islamaumaroc

من خلالها عبادتي

  دعوة الحق

العددان 151 و152

لو كان لكثير من الناس قليل من المعلومات الاضافية عن بعضهم البعض لكان من الممكن ان يدخلوا على آرائهم عدة تحسينات هي في حاجة اليها في اغلب الاحوال، ان لم يكن في جميع الاحوال، فان اخطر الاراء وابشعها هي تلك التي يبدو عليها انها غير قابلة للجدال، وتلك التي تتسلل من راس عن طريق الالسنة في هدوء الظلام، مستغلة ميل حسن السماع البشري الى ما شذ او ما بشع او ما استثار عن حقائق الحياة والاحياء.
ان جميع سكان الحي يعتقدون – ما عدا سيدتي بالطبع – انني امراة تميل الى الفظاظة، وبها قسوة، وتكره الرجال، وتدعو الى الحذر، وانني لابد ان اكون تعرضت في طقولتي لحادثة مثيرة من قبل رجل ما، او لاعتدائه او تنكيله او شيء بشع من هذا القبيل، فاصبحت مخلوقة شاذة لا تطيق ذكر الرجال، وان لم يهمني ذلك منهم في يوم من الايام، بيد ان ما حدث منذ برهة يدعوني الى ان ادير هذه الخواطر في خلدي، وما حدث في نعومة ويسر، وتم في سكون شامل، ولكن كان له رد فعل الزلازل في ثنايا اعماقي، قصة قصيرة لم تضم في طياتها احداث الدهور.. ادفات لسيدتي ماء وضوئها ووضعت السجادة بالقرب من سريرها، حتى اذا ما قامت للصلاة ذهبت كما اعتدت ان افعل كل ليلة لاعد الشاي لسيدتي على غير ما عجل لانني اعرف انها تطيل صلاة العشاء لانها خاتمة عبادتها اليومية، ولذلك فانه يجب ان تمد في وقفتها بين يدي الله، وتتلو ذلك بذكر اسمه حتى اذا ما انتهت اوت الى فراشها، في الوقت الذي اكون انا قد انتهيت فيه من اعداد الشاي لها فان الشاي قبل النوم – كما اعتادت تقول – يدفيء القلوب في الليالي قارصة البرد خلال فصول الشتاء... وجلست اتامل وجه سيدتي وهي تتناول الشاي فادهشني ان اشراقا غير عادي يتلألأ في محياها قد خالطته سماحة فليلة النظر... لم اكن اعرف شيئا عن حقيقة ما يجري... ولو كنت اعرف لجريت وانا اصرخ في كل اتجاه... وتبتسم لي سيدتي وهي تعيد الى الفنجان، وتوصيني بان انام مبكرة اذا اردت ان استيقظ مبكرة كما تتطلب حياة من ينشدون العافية، ثم تضع راسها على وسادتها، وعندما كنت احكم الاغطية حول اطراف جسمها – يا الاهي فارقت الحياة.. ! 
                                                   - 2 -
اصبحت يتيمة الابوين في سن الرابعة من عمري وكفلتني خالتي العجوز، وكان من الممكن ان تدخل تصرفاتي الصبيانية السرور عليها، ولكنها لن تفعل بل انها على العكس من ذلك ادخلت الضجر خلال الاعوام الثلاثة التي سلختها في هذه الكفالة، وكانت السيدة المسجاة امامي الان صديقة لخالتي، وذات يوم حدث ان كانت السيدة تقوم باحدى الزيارات التي اعتادات ان تقوم بها لمنزل خالتي – وكانت قد قامت بيني وبينها مودة متبادلة لم تستعمل فيها لغة غير لغة النظرات – صفعتني خالتي صفعة قوية بمحضر السيدة لانني عثرت بصينية الشاي وحطمت جميع ما فوقها من اكواب، فاستشاطت غضبا وطردتني من المنزل.
وعندما وصلت الى الشارع كان علي ان اكفكف دموعي... لابحث لنفسي في تلك السن المبكرة عن  منقد في ظلمة الحياة الدامسة التي وجدت فيها نفسي فجاة... وان كنت شعرت في زاوية مجهولة من اعماقي بالارتياح للتخلص من شراسة خالتي التي عانيت منها ما عنيت خلال اعوام ثلاثة قصيرة، بدت في حياة طفلة في السابعة من عمرها كانها تاريخ كامل من تتغيص سرمدي... وكان من حسن حظي ان بحثي عن منفذ في  ظلمة الحياة الدامسة التي وجدت نفسي فيها لم يطل... ذلك ان السيدة ما لبثت ان ظهرت الى جانبي لتضع يدها الناعمة على راسي وهي تقول : لقد انتهت متاعبك يا بنية، فتعالي معي "فشعرت على الفور لاول مرة في حياتي شعورا صادقا بان الحياة غير خالية من الرحمة... وان الاهمال الذي يكتنف الانسان ويغمره – وخصوصا في مرحلة الطفولة – مجرد وهم او خرافة، او مقدمة ذات غرض مقصود.. الم يكن من الطبيعي ان تشعر يدي وهي قبضة المخمل الدافئة بغبطة التخلص من الم تلك اللطمة الطائشة تاتي خدي من يد شقيقة امي ذاتها... ان يد الحياة تعرف اذن كيف تتلبس قفازا من حرير، كما تعرف في بعض الاحيان كيف تتلبس قفازا من جديد..
