islamaumaroc

صاحب البعث الأكبر

  دعوة الحق

العددان 151 و152

حل مولد البدء، ومبعث النور، شهر ربيع الاول الذي يحمل ذكريات البطولة والتضحية والفداء، وتتجسم فيه كل المعاني السامية التي احدثت في العالم الانساني ثورة واعية وتغييرات كبيرة، تحلى بها اتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فاحدثت انقلابا ثوريا عجيبا في كل مجالات الحياة خلق من الامة الاسلامية خليطا كريما لكل اجناس البشر، وكل الطبقات الانسانية، فاستحالت الى طراز خلقي انساني جديد، يحمل في طياته الوداعة والنعومة والبهاء والصفاء، كما حمل القوة والصرامة، والجد والاستقامة، والعدل والوفاء والاحسان..
لقد كانت الامة العربية محصورة في جزيرتها مغمودة الذكر والاثر، ضائعة في الاختلافات والمشاحنات، تائهة في صحرائها ووديانها، حاصرة جهودها ورسالة حياتها في مجال ضيق محدود، فجمع الاسلام شتاتهم، ووحد كلمتهم، بعد ان كانوا متفرقي الاهواء، متبايني المقاصد، موزعي الميول، يتقاتلون في شبه جزيرتهم من اجل تامين المزيد من العيش ويتهافتون فيما بينهم ويتخاذلون تنفيدا لمقاصد غيرهم من الدول التي كانت تتاخم بلادهم، ويخضعون لموازين مهزوزة، وضوابط عفنة كانت تتمثل في موروثات قائمة على التقليد الاعمى، والتفاخر بالزعامة والتباهي بالمال والجاه، فوحد الاسلام صفوفهم، وراب صدعهم، ولم شعثهم، والف نافرهم، وخلق منهم امة اصبحت تكافح وتناضل في سبيل هدف واحد، وبعث اسلامي صحيح فاتوا بانواع من التضحية والبطولات والفداء ونكران الذات، ويقظة الضمير ما يكاد يشبه المعجزات..
فالاسلام وحد قواهم المبعثرة، ونفخ فيهم روح الزعامة الخالدة والقيادة العالمية والسيادة والخلود..

لقد تمخضت مكة المكرمة التي جعلها الله في واد ذي زرع عن انسان كامل تفتحت عن طريقه اردان الخير، وتفجرت بين يديه ينابيع العرف والاحسان، وتنفست الانسانية في دينه الجديد اطيافا من العدل والحب والجمال والسلام، لولاه لبقي العالم الارضي يتسكع في ظلمات الاوهام، غياهب الظنون، وانواع السفاهة والبلاهة والجنون، ولبقيت الانسانية ايضا ترسب تحت اغلال القيود والجمود والجحود..
خرج المسلمون من جزيرتهم العربية يحملون راية الهداية والنور، ولواء العلم والعرفان، متصفين بكل صفات الرجولة والغيرة والفداء، وقدموا انفسهم فداء للانسانية كلها، وزهدوا في مطامع الدنيا طمعا في ثواب الآخرة، وسعادة النوع الانساني وجاهدوا باموالهم وانفسهم في سبيل الله، وضحوا بكل ما يحرص عليه الناس من مطامع وشهوات، وآمال واحلام، واخلصوا دينهم لله، وقالوا ربنا الله ثم استقاموا، حتى حصل لهم ما حصل من قوة وغلبة، وعزة ومجد، واحرزوا القيادة العالمية، ودكوا صروح الكفر والباطل، وقضوا على عبادة الاوثان، واقاموا منهاج العدالة والحب والسلام، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة..
لقد كانت الانسانية مع صاحب البعث الاكبر على موعد لتعلن ولادة يقظة جديدة، كانت كل اوضاع العالم تنادي بوجوب ميلادها لانها كانت اسما بلا مسمى، وجسدا بلا روح، فافاض عليها الاسلام الحياة والمعنى، وارغم العالم على ان يتجه جديدا في ظلال دعوته الهادية، ورسالته الخالدة التي تدعو الى تكريم الانسان، وتعميم الخير، وتنظيم العمران، وتحقيق السعادة الراضية والامل المطمئن..
ولئن اتى الاسلام في عصوره الزاهرة بمعجزات تحققت اثارها في المومنين به، المعتنقين لمبادئه، المتمسكين باصوله فاحدثوا ثورة بشرية لم يعرف لها التاريخ ضريبا فان الامة الاسلامية بدات في عصورها المتاخرة تجنح الى الاستكانة، وتميل الى صفات الضآلة والانحدار، وتهجر حياة التقشف والغيرة والرجولة، الى حياة الدعة والضعة والاستسلام والفسولة، حتى اذا فتشت عن الحق، وبحثت عن العدل، وتسقطت مرابع الخير، وتساءلت عن العقل والتفت باحثا عن الاتحاد والوئام والتضامن رايت الديار بلاقع... كن لم تغن بالامس.
ومما يحز في النفس ويعتلج في الصدر ويستوقد الضلوع ان المسلمين في العالم الاسلامي يمتازون اليوم بظاهرة غريبة مؤسفة هي طابع الاستخذاء والاخفاء، او طابع الاستحياء من ذكر الاسلام في داخل مجتمعاتهم او في المحافل الدولية، والمناسبات السياسية، والاشاذة به، والتنويه بمبادئه وشعائره..! وهو شعور لاشك خفي ظاهر، واضح مستور، كامن في الصدر بالتاخر والانحطاط، والشعور بالضعف والهوان.

