي الغرناطي ت : 544هـ - ولا ادل على هذه الظاهرة النبيلة ما اثبته في فهرسته الخطيـــــــة(1) فقد ضمنها مائة شيخ ذوي كفاءات في مختلف المعارف والثقافات فقها وحديثا وقراءة وادبا – كابي عبد الله محمد بن عيسى التميمي يقول فيه مترجمنا السبتي : لازمته كثيرا للمناظرة في المدونة والموطا وسماع المصنفات واجازني جميع رواياته ونرى هذا السلوك من ابى 
الفضل يجري مع عدة شيوخ وفيما يهدف لنوعية تلك المصنفات، والذي اريد ان اطرقه في مشيخته وفي لمسات خفيفة هادفة هي الناحية الادبية وما كان له فيها من يد طولى تبلورت وضاءة في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" رغم طاقته الثربة في باقي العلوم.
فقد درس على ابي عبد الله بن حمد الثعلبي اجل رجال الاندلس وزعيمها وجاهة ونباهة ومنظر الصحيح في الادب نثرا ونظما قال : جالسته كثيرا واخذت عنه بعض رسائله، وردوده على الامام ابي حامد الغزالي، كما سمعت منه رسالته لابن الشماخ من هذا روايته عن يحيى بن يحيى اليتي المصمودي عن مالك بن انس رحمه الله قال : بلغني ان لقمان الحكيم اوصى ابنه فقال يابني : جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فان الله يحيي القلوب نبور الحكمة، كما يحيي الارض الميتة بوابل السماء.
وصية لها فعاليات في البعث والتكوين الناشئين عن الاتصال والمناقشة في احتكاك صادق مع رجال الثقافة الحق.
ونجده ياخذ عن الاديب الرواية ابي عبد الله بن سليمان النفزي عرف بابن اخت غانم – كتاب الكامل لابي العباس المبرد في منزله بقرطبة، قال : ودرسته بسبتة سنة 493هـ على الاديب صاحب الشرطة ابي بكر الجزيري، وسمعت منه كثيرا على شيخنا ابي علي التاهرتي – كتاب "اصلاح المنطق" لعقوب بن السكيت، وكتاب الالفاظ له سماعا ومناولة لما فاته منه.
وفي ثنايا هذه المشيخة تتفجر طاقة اخذ المترجم عياض، وفهمه الفياض، من ثروة الادب العربي ودراسة ما كتب فيه وعنه من امهات – ككتاب الزاهر لابي بكر الانباري، والامالي لابي علي الغالي البغدادي والتعرف على جميع تآليفه سندا واجازة.
وكتاب الحماسة لابي الفتوح ثابت الجرجاني، وكتاب مختصر العين(2) لابي بكر بن الحسين الزبيدي الاشبيلي وهو وبما كان له من ولوع لغوي نجده يتلمذه للشيخ ابي علي بن طربف النحوي التاهرتي ت : 501هـ ليدرس عليه النحو الادب وجمل ابي القاسم الزجاجي والواضح للزبيدي والكافي لابي جعفر النحاس، وكثيرا من كتاب "المقتضب" للمبرد، وآداب الكاتب(3) لابن قتيبة الذي شرحه ابن السيد البطليوسي وسماه : "الاقتضاب" في شرح ادب الكتاب" والايضاح للفارسي وكتاب الفصيح لثعلب، وقرا عليه اكثر كتاب الامالي للقالي، كما سمع منه الكثير من كامل المبرد.
ومن بين رجالات اساتذته خلف بن فرتون امام النحاة والآداب قال : جالسته كثيرا وذاكرته وتلقيت منه فوائد جمة، وكان يينشد لابي وهب الزاهد القرطبي الابيات التالية :
انا في حالة كما قد تراها
            ان تاملت اسعد الناس حالا
ليس لي كسوة اخاف عليها
            من مغير ولم تر لي مالا
اضع الساعد اليمين وسادي
             ومتى ما اشا وضعت الشمالا
قد تنعمت حقبة بامور
             ثم دبرتها فكانت خيالا
ومن اعيان الاشياخ الذين تافنهم وتلقى عنهم مادة الادب الرفيع الاستاذ عبد الواحد بن يوسف البغدادي الفهري ت : 527هـ والدي يكفي ان تحدث عنه ابو بكر عبد المجيد بن عبدون اليابري الوزير الكاتب مما نتنور من بين سطوره مدى الاختيار الذي كان يترسم خطاه باحثا وبالحاح عن رجال المادة المبرزين في علوم العرب ودواوينها وما ينبثق عن ذلك من آيات ومفاهيم لها مقاصدها الهادفة التي لا تلبث تعرف مقاصدها بمزايا اللغة وما تحتضنه مبانيها من اسرار دقيقة نثرا وشعرا وضوحا وغرابة يقول ابو الفضل عن ذي الوزارتين ابن عبدون(4) : لقيته بسبتة في انصرافه. واقسم لي انه ما قصد سبتة الا للقائي والاجتماع بي، ثم سالني عن اشياء في نفسه وجرت بيننا مذكرات انشدني اثتاءها رائيته التي رثى بها ملوك بني الافطس عارضا فيها لمن ابادته الحدثان من ملوك كل زمان مطلعها :

الدهر يفجع بعد العين بالاثر
                     فما البكاء على الاشابح والصور
الى ان يقول :
وليتها اذ فدت عمرا بخارجه
                     فدت عليها بمن شاءت من البشر
وهو كالسيل الجارف يندفع في هواية غريبة متقريا اشياخ الادب والاتصال بهم اخذا ورواية كالاستاذ النحوي ابي الحسن التنوخي عرف بابن الاخضر كان اكثر دراسته على ابي الحجاج الاعلم 489هـ فحدثني بشرح الاشعار الستة على ابي الحجاج ، واجازني عنه جميع تاليفه – كشرحي لحماسة وشعر حبيب وغيرهما وانشدني في نفس الوقت لبعض شعراء الادب الابيات التالية :
وزاد وضعت الكف فيه تانسا
                  وما بي الا انسة الضيف من اكل
وزاد رفعت الكف عنه تكرما
                  اذا ابتدر القوم القليل من الثقل
وزاد اكلناه ولم نتتظر به
                غدا ان بخل المرء من اسوء الفعل
ولست اراني في حاجة لشرح الابيات فمدلولها منها وفيها.
