islamaumaroc

اليد

  دعوة الحق

العددان 151 و152

انصرف " المكي دريوش " غالى نحث تمثاله من صخرة صوان منفردة على الشاطىء، اشبه ما تكون بناطحة سحاب، يساعده في مهمته المستحيلة فريق دائم من عمال البلدية والسجناء الشباب وبعض المتطوعين من عشاق في النحث في مدينته الصغيرة.
بعد شهور من الرسم على الورق والتصميم وافراغ اشكال مختلفة التمثال، كما يراه بعين خياله في عينات طينية متعددة الاحجام، في قراره على شكل معين لعمله النهائي.
وبدا بدق سلالم حديدية تصعد بشكل حلزوني حول الصخرة حتى قمتها، ثم اخذ يخط بالجير معالم التمثال وحدوده، ويسجل ارقام عمق الحفر والكشط والشق، ومواطن الثقب للعبوات الناسفة المحدودة.
وكلما انتهى من مرحلة كان ينزل الى الارض ويبتعد عن التمثال فيقف على هضبة عالية تشرف عليه من جهة البر لينظر الى الخطوط في قالب اجمالي ثم يصحح الاخطاء على التصميم بابعاده الاربعة.
واخيرا بدأ العمل..
كانت البغال تجر الحبال مسافات بعيدة في كل اتجاه لترفع المصاعد الخشبية بالعمال في الصباح الباكر نحو قمة الصخرة..وتسمع النوارس المعششة على سفوحها وداخل شقوقها صرير النواعير والجرارات فتنتفض مذعورة، وتنطلق محلقة في الجو تقلب عيونها الجامدة في العمال وهم يحملون المطارق والمعاول ولازاميل والمناحث والمناقش وعلى وجوههم اقنعة حديدية ذات نظارات من زجاج مقوى..
ورحلت النوارس عن الصخرة بعد ان ادركت ان احتلال هؤلاء الغيلان ذوي الوجوه المصفحة لم يكن موقتا؛  وانهم جاءوا ليقيموا والفت "ابو عميرة" وجودهم فكانت تقترب من تحليقها من العمال لتنظر اليهم، معلقة في الفضاء بعين فضولية ثاقبة.
كان المكي دريوش يجتمع مع رفيقه كل صباح فينشر الخرائط امامهم، ويعرض عليهم نموذجه المجسم ليعطيهم فكرة واضحة عن عمل اليوم.. وفي وسط النهار كان يصعد بنفسه ليشرف على العمال الاول، وحين تنتهي المرحلة التمهيدية يتوقف العامل لياخذ مكانه ويبدا العمل الفني..
بدا من القمة العليا يسلخ الشظايا الخشنة بيد صناع ماهرة سريعة الحركة فيبعث الحياة في الصخر الجلمود.. ولم يكن يتوقف الا ليدخن سيجارة او يحسو من كأس شاي بارد الى جانبه او لينظر الى افق البحر الضارب في اللانهاية..
ومن حين لآخر كان يتوقف في حبور صبياني للرد على نورس وقح بالغ في الاقتراب والاحتجاج ثم يعود الى النقش والكشط والتلميع.

وفي لحظة امتد فيها العمل رتيبا لا يتطلب مجهودا عقليا لاحت بذهنه، بعد طول غياب، واحة غناء في صحراء ذكرياته.. فقد مرت عليه سنة ونصف اخرى لا يكاد يرى او يفكر او يحلم بشيء غير تمثاله حتى انه نسى او كاد، تحت ظله المخدر، دافعه الاول لنحته.
ورحب بتلك الصورة الدافئة الباهرة بحماس وشوق لحرمانه الطويل من المجتمع والناس، لا لانها كانت مكتظة بالحياة الاوجه والاصوات والروائع ولكن لانها ارتبطت ارتباطا وثيقا باول شرارة الهام او مضت في ذهنه، وكانها نداء رباني لبناء هذا التذكار الهائل الذي سيخلد اسمه ويجعل مدينته مزارا عالميا للسواح..
