islamaumaroc

الدعوة الإسلامية في حصار الإعلام الجاهلي

  دعوة الحق

العددان 151 و152

ليس من قبيل الصدفة، ان يكون على راس جل اجهزة ومراكز الاعلام الحديث، في كثير من البلاد الاسلامية افراد من عينات خاصة، مهما اختلفوا في المشارب، وتباينوا في الاتجهات، فهم مجمعون على العداء للفكرة الاسلامية، وتبييت النية لمحاربتها، واضطهاد اهلها، باسلوب او بآخر. ويبدو واضحا من خلال ما تقدمه وتفرزه هذه الاجهزة ان الامر لا يجري اعتباطا، وكيفما اتفق، وانما هو خاضع لمخطط دقيق يقضي باحلال افراد جاهلين بالاسلام، حاقدين على اهله، في مراكز ذات حساسية ونفوذ وتاثير وسلطان فكري وثقافي، واسناد المهام التوجيهية والتخطيطية الى ذوي الفكرة الاجنبية، والميل الشديد الى الشرق او الغرب.
ولعل المتامل في واقع الاعلام الحديث، في البلاد الاسلامية، يدرك بسهولة حقيقية لا سبيل الى انكارها، الاوهي سيطرة الافكار الاجنبية، وهيمنة المذاهب الهدامة على المراكز الاعلامية الهامة ذات الفعالية التي لا تنكر التاثير على الشعوب وصياغة الراي العام. واقرب مثال الى الاذهان التخريب الاعلامي الذي مارسته في داب واصرار الصحافة اليهودية والماسونية الشيوعية في تركيا المسلمة، حتى اصبح البلد المسلم، ومقر الخلافة الاسلامية، وكرا للفكر الهدام، ومطمعا لمؤامرات اعداء الاسلام من كل جنس ولون. وفي غير تركيا، كان الاعلام الحديث الخاضع للجاهلية المعاصرة، يقف دائما وراء كثير من حملات التصفية الجسدية والارهاب والتنكيل، التي يتعرض لها المسلمون في بلدان كثيرة. اضف الى ذلك مؤمرات الانفصال والتجزئة وتشتيت الشمل، واذكاء الحزازات والتعرات القومية، واشاعة العداوة والبغضاء بين الاخوة في الله، وفي البلد الواحد احيانا. كما ان الاعلام الجاهلي الحديث يقف وراء العزلة القاتلة التي تفرض على بعض الشعوب الاسلامية، والاقليات المستضعفة المغلوبة على امرها من امة الاسلام، في الشرق او في الغرب، والتي لا يعرف من حقيقة امرها شيء الا ما تكشفه بين الحين والآخر بعض المؤتمرات الاسلامية، او بعض الصحف الاسلامية الملتزمة. هذا بينما يقع التركيز الشديد، وباستمرار وتدفق اخباري، على احداث دولية معينة يسلط الضوء عليها باعتبارها احداث الساعة وجانبا من ماساة الانسانية المعذبة، وان كانت احداثا ثانوية لا تثير اهتماما جادا. ويتم ذلك، في الوقت الذي تعاني شعوب اسلامية كثيرة اشد العنت والعسف والاضطهاد والتشريد والتقتيل. وتبقى المنابر المستنكرة لهذه الاوضاع، لاتتعدى، في الغالب الاعم، اصابع اليدين.
وبهذا الاسلوب الخبيث، الذي لا ياتي اعتباطا على كل حال، يحاصر الاعلام الجاهلي الدعوة الاسلامية، تماما كما كان الاستعمار العسكري من قبل يحاصر بلدانا اسلامية متعددة في شرق وغرب العالم الاسلامي. فالاعلام الحديث، في هذه البلاد، يعتبر بحق وحقيق، امتدادا طبيعيا للوجود الاستعماري الذي كافحت وجاهدت الشعوب المؤمنة بربها ضده على مدى ازيد من ثلث قرن، ولا زالت تجاهد جهادا شاقا للتخلص من آثاره ومخلفاته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ومن هنا ندرك، كما وقد مر بنا من قبل، خطورة الدور التخريبي الذي يمارسه الاعلام الجاهلي في كثير من الخبث والدهاء السياسي، تنفيدا لمؤامرات الاستعمار الشيوعي والراسمالي واليهودي على حد سواء.
