islamaumaroc

خطاب العرش

  دعوة الحق

العددان 151 و152

وجه جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله صباح يوم السبت 3 مارس 1973 من مدينة فاس خطابا الى شعبه الوفي بمناسبة الذكرى الثانية عشرة لاعتلاء جلالته عرش اسلافه المنعمين وقد تطرق العاهل الكريم في هذا الخطاب السامي الى مواقف المغرب الدولية وجهوده المبذولة على النطاق الخارجي، كما تناول حفظه الله قضايا التنمية في البلاد ومراحل التطور التي قطعتها المسيرة المظفرة، واعلن صاحب الجلالة عن وضع الطابع الشريف على قرار يقضي استرجاع الاراضي التي كانت ملكا للاجانب، وقال ابقاه الله ان امتلاك الارض حق المواطنين، كما اعلن نصره الله عن قرار بمغربة القطاعات، واشار صاحب الجلالة في خطابه الكريم بهذه المناسبة السعيدة الى بعض الوجوه التي ازاحت عنها القتاع وناصبت المغرب العداء هدفها التشكيك وتعويق التنفيذ لما رسم المغرب لمصيره من خطط ... وتطرق الخطاب الملكي كذلك الى قواتنا المسلحة فاكد جلالة الملك ان جيشنا العتيد كان كما عرفناه وخبرناه جنة هذه البلاد الوافية ودرعا التي تصون وتذود وتدفع النوائب والعوادي.
وبخصوص مؤزارة المغرب لاشقائه العرب اشار جلالة الحسن الثاني الى ان مناصرة المغرب انتقلت الى المناصرة المسلحة.
وكان جلالة الملك قد تقبل ايده الله قبل ذلك بالقصر الملكي في فاس تهانيء اعضاء الهيئة الوزارية يتقدمهم الوزير الاول السيد احمد عصمان، واعضاء السلك الدبلوماسي والوزراء السابقين وكبار الموظفين المدنيين والعسكريين واصهار جلالة الملك ووفود الاقاليم، والوفد الممثل لعمالنا في فرنسا، كما تقبل حفظه اله تهانيء السيد انزوايكانغاكي الامين العام لمنظمة الوحدة الافريقية ومساعدة السيد سحنون وزير خارجية تشاد.
وبهذه المناسبة سلم جلالة الملك الرتب العسكرية الجديدة للضباط الذين تمت ترقيتهم ومن بينهم الكولونيل الحاتمي الذي رقى الى رتبة كولونيل ماجور
حضر حفل التهاني الى جانب العاهل المفدى صاحب السمو المكي ولي العهد الامير سيدي محمد وصاحب السمو الملكي الامير مولاي عبد الله.
وفيما يلي نقدم النص الكامل للخطاب الملكي الكريم :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وءاله وصحبه
شعبي العزيز
تكتسي حياة الامم والشعوب المفطور على ايثار المثل العليا المجبولة على اقتناء المحامد والمكارم الوانا شتى تختلف باختلاف الازمنة والعصور وتتباين بتباين الظروف والملابسات فتارة تزهو هذه الالوان وتشرق وتارة اخرى تتجهم وتكفهر تبعا للاحوال الهنية الرضية والحقب المتازمة القاسية، وتلك سنة الله التي فطر عليها الامم التي تتجافى عن المسالك الدمنة السهلة وتختار الطرق المؤدية الى اعز الغايات وانبل  المقاصد ولو كانت السبل المختارة محفوفة بالمكاره مكتنفة بالاخطار، وما كان لبلادنا التي حددت لارتقائها ورفعتها اغلى الاهداف ورسمت لنموها وازدهارها الخطط الطماحة والبرامج التواقة وتمكن من نفوس ابنائها العزم على ان يكون لوطنهم بين الاوطان الكلمة المسموعة والصيت الطائر ان تشذ عن قاعدة الانتقال بين حالات اليسر والعسر والشدة والهناء، فقد عاشت بلادنا ردحا من الدهر لم يشب صفاء حياتها كدر ولا شائبة وامتحنت خلال حقبة قصيرة مرتين وتعرضت لخطرين كبيرين.