وتوقف عن الحركة في شبه غيبوبة لذيذة يستعيد ذكرياته، ويستمرئ النظر الى صورة المراقب "ضومينيك" في حلته العسكرية الانيقة البيضاء، ممتطيا صهوة جواد ابيض يتدلى من فوق كتفيه سلهام يغطي مؤخرة الجواد، وقد لمعت على صدره النياشين والنجوم الذهبية، وهو ممسك بلجام مطيته بيد في قفاز ابيض وباليد الاخرى امتشق سيفه اللماع ووضعه على كتفه في ابهة واعتزاز.
كان المراقب "ضومينيك" يتوسط موكب هديته الى ضريح ولي المدينة بمناسبة عيد المولد النبوي، يتقدمه ثوران فارهان زينت قرونها بالورد والاشرطة الملونة، وخلفهما جوق الجيش الموسيقي في ابهى حلله ثم فرقة الشرف، وبعدها الفارس بجواده المطهم يملأ عرض الشارع وحده وخلفه اعيان المدينة بجلابيبهم البيضاء يرددون الاذكار النبوية بصوت واحد.
كان المكي حينئذ يقف ملتصقا بالحائط على مصطبة احد الدكاكين يتفرج على النهر البشري المار امامه حذرا من ان يجرفه.. وظل بعد مرور الفارس الابيض مبهورا فاغر الفم كانما يعيش حلما من الاحلام لم ينته الى بقية الموكب الذي كان يملأ الشارع طولا وعرضا..
مر امام اهل الحرف والصناع وارباب الدكاكين يتصايحون  بنشيدهم التقليدي :
ياربي وانصر ديننا المحمدي
                    واجعل ختام عزه كما بدي
وانصره ياربي وايد حزبه
                     واملا بنورك العظيم قلبه
وتبع هؤلاء الحواتون والحمالون والخضارون والزبالون، وابناء البوادي والضواحي القريبة يتسلل خلالهم الصعاليك والخطافون بامواس الحلاقة يشقون جيوبهم وهم لاهون يتفرجون على ابطال كرة القدم، في ملابس الملعب، يتبادلون الكرة برؤوسهم من جانب لآخر في مهارة كبيرة، تذكي حماسهم زغاريد حادة تنصب من اكوام متراصة من النساء يثقلن السطوح كصرر صوفية عظيمة يحملقن في الرجال بعيون شبقة اجحظها الكبت والحرمان المستوطن.
وابتسم المكي دريوش في غيبوبته لمنظر ابن حميدو، وهو يرفع وجها يشبه قناع المسرح اليوناني الضاحك، نحو السطوح، لعله يصادف وجها سقط عنه لثامه، وينشد بنظرة ساجية وفم فارغ من الاسنان الا ناب  واحد، ويصيح :
صلوا على الهاشمي
             فمجد طاها نانانا هو
من خلق الله في السماء
            وفي الارض سبحانا نانا هو
احمد مول التاج سيدنا
ولم يكد يتم المقطع حتى صدرت عن حلقه غرغرة فظيعة.. كانت احدى العابثات قد تفضلت فافرغت عليه من فوق سطحها دلو ماء كبير لتبرد همته..
وتعاقبت بعد ذلك الايادي والنعال على راسه وقفاه بالوكزات والصفعات والروسيات تحت دقنه لينفتح حلقه فلا يجيف ! وتذكر انه لم يسترجع كامل انتباهه يومئذ الا حين كان يمر امامه ذيل الموكب المترع بالغلمان والصبيان الصغار حفاة حليقي الرؤوس يلوحون بسعف النخيل والقصب، ويتقاتلون فيما بينهم ويتصارعون وهم يتصايحون :
"ياربي تعفو علينا من مولاي ادريس جينا"
تلك كانت اللحظة بالذات، اللحظة التي اومضت فيها بارقة الالهام.. بقيت صورة المراقب مطبوعة في ذهنه كطيف نوراني تحيط به هالة من البهاء والجمال.. ويجتمع فيه كلما كان يحلم به، كفنان شعبي لبلاده من كمال ورقة واناقة وقوة..

وقر قراره على تخليد ذكرى هذه الصورة بتمثال رمزي يعبر فيه عن كل ما يمثله المراقب بالنسبة لمدينته وبلاده..