                                                   - 3 -
وسرعان ما توثقت بيننا وشائج مودة عميقة كانت تتمثل في حدبها على وفي ما كنت ابديه من تفان في خدمتها سواء في المنزل او حينما ترسلني الى السوق في امانة وصدق، وقد جمعت بين قلبينا شعورنا بوحدتنا القاسية في الحياة، بالرغم من اننا كنا على طرفين متناقضين من السلم، فقد كانت هي تعيش وحدتها بعد ان توفي زوجها الذي ورثت عنه ثروة صغيرة، ولكنها لم تنجب منه اطفالا، وكانت تسلي نفسها بزيارة صديقاتها في اول الامر، حتى اذا ما تقدم بها العمر انقطعت عن ذلك في هذا المنزل الذي اصبح صومعة عكوف... ومع مرور الايام تعلمت ان اقوم بواجباتي في خدمتها. فان مطالب السيدة محدودة... وجبات طعامها دائما خفيفة... ثيابها دائما نظيفة... اطرح لها حشية فراشها واغطيتها في الشمس حينما تستيقظ من نومها...ثم اعد لها افطارها ريثما تتوضا وتؤدي صلاتها... فاذا انتهى هذا كله انطلقت الى السوق لاشتري حاجيات المنزل... ثم اعود لانظف وارتب واطبخ... ثم اعد لسيدتي فنجانا من القهوة في ساعة معينة قبل ان يحين موعد الاستعداد لاداء صلاة الظهر... وتنام بعد وجبة الغداء الى ان يحل ميعاد صلاة العصر... وتجلس في الشرفة في انتظار حلول ميعاد صلاة المغرب... ثم يحل ميعاد صلاة العشاء والصلاة واعداد الشاي قبل النوم كما حدث اليوم... وتنساب بها الايام لا تكاد تختلف في شيء، ولكن صورة راضية مرضية لا يعرف الملل او الضجر اليه أي سبيل...
وكنت اجلس اليها عند الانتهاء من عملي في الشرفة احيانا او بالقرب من فراشها احيانا اخرى، وكانت تروي لي ما يشبه فصص الاطفال في اول الامر، حتى اذا ما اشتد عودي واخذت تحدتني عن الحياة وما لها فيها من ذكريات ايام الشباب، وما طر على الدنيا من تغير، بلهجة خالية من التذمر، وعامرة بالاهتمام... ولم يتغير أي شيء في حياة السيدة الرتيبة الى ان فرغت من تناول الشاي الان... حينما توقف كل شيء... انطفات الشعلة... وانتهى كل شيء... واصبحت وحيدة في الحياة مرة اخرى كما وجدت نفسي بعد اللطمة التي اهوت بها الحالة على خدي... كانت منذ لحظة مثل دنيا مزدحمة ثم اصبحت فجاة في مثل فراغ اليباب... دنيا من نور طواها فجاة ظلام...سرمدي... صلاة حارة خنقتها يد قاسية من الجليد.
منذ لحظة واحدة فقط كانت واقفة بقامتها المديدة تصلي وهي تتجه من آن لآخر ببصرها الى السماء... هل كانت تشعر بانها تقترب من السماء.؟ كان وجهها يطفح بالسماحة والبهجة كما لو كانت تحيط بها ملائكة لا ترى... كانت تصلي وتذكر وتركع وتسجد وتتمتم... ثم اذا بها جثة لا حراك بها... كنت احب سيدتي في جميع حالاتها ولكنها كانت تبدو لي في اوج عظمتها حيثما تنصرف الى الصلاة وتنهمك في تمجيد الله وعبادته... كانت قطعة موسيقية من الصلاة... بقامتها المديدة... وسحنتها الشاحبة... ونظرتا الصافية... وصوتها المتهدج... وجلالها الوقور.
                                                   - 4 -
اعتادت سيدتي ان ترسلني الى البقال من آن لآخر لشراء هذا الشيء او ذاك من لوازم المنزل عدة مرات كل يوم، وعندما اخذت اقترب من ربيع عمري، وكنت في نحو السادسة عشرة انتابت لهجة البقال نغمة جديدة وهو يتحدث الي... وبدا وجهي يتهلل كلما رآني مقبلة، ولا يخفى سروره بقدومي والوحشة التي يشعر بها فور مغادرتي لدكانه... واعتبرت ذلك امرا عاديا في اول الامر... ولكن سرعان ما بدات  استحسنته... ثم اقابله بالتشجيع... فقد كان فتى لطيف المعشر، عذب الحديث، في صوته نبرة صادقة، وفي عينيه نظرات صافية تستقران في عيني وهو يتحدث الى دون مواربة او تلاف... انه من هؤلاء الرجال الذين ينظرون في عينيك حينما يتحدثون اليك... واذا تغيبت عنه – وكنت افعل عمدا حينما شعرت بانني احبه لاثير لواعجه – كان يبعث الي رسائل قصيرة تفيض باللوعة والصدق.