بين ان الله الذي عودنا لطيف صنعه وكريم فضله انعم علينا وعليك في بحر هذا العام بان حاطنا كما حاطك بجميل رعايته واضفى عليك سوابغ عوارفه ووقى بلادنا مغبة السوء الذي اريد بها وعاقبة الشر المستطير الذي كاد ان يصيبها والكرب العظيم الذي اوشك ان يحل بها ولولا ان من علينا وعليك فحمى وصان كيان الدولة ودرا ودافع عن الاركان والمقومات والدعائم والمؤسسات التي تعتز بها اعتزازك بها سلف لوطنك من مجد وتحرص عليها حرصك على كل ما يزين حاضرك من ضروب التكريم.
فالحمد لله الذي احبط التدبير الشنيع وقدر لكيد الكائدين الفشل الذريع وعاقب الزيغ والضلال وعرف الاحلام المتنكرة المستخفة عافبة الغدر والاجرام واذاق النفوس الفاسدة والضمائر المدخولة وبال الانحراف الاثيم ونكال الطمع الوخيم وله الحمد والثناء على ان ابقى ءاصرة الالفة موصولة بيننا وبينك ورابطة الوفاء المتبادل وثيقة العرى مكينة وهيا لنا على رغم محاولات التفريق والتبديد اسباب الاسترسال في العمل الخالص لوجهه والسعي الموقوف على مرضاته، وان من ءالاء الله علينا واياديه البيضاء قلبنا المستوجبة لدائم الشكر ان ثبت قواتنا المسلحة الملكية بالايمان الثابت واشعر بقلوب افرادها على اختلاف مراتبهم صحيح الوفاء لشعارهم وصادق لاخلاص لمقدسات بلادهم ومكين الولاء لمصالح الوطن العليا، فلم تستهوهم الاطماع الرذيلة ولم تستمل نفوسهم الاغراض الخسيسة ولم يجرفهم جارف الغواية والضلال الذي باء البغاة المتمردون بعاره وشناره بل بقوا متمسكين بحبل الله المتين متشبثين بالخلق القويم سائرين على النهج الواضح المرسوم واعين متبصرين ملتزمين بامثال الواجبات مؤدين لاشرف الامانات، ولقد كان حادث شهر غشت الاخير وحادث عاشر يوليوز قبله بعام امتحانا قويا لقواتنا المسلحة الملكية محص الله فيه القلوب تمحيصا واختبار اعلى الله به كلمة الحق وعطر به صفحات العز والاخلاص والوفاء والولاء – "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين" – فكان جيشنا العتيد كما عرفناه وخبرناه جنة هذه البلاد الوافية ودرعها التي تصون وتذوذ وتذفع النوائب والعوادي وسيظل بعون الله اهلا لجميل ظننا وظن شعبنا متحليا بافضل السجايا متصفا باشرف الصفات ذائع الصيت شائع الذكر نابه الشان سباقا الى المكرمات.
شعبي العزيز
لقد شاءت ارادة الله، ولا معقب لحكمه ولا ناصر سواه، ان نجدد العهد في هذا اليوم الذي نحتفل فيه واياك تحت سماء هذه المدينة الحبيبة المجيدة بالذكرى الثانية عشرة للقائنا التاريخي ونوطد العزم على اننا سنواصل سيرتنا المظفرة بتاييد من الله وتسديد هدفنا المشترك الاسمى وقصدنا الاوكد الاسنى ان تتبوا بلادنا بين مختلف الامم والشعوب المكانة المرموقة التي تتناسب وما انطوى عليه ماضيها من صفحات لامعة مشرقة وتتوافق وما لها من تطلع لا يبلى على مر الايام وطموح ينطلق باستمرار بانطلاق الاشواط المتجددة والمراحل المتولدة.
