islamaumaroc

الله: الحقيقة الكبرى -2-

  دعوة الحق

العددان 151 و152

2 – حقيقة الله تتراءى من خلال ملكوته :
يعتقد الكثير من المغالطين ان هذا الكون خرج الى الوجود دون موجد، وهم في وهمهم هذا يقفون عند هذا الحد لا يتجاوزنه، وتظل السنتهم معقولة عن تاييد مزاعمهم التي غالطوا بها الكثير من الناس، فاردوهم في ظلمات الكفر صرعى، لا يعرفون مواقع خطواتهم من هذه الحياة، فكانوا بذلك في اسفل سافلين، ولو انك سالت احد هؤلاء الملحدين الذين يتخذون من الطبيعة وحدها اساس انتظام هذا الوجود حتى اصبح على الشكل الذي هو عليه؟ وعن الكيفية التي تم بها هذا الفعل، لكان جوابه اعد ما يكون عن اقناع لعدم مطابقته لقوانين المنطق التي يعتبرها العقل مقياسا لما يختاره او يرفضه، ولكان مرد هذا الوجود الى الخالق سبحانه، اقرب للعقل وادعى للايمان بحقيقة الله الكبرى.

أ – الكون ليس وليد صدفة :
يقول العالم الفلكي السيد جيمس جينس في كتابه النجوم في مسالكها ص 10 : "اننا حتى مع فرض اننا نشاهد النجوم الليلة اول مرة لابد اننا سنلاحظ انها شيء اكبر من مجرد نقط ضوئية تجمعت بالمصادفة، فان في ترتيبها من النظام والاحكام فوق ما كان ينتظر وجوده، لو ان بقعا ضوئية نيرة نثرت على وجه السماء كيفما اتفق كانما هي ملح نثر من ثقوب مملحة عظيمة".
ويتضح لنا من هذا المثال الذي اوردنا على ان عالمنا الكبير بما يحتضن من نجوم وكواكب ومجرات وشهب وغيرها مما يسبح في هذا الفضاء الواسع ليست وليدة صدفة، وان هذه الكرات الضخمة المتفاوتة الاحجام والقيمة، والتي تدور بدون توقف، قد وضع لها ترتيب سارت على نمطه من اول وهلة، ولا يمكن لهذا الترتيب البديع ان ينتظم من تلقاء نفسه ووحي خياله، اذ لا يخلو من موجد قدر ابعاده وقاس من قبل مسافاته، وهذا التنظيم الشامل الذي عم هذا الكون يوحي الينا باستمرار ان هناك مدبرا عظيما احاط بالعلم فلم تخف عليه خافية مهما عظمت او دقت، كان السبب الوحيد في بناء وتنسيقه على الطريقة التي وضعت له كاساس ثابت قبل ايجاده من اعماق العدم.
وقد علمتنا الحياة منذ وعيناها ان المسائل العلمية لا يمكن ان تخرج عن نطاق الفكر اذ لو صدرت من غيره لا ختل نظامها وفقدت توازنها ولكانت نتائجها سلبية، فكل عمل لابد له من عامل وكل قوة لابد لها من دافع، وفي هذا الكون العظيم الذي عايناه والفنا النطر الى آياته المحكمة ما هو كفيل بان يدلنا ان وراء هذا النظام الخارق مبدعا لا حدود لعلمه ولا منتهى لحكمته. ولولا تدبير هذا الخالق العليم، لكان هذا الكون من غير نظام، وبذلك، تتحطم كواكبه وتهوى نجومه اذ لا قوة تمسك هذه الكوكب او تشدها، هذا اذا ما حاولنا الخروج عن مالوف العقل وفرضنا ان للصدفة نصيبا في ايجاده ومن تم لن يكون هناك وجود او موجود.
واذا كانت الصدفة هي وجود الشيء اتفاقا لكان هذا الانسان اول من ينتظم في هذا المفهوم، فقد تلتقي ونحن في طريقنا باحد المعارف وبالصدفة دون سابق موعد، فهذا اللقاء المفاجيء ليس في واقه الامر اجلا حددناه ولكننا لا ننكر ان كلانا قد سلك السبيل الموصل الى هذه النتيجة الغير المنتظرة وان لكل منا نصيبه في هذا اللقاء، فليست الصدفة كما يعتقد البعض انها تلد الاشياء وتخلق المعجزات من العدم، اذ ان الموجودات كانت قبل الصدفة ولا يمكن ان تسبقها الصدفة باي حال من الاحوال، ومن خلال ممارستها لشؤون الحياة علمنا يقينا ان كل عمل لابد له من عامل، فنحن مع انفسنا لا نجرا على الحكم على وجود صندوق من الخشب بالتلقائية او الصدفة، لان صور الاطوار التي مر منها هذا الخشب ما تزال مائلة امام اذهاننا حتى اصبح على هذا الشكل الذي عرفناه بكلمة صندوق، وهذا الشكل في مجموعه يوحي الينا ان وراءه عقلا صمم شكله ويدا نفذت هذا التصميم، والعالم الذي نشاهد مظاهره المختلفة الذي تسير كلها وفق قانون معين لها، ما هو الا برهان على وجود الخالق العظيم مبدع هذا العالم، الذي وضع لكل شيء تقديره المحسوب وعلى وجود اليد العليا الماهرة التي صنعت هذا الكون، وكما اننا لا نستطيع ان ننكر العقل الذي صنع الصندوق فاننا نؤمن دون ريب بالمبدع الذي خلق هذا الكون بكل ما فيه ولله المثل الاعلى.