ولم يزد، مع الايام، الا اقتناعا بفكرته وعزما على تنفيذها.. فقد كان يترامى اليه مما يشاع بين الناس من ان المراقب الجديد من اصل عربي اندلسي.. وذهب البعض الى اذاعة سر رواه عن بعض اصدقاءه الحميمين من انه في الحقيقة مسلم سرا من الذين احتفظت عائلاتهم باقامة شعائر الدين طوال هذه القرون.. وقد جاء الى المغرب بدافع من ايمانه المكتوم ليعمل على رفع مستوى قومه وابناء ملته..
واكد هذا في ذهنه ما رآه بعينيه من زيارة المراقب للاولياء، ووقوفه طويلا على ابوابها وتقديم صدقات سخية للفقراء العاكفين حولها.. ثم نشاطه الملحوظ في الاجتماع بجميع طبقات الشعب والتباسط معهم واخذ رايهم فيما ينوي القيام به في صالح المدينة.
ترك كل هذا صداه العميق في مجتمع المدينة الهاجعة في ليل دافىء من التخلف، تتلاطم فوقه امواج بحر خائر من الجهل والتواكل واللامبالاة..
واسر المكي دريوش الى بعض اصدقائه بالعمل الفني الذي ينوي الاقدام عليه، فعظم عليه ذلك، والتفوا حوله يحاولون اقناعه بالعدول عن فكرته بكل وسيلة ..
وتزعم الحركة ولد الفقيه الغياط الذي واجه المكي في جلسة "بمصرية الطلبة" ينظر اليه بعينين جاحظتين عن غير قصد، ويميل براسه في حركة لا ارادية كانما يحاول بلع مضغة عسيرة : 
- اخي المكي – اسمع .. الاستعمار ملة واحدة .. لا يمكن للماء ان يصعد العقبة .. اتفهم؟ المراقب، كيفما كان، لن يخدم الا مصالح بلاده .. لذلك هو هنا.
وفتح المكي فمه فقاطعه صوت آخر ثم قاطع هذا الصوت الذي بجانبه، فكف المكي عن محاولة رفع صوته الخفيض بطبعه، وتعاقب النصحاء فانطبق على نفسه كالمحارة يجيل بين الوجوه عينيه، وينظر الى الافواه تنفتح، وتتحرك بداخلها الاسنان الحادة .. ولم يكن يصله صوت ولا معنى لما يقولون..
وفي النهاية احسن طبطبات ايديهم على ظهره يهنئونه على اقتناعه السريع، ويهنئون انفسهم على الانتصار الذي حققوه.
وبلغ المراقب خبر الجلسة فبعث يستدعي المكي دريوش الى مكتبه الفخم، وقابله بحفاوة وترحيب، وجلس مواجها له وسط المكتب وركبتاهما تتلامسان .. وحدثه المراقب بحماس عن الفن والفنانين ومدارس الفنون الجميلة في بلاده، وكيف ينوي هو ان يبعث في المدينة نهضة فنية بين الشباب، ويبعث بالموهوبين منهم الى مدرسة الفنون الجميلة بتطوان ..
وفي النهاية لم يجد المكي بدا من مصارحة المراقب بما قر عليه قراره من نقل مشاعره الخاصة ومشاعر اهالي المدينة تجاه مراقبهم الجديد الذي احبوه لاول نظرة، الى تعبير عملي عن هذه العواطف في شكل تمثال تذكاري يجسم هذه المشاعر ..
وابتهج المراقب وتهلل وجهه، ووقف من التاثر ممسكا يكتفي المكي دريوش يكاد يضمه اليه في فرحة واعتزاز..
وفي تلك اللحظة نادى مساعده الاول وقدم المكي له، وامر على مسمع منه، ان يساعده في كل ما يطلب مهما كانت النفقات وان يصرف له مرتبا دائما طوال مدة اشتغاله في نحث التمثال..
اما الجائزة الكبرى التي كانت تنتظر المكي بعد الانتهاء من عمله الفني العظيم فهي رحلة او منحة دراسية الى اسبانيا لاتمام دراسته تحت اشراف اكبر النحاتين..