ويسعدنا ايما اسعاد ان يطابق احتفالنا بذكرى جلوسنا على عرش اسلافنا المنعمين احتفاء مدينة فاس وتمجيدها لذكرى مرور الف ومائتي عام على تاسيسها فاتفاق هذين العيدين ان هو الا موعد آخر من تلك المواعيد التي تكلفت الاقدار بتسيرها بيننا وبين التاريخ.
ولئن كان احتفالنا بذكرى اليوم الموعود يمد الذاكرة كل عام بما افضينا اليه بجهودنا المشتركة من نتائج تشكل الخطى التي خطوناها في ميادين متعددة دون تردد ولا توقف ولا سام فانه يوم جرت عادتنا فيه ان نخاطبك مستعرضين للاطوار والمراحل والعقبات التي نعتزم اجتيازها ونتوخى طيها ونقصد الى تذليلها.
الا اننا نود قبل الالمام بما وفقنا الله اليه من وجوه السعي والوان التحقيق والانجاز وما نامل ان يوالي لنا فيه تاييده المعهود وتيسيره المحمود ان نسترعى سمعك الى شان نرى ضرورة مواجهته باليقظة والاستبصار، ذلك ان خصوما لبلادنا وما بالامر من خفاء ازاحوا القناع عن وجوههم وناصبونا العداء سرا  وعلانية مزيفين مغالطين فاكثروا من الاراجيف واخذوا يبسطون بانتظام المزاعم الباطلة والاكاذيب السافرة من غير ان يصدر.ا في حملتهم النكراء هذه عن سبب معقول او عذر مقبول والهدف الواضح من هذا التدخل الاجنبي في شؤوننا ان هو الا الوصول الى تضليل العقول والافكار وشل الارادات وتعويق التنفيد لما رسمناه لمصيرنا من خطط محكمة بناءة، وان الزم ما يلزمنا حيال هذا اللدد وهذا الاستهتار ان نمضي في سبيلنا المستقيم لا نزيغ عنه ولا نحيد عدتنا النية الصادقة والعزم الصحيح والايمان الذي تتكسر على حده محاولات التشكيك والتثبيط والتوهين وليس هذا التصرف الاخطل باول داء تواجهه بلادنا فقد صمدت قبل هذا الوقت لمثيله من الادواء بالحزم الذي لا يفل والعزم الذي لا ينثنى والعقيدة السليمة المتينة التي انتهى بها المطاف بعد الامتحان والابتلاء الى الفوز المبين والنصر المكين.
على انه من اليسير ربط المسببات باسبابها واستجلاء حقيقة الدوافع بالرجوع الى اصولها ومصادرها. واذا كانت هذه الاسباب والدوافع لا تستند الى عهد معهود ولا الى موثق مشروع ولا تقوم على مبدا واحد من المبادىء المتفق على سلامتها فان مردها عند التحليل الى المشاعر التي تساور بعض الناس كلما ابصروا ءايات التفاؤل والاستبشار والنعمة والرخاء متالقة في وجوه غيرهم  فليس الناس كلهم بقائلين ما يحب ويشتهي لمن يلقي خيرا او يظفر بمرام، وان كثيرا من الحنق والبغضاء ليتولد في النفوس من معاينة الفضائل ومشاهدة المكارم، ثم ان الخصائص التي يمتاز بها بعض المجتمعات عن غير ذنب لا يغتفره الممعنون في وجوه التخلف الا يوم تتقلص الصفات المميزة والفوارق التي تباعد بين المجتمع الغفل والمجتمع المرسوم، ولو كانت الاحوال جارية على نسق واحد والمستويات راسية على حضيض مشترك لسكن الهوج وانقطع البهتان ولنهضت الحجة واستقام البرهان لزعماء الاغفال من المجتمعات، ولكن ذنبك شعبي العزيز انك تربا بنفسك ان تستقر في قرار وضيع وتكره ان يصيبك الخمول وانت تصبو الى النباهة وتستنكف من الركود وانت مولع بالحركة وتستقل القناعة بالنزر اليسير وانت تشرئب بمطامحك الى الجم الغفير.