ان الذين يقولون بان الطبيعة اوجدت نفسها وانها ركبت عناصرها بمفردها دونما حاجة الى الغير انما هم ابعد الناس عن العلم واجهلهم بقيمته وجدواه وانزحهم عن جادة الطريق، فحياتنا بما يجري فيها كفيلة وحدها  لدحض هذه المزاعم وتنفيذها، فبمجرد ان نجد على الارض اثرا ما فان ذلك كاف بان يجعلنا نوقن بان وراءه كائن ما ايضا، ونحن امام كل ظاهرة نتفحصها في هذه الحياة اوكل عمل نلقاه نستطيع ان نؤول مصدره ونفسر مدلوله الا اننا حين نريد ان نتجاوز بفكرنا مستوى هذه المظاهر المختلفة محاولين ان نجد علة لوجود هذا الكون فان حسنا الذي حسنا الذي تعودنا عليه وعلى ان نقيس به مختلف الحالات الظاهرة لا نقوى على مفارقته بل نصحبه معنا في رحلتنا التاملية فنكون عندئذ مكبلين بهذا الحس الذي يلجم ذهننا، وبذلك لن نجلب معنا حين عودتنا الى الارض سوى تعب الرحلة ومشاقها المضنية المليئة بالشك والريب.
وكفيل بهذا النظام البديع الذي ينتظم الكون في سلكه كما تنتظم حبات العقد في خيط متين، ان يكشف انسجامه على وحدة صنعه واحدبة الخالق الذي جعله على هذه الصورة الجمالية المجللة بالهيبة والجلال فانتظم بذلك امره واستقام شانه وادى دوره ومايزال دون انحراف عن الصراط السوي الذي اختاره الله كناموس يضمن صلاحيته ولعمري كيف تجرا بعض العقول المريضة ان تعتقد بان هذا الكون على ما فيه من دقة واحكام قد اوجد نفسه بالصدفة، وذلك بتفاعل مواده وانصهارها فيما بينها وامتزاجها مع بعضها حتى اصبح هذا العالم الكبير تام الصنع كما هو اليوم. ان النتيجة الخاطئة التي استخلصها هؤلاء العميان من نظرتهم الضيقة الى الحياة، لا تتعدى ان تكون اليوم مجرد خرافة خيالية بعيدة عن واقعنا الذي نعيشه اليوم بعد ان كشف العلم الحديث كثيرا من الحقائق التي ظلت مطوية مطموسة في عالم المجهول دهرا طويلا، وان النتائج التي توصل اليها هؤلاء المعاندون لتدل دلالة واضحة على مدى الخطا الفادح الذي رافق ابحاثهم منذ البداية فكانوا كالذي يحاول ان يرسم صورة على سطح الماء فلا يكاد يبداها حتى تضل عنه البداية قبل ان تصل النهاية، وهم بذلك لا يقدمون الا افكارا جافة جوفاء لا تطفيء لهفة من بهم عطش الى معرفة الحقائق ولا تنير لهم الطريق الموصل الى هذه الحقائق.
وتذكرني فكرة الصدفة وما حام حولها من اقاويل سفسطائية وجدال عقيم بطريقة جرت للامام ابي حنيفة رحمه الله، مؤداها، ان الامام استدعى في يوم من الايام للمناظرة مع دهري يرجع وجود هذا العالم الى الطبيعة نفسها ويقف عند هذا الحد من الادعاء، فلما تاخر ابو حنيفة، واستبطاه الحاضرون ارسلوا اليه يستعجلونه من جديد، فوعد الامام الرسول مرة اخرى بتاهبه واستعداده للقدوم فلما حضر اليهم وجلس المكان المعد له التفت اليه الدهري المناظر واستفسره عن سبب ابطائه، فرد عليه الامام بان ما حدث له امر يخرج عن دائرة  اختياره فقد حصل له وهو في طريقه اليهم مشكل معقد وغريب اتار دهشته وحرك بواعث استغرابه وهز مكامن العجب في نفسه ذلك انه لما وصل الى ضفة النهر لم يجد مركبا يقله ولا سفينة تحمله وبينما هو على هذه الحالة من لانتظار والتامل في الامر، اذا به يرى فجاة الواحا مبعثرة على الماء هنا وهناك، وفي اقل من لحظة تجمعت الالواح وتماسكت فيما بينها حتى صارت في نهاية الامر سفينة تامة الصنع والاتقان وما ان ركبتها – يقول الامام – حتى جرت بي لوحدها دون ربان واستقرت بي في النهاية على شاطيء الضفة التي كنت انوي الوصول اليها وهذا هو السبب في تاخيري عنكم وابطائي في الحضور اليكم وما كاد الامام يتم حديثه وينهي امام الجمع مقالته حتى علت الوجوه علامات من الاستفسار والتعجب والسخرية والتفت الدهري الى الحاضرين وقال هل بصاحبكم من جنة؟؟ ثم استدار نحو الامام وبادره بقوله : كيف يكون هذا الذي تدعيه صحيحا؟ بل كيف يمكن للسفينة ان تتجمع لوحدها وتجري على الماء بمفردها نحو هدف مرسوم وبدون ربان يقودها؟ !، فاجابه الامام ابو حنيفة وكيف تعزو يا عدو الله والحق هذا الوجود الى الطبيعة وانت لا تجيز بعقلك ان تلتئم السفينة مع بعضها وتدبر امرها وشؤونها دونما حاجة الى الغير، وتؤول وجود هذا العالم على ما هو عليه من دقة الصنع والخلق الى انه اوجد كواكبه وقام بشؤونها دون افتقار الى سند.
وبجواب هذا الامام كاني انظر الى وجهه الدهري وقد علت وجهه حمرة الخيبة فلم يدر بما يجيب، وفغر فاه لكنه لم يع ما يقول ولا احسبه الا انه قد قام من مقامه مخدولا مرذولا ان لم يؤمن ويصدق !!
وبعد هذه النظرة السريعة التي حاولنا فيها على قدر ما اتيح لنا من المعرفة ان نبرهن على وجود علة ظاهرة كانت السبب في خلق هذا الكون العظيم وتنفيد المزاعم المضلة التي ينادي بها كثير من الملحدين الجاحدين، فان هذه السماء ما تزال تشد انظارنا اليها وما فتئت هذه النجوم يجذبنا نورها لكشف بعض غموضها وم يزال هذا الكون كله يدعونا للبحث عن ماهيته وكيفية تكوينه، وهي دعوة تتطب منا كثيرا من التامل والاستعداد لتقبل ما حصل عليه العلماء المختصون في هذا الميدان.