واستبقاني ذات في دكانه الى ان خلى من الزبناء ثم سحبني من يدي الى مسكنه الذي يقع خلف الدكان، ثم رفع راحتي الى شفتيه وطبع عليها قبلة حارة عقب عليها بان الحياة على هذا النحو لاتطاق، فهو يريد ان يراني كما يشاء ولذلك فهو يطلب يدي، ويريد ان يمزج بين حياتنا، ولذلك ايضا فهو يريد ان يتزوجني، وهممت بان اداعبه باننا لا نزال نعيش في العصر الذي كانت تبرم فيه هذه الامور من طرف واحد على مايبدو، ولكنني وجدتني بين ذراعيه هائمة في قلبه ضغط بها على شفتي حرارة قلبه، وفي مساء ذات يوم وضع خاتم الخطوبة في اصبعي بمحضر السيدة وفي غرفتها.
وبدانا نرتاد دور السينما او نختلف الى الحدائق العامة او نقتصر على البقاء في منزله، لنتناجى او نهزل او نضع الخطوط العامة لمستقبل حياتنا المشتركة، فاذا كنا في منزله دار الحديث بيننا عن الاثاث الذي سوف نضعه فيه، والشكل الذي يجب ان يكون عليه، والالوان التي يجب ان تنتقى، وقد يحتدم بيننا الخلاف لينتهي بالضحك والدعابة.
                                                   - 5 -
هالني ذات يوم ان الاحظ ان تغيرا طرا على سيرة سيدتي، فبدات تدخل المطبخ الذي لم تزره منذ سنين، وبدات تستبقني الى وضع ابريق الماء على الموقد، ثم وجدتها تتهالك على نفسها وهي تجر اغطيتها على الارض لتضعها في الشمس فسارعت الى مساعدتها على ذلك قائلة ان هذا عملي وليس عملها، فلما جاءني جوابها استيقظت من غفلتي، قالت لقد آن الاوان لان اتعلم من جديد كيف اباشر شؤوني، لاكون على استعداد لذلك حينما تتزوجين".
اتزوج؟ لم يخطر على بالي من قبل ان زواجي معناه التخلي عن سيدتي، فتذهب الى السوق، وتنظف وتطبخ وترتب المنزل وتغسل ثيابها، فلا يبقى لها أي وقت لمزاولة رياضتها الروحية في عبادة الله، ان صلاتها تبعث الدفء في السماء وتنشر السرور بين الملائكة... وقد رضي الله عن سيدتي وارضاها فكيف اقف في وجه رضى الله.. كلا هذا لن يكون... ان الزواج حياة نعم.. ولكنه مجرد حياة، اما خدمة سيدتي فعبادة.. كلا، هذا لن يكون... لن اتزوج وافارق سيدتي واسلب الملائكة من سرورها.
قالت السيدة ان هذه حماقة، ولذلك فانني سوف اتزوج وانجب الاولاد واعرف الحياة... وانها سوف تتعلم تدبير شؤونها مع مرور الايام... فهلا عرفت سيدتي انها تطعن في السن وانها ستضعف مع مرور الايام... وان الملائكة سوف تزداد سرورا بعبادتها كلما طعنت في السن... لا يا سيدتي لن اتخلى عنك وانت احوج ما تكونين الى لاساعدك على عبادة الله، وادخال السرور على قلوب الملائكة، لا هذا لن يكون...
ولن يكن هذا مجرد خواطر عبرت براسي في ساعة من انفعال.
                                                   - 6 -
كنت قد ازمعت امري حينما دف جرس المنزل فعرفت انه جاء ليستطلع سبب تغيبي عنه عدة ايام، واستجمعت قواي وانا اتجه الى الباب لافتحه، ولما فتحته رايته واقفا امامي، فلم انردد لحظة واحدة، وانما قلت له، وهو ينظر الى غير مصدق، قلت له :
هذه رسائلك، وهذا خاتم خطوبتك خدها واغرب عني، انني لا اود ان اراك مرة اخرى مدى الحياة، فاحدر ان تقترب من هذا المنزل مرة اخرى، ليلا يحدث ما لا تحمد عقباه.. اغرب عني...
ولما اخذ يفيق من الدهشة، وبدا عليه انه سوف يحاول ان يستفسر عن جلية الامر، اردت ان اعبر له مدى تصميمي، فصرخت في غضب : "اغرب عني، قلت لك".
وعلى اثر هذه العبارة مباشرة صفقت في وجهه الباب بشدة لم اعهد لها مثيلا في نفسي من قبل وحملقت بعد ذلك في الباب وانا مرهقة اسمع، وسمعت خطواته المتثاقلة تبتعد، وهناك سقطت على الارض انتحب تائرا للضربة القاضية التي اهويت بها على راس ذلك الفتى المسكين لانقاد سيدتي – التي فاضت روحها منذ لحظات – في شيخوختها المتبثلة، من متاعب الحياة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here