وان وقفة قصيرة عند بعض النتائج التي بلغت وادركت في ميادين مختلفة لكفيلة بتاكيد الثقة في نفسك وتدعيم مالك من يقين بحسن مصيرك وسواء تعلق الامر بالمجال الداخلي او بالمجال الخارجي فان وطنك والحمد لله موفور الحظ والنماء والازدهار والسمعة الطيبة والذكر الشائع المحمود، واسطع برهان على ذلك اذا صرفنا النظر الى التطور الاقتصادي خلال حقبة المخطط الخماسي الذي انتهى بانتهاء السنة الميلادية المنصرمة هو التوسع المحقق المرتكز على اطراد نمو الانتاج، ولقد صاحب هذا النمو طوال هذه المرحلة ازدياد في حجم التصدير كان له اجمل الاثر على الميزان التجاري، وفي اثناء هذه المدة التي توالت الاستثمارات العامة والخاصة بصورة تبعث على الرضاء والارتياح وتحسن ميزان الاداءات تحسنا ملموسا وتضاعفت اموالنا الخارجية كما تضاعفت القروض لفائدة الاقتصاد، ولئن دلت هذه النتائج المجملة على شيء فانما تدل على ان القطاعات الفلاحية والصناعية والتجارية ظلت مطبوعة بطابع حيوية دائبة، ولو انحصرت مساعينا الناجحة في هذا المجال دون غيره لعددناها ناقصة ولاعتبرناها غير ملبية لجميع الرغائب ولذلك اولينا بالغ الاهتمام للجانب الذي تتكامل به الاهذاف فاستفرغت الدولة بالاضافة الى الجهود المبذولة بغية تحقيق التنمية الاقتصادية جهودا كبيرة صرفناها لصالح التنمية الاجتماعية فتتابعت تضحيات الامة في سبيل التعليم واستمرت العناية بالصحة العمومية وشؤون العمل والعمال ووقفنا حظا غير يسير من رعايتنا على موظفينا سعيا منا وراء تحسين امكاناتهم بتحسين مستوى اجورهم.
ولقد كان من المحتمل ان يتاثر اقتصادنا وبالتالي مجهودنا الا جتماعي بما طرا على نظام النقد الدولي من اضطراب واعتراه من هزات ولكن عملتنا بقيت والحمد لله سليمة متينة على رغم ما اتسمت به السياسة التي نهجناها في المضمارين معا من شجاعة واقدام.
وسنواصل بعون الله جهودنا المتمثلة في تقريب الشقة بين الموسر والمعسر ورفع الدخل القومي وتوسيع نطاق الرخاء والازدهار وانطلاقا من حرصنا الشديد على تكثير موارد شعبنا وتعزيز امكاناته ومقدراته وتيسير اسباب العمل النافع لابنائه وافساح مجال الحركة لاهلياتهم وصلاحياتهم فقد وضعنا طابعنا الشريف على ظهير يقضي باسترجاع الاراضي التي كانت ملكا للاجانب تطبيقا للقاعدة المرعية المحترمة التي تصرح بان امتلاك الارض حق للمواطنين وحدهم وستوزع هذه الاراضي وفق مقتضيات  الاصلاح الزراعي على فلاحينا الذين لم يستفيدوا بعد من التوزيع، على ان استرجاعنا لهذه الاراضي سينفذ في نطاق ما اثر عنا مباشرة مثل هذه الاعمال بالطرق التي تحاشى الاخذ دون عطاء وتجتنب المصادرة البحثة والاستقصاء، ومن جهة اخرى وضعنا طابعنا الشريف على ظهير يقضي بمغربة قطاعات وبقصر طائفة من الانشطة المنتظمة لعدد كثير من المجالات على المغاربة دون سواهم ويوضح مدلول الطابع المغربي لاصناف الشركات فاذا اضفت الى هذا اننا اتخذنا التدابير التشريعية اللازمة لتحديد مياهنا الاقليمية والمياه التي تمتد اليها السيادة المغربية وتنفرد فيها هذه السيادة بالملكية المغربية لثروات الصيد البحري ادركت شعبي مدى سعينا لتوسيع منادح العمل الذي نامل ان يدر عليك وعلى ابنائك الخير الكثير.