ب – ماهية الكون
لقد اعطت تجارب العلماء المختصين في شؤون الفلك نتائج باهرة، وكانت ابحاثهم في مجال هذا الكون ابحاثا قيمة تتسم بكثير من الدقة وصدق النتائج، فلقد وهبوا لهذا الكون عمرهم ومنحوه جهذا متواصلا، وكانت دراساتهم حوله كفيلة بان تجعلنا نؤمن دائما بقدرة هذا الانسان على خلق المعجزات وطي المسافات النائية التي تفصل بينه وبين مجموعة هذه الكواكب وليس هذا العمل الذي قام به الانسان في هذا الصدد الا دليلا واضحا على المكانة المرموقة التي هبا الله لها هذا الكائن المفكر دون سائر الكائنات الأخرى، اذ هو سيدها على الاطلاق رغم ضعف قوته ولكنه شرف العقل الذي حمله هذا المخلوق الناطق حل محل قوته الذاتية واستطاع بواسطته ان يخضع باقي الكائنات الاخرى لارادته ويخرق كثيرا من الحجب وساهم بنصيبه الوافر في الميدان الحضاري الذي ينم على قدرة هذا المخلوق على الخلق و الابداع، ويعوض ضعفه المفطور عليه بقوة الفكر الذي رفعه الى مرتبة السيادة واوج القوة.
وليس العجيب ان يطا الانسان الضعيف سطح القمر اذ ان تكرار هذه الرحلات خفقت من حدة العجب الذي يمكن ان يساورنا، ولكن الذي يلفت نظرنا حقا هو الطريق العلمي والتخطيط الدقيق الذي استعمله هذا الكائن كاساس للوصول الى هذا الكوكب ويطؤه بعد ذلك بقدميه مطمئنا آمنا من جميع العوارض الكثيرة التي يمكن ان تعترض سبيله وتفسد عليه عمله وهو يخترق اجواء الفضاء. ان هذا الفكر النير الذي رسم الهدف ووضع التوقيت الزمني لتجربته العظيمة هو نفس الفكر الذي يبحث عن سر هذا الكون، وهو الذي يملي علينا في وقار العالم وايمانه بعلمه حصيلة الدراسات الطويلة الشاقة عن ماهية الكون واصله.
فبعض هؤلاء العلماء ارجعوا اصل الكون الى ذرة هائلة انفجرت ثم تكونت منها هده النجوم بقوة الانفصال التي حصلت، والبعض الآخر يرجعون اصله الى سحابة غازية كانت في البداية تملأ الأفق وتسد الفضاء، ولم تلبث هذه السحابة العظيمة على حالتها بل بدات في الحركة والدوران بسرعة هائلة، وبهذا الدوران استدار شكلها حتى اصبحت كرة ضخمة تناثرت معها بقوة الطرد المركزة فيها باقي  الكواكب والنجوم التي يراها الناظر موزعة في الفضاء ثم اتخدت لنفسها مراكز معينة ومحددة ومحسوبة كذلك لا تحيد عنها، وبفعل الجاذبية المودعة في كل كرة غازية، التزمت هذه النجوم بمواقعها دائرة في مسارها المرسوم دون انفلات او خروج عن القانون.
هذا مجمل ما ذهب بعضهم، فيما يخص تكوين الكون، وهو ابداع معجز وخارق لكل عادة نعرفها اذ بوجود هذه السحابة الغازية وبدورانها حول نفسها استقام هذا العالم الكبير.
ومن هنا يتسلل ايمان الى القلوب كما يتسلل نور الشمس الى الوجود ويلامس عقولنا القاصرة يقين كامل بوجود الحقيقة الالاهية الكبرى التي اخرجت هذه العوالم من العدم وحولتها من مجهول الى معلوم، ومن السراب الى الماء ومن الخيال الى الواقع الملموس زمن العبث لى لنظام، ومن النقطة التي بدا منها تكوين هذا العالم يستطيع الانسان ان يهتدي الى معرفة القدرة العظيمة الجبارة التي هيات لهذه الحياة كل اسباب الاستمرار واداء الرسالة التي عهدت اليها بامانة وتفان ما عليهما من مزيد.
فلولا هذا الخالق المدبر الذي باشر عملية الخلق ما كان للسحابة الغازية ان تدور من تلقاء نفسها، ولما ارتكزت هذه الكواكب في اماكنها بهذه الدقة التي هي من اسس استمرار هذا العالم ايضا، فقوة الله سبحانه وتعالى كانت وما تزال تهيمن على سائر هذا الكون، وقد اثبتت دراسات العلماء المختصين بشؤون الفلك ان عناصر ارضنا التي نعيش عليها هي بعض العناصر التي تنبعث من الشمس وتنفجر فيها باستمرار وان هذه الاخيرة تستمد عناصرها من الكوكب الاصلي الذي كان في البداية سحابة غازية ومنها تفرعت سائر النجوم، ولكن كيف انفصلت هذه الكواكب وتكورت هي بدروها هذا ما سيجيبنا عنه الاستاذ ابراهيم السيد اسماعيل مستدلا في كتابه الطبيعة والقدرة ص 68 بالمثال الآتي : (خذ اناء وضع فيه مقدارا من السائل المسمى بالسبيرتو او الكحول ونقطة من الزيت ثم صب عليهما ماء وانت تحركهما بانبوبة حتى تصير نقطة الزيت في وسط السائل تماما، ثم صب فيه زيتا بقدر الجوزة، فان الزيت يصير في السائل كرة منتظمة، اغرس في الكرة ابرة تكون فيها في مكان قطر من اقطارها وحركها لتدير بها الكرة حولها، فان الكرة تصير بهذا الدوران مفرطحة من قطبيها منتفخة من جهة خط استوائها واذا انفصل منها شيء اثناء الدوران تحرك معها وصار كرة بالصفة المذكورة، وبقياس قطرين ظاهريين لكل نجمة بحيث يكون احدهما عموديا على الآخر، يرى ان القطر الاستوائي اطول من القطر الطولي، فيعلم ان النجمة غير تامة التكور بل مفرطحة من جهة القطبين، ولما قيس القطر الطولي الارض علم انها كذلك. واذا ان هذه الحالة تحدث دائما للكرات التي انفصلت سائلة من جسم سائل وتبعته في الحركة كان وجودها في النجوم دليلا على انها كانت كرات سائلة منفصلة من الكوكب عمومي كان سائلا".