ويلعب الاعلام الجاهلي الحديث، بالاضافة الى ذلك كله، دورا خبيثا في تعميم المفاهيم المعوجة والمنحرفة عن الفطرة السوية، ويروج لها، على الخصوص، في المناطق الاسلامية، كمحاولة محبوكة لاجتثاث جذور الايمان واقتلاعها بالمرة. وهذا تمهيد مناسب لتوطيد دعائم الاستعمار والتمكين لنفوذه المباشر. وفي هذا الجو الموبوء، ينتشر الالحاد، ويقوي الارتباط بركائز الاستعمار والشيوعية واليهودية العالمية، حتى يصير من الخطر على المرء ان يناقش في الفرق بين "اليهودي" و "الصهيوني"، وتصبح جماهير الشباب من اشباه المثقفين يثقون في مفكرين يهود ويرون فيهم الامل، ويلتمسون في افكارهم الخلاص. وحتى تستوفي اللعبة شروطها، كان ضروريا ان يصحب هذا الكيد والتآمر المواصلين، حركة نشيطة وجادة، تستهدف عزل القيادات الاسلامية من مفكرين وادباء وكتاب وصحفيين وعلماء من مراكز الاعلام، او عرقلة نشاطهم الاعلامي باسلوب او بآخر. وفي ذلك اماتة للفكرة الاسلامية، وتمكين – من جهة ثانية – للافكار الهامة، باخلاء المجال لها وحدها، تبث السم الزعاف، وتقدمه لجماهير المسلمين في طبق من ذهب. وكان من نتيجة هذا العزل، وهذه العرقلة ان ينفرد الفكر الهدام باجهزة الاعلام، وبقع صياغة الراي العام في البلاد الاسلامية، وفق القاعدة التي يخطط لها في العواصم الكبرى، ويراد لها ان تؤدي الى اضعاف الشعوب الاسلامية، وابقائها مرتبطة بالاستعمار، شرقية وغربية. وتلك مؤامرة خسيسة وخبيثة لم تنته ادوارها بعد(1).
ولقد اجتمعت القوى المحركة للاعلام الجاهلي على "ضرورة" حصار الدعوة الاسلامية في نطاق ضيق تمهيدا "لخنق انفاسها" على حد تعبير كاتب عاق. ويفزع هذه القوى، ان ينتشر الفكر الاسلامي، ويكسب انصارا جددا، في مناطق تعتبرها خاضعة للهيمنة الاستعمارية، وفي مامن من "الغزو المضاد"، ويدفع بها هذا الوضع المحير لاذهان الجاهليين الى الحرص الشديد على حصار الفكرة الاسلامية والكيد لها والتآمر عليها بشتى الوسائل.
ويمكن للدارس المصنف المنزه عن الاغراض ان يتتبع الاعلام الجاهلي المعاصر في محاربة الدعوة والفكر الاسلامي. ومجال هذا العمل الهدام ذي الدوافع اليهودية ينحصر في المراكز التالية :
1 – الصحافة (جرائد سيارة، صحف ومجلات اسبوعية وشهرية، ومجلات دورية متخصصة..). وهنا يلاحظ ان جل رؤساء تحرير هذه الصحف من ذوي الميول الاجنبية. ويستثنى من ذلك مجموعة ضئيلة من المجلات ملتزمة بالخط الاسلامي، قائمة بالدعوة والتبليغ، خائضة غمار الصراع الايديولوجي المرير الذي يكاد يفضي الى سحق شامل للفكر الاسلامي، لا قدر الله. وفي هذا الصدد يؤكد المستشرق المبشر "جب" في كتابه "وجهة الاسلام" الذي خدم به اهداف اليهودية العالمية.. يقول : "ان الصحافة هي اقوى الادوات الاوروبية واعظمها نفوذا في العالم الاسلامي". ولكن هذا لا يهمنا بقدر ما تهمنا تاكيدات "جب" على ان مديري "الصحف اليومية" ينتمون في معظمهم الى "التقدميين"، كما نقل ذلك عن كتاباته مؤلفا كتاب : "التبشير والاستعمار في البلاد العربية". والصحف، بالاسلوب الاعلامي الجاهلي لاتني  تنشر الالحاد والضلال، وتدعو للمبادئ الهدامة ولما يخالف العرف والتقاليد. وكما يقول اديب الحجاز الاستاذ احمد عبد الغفور عطار في كتابه القيم "الزحف على لغة القرآن"، فان هناك كثيرا من الامثلة والادلة تبرهن على ان في صحافتنا من يقومون بتنفيذ مخططات الاستعمار والصهيونية والشيوعية، وكان لها اوكارا في دور صحفنا" ص 229. ونجد الكاتب الفاضل يقول في فقرة اخرى من نفس الصفحة : "وليس من المصادفات وبين بعض الكتاب في نشر ما يهدم الاسلام ويزلزل الاخلاق ويزعزع العقيدة ويدعو علانية لمذاهب الهدم ومباديء التخريب". واذا كان يحدث هذا في صحافة تصدر في بلاد مقدسة، فما بالك بالصحافة في البلاد الاخرى؟!.