ولئن كانت رغبتنا ملحة في ان تتعبا جميع الطاقات وتتنازر مختلف الامكانات والصلاحيات للاخذ بنصيبها من البناء الذي نقيم صرحه بالعزيمة التي لا تكل، فان حرصنا لا يقل الحاحا واستمرار على ان تم الاعمال المرسومة المقررة في اطار الملكية الدستورية التي ابينا الا ان يكفل نظامها الحريات ويؤمن للهيئات السياسية والمنظمات النقابية ان تمارس الحقوق المكفولة ممارسة لا تند عن طريق القانون ولا تتجاوز الحدود المشروعة.
هذه شعبي العزيز بعض الجوانب دابنا الموصول في الصعيد الداخلي الممنا بها الماما لتبيين المقاصد والغايات المحققة من المشارع والمنجزات، وتكميلا للصورة وتتميما لها نود جريا على عادتنا في مثل هذه المناسبة ان نطلعك مجملين على جوهدنا المصروفة في الصعيد الخارجي.
تعلم شعبي العزيز ان بلادك جزء لا يتجزء من الوطن العربي والوطن الاسلامي والوطن الافريقي وان مايعني هذه الاوطان وينتشر في رحابها من سكينة واطمئنان وفرح وابتهاج او يقض مضاجع ابنائها من قضايا معضلة وحالات مستعصية لا يقتصر على استرعاء انتباهك وانما تؤثر هاتيك الشؤون والمشاعر وهذه القضايا والحالات في نفسك تاثيرها في نفوس اخوانك الافارقة او العرب او المسلمين حين تبتسم لهم الآمال وتعتريهم المسرة او تتنكر لهم الايام ويستقبلهم الدهر بما يكرهون، وانت الى هذا جزء من البشرية جمعاء تعتبط باعتباطها وتتالم لحزنها والمها فانت المشاطر والمقاسم لسراء الانسانية وضرائها يعنيك من امر سكان العصور ما يعنيهم على السواء، فانطلقت سياسة وطننا وفق الماثور والمشهور في تاريخنا من المنطلق الذي تحتمه القرابة الماسة وتفرضه المواطنة الواسعة ويوجهه الشعور المرهف باوجب الواجبات ولم تلبث بلادنا بعد انتظامها في سلك المحافل الدولية والمنظمات الاممية ان سمعت كلمتها في سائر الدوائر والجهات داعية الى الوئام والسلام عاملة على تثبيت دعائم المحبة والوفاق والتعاون والتضامن منددة بالظلم والعدوان ساعية في استتباب العدل والانصاف متمسكة باقدس المثل والمبادىء واسمى العهود والمواثيق، فلما حل باخوانك العرب ما حل من مكروه واصابهم ما اصابهم من سوء وعدوان اندفعت بلادنا تناصر صفوفهم وتؤيد مواقفهم وتناضل عن كرامتهم وتكافح دفاعا عن حقوقهم المهضومة وطلابا برد اراضيهم المغصوبة، وهاهي تتجاوز اليوم طور التاييد والتعضيد المتمثل في الاستنكار والمطالبة والدعم المادي والمعنوي لتدخل طور المشاركة الفعالة بالمناصرة المسلحة لاحدى الشقيقات من دول المواجهة – وستظل سياستنا الخارجية شعبي العزيز قائمة على الحق عاملة على ازهاق الباطل مصروفة الى تعزيز اسباب الامن والسلام وتوفير بواعث الدعة والاطمئنان.