يكشف لنا هذا المثال ان الكون كان في البداية سائلا ولكن انفصال الكرات وانقسامها الى اخرى لم يكن ليتم دوران كرة الزيت وان هذا الدوران الذي تم على الطريقة التي شرحها مؤلف الكتاب لم تنتظم لوحدها لولا حركة الانبوبة التي نحرك بها نقطة الزيت الى آخر الحركات التي قمنا بها حتى كانت النتيجة على ما ترى، وهذا وحده يرضي فضولنا اذ نعلم علم اليقين ان وراء هذا الكون قوة عظمى صدرت من مدبر خلق عناصر هذا العالم وجعلها صالحة واساسية لبنائه واداء عمله باتقان ما عليه من مزيد، ولا يفوتنا ونحن نطرق ابواب هذه الالغاز ان نعلم ايضا ان الجسم الصغير ينجدب الى الجسم الاكبر منه بدليل اننا لو قدفنا بشيء من ايدينا بقوة فان هذا الجسم الصغير الذي قدفنا به في الفضاء يعو مقدار القوة التي قذفناه بها ثم يعود الى الارض ليصطدم بها من جديد ورد الفعل هذا هو الذي اوحى للعلامة الكبير "نيوتين" بوضع قانونه الشهير في الجاذبية، حين راى تفاحة تسقط على الارض من اعلى شجرة فما هي ياترى هذه القوة الخارقة التي فصلت هذه الاجسام العديدة من الجسم الام ومن هذه القدرة الخفية التي ركزت هذه الكواكب في مواضعها لم تنحرف عنها منذ زمن بعيد وبعيد جدا.
ولا يمكن ان نستدل على بعد هذا الزمن الا بما اخبرنا به علماء الطبيعة من ان عمر الارض يقدر بنحو 2000 مليون سنة مند بردت قشرها وان عمرها منذ خلقت يقارب البليونين من السنين على وجه التقدير وهو على ما يبدو من هذه النتائج التقريبية عمر يفوق التصور وليس عمر البشرية كلها بالنسبة له الا كومضة برق خاطف اذا ما قيس بتاريخ الارض كله، ومنذ هذا الزمن وهذه الكرات ثابتة تدور في مداراتها دون تجاوزها للقانون الذي يحتضنها فمجرد اصطدام كوكبين قد يؤدي الى اختلال هذا النظام اذ تعتبر النجوم بمثابة البناء الذي يقوم على اسس رئيسية فاذا هوت ركيزها منها تداعى البناء كله للسقوط والانهداد. فما هي هذه القوة التي فصلت هذه الكواكب رغم علمنا بان الجسم الصغير ينجذب الى الجسم الاكبر، واذا جاز لنا ان نعتبر ان دوران السحابة الغازية قد نتج عن تناثر هذه النجوم فما هو المعيار الذي يمكن ان نستند على دقته ونحن نعلم ن قوة الطرد التي نتجت عن الكرة الام قد صاحبتها قوة اخرى هي قوة الجذب التي تشد هذه النجوم وتربطها ببعضها كما تشد السلسلة حلقاتها المتداخلة فيما بينها ولكن شتان بين حقيقيتهما اذ لو اقتربت النجوم بقدر حلقات السلسلة مثلا لجاز لنا ان نعتبر ان الكون ما يزال كتلة واحدة متلاحمة مع بعضها وكيف يكون هذا وبيننا وبين النجوم ما لا يعد من المسافات النائية، ولكن قوة الجاذبية لها ما يجعلها ثابتة اذ ان دوران الشمس مثلا يكون قوة طاردة للارض وبذلك لا تعود الارض الى الشمس بقوة الجذب من جديد، ولا يمكن لهذا العمل الذي يسير عليه الكون كله ان يكون من قبيل الصدف بل لنا اليقين ان مثل هذه الاعمال التي استقام بها العالم كله تكون مفتقرة الى مدبر عالم ومريد ذلك هو الله الحقيقة الكبرى الذي لا تضاهيه حقيقة في الوجود.
وكلما اراد الانسان ان يعلل وجود هذا الكون بالاعتماد على عناصره التي بنى منها الا ووجد المادة التي جعلها كاساس لا تفي بالحاجة ولا تقوم وحدها بالعمل المطلوب، ولو وجد الملحدون الى ذلك سبيلا لما حادوا عنه ولاعلنوه للانسانية في اصرار وافتخار ولا عتبروه اهم ما وصل اليه العقل، ولكن العجز محيط بهم، وبنظرياتهم وعما يمكن ان يزعموه اذ لا تلبث مزاعمهم على حالتها بل ان كثرة النظريات وتعددها لا تبقى على هذه الظنون ولا تدعها ثابتة وقوية ولكن الايمان بوجود الله يبقى ثابتا بانه الخالق لهذا الكون المدبر لشؤونه وليس هناك زعم يمكن ان يبرهن على عدم وجود هذه الحقيقة العظيمة التي كشفت عن وجودها جميع الموجودات.
