islamaumaroc

المنهج القرآني في التشريع

  دعوة الحق

العددان 151 و152

احب شيء الى الانسان ان يكون منطلقا لا يتقيد بشيء بل يفعل ما يشاء، ذلك لانه يعتد بنفسه، ويعتز بحريته وشخصيته، والله تعالى قد امد الانسان بالفهم والعقل والتفكير، فمن العسير عليه ان يتخلص من هذه الفطرة الطبيعية التي فطر عليها، ومن شاء ان يثنيه عن طبيعته، ويلويه عن فطرته وقف منه موقف العداوة والخصومة دفاعا عن مقوماته الشخصية..
والله تعالى يعلم من الانسان ما لا يعلمه من نفسه، حيث خلقه وسواه وعدله بحكمته وقدرته : "الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير" ولما جاء الاسلام لينقد البشرية مما تردت فيه من شتى النقائص والرذائل – كان المجتمع العربي قد بلغ النهاية الممقوتة في الفساد، ولم يكن في النفوس آنداك استعداد لقبول أي تشريع سماوي او وضعي، حيث القت نفوس العرب حياة الاباحية والفوضى، والانطلاق الذي لا يتقيد بنظام او قانون، فلا يخضعون الا لسلطات عقولهم ووجدانهم، وويل لمن اراد ان يملي ارادته عليهم..
لذلك نرى ان القرآن الكريم في سياسته التشريعية عهد الى التدرج بهم، واخذهم بالملاطفة والملاينة، حتى تنقاد تلك النفوس الجامحة، وتعود الى الرشد، فتذعن للقانون السماوي عن تبصر وروية، بعد تفهم وتدبر..
لقد مكث الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة يمهد تلك القلوب القاسية للايمان، ويعالج تلك الاكباد الغليظة بالحكمة ليخرجهم من عبادة الاوثان، ونزل القرآن في هذه الفترة مجملا يركز الدعوة الى المبادئ العليا في التوحيد وافراد الله تعالى بالعبادة، وانه ليس من العقل ولا من الكرامة ان يعبد الانسان الاوثان والاحجار...
وبهذا الاسلوب الحكيم وبهذه السياسة الرشيدة جاء القرآن الكريم "تنزيل من حكيم حميد" ولو جاءهم بالاحكام والقضايا والتشريعات مفصلة. وفرض عليهم قبولها قبل التمهيد لما قبلها احد منهم، ولما كان ذلك مستساغا لديهم، حيث كانوا ينفرون من السلطة والتشريع، ويرون فيها ذلة وخضوعا، لا تقويما واصلاحا...
لهذا كانت الدعوة في الفترة الاولى (المكية) مقصورة على تعريفهم بالله الذي خلق السموات وما فيها والارض وما عليها، وان جميع الخلائق مدينون له سبحانه بالخلق والايجاد، والتهذيب والارشاد، حتى اذا تشربوا هذه المبادئ، واطمانت اليها قلوبهم وارتاحت اليها ضمائرهم – جاء التشريع التفصيلي بعد ذلك فتقبلوه واعتنقوه طوعا وكرها، وهذه هي الحكمة في الدعوة التي قال الله فيها "ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"...
وفي الفقرة الثانية من البعثة النبوية المباركة التي كانت مدتها عشر سنوات حيث هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه الى المدينة نزل القرآن بالتشريع مفصلا، ولكنه تدرج في التشريع شيئا فشيئا، لانه يعالج الامراض الاجتماعية والخلقية، والنواحي الدينية والدنيوية، ومن الطبيعي المعروف ان الطبيب ينصح بتعاطي الدواء جرعة جرعة بين الحين والحين، ولو اخذ المريض الدواء دفعة واحدة في وقت واحد لكان ذلك ايذانا بهلاكه، كذلك لم يات التشريع طفرة واحدة فيثقل عبئه، ولا يطاق حمله، بل تمجه النفوس، وتنفر منه الطباع، فلننظر الى تشريع القرآن في تحريم الخمر مثلا، وهي التي كانت تخالط عقولهم وارواحهم، ومنتهى سلوتهم ورفيقتهم في سمرهم ومجونهم وحديثهم، حتى قالوا ان ميمون بن قيس الشاعر الشهور بالاعشى، والمعروف بصناجة العرب – ذهب الى النبي صلى الله عليه وسلم فركب ناقته، وساله بعض الناس : الى اين يا ابا بصير؟ فقال : اني ذاهب الى محمد لاسلم. قالوا له : انه يامر بكذا. فقال نعم انا التمر بامره، وانه ينهى عن كذا. فقال نعم وانا انتهي بنهيه، ثم قالوا له : انه ابا بصير ينهى عن الخمر فقال : اما هذه فلا، ثم قال سارجع وامكث الى العام المقبل، ثم اعود الى محمد بعد ان يكون قد شبعت من الخمر، يقال انه وقع بع ذاك من فوق ناقته فدق عنقه فمات. هكذا بلغ حب الخمر في نفوس العرب، لهذا تدرج التشريع القرآني في تحريمها على اربع مراحل...