والعالم الحديث المعاصر، ايضا، مصاب بمركب النقص، والعجز عن اقرار السلام واعادة الهدوء والانسجام الى الارض واصلاح ما فسد من شؤون الناس، ولكنه معاند كفور ظلوم لا يعترف باخفاقه، متكبر لا يريد الخضوع امام من دونه في القوة المادية...
ويتحتم على المسلمين ان يفيضوا على هذا العالم الذي انحدر في مهاوي الانزلاق وتدلى في لجة الاسفاف والانحراف، مما آتاهم الله من روحانية صافية، وايمان عميق، وعواطف نبيلة، واهداف صالحة، وعقائد سليمة، واخلاق كريمة حتى ياخذوا بضبعة في يسر واناة وطمانينة ويقين الى بر السلامة، وشاطيء الامان، ويكسبوا  الجولة الاخيرة، ويؤمنوا النصر النهائي للاسلام والمسلمين وللانسانية جمعاء..
فليس العالم اليوم باقل ظما، واقل فاقة الى الدعوة الاسلامية الصحيحة منه بالامس، فهو يعاني الازمة الروحية، ويكابد فراغ القلب والعاطفة والوجدان، ويتطلع شوقا لمعانقة المباديء الصافية التي عاشها الصحب الكرام في الصدر الاول من حياة الاسلام والمسلمين حيث حرارة الايمان وبرد اليقين...
ومن عجب ان يلتقي على حرب الاسلام، ايضا، اعداؤه وخصومه برغم ما يضمره بعضهم من عداوة وبغضاء، وهذا هو شان الحق دائما يغري اهل الباطل ولو كانوا احزابا واشتاتا، لكن الاسلام سيظل، بفضل دعاته وانصاره وسدنته وحماته، يقاوم بالرغم عن هذه المؤمرات، ويرد الهجمات، وينفخ في ابنائه روح الكفاح والنضال، ويسقي بتعالميه السامية واصوله العامة شجرة الحرية المباركة في اوطانه بالغال من العرق والدماء والدموع.
ان العالم الاسلامي الذي فاض اليوم بالحركات والدعوات، والمذاهب والتيارات وضجر بطغيان الاهواء والنزاعات لا يمكن ان يصل الى هدفه الاسمى، وضالته المنشودة الا على جسر من جهاد ونضال وايمان قوي دافق بالحياة، زاخر بالقوة، ومتاعب يقدمها ابناؤه في سبيل اعلاء رايته، وبسط الامن والسلام على العالم، وحمل لواء الانقلاب السليم في مسير الانسان التائه الضال في هدا الوجود حتى يتنفس مرة اخرى، وبكل قوة وما ملكت يمينه، في رحاب الحب والسلام والعقيدة الصافية التي تتميز بالاصالة المدركة الواعية التي تستمد قواها ومعناها من الشخصية القوية، والخلق العظيم، والعبقرية الفدة والرجولة الكاملة التي كان عليها صاحب البعث الاكبر مولانا محمد عليه السلام.
ومما يحي بارق الامل في النفوس، ويبعث الرضى والتفاؤل في القلوب، ويؤكد ان هذه السنة سنة بعث اسلامي، ستكون باذن الله، نواة طيبة لحركة اسلامية واسعة، وعمل انساني عظيم يبعث في شبابنا ثقة بخلود الرسالة المحمدية، وايمانا بصلاحية هذا الدين الحنيف لقيادة العالم من جديد، والمجتمعات المعاصرة ان صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني نصره الله ايامه، وحفظ زمانا اطلعه، الذي اعطى ذوب قلبه، ونضارة وجوده، فلم يهن ولم يضعف ما فتيء يحمل راية الاسلام، ويكافح دونه، ويدعو الذين فرقوا دينهم اليه، ويعتمد في كل تصرفاته عليه، ويحث على تعبئة القوى، وتكريس الجهود وتركيز الطاقات