ولا يمكننا ان نمر على مسالة ماهية الكون التي قلنا عنه بان اصله يرجع الى البخار، دون ان نشير الى آية كريمة وردت في سورة فصلت فنقتبس منها هذه الحقائق العلمية اذ يقول جل من قائل : " ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض ايتيا طوعا وكرها قالتا اتينا طائعين، فقضاهن سبع سماوات في يومين واوحى في كل سماء امرها، وزينا السماء الدنيا بمصابيح، وحفظا، ذلك تقدير العزيز العليم". ونتلو ايضا من سورة الانبياء هذه الآيات هذه الايات البينات : " او لم ير الذين كفروا ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما".. ان الاية الاولى تبين ان اصل الكون يرجع الى الدخان وما الدخان الا بخار وهذا هو آخر ما وصل اليه العلماء المختصون بالكون في هذا العصر، ولكن الله اخبرنا به منذ اربعة عشر قرنا عن طريق خاتم الرسل والانبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وتوصل العلماء ايضا الى ان اصل الارض من الشمس وان الشمس ايضا من الكوكب الام وليس هذه الكواكب كلها الا جزءا منها واخبرنا الله ايضا بان الارض والسماوات كانتا رتقا أي كتلة واحدة ملتحمة مع بعضها وبقوته توزعت هذه الكتلة الى كتل عديدة وتفرقت بددا وبقيت مع ابعادها مشدودة بقوة الجاذبية التي اودعها الله في كل كرة من الكرات على حدة، ومن هنا يزداد ايمان المؤمن بصحة هذا الوجود بعد ان اعيى بالبحث في اسراره غير ان هذا الكائن قليلا ما يصدق بل لعله كان يحسب هذا التفسير من قبل مما يندمج في عالم الخيال ولكن العمر المحدود لهذا الانسان ينقضي دون ان يعلم شيئا مما اخبر به، فان هو آمن بعلم الله وقدرته دون ان يرى برهان ذلك فقد آمن، ومن هنا ياتي دور الايمان بالغيبيات، وان هو كفر وجحد فقد خسر ما كان عليه ان يربحه دون عناء، ويعكف العلماء ويبحثون ويؤولون ويعللون فيخطئون ويصيبون ويبرهنون على ان هذا الكون مرجعه الى البخار وتاتي نتائجهم مطابقة لما ورد في كتاب الله العزيز من ان اصل هذا العالم يرجع الى الدخان وما الدخان الا بخار ولن ينتج عن البخار الا السائل كما هو معروف، بايمان الناس بالغيبيات تستقر احوالهم وتهدا نفوسهم المغرمة بتتبع احوال هذه الحياة، وهم بهذا الايمان سعداء فقد ربحوا ما خسره غيرهم وصدقوا ما اخبرهم به رسلهم فطويت لهم المسافات فراوا بنور القلب ما لم يروه بنور العقل، اما اولئك الذين يقتنعون ويكذبون بكل ما جاء به انبياؤهم من امر الدين والدنيا فقد ماتوا على اصرارهم وانتهت حياتهم بهذا الجحود والانكار وما تزال منهم الآن بقايا ومخلفات تعيش على ذكرهم وتتسلح بنفس السلاح ولكنه سلاح لا ينطلق الى الامام ولكنه يرتد  الى نحر صاحبه ليرديه، وكم من المسائل العلمية التي اخبر الله بها هذا الانسان من قبل فما وعاها الكثير من الناس وتمر الاجيال تلو الاجيال ويكشف لنا العلم عن صدقها ومطابقتها لروح الحقيقة والواقع فيزداد بذلك الذين آمنوا ايمانا مع ايمانهم ويعود ذوو الضمائر الحية الى الصواب ولكن طائفة اخرى تظل في غوايتها ديدنها الجحود والالحاد.
ولو جاء كتاب الله الجامع لكل اسرار الحياة مليئا بفك طلاسم هذا الكون لكائن المفكر ابعد من تصديق ذلك ولحسب ان ما نسمعه امر لا يستساغ بالعقل ما دام هذا العقل لم يعرف مصداق ذلك بعد ولانصراف الانسان عن الغاية التي خلق من اجلها وهي طهارة الظاهر والباطن ليكون مخلوقا جديرا بتحمل اسم العبودية التي شرفه الله بها ثم لتكون عبادته صلة وصل بينه وبين ربه يدعوه فيجيبه ويطلب منه فيعطيه ويتقرب اليه فيصطفيه من بين خلقه، ولذا كان باب الايمان بالغيبيات مرقاة لهذا المخلوق يصعد بواسطته الى اسمى الغايات دون ان يشغله عن اداء رسالته أي شاغل.
وانتظر الانسان ايضا ولكن عمره القصير يطوى دون ان يعلم شيئا مما كان يسمعه ويثبت العلماء بعد حين من الدهر ان عناصر الارض هي جزء من عناصر الشمس وان هذه الاخيرة استمدت عناصرها من الكوكب الام ويفحص العلماء الاشعة المنبعثة من الشمس فتصدق نبوءتهم ويصدقها الناس ولكن هؤلاء الناس كذبوا بذلك فيما قبل ويزداد العلماء يقينا بوحدة الكون واتحاد اللبنات الاولى التي تكون منها، وما هذه في الخلق الا دليل على وحدة الخالق سبحانه.
ويصدق كثير من العلماء يؤمنون بوجود الخالق العظيم حين بدت لهم دلائل وجوده في كل شيء درسوه او تناولته افكارهم بالبحث والتنقيب، وهم اولى الناس بالكفر اذ هم اقرب الى البحث العقلي والتاملي من غيرهم، لقد راعهم انسجام هذه العوالم فيما بينها ودهشوا عندما وصلوا الى اصل الكون فراوا هذه الغازات كيف انفصلت ثم تكورت واستدارت باستمرار وبدون توقف لحظة واحدة رغم تعاقب ملايين السنيين وكيف تحول هذا الدخان الى صخور وجبال وكتائب من الرمال، انها كلها مكونة من مواد معينة وضعنا لها نحن اسماء عرفناها بها، ومن لطف الله بنا ان هذه العناصر فقدت بعض حرارتها المربعة اذ كانت كلها في البداية سوائل حامية ولا ادل على ذلك من السوائل الشديدة الحرارة التي يفيض بها بركان او يكشف عنها شق زلزال، ولو قدر لنا ان نشهد خلق هذه الحياة لرايناها في البداية اشبه بقطعة من العجين تتلظى وتلهب النيران ولراينا هذا الحديد الصلد يتدفق كما تتدفق مياه الشلالات بالماء العذب الزلال، ولمن شتان بين السائلين وملمس كل منهما، ومن لطف الله بنا انه لم يشهدنا خلق السماوات والارض ان ذلك اقوى واكبر من قوانا واكبر من طاقتنا. واذا اردنا ان نتاكد من ان ارضنا كانت في البداية عبارة عن سائل محمى وجب علينا اذن ان نعلم انه كلما هبطنا في اعماق الارض الا واحسسنا بارتفاع درجة الحرارة حتى نصل الى درجة لا تتحملها اجسامنا وكان علينا بعد ذلك ان نقيس هذه الدرجات بوسائلنا الخاصة ان النتائج التي سنحصل عليها تدلنا على ان هذه اعماق الارض بالغة الحرارة وان جميع المواد في هذه الاعماق عبارة عن سوائل حامية وهذا مما يزيدنا تاكيدا بان الارض كانت سائلا قبل ان تبرد قشرتها وتتطور بحكم بعدها عن الشمس وتعرضها للهواء والبرودة المستمرة مما جعلها صالحة لمعيشتنا.