وان من دواعي السرور والارتياح ان اخذت تباشير السلام تلوح في آفاق منطقة كانت الى عهد قريب ميدان تطاحن وصراع ومجال تدمير وتحطيم والامل وطيد ان تكلل المساعي المبذولة باستتباب الامن الشامل ويحالف الاتفاقات المبرمة استقرار السلم في سائر انحاء تلك المنطقة وارجائها.
وسيكون من اسباب اطراد التفاؤل والاستبشار والارتياح والاطمئنان والفرح والابتهاج ان تتلو هذه الخطوة الحميدة خطوة اخرى يتحقق فيها الامل الذي طالما راود النفوس وشغل الافكار الا وهو نهاية التطاول والعدوان والاستلاب والاغتصاب والتنكيل والتقتيل في الاراضي العربية والبقاع المقدسة، وانا لنهيب بقادة الدول الكبرى وساستها ان يمارسوا ما لهم من نفوذ وسلطان لتعود المياه الى مجاريها والحقوق الى اصحابها وبذلك يستقر السلام في هذه المنطقة الهامة من مناطق العالم، ويرجى للبشرية الامن والهناء.

شعبي العزيز
هذه جملة من منجزاتنا ومواقفنا عرضناها عليك لتستبين من خلالها مدى اهتمامنا بشؤون مملكتنا، ولو اننا ضمنا هذا الخطاب جميع ما انقطع اليه الفكر واشتمل عليه التدبير وامتدت اليه الجهود واحاطت به العناية لامعن خطابنا هذا في التبيين والتفصيل ولاتسعت اجزؤه وتعددت ابوابه، وقد تتبعت شعبي العزيز اتصال هذه الجهود وتعاقب الاعمال التي تمت مباشرتها وتيسر وضعها موضع التنفيذ والتطبيق على انك واجد في النشرات التي تصدرها وزارتنا في الانباء مجالا فسيحا خليقا بارضاء رغبتك في المزيد من المعرفة والاطلاع.
وستعلم فوق هذا بعدما يجتمع في الايام المقبلة المجلس الاعلى للانعاش الوطني والتخطيط مشاريع المستقبل واهداف الغد التي سيكون علينا تحقيقها وبلوغها بالتصميم الذي الفت منا فاعليته وجدواه واذا كانت اعمالنا كلها ما تم منها وما سيتم ان شاء الله متوخية نشر اليسار والرخاء وتامين السعادة والهناء لجيلنا وللاجيال الصاعدة بتمكين اسباب النمو الاقتصادي وتوثيق اركان التقدم الاجتماعي فان مباشرة هذه الاعمال تشكل معركة مستمرة لا يتاتى خوضها بنجاح الا اذا شعر كل فرد منا بانه مطالب بالاسهام فيها بالنصيب الموفور واحس احساسا بليغا بان اسهامه هذا خليق بان يفضي بالمعركة الى الغاية المؤملة ويصل بها الى الشاو المنشود، وما دامت التنمية على اختلاف انواعها لا تعدو ان تكون وسيلة من وسائل النمو الانساني والتفتح البشري وسبيلا الى رقي الافراد والجماعات بما للرقي من مدلول واسع، فان تحقيقها ليس موكولا الى الحكومات وحدها وانما هو معقود كذلك بارادات جميع العاملين في مختلف الحقول والقطاعات، وان غاية كالغاية التي تتوق اليها بلادنا لمطب يقتضي ان تتكافل جميع هذه القطاعات وتتعاون سائر القرائح والهمم لتتوافر اصلح الظروف وتتهيا انسب الفرص وتجتمع اكمل الشروط التي لاغنى عنها لكل عمل يستهدف الاصلاح المتصل مثلما يتطلع الى الابداع والابتكار.
ولولا ما تعلم من حرصنا الشديد ان تنطبع اعمالنا بطابع الاحكام الذي لا يتطرق اليه الجدال والاتقان الذي يقترن من اجله التقدير والاعجاب لما خاطبناك مذكرين بهذه المتطلبات مؤكدين لهذه المسلمات ولولا ما نعمله نحن من فضائلك ومزاياك ومناقبك وسجاياك لما كان لطموحنا النفس الممتد ولما ترامت رغائبنا الى الكمال في اطوار التصور والبحث والدرس ومراحل الاعداد والمزاولة والتنفيذ.