1) جاء في سورة النحل وهي مكية : "ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا" ومعنى هذا انهم يتخذون من التمر والعنب امرين : السكر والرزق الحسن – وهو الذي لم يتخمر فهو رزق حسن – واما السكر فمتروك امره لحكم العقل..

2) ثم نزل قوله تعالى في سورة البقرة : "يسالونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس" ثم قال : "واثمهما اكبر من نفعهما" ومفهوم ان ما كان اثمه اكبر من نفعه لا يقبله العقل السليم فهو تلميح لابعاد الخمر من المتاع المباح – وتمهيد لما ياتي بعد تحريم الخمر والميسر...

3) ثم نزل قوله تعالى : "يايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" من سورة النساء – فهذا تحريم للخمر في حالة الصلاة فحسب، وتعتبر هذه المرحلة الاولى في التحريم تمهيدا لحريتهما تحريما قاطعا

4) ونزل بع ذلك التحريم النهائي في سورة المائدة، وهو قوله تعالى : "ياايها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" وهذه نهاية المراحل في التحريم..
هذا مثل من امثلة التدرج في الاحكام – اذ ام يكن التدرج في التشريع خاصا بالخمر وحدها – وانما سقت مراحل التحريم فيها كنموذج لمل جاء به القرآن من معالجة قضايا المجتمع ومشاكله، وكيف قضى على عاداتهم المستاصلة في نفوسهم، والممتزجة بطباعهم، حتى يعدهم لقبول التشريع السماوي عن طواعية واقناع..
وهناك من العادات المرذولة الربا مثلا فان التدرج في تحريمه يكاد يكون شبيها بالمراحل التي مر تحريم الخمر، وكذلك كثير من العادات المقبوحة التي كانوا يمارسونها ويتوارثونها حتى جاء التشريع القرآني فكشف لهم عن خبثها واضرارها. فتطهروا منها، لارضوخا واستسلاما ولكن تجاوبا مع مصلحتهم واعترافا بما ينطوي عليه هذا التشريع من مثل عليا، واسرار ومنافع يرقى بها الافراد والجماعات...
وفي الفرائض والمامورات سار المنهج القرآني على هذا المنوال من اليسر والتبسيط حتى يسهل على المرء القيام بادائها وتحمل مشاقها، قال تعالى : "لا يكلف الله نفسا الا وسعها" مع بيان الحكمة في كل امر او فرض، وشرح الهدف والعلة التي من اجلها فرضت الفرائض ووضعت الاحكام..
ولعل في معاملة القرآن للناس حين ياخذهم بالتدرج، ويسوسهم بالرحمة والتلطف قدوة للداعين، ونبراسا للمرشدين فيعالجوا قضايا المجتمع ومشكلاته بمثل ما عالج القرآن تلك النفوس التي طال عليها الزمن وهي تهيم في ظلمات الجهالة، فلخرجها من الظلمات الى النور، ومن الغي والطغيان الى الهدى والرشاد، ولو سلك الهداة والمصلحون المنهج القرآني في الدعوة الى الحق، وتقويم المعوج لآتت دعوتهم ثمرتها، وتفتحت القلوب لقبولها، وبرئت من عللها واسقامها، وظهر مجتمع تظلله الفضيلة، وترفرف عليه اعلام المجد، والوية العزة والكمال، وكان مضرب الامثال على مر العصور والاجيال، والله الموفق، وهو الكبير المتعال..
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here