ان الذي يسير لنا هذا اللطف الخفي وخفنا بهذه الرحمة هو الله، اذ لو كانت ارضنا اقرب الى الشمس لانصهر حديدها الجامد كما ذكرنا وكل مواد هذه الارض، ولسالت تمحق وتفني وتطحن كل حي بعد ان تسلبه الحياة.

ج – الاثر الالاهي في النظام الكوني :
يتضح مما اسلفنا الحديث عنه ان اليد الالاهية العليا كانت وراء عمل عايناه وان هذه الموجودات تفتقر هي الاخرى الى مدبر حكيم كما يفتقر الانسان هو الآخر الى هذه القوة العظيمة ليقتبس منها ما يجدد نشاطه كما احس افتقارا في كيانه، هذا الانسان الذي يعي بارضه حين تضيق عليه فلا يجد الراحة الا حين يرفع بصره الى السماء ليستريح من تعب الارض وضوضائها ويلتمس في هذه السماء المزينة بهذه الكواكب على اختلاف احجامها، وتفاوت اضوائها، يخيل اليه ان بعضها ثابت وهي هذه النجوم المنبثة، وماهي بذلك، وبعضها الآخر متحرك كهذه الشمس وذاك القمر يتامل ما سمحت به رؤية العين من امر هذه الاجرام فيجدها قد اتخذت  مكانها في الفضاء دون عمد تقف عليه او سند تستند اليه او ركيزة تدعمها فلا تسقط او تهوى الى حيث ينعدم القرار والاستقرار فالكون كله في حركة دائمة دائبة لا تعرف الاستراحة او التوقف، عمل مستمر ودوران يشمل النجوم جميعها ويزداد الانسان تطلعا لهذه السماء التي توحي بالوحشة والهيبة فيرى من امر هذا القمر ما يحير الالباب فيبثه شكواه ويغشي لع سره ونجواه في حديث اقرب الى الروح منه الى المادة، ولكن هذا القمر الذي تبين لنا انه صحراء فقراء لا حياة فيها ولا شعور بالانس نحسه ونحن نطؤه باقدامنا، انه لا يلبث على حالته ولا يستقر منظره، فبدايته هلال وتمامه بدر مستدير ونهايته انعدام ومحاق انه في كل شهر يحكي لنا حكايته عن سائر الموجودات، ولكننا نراه يخاطب هذا الانسان اكثر من غيره ليقول بافصح معنى وابلغ عبرة انظر الي ثم انظر الى نفسك ان لي بداية ونهاية كما هي لك وان هذه البداية لابد ان تتجدد، انني اولد ضعيفا مثلك وبمرور الايام يشتد ازري وينمو جسمي حتى اصير مستديرا كما تراني انني عندئذ اكون في عنفوان شبابي وعز ايامي كذلك انت ايها الانسان حين يقوى عودك وتبلغ مبلغك من الكمال الجسمي ولكن كمالي يتراجع ويافل بعد ان يصيبني الخريف فيتساقط حجمي ويتناقص حتى ينقرض، ولا يهمني هذا الذي يحصل لي ما دمت ارى نهاية جسمك تحادى نهايتي حيث نعود الى الضعف الذي فطرنا عليه فاراك في خريف ايامك واهيا خائر القوى ثم لا تلبث ان تودعني دون رجعة ولكنني استمر متلاطما بين الحياة والموت لا علم بني جلدتك اولئك الذين غفلوا عن موعظتي وغابت عنهم حكمتي عساهم ان يعوها ويحفظوها ولكنني اراهم معرضون. ودوري لا ينحصر فيما قلت لك واسررت به اليك فلي من الخدمات الجلى التي اسديها لك ما ساطلعك على بعضها في حينه، ولكنني سادعك في سكون ليلك هذا الليل الذي لولاه ما عرفتني حق المعرفة ولا رايت هذه النجوم التي تحسبها اقرب اليك من الشمس ولكن بعدها عنها اكبر مما يخطر لك على بال اذ ان هذه الشمس ليست سوى اقرب نجمه اليك، ولكن حقائق الكون تغيب في اعين النائمين اولئك الذين لا يفتحون اعينهم الا وهذه الارض طافحة بنور الشمس فتنمحي آيات الليل لتبدو حقائق النهار بارزة للعيان جلية للعميان من الناس، اولئك الذين احكموا اقفال عقولهم عن تسرب أي نور، وضربوا بينهم وبين آيات هذا الكون باسوار من النسيان حالت بينهم وبين التعرف على خباياه او فك ما استعصى من الغازه ورموزه، واقتفاء حكمه واستخلاص الفائدة من ثبوت نظامه، ونادر من هذه البشرية من تصدق فيهم صفة الانسان العاقل المفكر الجدير بتحمل الامانة والقيام بالمسؤولية وكثير منهم لا يحجبهم عن الحيوان الاعجم الا هذا الفرو الآدمي الذي يتسترون وراءه، ولو اتيحت لك الفرصة وجالست هذا الصنف من البشر لخرجت بنتيجة تعرفك قدر هؤلاء حتى لكاني بك تردد قول الشاعر :
ورب راكب بغل له عقل بغله
                       تامل ترى بغلا على ظهره بغسل
وهذه الفئة الضالة من القوم هي اشد الفرق نكرانا للحق واناى الناس عن الاهتداء الى الصواب واكثرهم جهلا بمعرفة بعض اسرار هذه الحياة وما تطفح به من المواعظ والذكريات، وهم بذلك اشد الناس بعدا من الايمان والتصديق بقدرة الله الظاهرة في كل شيء والواضحة في عمل كل مخلوق، ذلك الخالق الكريم، والمدبر المقتدر الذي ما اوجد هذا الكون الا لغاية وما ابدعه الا لحكمة، ولكن الحكمة تغيب عن كثير من الافهام بل تختفي حتى فيما نعانيه من محسوسات فكيف بنا نحاول ان نلمسها بايدينا او ناتي من طريق الغيب.