لقد بلغت شعبي العزيز طائفة من امانيك وادركت جملة من اوطارك ومئاربك ولكن الامل الطائف بقلبك امل شاشع الابعاد والمسيرة المنتظرة لخطاك مسيرة طويلة، بيد انك بالغ بعون الله الباقي من مقاصدك والمتجدد من مطالبك ومطامحك شريطة الداب الذي لا تخبو جذوته والحرص الذي لا تبلى جدته والمكابدة والمعاناة والصبر والاحتمال، وان انفع زاد واجدى عتاد فيما انت متقلب فيه غاد ورائح اليه الايمان بانك سائر على متن الطريق المستقيم وراكب للمحجة البيضاء وسالك للمسلك المفضي بك وباهلك وابنائك الى ما تصلح به شؤون الدنيا والآخرة، ولن يكون ايمانك هذا ايمانا صادقا صحيحا ويقينك يقينا كاملا اصيلا الا بالاستمساك بحبل دينك المتين والاخلاص للقيم التي يشيد بها كتاب الله المبين والمثل العليا التي يدعوا اليها الرسول المصطفى الامين.
ومن دواعي الاسف الشديد والحسرة الاليمة ان نلاحظ ان فئة من شبابنا اخذت تنحدر في مهاوي الانزلاق متاثرة بمذاهب وتيارات تستهدف تقويض كل قائم سوي وتحطيم كل موروث نقي من عقائد وشرائع واخلاق، وما كان احرى هذه الفئة المنحرفة ان توجه بصرها وتصرف نظرها الى تعاليم الدين الحنيف والشريعة  السمحة لاكتناه واكتشاف مقاصد الاسلام واسرار الدعوة المحمدية وما كان اجدرها ان تقف على سير النبلاء من اعلام الملة وعباقرة الفكر وجهابذة العرفان الذين نضروا وجه التاريخ ورفعوا صرح الحضارة بما اضافوه الى تراث الانسانية من ثراء فكري مجيد، لعل ذلك الانحراف راجع جهل هذه الفئة الناشئة بحقائق الاسلام والى اعراضها على استيعاب اسرار الديانة وذخائر الافكار والآثار، وان هذه الظاهرة التي تورث الاسى وتثير الغيرة وتحمل على الحفاظ لتشير الى مكامن التبعة ومواطن المسؤولية فعلى اولياء الاطفال وارباب الاسر وعلى المعلمين والاساتذة وجميع القائمين بشؤون تربية الشباب وتهديبه وتثقيفه ان يقدروا ابعاد الخطر الذي يهدد المجتمع من جراء هذه الظاهرة ويؤدوا واجبهم على الوجه الذي يضمن التوجيه الصحيح والتوعية الصالحة، ونحمد الله على ان معظم شبابنا معتز بدينه السمح فخور بعقيدته الاسلامية المثلى سليم الاتجاه والتفكير لا ينخدع بالاباطيل ولا يغتر بالترهات – " والله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب".

اما نحن فقد اخذنا على انفسنا ان نواجه الخطر بالصرامة التي لا هوادة فيها ونعالج الازورار والمروق بالعلاج الذي لا يكتفي بحصر الداء في نطاق محدود وانما ينفد الى اوثاره وحباياه ويعمد الى جذوره وفروعه بالاقتلاع والاستئصال وذلك اضطلاعا بما قلدنا الله به من امانة واداء للواجب الذي يحتم علينا دستور البلاد ان نقوم به بوصفنا الراعي الامين لمقدسات الامة والساهر اليقظ على صيانة حرمة هذه المقدسات والذود عن حياضها والدفاع عن كرامتها والعمل المستمر لتامين سلامتها، ولن يهدا لنا بال او يقر لنا قرار الا يوم تتقص اعراض الداء ويتمكن الشفاء.