وتعرض المكي لنقد شديد من اوساط الشباب الوطني في مدينته .. واتهموه بالسداجة وضعف الشخصية، والخروج عن الجماعة .. ولكن احدا لم يجرؤ على اذايته او المس بكرامته او الالحاح في تعنيقه علما منهم انه يفعل ذلك عن اقتناع وانه لا يقصد منه خيانة لمبادئه الوطنية ولا تحديا لشعورهم .. والتمسوا له الاعذار لحبهم له، ورافتهم به .. فقد كان شخصية دفئة مسالمة لاتحتوي ذرة شر، وتكره العنف بجميع انواعه..
وانصرف هو لنحث تمثاله العملاق بكل حواسه، تدفعه غريزة عمياء لا سلطان له عليها، وكانه نحلة تبني خليتها، اوسمكة تقاوم الشلالات للرجوع الى مسقط راسها ..

وافاق المكي دريوش من اعفاءته الحالمة على صوت بعيد يترامى اليه من قاعدة التمثال ممتزجا بصوت تكسر الامواج، وزعيق النوارس، وصفير الريح الدائم حول قمة الصخرة.
ونظرا الى تحت فاذا صديقه "مبارك" يحرك يديه ويصرخ مثيرا انتباهه .. فرفع قناعه الحديدي عن وجهه، ولوح له بيده..
كان "امبارك" اخلص اصدقائه وحوارييه الذين لم يهجروه يوما واحدا بعد قراره المرفوض من الجميع
- ولم ينسه رغم طوال انعزاله واعتكافه في برجه الشامخ هذا .. فكان ياتي كل يوم فيناديه من تحت ويحادثه بما يجري في المدينة، فكان المكي يستانس به وينتظر قدومه ..
واستطاع المكي ان يفهم مما قاله مبارك ان المراقب ادخل استاذه عبد الباري للحبس، وارسل "الارمادا" بالليل لسرقة ابقاره من غرسته..
ورد المكي بما كان يرد به دائما على مثل هذه الاخبار التي كانت تكشف حقيقة المراقب الاستعمارية، بقوله :
- بالاحسان يملك الانسان .. ولكل امرىء ما نوى..
وبطبيعة الحال لم يسمعه مبارك لخفوت صوت المكي، وبعد المسافة..
وانصرف مبارك، وبقي المكي يراقبه وهو يبتعد كحشرة فوق الشاطىء الممتد بطيئة الحركة كعقرب الساعة.
ولم يبد أي تاثر على وجه المكي بل عاد بعد لحظة الى لبس قناعه وللضرب بعنف على ازميله.. وتعاقبت صور مبارك في ذهنه وهو يخبره باعمال المراقب المشينة في المدينة بانتظام، وفي وقت حدوتها..
- المراقب ضومينيك يقضي وقتا طويلا في المدينة القديمة يغازل بعض الفتيات ..
- صادر المراقب اليوم خطبة امام الجمعة يوم غاب مبارك عدة ايام فظن انه نسبه مثل بقية الزملاء .. وسامحه في سره، وان كان احس بكمد وغصة حامية في حلقه حين ظن انه سمع صوته مرة فنظر الى الشاطىء فلم يجده ..
وفجاة عاد مبارك .. واخبر المكي بانه كان في الحبس مع بقية زملائه ..
وصاح المكي في فرح عارم :
لماذا؟
لاننا كنا نقول : عاش محمد الخامس.
ماذا فعلتم في الحبس؟
لعبنا الكرطة، وحكينا الخرايف وغنينا
وضحك المكي دريوش بالدموع سرورا لعودة صديقه البسيط الوفي .. وانصرف الى عمله بوجه متهلل ..
واشرف التمثال على النهاية ..
وانكب المكي على صقل وتغطية الاجزاء التامة بقلوع كبير حتى لا يتغير لونها بمفعول الطقس وحتى يبقى مفاجاة ليوم التدشين.
كان يعمل على اتمام المراحل النهائية في وقت بعينه كنبي ذي رسالة يخشى الا يبلغها ..