وها هو مرة اخرى يتلمذ لابي الحسين بن عبد الملك الوزير اللغوي الحافظ الذي كانت الرحلة اليه بعد ابيه في قيد كتب الادب والغريب، ودراسة كتب سيبويه يقول ابو الفضل : قرات عليه كتاب ابي  عبيد القاسم بن سلام كما اخذت عنه كتاب الغربيين لابي عبيد الهروي وصححته عليه قال وانشدنا من قوله :
بث الصنائع لا تحفل بموقعها
                     في آمل شكر المعروف او كفرا
كالغيث ليس يبالي حيثما انسكبت
                    فيه الغنائم تربا كان او حجرا
تراه لا ينفك من فينة لفينة يجلب الينا شعرا له ابعاده في بث الوعي وايقاظ النفوس لمكارم الاخلاق الشيم ومحامد الخلق وهو في ذات اللحظة يسبح في خضم الآداب الواعية وفي لمة الفن يتدارس واياهم في عمق ما شرد وعز رغبة في استكناه اسرار اللغة واستنباط مفاهيمها عسى ان يصيب من فقهها ما تسمو به المدارك ويتجلى فيه الادب الرفيع بمعناه الواسع حيث لا يفوته ان يتكيف بما يعطاه اليوم من تعاريف تكسوه حلة الشكول لمرافق الحياة وما تهدف اليه في شتى المجالات الانسانية.
هذا واكثر ما نراه متجليا وبقلم حي وقتما نتصفح بعض آثاره العلمية والادبية كالشفاء والطبقات، والمدارك، والمشارق والاعلام. بحدود قواعد الاسلام، والفهرست بخاصة كتابه الشفا الذي كان بحق شفاء للاسلوب و القلوب :
فقالوا اراك تحب الشفا
                وتخبر فيه عن المصطفى
فقلت لاني عليل الفرا
                  دوكل عليل يحب الشفا
وكمثال خفيف يلقي (هو الآخر) اضواء على هذه الظاهرة الرائعة نلمسه ونحن نردد بيتين ارتفع فيهما الى القمة بلاغة وتشبيها يذكرنا على التو بشعر ابن المعتز وقد ساعده محيطه وآنيته ولكن على مسرح الطبيعة قال :
انظر الى الزرع وخاماته
                  تحكي وقد ماست امام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة
                  شقائق النعمان فيها جراح
ولا يدع ان يسمو اسلوبه قريضا ونثرا ومن بين اساتيذ مدرسته : خلف بن يوسف بن فرتون النحوي الثقة علما وادبا اذ كان كعبة الاندلس والمغرب جميعها وبعد فلم يكن ولوع ابي الفضل – عياض – الادبي وتردده على مدارسه وتكرار نصوصه ومصنفاته كالكامل الذي يمتزج بنفسه لكثرة ممارسته وعلى جمهرة من اعلام الفكر والادب لم يكن ذلك لينسيه او يثني طاقته الثقافية عن باقي العلوم اصولا وفروعا خاصة علم القراءات وتوجيهاتها والتردد على حلقاته واخذه عن غير ما استاذ – كالمقري ابي القاسم خلاف المعروف بابن انخاس قال : ناولني كتاب طقات القراء لابي عمرو كما كانت اليه الرحلة وعلم القراءات اثتاء العقد الثاني بعد الخمسمائة طالما كان هذا النوع من العلوم القرآنية لدا العهود الاولى ذا قيمة رواية ودراية ايمانا من رجال تلك المدارس المشرقة – ان من لم يتصف بالاستاذية قد لا يوثق بثقافته الاسلامية.
وقد يكون هذا العرض المتواضع كذكرى يقظة تلقت الانظار وانظار الشباب الواعي الى مثقفي السلف وعلمائه وادبائه ومدى انكبابهم على الاخذ والدرس وفي جهاد متواصل ورهبانية تنسيهم كل ما يمت بصلة الى المادة وتعرفهم في ذات الوقت قيمة الانسان الحق، وما يجب ان يتوفر على كطالب له طموحه الصادق وهيامه بالمعرفة جاعلا نصب عينيه كنموذج حي امثال مترجما ابي الفضل عياض الذي شانه ان يؤجج ما كمن في النفس من حيوية طالما بعثت وتبعث من ابنائنا وشبابنا وعيا بهديه الى الحق الى الطريق المستقيم طريق الدين فنوا ونسوا ذواتهم في سبيل الارتفاع بارواحهم واضعينها في بوتقة المعارف، وتلك اللذة الكبرى التي لا يحسها الا من ذاق طمعها وامتزجت بشرايينه.
(من ذاق طعم شراب العلم يدربه
                         ومن داره غدا بالروح يشربه)


(1) نوجد بخزانة الكاتب تحت رقم : 3147.
(2) قوم نصه وعلق حواشيه وقدم له الاستاذان : علال الفاسي ومحمد بن تاويت الطنجي
(3) احد الكتب الاربعة المعتمدة في الادب.
(4) ترجمة صاحب فوات الوفيات ج 2 ص 19.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here