لاعادة الروح الى جسم المسلمين، وبعث الايمان في قلوبهم، ويعمل ايضا، حفظه الله، على توطيد دعائم الخير لامته الاسلامية، وتثبيت كرامة الانسان في هذه الارض كجده عليه السلام الذي كان يرى امته قبل ان يرى نفسه، ويؤرقه تردي الناس في الفساد والفوضى والانحلال والاختلال ويدعو الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا الى خطة واحدة، وكلمة سواء، حتى عاتبه الله بقوله : " فلعلك باخع على آثارهم ان لم يومنوا بهذا الحديث اسفا".
وكما اننا نحتاج الى مقاومة شعبية، وحركة جماعية، لازعاج العدو وتمرير حياته، لتحرير الوطن السليب، والتخلص من التبعية العمياء التي تجذبنا ذات اليمين و ذات اليسار، فاننا في حاجة اكيدة الى مقاومة عقلية روحية ايضا لمقاومة الخطر الداخلي الذي هو ادهى وامر واضر على الامة من الغارات الخارجية والاستعمار الماكر الكافر..
فالغفلة عميقة، والاهواء شتى، والاعداء كثر، وحبائل الشيطان تمتد ذات اليمين وذات اليسار، ولم تكن الضلالة في عصر من العصور كما هي في عصرنا الحاضر اشد سلطانا، واكثر خداعا، واقوى اغراء، وابلغ فتنة..
وطريق الاسلام واضح لائح، ومقاييسه ليست مهزوزة ولا مضطربة، بل انها ثابتة ثبوت الحق، واضحة وضوح الاسلام، خالدة خلود دعوة محمد صاحب البعث الاكبر...
وقد اخذ صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني نصره الله على نفسه "ان يواجه الخطر الناجم بالصرامة التي لاهوادة فيها ولا لين، ويعالج الازورار والمروق بالعلاج الذي لا يكتفي بحصر الداء في نطاق محدود، وانما ينفذ الى اوكار وخباياه، ويعمد الى جذوره وفروعه بالاقتلاع والاستئصال، وذلك اضطلاعا بما قلدنا الله به من امانة واداء للواجب الذي يحتم علينا دستور البلاد ان نقوم به بوصفنا الراعي الامين لمقدسات الامة،  والساهر اليقظ على صيانة حرمة هذه المقدسات، والذوذ عن حياضها، والدفاع عن كرامتها، والعمل المستمر لتامين سلامتها، ولن يهدا لنا بال او يقر لنا قرار الا يوم تتقلص اعراض الداء ويتمكن الشفاء.."(*).

المتفرقة وخلق من الامة العربية امة متماسكة الاجزاء، متساندة القوى متحدة الاهواء متجانسة الطباع لا تعمل الا بوحي من الضمير ولا تسير الا على هدي من الدين والخلق المتين..
ولئن قبلت الايام لنا ظهر المجن، ونجهم في طريقنا وجه الزمن العبوس، واصبحنا والنوائب تنوشنا من كل جانب، فلاننا انحرفنا عن اصالتنا الموروثة وشريعتنا السمحة، ومحجتنا البيضاء، وخطنا الاسلامي، واتبعنا غير سبيل المومنين، وارتمينا في بلاهة وغفلة وفتنة، في احضان الغرب مقلدين متفانين، حتى كدنا نغوص في خضم حضارته المادية.
ان الشرق الاسلامي الذي نبذ مبادئه ومقوماته، واعرض عن مشخصاته ومميزاته، واشاح بوجهه عن حضارة الآباء والاجداد، واقبل على نظريات وافدة، وايديولوجيات مهزوزة ويدعو اليه الغرب "يدعو لمن اقرب من نفعه...
لبيس المولى
ولبيس العشير... "         

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here