انها محاولات عابثة تاتي دائما عن طريق الجهل والغرور وهما صفتان دميمتان، غالبا تعوقننا عن الوصول الى عين الحقائق كما قدر لنا ان نعرفها لا كما نريد نحن ان نفهمها.
ان في الكون نظاما اكبر مما يتصوره الناس، نظاما غزيرا بالحكم مليئا بالمواعظ عاجا بالفوائد تجلب آياته انظارنا باستمرار ويدعونا للتفكر والتامل والقيام بالبحث الذي سيكشف لنا لا محالة عن جانب العظمة والدقة فيه، فنحن نعيش على هذه الارض، ونجهل الحساب الذي وضع لها لتكون صالحة لحياتنا ودوام وجودنا بل لعلنا عشنا قبل اليوم ولم نفكر في مثل هذا  الامر مطلقا، وحين تفاجئنا الرياح ويشق آذاننا صفيرها لا ندري من امرها شيئا، ولكننا نقوم باحكام اقفال ابواب النوافد والبيوت حتى لا تداهمنا وتقطع علينا سكوننا وراحتنا، وربما تمر هذه الزوابع دون ان نتدبر آثارها في الارض ووظائفها العديدة التي تقوم بها في خدمة الانسان المتمرد. وتتساقط الامطار كلما حركها محرك او اقبل موسمها المعتاد فلا نعرف الحركة التي ادت بالارض لتجتمع فيها هذه الفصول الاربعة، ولكننا نكتفي بالتذمر من هذه القطرات كلما بللت ثيابنا واجسامنا ضاربين عرض الحائط بفوائد هذه القطرات بالنسبة لغذاء سائر الكائنات والتي نحن امة من اممها الكثيرة العدد. ونشاهد القمر فينسينا التغني به ما ينوء به من اعباء وما يضطلع به من مسؤوليات لصالح هذا الانسان فما المد والجزر لا من جاذبيته لها اكبر من التقدير الحالي لكان بحر عبارة عن لا حد لطوله ولكان كل نهر كالطود العظيم وهذه الشمس التي تولد مع كل فجر يوم وتموت مع طلوع كل ليل دون تخلف عن الميعاد  وكل هذه الاشياء التي لا حصر لها ولفوائدها بالنسبة لارضنا واشباهها واضرابها التي تعتبر اساسية لبقائنا نمر عليها غافلين غير مهتمين ولا آبهين، لان تعودنا لما نشعر به يوميا وما نعانيه وما الفنا رؤيته من هذه العوارض منذ كان وجودنا وعيا كاملا كل هذه الحيثيات والاعتبارات زرعت في نفوسنا شعورا بعدم الاكتراث حتى لكاننا بمعزل عن هذه المظاهر الواضحة لا نعرفها او نديرها ولا يلفتنا اليها الا بعض الظواهر القوية التي تاتي مع فصل الشتاء، او الكوارث الطبيعية التي تحدث من حين لآخر، وهذه الغفوة التي نركبها مستانسين بما تفيض به علينا من كسل فكري هي وحدها التي تثبطنا عن كل محاولة نريد ان نقوم بها للبحث في خبايا هذا العالم الكبير المليء بالعجائب والمعجزات، واذا كانت هذه النجوم التي لا يعرف الكثير منا الا هذا الضوء الخافت الذي ينبعث منها، فهم معذورون بحكم بعدها عن متناول حواسهم ولكن ارضنا بما اختلف فيها من مظاهر وتعددت فيها من صور وتنوعت فيها من مفاجئات كفيلة بان تفتح السبيل للعقول الفضة الطرية عساها ان تنشا وتكبر على حب الاستطلاع والكشف، وتترقى مع مرور الايام من النظر الى الارض الى السمو نحو السماء، ومن يمكنها ان تصل الى دلائل وجود الله سبحانه فتؤمن ايمانا يقينيا بحقيقة الله الكبرى ايمانا اساسه العلم لا ايمان التبعية والتواكل.
فهذه القبة الزرقاء التي نسميها السماء والتي تعلقت في فضائها هذه الكواكب والمجرات بدون امراس تشدها اليها ولا حبال او سلاسل تحفظها من الزوال والاندثار والتي يحسبها الجاهل كانها مسامير دقت على مائدة فاذا كنا نراها عن بعد لا تلبت مكانها ولا تبرحه فهي في الحقيقة تدور بسرعة متفاوتة وحسب الحاجة والضرورة التي فرضهما مدبر هذا النظام، فليست دورة الارض حول نفسها وحول الشمس كدورة القمر مثلا ان لكل منهما حسابا لا ينبغي ان يحيد عنه وهذا دليل آخر على وجود القوة التي سخرت لنا ذلك بعلم وميزان اذ ان هذه الحقائق والاعتبارات الملموسة لابد انها صادرة عن ارادة حكيمة فوق هذه الماديات وطبيعة هذه الاجرام العائمة في الفضاء فهي تجري كما قال تعالى "الى اجل مسمى" ولا يمكنها ان تختصر الاجل او تنقص من ارقامه او زمنه قيد انملة، ولا يمكنها ايضا ان تخرج عن مسارها ومدارها الذي تدور فيه، اذ ان في خروجها عنه الفناء بعينه كما ذكرنا سابقا، فهذه السحب التي تتكاثف في طبقات الجو متراكمة على بعضها كما نشاهد ذلك، ثم لا تلبث بفعل الرياح التي تعتبر بالنسبة لها لقاحا لها ان تنبسط وتتمدد حتى يمكنها ان تسقي اكبر مساحة ممكنة ولن تظل قليلا على انبساطها حتى تمطر السماء ودقا يخرج من خلال الدخان المترامى وقد تجرف الرياح هذه السحب وتحملها الى اماكن نائية فيبقى زعمك باطلا لا نصيب له مما توهمت من قبل وانت في كل هذه الاطوار التي مر منها هذا السحاب قبل ان يصير ماء عذبا مباركا سائغا تجهل القدرة التي اوجدت هذه الشمس وركزتها في مكان موزون لتحفظ هذه المياه المترجرجة على الشاطيء من