2 – الاذاعة. وهذا جهز اعلامي له من امكانيات التاثير ما يستطيع به ان يقلب الاوضاع راسا على عقب، في امكانه ان يبني، وفي امكانه ان يهدم، ان يصلح وان يفسد. ولكن الملاحظ في جل البلاد الاسلامية، ان الاذاعة استغلت ابشع استغلال في بث الشك والبلبة في العقول، وتحريف الناس عن دينهم ومقومات وجودهم. وكان في الامكان ان توجه الاذاعة لصالح الانسان، ولنشر تعميم القيم والمفاهيم والافكار والمشاعر الخيرة، او بعبارة جامعة كان في امكان هذا الجهاز الاعلامي الخطير ان يخدم الفكرة الاسلامية بكيفية معمقة وعلى نطاق، خصوصا اذا اخذنا بعين الاعتبار ان نسبة هائلة جداء من ابناء الاسلام لا تعرف القراءة والكتابة. ولكن القوى المحركة للاعلام الجاهلي الحديث، استخدمت الاذاعة، الا فيما ندر، لمحاربة الدعوة الاسلامية وحصارها.
3 – التلفزة, وهذا جهاز آخر يملك امكانيات مدهشة. والحق ان توجيه اجهزة التلفزة في البلاد الاسلامية الوجهة الصالحة، كفيل بتعزيز جانب الايمان وتقوية العقيدة وتبصير الناس بحقيقة دينهم. ومن عجب ان الصلبيين الجدد عرفوا كيف يستغلوا التلفزة للتبشير، حتى اصبحت المجامع المسيحية في اوربا – مثلا – تستغني عن كثير من اساليب التبشير القديمة التي لم تعد تواكب العصر، وتعتمد اعتمادا كليا على التلفزة. فهل استغلنا نحن هذا الجهاز لخدمة الدعوة الاسلامية، على الاقل وسط الجماهير المسلمة، لا خارج نطاقها !؟.
4 – المسرح. وهذا القطاع الفني، هو الآخر جهاز اعلامي غني بامكانيات التاثير، غير انه اسيء استغلاله، واستخدم في تشويه حقائق الاسلام، والتشهير برجاله، والتشكيك في معتقداته.
5 – السينما. ولقد احسن كثير من دعاة الافكار الهدامة استخدام السينما لتبليغ ما يؤمنون به. وفي المشرق الاسلامي استخدموا السينما في تنفير الجماهير المؤمنة من الفكرة الاسلامية، بطريقة التركيز على الجوانب السوداء، وتسليط الضوء على الاخطاء والانحرفات الشاذة عن قاعدة الاسلام. وقد حاربت السينما، في البلاد الاسلامية، الدعوة الاسلامية محاربة لا هوادة فيها، وكانت خير مبشر بمعطيات الحضارة الغربية، وشوهت التاريخ الاسلامي كاشنع ما يكون التشويه، وافسدت الاخلاق والاذواق، واوهت عرى الاسرة.
تلك هي اهم المجالات التي نشط فيها الاعلام الجاهلي الحديث في محاربة الدعوة والفكر الاسلامي، فخلق رايا عاما في البلاد الاسلامية بالولاء، ويرى "الخلاص" في الفكر والحضارة الغربية او الشرقية، ويمقت الاسلام واهله، وينفر منه، ويزور عنه. ولعمري ان هذا لمكسب عظيم لدعاة الهدم والتخريب، يدعونا الى استدراك الامر قبل الامر قبل فوات الاوان.. فهل من مجيب؟ !


(1) مند حوالي اربع سنوات قابلت في احدى عواصم البلدان الاسلامية بالمشرق، داعية اسلاميا معروفا بمؤلفاته القيمة وجده وجهاده في حقل الدعوة الاسلامية. وعلمت منه انه حظر عليه الحديث من الاذاعة والتلفزة والكتابة في الصحف السيارة مع ابقائه في منصبه الكبير باحدى الوزارات فاستغربت من مثل هذا القرار في حق مفكر مسلم. فالرجل لم يفصل من وظيفته، وهي دات مكانة وسمعة، وانما حيل بينه وبين مخاطبه الجمهور المسلم من اجهزة الاعلام. فليتامل المرء ! وليحكم بع ذلك على دقة مؤمرات الاعلام لجاهلي لحصار الدعوة الاسلامية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here