وبعد عامين افرغ المكي دريوش كل قطرة من طاقته وعبقريته في نحث تمثاله العملاق وتعرض فيهما بمفرده احيانا لقسوة البرد وضراوة رياح الشتاء.. وقبع الساعات الطوال وحده تحت تهاطل الامطار داخل جلباب من البلاستيك او تحت احدى انحناءات التمثال مستئنسا بطائر بحري الف وجوده، وحسبه طائرا غير مجنح .. واحيانا للفح شمس الصيف ولهيبها.
وبعد ازيد من عامين انتهى التمثال .. ومع نهايته كل كلام طيب عن المراقب ضومينيك، وزالت الغشاوة عن عيون حتى ابسط الاهالي..
ولكن المكي ظل دائما يجيب عن حكايات الفضائح التي يسمعها من صديقه مبارك بنفس العبارات، ولكن بصوت اخفت منه، وحماس اقل ..
"وبالاحسان يملك الانسان .. ولكل امرىء ما نوى"..
ولم يعرف احد ما كان يدور بخلد الفنان ولا ما كان يصطخب في قلبه..

وحدث ما لم يكن في الحسبان ..
قبل يوم واحد من تدشين التمثال، وفي غمرة الاستعداد لحفلة رفع الستار من فوق الجرف المقابل له، صعد المكي ليركب جهازا من اختراعه على قمة التمثال يمكن بواسطته ان تنحسر القلوع دفعة واحدة عن التمثال يجره حبل.
ولم يعرف احد ماذا حدث هناك على القمة، الا انهم راوا جثة المكي تهوى سابحة في الفضاء من قمة الثمتال، فترتطم ارتطاما شديدا باحد جوانبه، ثم تنطلق هاوية مدة من الوقت لتنغرس في النهاية في الرمل كثلة لحم وعظم ودم هامدة بلا حياة.
وارتاع الناس لنبا الماساة .. وانتشرت الاراجيف ..
واشيع بين الشباب انه انتحر .. قتل نفسه خجلا من تمثاله بعد ان تورط وخاف ان يتراجع.
وصدق الجميع الاشاعة الا واحدا رفضها رفضا باتا قاطعا .. وذلك هو صديقه مبارك .. فقد ظل وفيا امينا مخلصا لذكرى صديقه حتى بعد وفاته ..
كان اول من ذهب ببغلة الفران ليعود بجثمان صديقه ملفوفا في لحاف ابيض .. واخترق براكبه الصامت شوارع المدينة في موكب رهيب ومثير ..
وخرج يجوب المدينة بعد ذلك هاتفا :
المكي لم يقتل نفسه ! زلت قدمه فسقط؛ المكي لم يمت مدبرا .. حاشا لله ! حاشا لله !
كان حزنه على صديقه الراحل من القوة والعمق بحيث تحول الى غضب عارم خام تفجر في محاولة جنونية الى درء تهمة الانتحار عن صديقه ومحوها من عقول جميع الناس.
وشعر زملاء المكي دريوش بالذنب والخجل، واصيبوا بازمة ضمير .. وكانهم قتلوه بموقفهم القاسي منه ..
واغتنم المراقب ضومينيك الفرصة فاصدر اوامره باقامة اعظم جنازة للفنان الشعبي، وتابينه ساعة تدشين تمثاله العظيم ..
وراج بين الشباب استغلال الجنازة والتدشين وتحويلها الى مظاهرة وطنية عنيفة..
وتجمع جمهور كبير على قمة الجرف المشرف على الشاطىء حيث يقوم التمثال .. وانظم الى الحاضرين طلبة وطالبات المدارس بامر من المراقب..
وجاءت لحظة رفع الستار عن التمثال، فتقدم المراقب في كامل زينته الرسمية، وجذب الحبل فانحسرت القلوع الضخمة عن واجهة التمثال ..وشهق الجمهور لروعته وجماله وقوة سحره وجاذبيته
كان عبارة عن يد هائلة مفتوحة الكف نحو الشمال .. اصابعها البديعة الصنع تبدو وكانها توشك ان تتحرك .. عروقها وخطوطها وتجاعيدها وحتى بصماتها توحي بعبقرية فطرية اصيلة ..