ان تتحول في لحظة من الزمن الرهيب من لطف كان بالاحياء خفيا الى جحيم امسى قاسيا لا يطاق ولفرغت هذه المساحات من هذه المياه التي هي اصل الحياة جميعا. ومن تبخر هذه المياه بالقدر المعين وتصفيتها من املاحها استطعنا ان نشرب مطمئنين آمنين على صحتنا من التدهور والتلاشي، وتعلمنا من هذه العملية الكيماوية كيف نستخلص المياه من غير املاح ونحول ماء البحر الى ماء صالح للشرب والشقي. ولو كانت هذه الشمس ابعد عما هي عليه الآن من مركزها لجمدت مياه هذه البحار بفعل انعدام الدفء الذي يحافظ على سيولتها وصلاحيتها ولتحولت الى قطعة من الثلج الصلد ولسكن هذا النسيم وجمدت التبعية هذه الكائنات ولماتت جميع النبتات ولاصبحت هذه الارض قفراء لا حركة فيها، وفوق كل هذا فان الجاذبية التي تجذب الارض الى الشمس ستختل ايضا وقد تضيع الارض في هذا الفضاء الى حيث لا نعلم له مصير، ففائدة الشمس  بالنسبة لحياتنا تتجلى واضحة في الموضع الذي وضعت فيه لا في وجودها فقط فقربها منا موت وبعدها عن مدارها موت هو الآخر، اذا ان سطح الشمس وحده يحتوي على ستة آلاف درجة من الحرارة ومركزها قد تصل حرارته الى نحو الاربعين مليونا من الدرجات كما اخبر بذلك العلماء المختصون، وهي حرارة مذهلة البعض منها كفيل بان لا يبقى او يذر فجدوى الشمس هو المكان الذي وضعت فيه وما كان ليتيسر ذلك الا بقدرة قادر مقتدر عرف الاشياء وقدرها مسبقا واحاط علمه بالماضي والحاضر والمستقبل فلم تغب عنه غائبة انه الحقيقة الكبرى التي لا تضاهيها حقيقة في الوجود.
وفي دوران الارض حكمة بالغة منها الفصول الاربعة ونشوء الرياح وغير ذلك من المزايا العديدة التي اعدت لهذا الكائن الحي المفكر الناطق ليؤدي دوره ورسالته بحرية واختيار في هذه الحياة ويتحمل بعد ذلك تبعاته وجزاء ما افتريته بيديه، اذ لو كان هذا الانسان مصيرا لما تجرد الى العصيان ولكانت اعماله التي تصدر عنه جديرة بالتقدير والتقديس والاحترام، فلو جرت الارض باسرع من حالها الطبيعي لانفلتت من قوة الطرد ولاتخذت وجهتها نحو الشمس وعند اقترابها منها سوف ينعدم كل معنى الحياة على الارض، اذ ان الحرارة فوق الطاقة والاحتمال، وعندئذ تسيل كل عناصرها حمما ماحقة وتصبح قطعة ملظاة من اللهب المحرق عند ملامستها للشمس ولن يقف الامر عند هذا القبيل فان جميع السيارات التابعة للشمس ستخرج عن صمتها وهدؤئها وسكينتها لتعود الى الشمس بحكم الجاذبية، ولنفرض ان سرعة دوران الارض تضاءلت قوتها المعهودة وخفت فجاة عن مالوفها، فان مصيرها لا شك سيكون كمصير القمر اذ سيطول ليلنا، وربما يمتد اسابيع كما ان نهارنا سيطول بنفس المدة او اقل منها بقليل، وعندئذ سيتقلص نشاطنا على هذه الارض الى حد كبير كما ان كثيرا من النباتات الضرورية لحياتنا ستافل وتضمر لان حرارة الشمس واشعتها بالنسبة للنبات عموما كالوقود بالنسبة لمحرك السيارة اذا انقطع عنه توقف عمله وبطلت حركة السيارة بالتبعية والضرورة، كذلك الشمس بالنسبة للنباتات. افلا ترى الاعشاب وهذه الازهار والورود التي تتفتح مع بزوغ الشمس في كل صباح حتى لنحسب ان لها عضلات قابضة وباسطة تستقبل اشعة الشمس ونورها؟ وكان هذه البراعم اللينة كالادرع حين تتسع بالاحضان؟ افلا ترى هذه النباتات تستيقظ كلما لاح نور الشمس ليبعث فيها الدفء وكانه بعثها من موت محقق او ايقظها من النوم كما يوقظ الحبيب محبوبته في رفق، افلا تشاهد هذه الاحياء تدب وتسعى وتعمل وتكد، حتى اذا جن الليل تلمست الراحة ليتجدد بعد ذلك نشاطها، فلو ان هذه الشمس ضلت تتوسط هذه السماء اسابيع دون ان تغرب او كانت الارض ثابتة لما كان هناك ظل نستظل به، وفي هذا المعنى السامي يقول جل من قائل "الم تر الى ربك كيف مد الظل، ولو شاء لجعله ساكنا، ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ثم قبضناه الينا قبضا يسيرا". ان مثل هذه الصورة الغير المحتملة قادرة على ان تحول كل اخضر الى هشيم يابس، ولضل عنا انهتدي الى عدد السنين والحساب، واستقر لنا على الارض حرث حرثناه او بذور بذرناها بايدينا.
ان النظام الذي تسير على ضوئه وناموسه هذه الارض ليس عليه من مزيد وثبوت هذا النظام دليل على ضرورته للمحافظة على سائر الكائنات التي تستوطن هذا الكوكب وما نظام الارض الا جزء ملموس من النظام العام الذي يشمل سائر اطراف هذا الكون العظيم. ومن آيات الله الواضحة ان تقوم السماوات والارض بامره وتنصاع طائفة لارادته ومشيئته منذ كان هذا الكون شيئا مذكورا. ومن ثم يعرف الله.
                                                             

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here