وشعورا منا بان التعليم الذي كان يضمن لناشئتنا التزام الجادة والحفاظ على المقومات اوشكت اركانه ان يصيبها التداعي والانهيار فقد عكفنا على احياء الاصالة مع مراعاة التفتح على متطلبات العصر، وسيفضي التعليم الاصيل بابنائنا في نهاية المطاف الى الاحاطة الواسعة بالعقيدة الاسلامية والشريعة المحمدية الغراء وحضارة آبائهم واجدادهم ولغة كتاب الله العزيز كما سيفتضي بهم الى الاخذ بالنصيب الاوفى من العلوم التي لا يمكن ان تستغني عنها كل شعب يتطلع الى معرفة ما يبدعه الفكر البشري والى الاسهام في الابداع والاختراع.
شعبي العزيز
اننا ونحن نحتفل بعيدنا الوطني في رحاب هذه المدينة العزيزة التي شهدت مولد بطل الامة ومحررها وقائد نهضتها وفقيد الاسلام والعروبة جلالة محمد الخامس والدنا المقدس لتهيمن علينا روحه الطاهرة وتذكرنا بجليل اعماله وماثور جهاده وكفاحه ونضاله وتنير لنا معالم الطريق وتهدينا الى مسالك التوفيق، فالى الله نبتهل واليه نتوجه ان يغدق عليه الرحمة والغفران ويجزل له الاجر والمثوبة ويجعل مقعده بين الاولياء والصالحين في اعلى درجات الرضوان.
شعبي العزيز
كلما توجهت اليك بالخطاب واطلعتك على عزم عقدته وتدبير اتخذته وطريق مهدتها وعبدتها ومشاريع لغدك اعددتها وخطة لمستقبلك السعيد وضعتها ورسمتها خالجت نفسي مشاعر المحبة والرضى وعطفتني عواطف الحدب والرعاية ذلك انك شعبي العزيز مشدود الى قلبي بناصرة قوية متينة ورابطة لا يفصم عروتها صرف وان عظم وجل ثقة راسخة مكينة لا تزعزعها الخطوب الملمات والليالي المدلهمات، وذلك انك شعبي العزيز مناط التفكير ومعقد الاهتمام وقبلة العناية ومنتهى القصد لانك اهل لكل عمل كفيل بالاسعاد ولاني حريص بما استخلفني الله فيه من امرك على تبليغك اسمى الغايات واعلى الدرجات.
اللهم اني استعين بك فيما ابديء فيه واعيد واستوهبك الرشد فانك ولي الهداية والارشاد، اللهم كما تعطفت بتاييدك واسبغت علي من جميل اياديك ووهبتني من نصرك واوليتني من توفيقك وعونك وعودتني في الحادثات من برك ولطفك ولطفك اسالك عصمة تحفظ بها الآصرة التي تصل بيني وبين شعبي وتمكينا تقوي به الالفة الخالصة التي جمعت الشمل ووحدت القلوب ووطدت العزائم والهمت النفوس الحب والولاء والوداد والصفاء، اللهم احرسني وشعبي بقدرتك من كيد المكايد واكفني واياه شر كل حاقد وحاسد واهدنا الى اقوم المسالك التي لا يزيغ عنها الا هالك، اسالك اللهم ان تكافيء ثقتنا بك بالمزيد من توفيقك وحسن صنيعك فاشدد ازرنا وثبت اقدامنا واطلق السنتنا لهجا بحمدك وشكرك، اللهم خلص بلاد العرب والمسلمين من عدوان المعتدين وجور الطغاة المستبدين وطهر الارض المقدسة من القوم المفسدين واكتب للمجاهدين فوق ارض فلسطين نصرك الموعود وفتحك المبين، اللهم انشر على الانسانية جمعاء الوية الامن والسلام وابسط عليها من السكينة والطمانينة والسعادة والهناء ياذا الاكرام والجلال.
"ربنا عليك توكلنا واليك انبنا واليك المصير".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here