وتناول المراقب المنظار المكبر فتفحص اليد بامعان واعجاب، ثم تقدم نحو الرخامة التي وضعها المكي على الجرف لفائدة السواح فقرا باللغتين : "يد المحبة والسلام : هدية وذكرى الى المراقب ضومينيك"
وبعد فترة من الصمت والتامل كان الجميع واقعا فيها تحث تاثير روعة التمثال وتخديره، نطق احد الفنانين الشباب الذين جاءوا من المدن المجاورة لمشاهدة الحادث، فقال باعجاب :
- ياسلام، يا لروعة الرمز !
ورد آخر وهو يتامل قاعدته المغروسة في الرمل :
وحقا، انه لرمز وطني رائع !
واستفسر احد الشبان الفنانين عن حقيقة الرمز فشرحا له :
- انظر الى هذه اليد الهائلة خارجة من تحت الارض .. ماذا تعني في نظرك؟
فرد الشاب بشطارة :
- انا الذي سالت الاول.
- الا ترى؟ انه رمز واضح، تلك يد المغرب المدفون تحت تراب الاستعمار، اخرجها ليتحدى ويستنجد بابنائه ليهبوا لتحريره.
ولم ينتظر الشاب محدثه الفنان ليتم شرحه فانطلق بين صفوف زملائه الشباب الذين جاءوا بنية التظاهر والعنف، ويروي لهم قصة الرمز..

ولم تمض فترة حتى ضج الجمهور كله بالتصفيق والهتاف بحياة ووطنية المكي دريوش .. وصفق المراقب واعوانه وانسحب تاركا اهل المدينة للصلاة على جثمان المكي دريوش وحمله الى مقره الاخير هما يحمل الشهداء والابطال..
ولم يستطع مبارك ان يكتم فرحته العميقة بحكاية الرمز التي انقذت كرامة صديقه فكان يضحك ضحكات متشجنة ودموعه تنهمر وهو يردد.
- الم اقل لكم؟ الم اقل لكم؟
ومضى الصيف ..
وجاء الشتاء اسود كالحا عنيفا .. ورغى في البحر وازيد طيلة الشهور الثلاثة تتصاعد امواجه حتى تكاد تغطي قمة التمثال الشاهق ..
وعصفت به الرياح الغربية محملة برذاذ البحر المالح وحبات الرمل .. وهجر الناس تلك المنطقة كالعادة كل شتاء لبعدها عن الطريق العام .. واستاثرت الطبيعة الغاضبة وحدها بالتمثال تعانقه بامواج المحيط اثناء المد، وبرياح الشمال القاسية اثناء الجزر ..
وبدات اجزاؤه تتآكل .. وتساقطت بعض الاصابع دون ان يعلم احد .. حتى المراقب كان لاهيا في مقامراته ومغامراته من اضطهاد الوطنيين والتفنن في التنكيل بمن تطاول عليه.
وعاد الصيف فهدات ثورة المحيط .. واشرقت عليه الشمس فصفت مياهه تعكس زرقة السماء وعادت النوارس من مهاجرها، وبدا السواح يتوافدون على المدينة للصيد والسباحة والتفرج عليه ..
واندهش الذين راوه بعد مرور الشتاء للتغيير الغريب الذي طرا عليه .. وتناقل اهل المدينة اخبار ذلك التشويه المضحك او التعديل شبه المقصود الذي ادخلته ايدي الطبيعة الجامحة على تمثال فنانهم الراحل ..
وتقاطر الزوار افواجا للتفرج والضحك باعلى اصواتهم على ما سموه "بنكتة القرن" ووصل الخبر للمراقب فخرج بنفسه ليتاكد من صحة ما سمع ..
وحين وصل الى قمة الجرف كان جمهور غفير من الناس يقفون في مواجهة التمثال العجيب وبعضهم يتمرغ في الارض من شدة الضحك ..
ووضع المراقب نظارته الشمسية على عينيه لينظر الى التمثال الذي كانت كل اصابعه قد تساقطت الا الوسطى .. فقد ظلت قائمة تلمع تحت شمس الزوال في زهو واستعلاء.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here